الدرس في تفسير سورة الحجرات من تفسير الجلالين 5، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول تفسير الآيات الأخيرة من سورة الحجرات ويفرق بين الإيمان والإسلام، مشيرًا إلى أن بعض الأعراب ادعوا الإيمان ولكنهم لم يبلغوا مرحلة الإيمان الحقيقي. يُبين أن الإيمان الحقيقي يتطلب أن يصل إلى القلب.
يشرح مراتب الدين الثلاث: الإسلام والإيمان والإحسان، ويبين أن الإيمان يتطلب الإتيان بأركان الإسلام وأركان الإيمان. يشير إلى أهمية الطاعات واتباع أوامر الله ورسوله في الإيمان الصادق.
يشرح معنى الإيمان والإسلام ودرجاتهما، ويبين أن الإسلام وحده لا يكفي ليكون الإنسان مؤمنًا. يشير إلى أن هناك فرقًا بين المسلم والمؤمن وأن المنة لله تعالى في الإسلام والإيمان.
يتناول حكمة تعدد القراءات في القرآن، مشيرًا إلى أنه يدل على حكمة الله وبلاغة القرآن. يبين أن هذا التنوع يعكس عظمة القرآن وثراءه اللغوي والدلالي.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قالت الأعراب آمنا، قل لم تؤمنوا، ولكن قولوا أسلمنا، ولما يدخل الإيمان في قلوبكم، وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئًا، إن الله غفور رحيم. إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، أولئك هم الصادقون. قل أتعلمون الله بدينكم، والله يعلم ما في السماوات وما في الأرض، والله بكل شيء عليم. يمنون عليك أن أسلموا، قل لا تمنوا علي إسلامكم، بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين. إن الله يعلم غيب السماوات والأرض، والله بصير بما تعملون. قال المفسر رحمه الله: قالت الأعراب -نفر من بني أسد- آمنا، صدقنا بقلوبنا. قل لهم: لم تؤمنوا، ولكن قولوا أسلمنا، إن قدنا ظاهرا، ولما -أي لم يدخل الإيمان في قلوبكم- إلى الآن، لكنه يتوقع منكم. وإن تطيعوا الله ورسوله بالإيمان وغيره لا يلتكم من أعمالكم -أي من ثوابها- شيئًا، إن الله غفور للمؤمنين رحيم بهم. إنما المؤمنون -أي الصادقون في إيمانهم- كما صرح به بعد، الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا -لم يشكوا في الإيمان- وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، فجهادهم يظهر صدق إيمانهم. أولئك هم الصادقون في إيمانهم، لا من قالوا آمنا ولم يوجد منهم غير الإسلام. قل لهم: أتعلمون الله بدينكم -مضعف "علم" بمعنى شعر أن يتشعرونه بما أنتم عليه في قولكم آمنا- والله يعلم ما في السماوات وما في الأرض، والله بكل شيء عليم. يمنون عليك أن أسلموا من غير قتال، بخلاف غيرهم ممن أسلم بعد قتالهم منهم. قل: لا تمنوا علي إسلامكم -منصوب بنزع الخافض، والباء ويقدر قبل "أن" في الموضعين- بل الله يمن عليكم من هداكم للإيمان إن كنتم صادقين في قولكم آمنا. إن الله يعلم غيب السماوات والأرض -أي ما غاب فيهما- والله بصير بما يعملون. إلى "الياء" والتاء لا يخفى عليه شيء منه. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، أورد المؤلف رحمه الله تعالى تفسير هذه الآيات الثلاث الأخيرات من سورة الحجرات. وختمت سورة الحجرات -هذه السورة العظيمة التي شابهت طوال السور بما فيها من أحكام وما فيها من مسائل- فختمت بهذه الآيات الثلاث التي فيها صفات أهل الإيمان بحق وصدق، والتفريق بين معنى الإيمان والإسلام. فالآية الأولى التي ذكر تعليقًا فيها بقوله: قالت الأعراب، قال: نفر من بني أسد، هكذا ذكر عدد من أهل التفسير، ولم يصح بإسناد صحيح صريح مرفوعًا، ولم وقوفًا بسبب نزولها أنها نزلت في بني أسد، والله أعلم. إن كان هناك أسانيد لم يوقف عليها، لكن هذا الظاهر، الله أعلم. ولهذا فالعبرة في عموم اللفظ، ولا يعلم له سبب صحيح، فكل الأعراب ممن يدعي الإيمان ولم يظهر معاني الإيمان في عمله، إذ برهان الإيمان فيصير في معنى الأعراب الذين يدعون الإيمان، وإنما عندهم الإسلام. وقوله رحمه الله: صدقنا بقلوبنا، أي أنهم ادعوا ذلك، فكذبهم الله عز وجل، لأن هناك من العلامات ما يدل أن التصديق قد وصل إلى القلب. ولهذا قال سبحانه وتعالى: قل لم تؤمنوا، ولكن قولوا أسلمنا، ولما يدخل الإيمان في قلوبكم. ولهذا قال: إلى الآن، لكنه يتوقع منكم، ومعناه أنه إذا أتبعتم التصديق بالأعمال التي تبرهن ذلك، فإن ذلك معناه أنكم ارتقيتم من الإسلام إلى الإيمان. وقوله رحمه الله تعالى: وإن تطيعوا الله ورسوله، قال: بالإيمان وغيره، يعني هذا هو برهان الإيمان الذي به يرتقي المسلم إلى هذه الدرجة. فدرجات ومراتب هذا الدين ثلاثة كما لا يخفى، كما جاء بحديث أبي هريرة في الصحيحين في قصة تعليم جبريل هذه المراتب. في صحيح مسلم من حديث عمر رضي الله عنه، وفيه أنه رتب نبي صلى الله عليه وسلم الجواب على حسب ما جاء في السؤال، وعلمه إياه جبريل عليه الصلاة والسلام: الإسلام، ثم الإيمان، ثم الإحسان. فأعلى المراتب الإحسان، وأولها الإسلام، وأوسطها الإيمان. فالإسلام أن يؤتى بأركان الإسلام الظاهرة، وهي الأركان الخمسة: الشهادتين، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان، بالتقديم والتأخير. والإيمان أن يؤمن بأركان الإيمان الستة بعد الإتيان بأركان الإسلام الخمسة. وهذا معناه أنه شيء زائد عن الإسلام. ولهذا قالها هنا: بالإيمان وغيره، يعني مما يكون فيه برهان ارتقاء المسلم إلى درجة الإيمان. فالطاعات -طاعة الله ورسوله- والوقوف عند حدود الله من علامات الإيمان. فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك في ما شجر بينهم، فالتحاكم من الكتاب والسنة من الغير الذي يدخل في طاعة الله ورسوله ويتحقق به الإيمان. فإذا لم يتحقق هذا لا يتحقق الإيمان الصادق الذي نفي عن الأعراب في هذه الآية. وقوله رحمه الله: لا يلتكم -بالهمز وتركه- يعني أنه قرئ فيه ثلاث قراءات: لا يلتكم بفتح الهمزة مطلقًا، وهي القراءة التي نقرأ بها، وأشار في التعليق إلى القراءة الأخرى: لا يألتكم بالألف المد بدون همزة، والقراءة الثالثة: لا يألتكم بالهمز وتخفيف الهمزة، كثير عند عدد من القراء كما هو معروف في فرش القرآن وأوجه قراءة القراء السبع والقراءات العشر. وقوله: لا ينقصكم، أي معنى لا يلتكم، لا ينقصكم أي من أعمالكم الصالحة شيئًا، ومعناه أن ما عملتم من عمل فالله عز وجل يحفظ لكم ثوابه قليلًا كان أو كثيرًا، في مرتبة الإسلام أو في مرتبة الإيمان أو في مرتبة الإحسان. وقوله رحمه الله: إن الله غفور، قال: للمؤمنين، رحيم بهم، لأن هذه الأعمال لا تصدر إلا من المؤمنين، فالمؤمنون هم الذين يتبعون الإسلام بالإيمان. فهناك من الأعمال الصالحة ما هي براهين للإيمان، ومع ذلك إن حصل التقصير فتاب العبد غفر الله له. ولهذا جاء: وكان بالمؤمنين رحيمًا، فهو رحيم وغفور بالمؤمنين. وقوله: إنما المؤمنون، قال: أي الصادقون في إيمانهم، لأن معنى الصدق مذكور في الآية في قوله جل وعلا: الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا، فهذا هو دليل أن الإيمان المقصود هو الإيمان الصادق، والذي يبرهنه العمل. وقوله: لم يرتابوا، قال: لم يشكوا في الإيمان، لأنه إذا وقع الشك وقع النقض لهذا الإيمان. فلهذا من شروط ولوازم الإيمان أن يكون إيمانًا ليس فيه شك، إيمان ليس فيه شك جملة وتفصيلًا، بأركان الإيمان الأصول وهي ستة: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وكل ما يلحق بهذه الأصول الستة التي هي أصول الإيمان. فإذا لم يشك وكان على يقين فإنه -إن شاء الله- المؤمن. وقوله: وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، قال: جهادهم يظهر صدق إيمانهم، يعني هذا من الأعمال الذي يظهر به صدق الإيمان، وليس هو كل الإيمان. ولذلك فإن الإيمان كما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: شعب كثيرة، حديث أبي هريرة في الصحيحين: بضع وستون شعبة، في رواية لمسلم: بضع وسبعون شعبة، أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من شعب الإيمان. فمن أنقص شيئًا من هذه الشعب نقص من إيمانه بقدر ما ينقص من هذه الشعب. وبعض هذه الأعمال والشعب قد تكون هادمة للإيمان، فالتوحيد بأنواعه إذا انتقض بشيء من الأفعال المناقضة له ينتقض الإيمان. وقوله رحمه الله: أولئك هم الصادقون، قال: في إيمانهم، يعني تأكيد أن المقصود بالإيمان هو الإيمان المصدق بالأعمال، المصدق بالأعمال. ومعنى أنه لا يكفي الإسلام، فالإسلام وحده لا يكفي أن يسمى صاحبه به مؤمنًا، وهناك فرق بين المسلم والمؤمن. وقوله رحمه الله تعالى: قل -أي لهم- لأن هذا الخطاب من الله سبحانه وتعالى متعبد به، ليس لفظًا زائدًا، بل أورده الله جل وعلا ليأمر نبيه أن يأمر الناس، ويبقى كلامه المأمور به آية شرعية وحجة على الخلق إلى قيام الساعة. وقوله: أتعلمون، قال: مضعف "علم"، يعني فيه معنى زائد. والقاعدة كما تقدم: معنى زيادة المبنى يدل على زيادة المعنى، فتعلمون ليس مثل تعلم. ومعناه مبالغة في الإنكار فيما يصنعون، إذ أنهم اغتروا بما معهم من إسلام، وحاججوا أهل الإيمان بما لا يصح به المحاججة. فمراتب العلم درجات، وهكذا كذلك مراتب المخطئ في العلم درجات. فمن وقع منه الخطأ على هذا الوجه معناه أن خطأه أشد. والمعنى أن الأعراب بحاجة إلى علم أكثر حتى يتحقق فيهم معرفة الإيمان، فضلًا عن العمل به. ولهذا أشار رحمه الله بقوله: مضعف من "علم". قال: والله يعلم ما في السماوات وما في الأرض، إلى قوله: يمنون عليك أن أسلموا، معناه أن الله عز وجل لا يخفى عليه من علم حال وصدق عباده شيء. فهذا الذي يدعي الإيمان والله يعلم ما في صدره وما كان من عمله، فإنه معلوم أمره عند الله سبحانه وتعالى. والمعنى: لا تكذبوا على الله ولا على خلقه، واجتهدوا في إصلاح أعمالكم وتصديقها بما يدل على صدقها. ولهذا قال: يمنون عليك أن أسلموا، يعني بمجرد الدخول في الإسلام يطلبون المساواة بينهم وبين المؤمنين، لأن الإسلام فرق بين أهل الإسلام وأهل الإيمان. فلا يصل المسلم إلى درجة المؤمن إلا أن يصل إلى عمله. ولهذا قالها هنا: من غير قتال، لأن القتال في سبيل الله من علامات الإيمان، لا يبذل للإنسان نفسه وماله ووقته ويترك أهله إلا وكان ذلك برهانًا على إيمانه. ومن بخل بنفسه في الجهاد في سبيل الله فهذا يدل على نقص إيمانه. وقوله: قل لا تمنوا علي إسلامكم، قال: منصوب بنزع الخافض، إلى أن قال: في الموضعين، يعني يريد كما أشار في التعليق: الإسلام والهداية، فلا يمن أحد على أحد، بل المن لله في الإسلام وفي الهداية وفي غيرها من الأعمال الصالحة. وهذا هو قول: بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين -أي في قولهم في أول الآية آمنا- فإن كان الإيمان صادقًا فالفضل لله وليس لأحد. والمعنى: لا ينبغي للإنسان أن يمتن على أحد بإيمانه. وأكثر الأعراب كانوا يطلبون الصدقات والزكاة ونحوها، ويمنون على أهل الإسلام أو على أهل الإيمان بإيمانهم، وأنهم يستحقون ما يستحق غيرهم، والأمر ليس كذلك. وختمت الآيات بقوله جل وعلا: إن الله يعلم غيب السماوات والأرض، ومعناه: علمه وسع هذه الساعة العظيمة، فلا يغيب عنه شيء. ومن ذلك قول هؤلاء الأعراب. والله بصير بما يعملون، قال: بالياء والتاء، يعني قراءتان سبعيتان كما أشار في التعليق. فقرأ ابن كثير بالياء، وقرأ البقية بالتاء: والله بصير بما تعملون. وابن كثير: والله بصير بما يعملون. وكل الآيتين لها معنى. فما تعملون عمومًا أهل الإيمان والإسلام، وما يعملون أي من ادعى الإيمان ممن كان من أهل الإسلام. وكل المعنيين مقصود. وهذا من أوجه إيراد بعض الآيات في القراءات على أكثر من وجه ليدخل فيها أكثر من معنى، وهذا من حكمة الله سبحانه وتعالى وبلاغة هذا القرآن العظيم. إلى هنا والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.