الدرس في تفسير سورة الحجرات من تفسير الجلالين 3، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تناول المقطع تحذير المؤمنين من السخرية واللمز والتنابز بالألقاب والظن السيء والغيبة، موضحا أن هذه الأفعال تنافي الإيمان. كما أشار إلى أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
يحرم الإسلام السخرية والتنقص من الآخرين، ويعتبر ذلك من أخلاق المنافقين. يجب على المسلم أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وأن يعامل الآخرين بالحسنى والعفو.
نهى الإسلام عن الغيبة والظن السيئ والتحسس والتجسس، وشبه الغيبة بأكل لحم الميت، وحث على الظن الحسن وتقوى الله والتوبة. يظهر رحمة الله تعالى بقبول توبة التائبين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾. قال الهسري رحمه الله: «يا أيها الذين آمنوا لا يسخر الآية نزلت في وفد تميم حين سخروا من فقراء المسلمين كعمار وصهيب، والسخرية: الإزدراء والاحتقار، قوم: أي رجال منكم، من قوم عسى يكونوا خيرا منهم عند الله، ولا نساء منكم من نساء عسى يكون خيرا منهم، ولا تلمزوا أنفسكم: لا تعيبوا فتعابوا، أي: لا يعب بعضكم بعضا، ولا تنابزوا بالألقاب: لا يدع بعضكم بعضا بلقب يكرهه، ومنه: يا فاسق، يا كافر، بئس الاسم: أي المذكور من السخرية واللمز والتنابز الفسوق بعد الإيمان، بدل من الاسم لإفادة أنه فسق لتكرره عادة، ومن لم يتب من ذلك فأولئك هم الظالمون. يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم: أي مؤثم، وهو كثير، كظن السوء بأهل الخير من المؤمنين، وهم كثير، بخلافه بالفساق منهم، فلا إثم فيه في نحو ما يظهر منهم، ولا تجسسوا: حذف منه إحدى التائين، لا تتبعوا عورات المسلمين ومعايبهم بالبحث عنها، ولا يغتب بعضكم بعضا: أي لا يذكره بشيء يكرهه وإن كان فيه، أي: يحب أحدكم من يأكل لحم أخيه ميتا بالتخفيف والتشديد، أي: لا يحصر به، فكرهتموه: أي فاغتيابه في حياته كأكل لحمه بعد مماته، وقد عرض عليكم الثاني فكرهتموه، فاكرهوا الأول، واتقوا الله: أي عقابه في الاغتياب بأن تتوبوا منه، إن الله تواب: قابل توبة التائبين، رحيم بهم». الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الآيات من سورة الحجرات، وذكر تفسير ألفاظها على عادته رحمه الله في فك ألفاظها على وجه مختصر يجمع أهم ما يظن أنه ينبغي أن يذكر في معاني الآيات. فابتدأ رحمه الله تعالى بذكر هذه الآية، وأنها نزلت في وفد تميم حين سخروا من فقراء المسلمين إلى آخر كلام رحمه الله تعالى. وكما أشار في التعليق الصحيح: أنه لم يصح فيها سبب نزول، وما أشار إليه وذكره السيوطي وغيره في الدر المنثور، وهكذا كذلك في تفسير ابن كثير، فإنه جاء معضلا لم يصح مسندا متصلا لا مرفوعا ولا موقوفا. والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، بغض النظر صحة أو لم يصح. والصحيح أنه لم يصح. فإن لفظ الآية نداء لأهل الإيمان في تحذيرهم مما ينافي الإيمان. وكما جاء عن ابن مسعود وغيره رضي الله عنهم: أنه إذا سمعت «يا أيها الذين آمنوا» فرعها سمعك، فإنما هو شيء تدعى إليه، أي: مما ينبغي أن يكون، وهو من معاني الإيمان، فإما شيء أمرت أن تفعله، أو شيء نهيت عن فعله، وكلا الأمرين النقص فيهما نقص في الإيمان. فالسخرية بأهل الإيمان، بل عموم السخرية تُعد من مناقص الإيمان. فقوله: «لا يسخر قوم من قوم»، قوم الأولى وقوم الثانية نكرة في سياق الإثبات، فأفاد ذلك الإطلاق، فلا يجوز السخرية لا بالمسلم ولا بغير المسلم على الصحيح، إذا كان على غير وجه حق. وأما إذا كان على وجه حق، فكما قال الله عز وجل: «وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا». ومع ذلك قال بعدها: «فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ». فهذا هو الأفضل: العفو والصفح. ومع ذلك إذا رددت على مبطل، فلا ترد إلا بحق وعدل. والعفو والصفح هو الأفضل والأكمل. والسخرية قد تكون بالقول، وقد تكون بالفعل. ومنه الهمز واللمز الذي نهانا الله عز وجل عنه بقوله: «وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ». فقد يكون السخرية بالقول بالتنقص، كما سيأتي معنا إن شاء الله، بالأسماء أو بالألقاب أو بالأوصاف أو غير ذلك، فتعيب الإنسان، إما لشيء في جسده، أو شيء في اسمه، أو شيء في نسبه، أو شيء في مهنته، أو غير ذلك مما فيه معنى المنقصة، فلا يجوز ذلك، وهو من الظلم، والظلم ظلمات يوم القيامة، وهو مما ينافي الخلق الكريم الذي ينبغي أن يكون عليه أهل الإسلام. فأهل الإسلام كاسمهم أهل سلام، لا يقولون إلا الحق، ولا ينطقون إلا بالصدق، ولا يدعون الناس إلا إلى الخير. ولذلك فالقاعدة عندهم: «وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن»، ليس فقط الحسن، ولكن: الأحسن. فليس من الحسن، فضلا عن الأحسن، أن تستنقص أحدا مهما كان هذا الأحد، لأنه ليس من خلق الكرماء، بل خلق أهل هذا الدين هو مجازات السيئة بالحسنة، والإساءة بالعفو، والأذية بالتغافل، وغير ذلك من أخلاق الإسلام العالية التي ترجمها النبي صلى الله عليه وسلم في سيرته، وفي أقواله وأفعاله وأحواله عليه الصلاة والسلام. ولا نبي قدوة حسنة. والله عز وجل يقول عنه عليه الصلاة والسلام: «وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ»، مبالغة في كمال خلقه عليه الصلاة والسلام. ولهذا فإن الناس يتفاوتون في الإيمان بتفاوت درجاتهم في الأخلاق. أكمل المؤمنين إيمانا: أحسنهم أخلاقا. ومعناه: في أعلى الدرجات. أهل الإيمان هم أهل الخلق الحسن، وهو ليس بالأمر السهل، لأنه خلق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وقوله: «عسى أن يكونوا خيرا منهم» من الجمل التي تأتي بعد القول، وكذلك فيما فيه معنى الوصف. وهذا يعني: كيف تستجيزون السخرية بغيركم، وغيركم قد يكون أفضل منكم. وليس معناه: إذا لم يكن أفضل فإنه يجوز الاحتقار، لا. ولكن معناه: أنه لا ينبغي الإنسان أن يقع في هذا الخلق. وإذا وقع على هذا الوصف فهو أشد. وقوله: «عند الله»، لأن الميزان ليس هو فيما هو عليه، قد يكون فيما يظهر هذا شريف، وهذا وضيع، هذا صاحب منصب، وهذا ليس عنده منصب، هذا غني، وهذا فقير. لكن ليس هذا هو ميزان الرفعة والخيرية عند الله. ولكن ميزان الرفعة والخيرية عند الله: «إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ». ولهذا قال رحمه الله: «عند الله». وهكذا قوله: «ولا نساء من نساء»، كذلك من باب التأكيد. وإلا الأصل أن النساء يدخلن في مسمى الإيمان. ولكن القاعدة عند أهل العربية وأهل البلاغة: أن العام إذا عطف بعده بخاص دل ذلك على التأكيد. «حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى»، دل ذلك على أهمية الصلاة الوسطى من بين الصلوات الخمس. وهكذا كذلك كما قال العلماء: دل هذا على عظيم الاعتناء في النساء أكثر من غير النساء، لأن وقوعه في النساء أكثر من وقوعه في الرجال. ولهذا ذكر في إجابة النبي صلى الله عليه وسلم حين ذكر أنهن أكثر أهل النار: أي النساء. فلما سئل بما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنهن يكفرن العشير. وهذا معنى من معاني التنقص. فإذا يكفرن العشير، فكيف بغير العشير؟ إذا كان العشير الذي أحسن وعاشر، وكانت له من الحسن ما كان، كيف بغيره البعيد؟ يعني سرعان ما تنسى المرأة -إلا من رحم الله- الجميل والإحسان، فتقع في الفجور في الخصومة. إلا من رحم الله. وهذا في تأكيد هذا الحكم على النساء أكثر من الرجال. ومعناه: أن النساء -يحفظنا الله ألسنتهن- وخصوصا فيما يتعلق في هذا الباب. وقوله: «ولا تلمزوا أنفسكم»، أي: لا تعيبوا. قال: «فتعابوا»، أي: لا يعب بعضكم بعضا. هكذا فسره بعض المفسرين: أن عيب الآخرين سبب لعيبك، فكان عيبك سببه هو: عيبك للآخرين. يعني: كأنه قال: لا تكشف عورة الآخرين، فيكشفوا عورتك. فأنت كنت في عافية لو مسكت لسانك، فلما تكلمت جرأت الناس أن يتكلموا فيك. فلما عبت الناس، جرأت الناس أن يعيبوا فيك. هذا أحد أوجه التفسير لهذه الآية. وقيل: وهذا قواه جماعة من المفسرين: «ولا تلمزوا أنفسكم»، أي: لا تلمزوا إخوانكم، فهم كأنفسكم، لأن المؤمنين كالجسد الواحد. فإذا عبت غيرك رجع العيب عليك. أنت لما تقول مثلا لأخيك في النسب: يا فاجر، يا ابن الفاجرة، عبت من عبت نفسك وأمك. عبت نفسك لأن أخوك هو الفاجر، فأنت إذن صرت من أخو الفاجر وأمه الذي أمك. وهكذا كذلك أخوك في الدين: أخوك في الدين أنت وإياه جسد واحد. ولهذا صار الطعن فيه طعن في نفسك. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد». فإذا كان هذا في الطواطؤ والتراحم، فكذلك في التنقص: تنقصك لأخيك تنقص لنفسك. ولكن إذا وجدت منقصة من أخيك، فما هو الحل؟ نصيحة وإصلاح هذه المنقصة، وليس السخرية وإعابته في هذه المنقصة. وهذه المنقصة أحد أمرين: إما شيء في يده، فتعينه على إصلاح نفسه فيه، وإما شيء من الله لا يملك تغييره، أو ليس هو بمنقصة أصلاً. وهذا لا يلام ولا يعاب ولا يتنقص فيه. وقوله: «ولا تنابزوا بالألقاب»، قال: «لا يدع بعضكم بعضا بلقب يكرهه»، ومنه: «يا فاسق»، «يا كافر». هذا بعض معاني الألقاب. والتنابز بالألقاب هو كل لقب يكون فيه تنقص، سواء كان سبا أو شتما أو وصفا أو كنية أو غيرها من معاني المنقصة. حتى أن تذكره بنسب تريد به التنقص، أو بمهنة تريد به التنقص. وهذا يعرف بحسب الشرع والعرف. فلا يجوز لمسلم أن يدعو إنسانا بشيء يكرهه، بل لا تدعوه إلا بما يحب. «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». فإذا دعوته أدعوه بأحب الأسماء إليه. وكان هذا من خلق نبينا صلى الله عليه وسلم، ويعلم أصحابه. فلا تنابزوا: أي لا يستنقص بعضكم بعضا إذا دعا بعضكم بعضا. والتنابز هو نوع خاص من الدعاء: الدعاء على وجه المنقصة. ليس كل دعاء. ليس إذا ناديت فيسمى هذا نبزا. وإن النبز هو النداء على وجه التنقص. وفي هذا معنى زائد عن مجرد النداء. قال: «لا يدعو»، يدعو يقول مثلاً: «يا أعرج»، «يا أعمى»، «يا ابن السوداء»، ونحو ذلك مما فيه منقصة. لكن النبز ربما لا يكون بالنداء، كأن تقول مثلاً: «جاء فلان». هذا نبز أو ليس بنبز؟ مع شيء فيه منقصة هذا نبز، لأنك وصفته بما يكره. وصفته بما يكره فنبزته. تقول: «جاء الأعور»، «جاء ابن السوداء»، «ذهب فلان»، «فعل فلان»، على وجه التنقص بذكر شيء من الأوصاف الذي فيها منقصة. فإذا التنابز هو كل صوت يخرج فيه تنقص، فهو أعم من الدعاء. أعم من الدعاء. وهكذا كذلك قول في تفسير: «بئس الاسم»، أي: المذكور. قال: «من السخرية واللمز والتنابز». والتنابز كذلك الإسم لفظ أعم مما ذكر رحمه الله تعالى. فالمراد به: سواء ما كانت السخرية واللمز والتنابز فيه، أو كذلك كان له ظاهر حسن، ولكن في معناه وفي طيته معنى، مثل أن يقول حين يأتي فلان: «أنا أمي ليست زانية»، يعرض بماذا؟ بأن أحد الحاضرين مطعونا في أمه. وهذا كذلك من التسمية السيئة. وإن لم تسم مباشرة له. أن تسميت نفسك بما تقبح به الآخر، تسمي نفسك بما تقبح به الآخر. ولهذا لم يقل: «لا تسموا بعضكم بعضا»، بل قال: «بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان». فيشمل كل اسم لنفسك فيه تفاخر على الآخرين، أو فيه كذلك طعن على الآخرين، كأن تقول: «أنا ابن فلان ابن فلان»، تريد الافتخار، وتهمز وتلمز بأن من حولك أنقص منك وأضعف، أو نحو ذلك. فمثل هذا يدخل في هذا المعنى والعموم. وهكذا كذلك قوله: «الفسوق بعد الإيمان»، قال: بدل من الاسم لإفادة أنه فسق لتكرره عادة. ووصف هذا الاسم بالفسوق: تأكيد أنه مما ينافي الإيمان الذي ذكر في أول الآية. ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون. كما قال رحمه الله: أي من ذلك. أي: من الذنوب. وفيه إشارة: أن التوبة تجب ما قبلها. فإذا تاب الإنسان غفر الله عز وجل له ما كان من سيئ عمله. نسأل الله أن يتوب علينا وعلى جميع المسلمين. ثم ذكر الآية الثانية. وفيها التحذير من الظن السيئ. وأن أكثره كذلك: أي ظن سيئ فيه إثم. «يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم». فهم بعضهم خطأ أن بهذا إشارة على جواز الظن إذا كان ماذا؟ إذا كان فيه معنى حق. والأمر ليس كذلك. بل الظن منهي عنه. ولهذا جاء في حديث أبي هريرة الصحيح: «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث». فهو حديث الشيطان في النفس. بل ينبغي أن يكون ظنك دائما: حسنا. لأن تخطئ بالظن الحسن خير لك من أن تخطئ بالظن السيئ. ولهذا كان من وصف المؤمن: أنه يتغافل، وأنه كذلك يتجاوز. فقد ترى شيئا، ولكن تتغافل وتتجاوز، فتغلب جانب الظن الحسن. فإذا كان أمرنا بالظن الحسن، فمن باب أولى ألا نتجسس، ولا نتحسس. كما جاء في حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بما جاء في صحيح مسلم: «ولا تجسسوا ولا تحسسوا». فنهانا عن التجسس والتحسس الذي هو من نتائج ماذا؟ الظن السيئ. لما تظن ظن سيئ، يدفعك الشيطان بعد ما في القلب إلى التجسس والتحسس. وهي الأقوال السيئة التي أعظم من ذاك الظن السيئ. وثمار وثمرة الظن السيئ: حصول التنقص بالغيبة أو غير ذلك. ولهذا درج هذه الأعمال السيئة الثلاثة بهذا التدرج كما رأينا في هذه الآيات. وقوله في تفسير قول الله عز وجل: «ولا يغتب بعضكم بعضا»، قال: «لا يذكره بشيء يكرهه». لأن الغيبة على الصحيح: ليس ذكرك أخاك في غيبته كما يفهم الكثير من العامة. ولكن ذكرك أخاك بما يكره ولو كان فيه. الذي يكره ولو كان فيه. ولو كان موجودا. فالصحيح: أن ذكرك أخاك بما يكره هو الغيبة. وهي محرمة ولا تجوز. ومثلها الله عز وجل كأكل الإنسان للحم أخيه. فإذا كره ذلك كما قال رحمه الله: فينبغي أن يكره الأول. ثم ختمت الآية بتقوى الله. وهذا معنى: أن هذا مما ينافي تقوى الله. ثم ختمت بالتوبة: «إن الله تواب»، أي: كثير التوبة. فزيادة المبنى تدل على زيادة المعنى. فالتواب: أي كثير التوبة. ومعناه: إذا تبتم تاب الله عز وجل عليكم، ولو كثرت ذنوبكم. وفي هذا تشجيع للمبادرة للتوبة. وكذلك أتبعه باسم آخر عظيم: «الرحيم». فمن رحمته: أنه يقبل توبة التائبين، ويعينهم على الإصلاح بعد ما كانوا عليه. إلى هنا والله تعالى أعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد، آله وصحبه وسلم.