القواعد والأصول الجامعة 64

الدرس في القواعد والأصول الجامعة 64، الدرس الرابع والستون : من : ( القاعدة الرابعة والثلاثون ... فهو في هذه المسائل التخيير راجع لإرادته ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في القواعد الفقهية للتخيير

تناول المقطع الأول شرح القاعدة الفقهية الرابعة والثلاثين المتعلقة بالتخيير بين شيئين، موضحًا أن هذا التخيير إما أن يكون لمصلحة الفرد نفسه أو لمصلحة الغير. تم توضيح ذلك من خلال مثال كفارة اليمين.

التخيير في الكفارات وترتيبها وتطبيقاتها

ناقش المقطعان الثاني والثالث التخيير في الكفارات بين الإطعام والكسوة والعتق، وترتيب الانتقال إلى الصيام عند العجز، وكيفية الكفارة عن قتل الصيد في الإحرام. تم التأكيد على أن الكفارة ليست للتأديب فقط بل أحيانًا لنفع العباد.

ختام الدرس وتأجيل المتابعة

اختتم الشيخ الدرس بتوضيح إمكانية الاختيار من المسائل المطروحة، وأعلن عن استكمال الشرح في درس قادم. يشير إلى انتهاء الجزء الحالي من الشرح ويتوجه بالدعاء.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى: قال القاعدة الرابعة والثلاثون: إذا خير العبد بين شيئين فأكثر، فإن كان التخير لمصلحته، فهو تخير يرجع إلى شهوته واختياره، وإن كان لمصلحة الغير، فهو تخير يلزمه فيه الاجتهاد في الأصلح. هذه القاعدة كذلك هي من القواعد الفقهية التي هي فرعية وليست كلية، بل بعضهم يجعلها من التقاسيم والفروق. فهي قاعدة وتضمنت في نفس الوقت فرقا بين شيئين متشابهين. وذلك أن بعض الأشياء في الأحكام الشرعية التي وقع فيها التخير يختلف حكمة التخير والسبب الذي لأجله كان التخير. فلأجل هذا كان هذا التفريق حتى لا يظن أن كل ما كان فيه التخير فهو على الإطلاق، والصحيح هذا التفصيل. وقد علم هذا من عموم الأدلة، والشرع لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع. وسيأتي إن شاء الله أمثلته. ومعنى الأول: إذا خير عبد بين شيئين فأكثر، فإن كان التخير لمصلحته، فهو تخير يرجع إلى الشهوة واختياره. معناه: إذا صار حكم من الأحكام الشرعية فيها تخير العبد: يفعل كذا ويفعل كذا ويفعل كذا، فهو بحسب ما يرى العبد أن هذا أصلح له، بحسب ما يرى أن هذا أصلح له. وهكذا كذلك إذا كان هذا التخير لمصلحة الغير، ليس لشخصية هذا الإنسان، وإنما لغيره، فإذا هو ينظر الأصلح لهذا الغير فيفعل الأصلح. وبه نستفيد أن ما جاء النص فيه فالعبرة بالنص، وما لم يأت النص فيه فإننا ننظر إلى أمثاله وأشباهه، ننظر إلى أمثاله وأشباهه. لأن هذه القاعدة هي أغلبية كما مر معنا، والغالب أن الشرع لا يفرق بين المجتمعات كما لا يجمع بين المتفرقات. هذا هو الغالب. وسيأتي معنا ما ذكر المؤلف من المسائل والأمثلة. قال: مثال الأول -يعني ما كان التخيير لمصلحة الشخص نفسه- فهو ينظر ما هو أصلح له بحسب شهوته واختياره ومنفعته. قال: التخيير في كفارة اليمين بين العتق وإطعام عشرة مساكين وكسوتهم. فهذه المسألة بالحقيقة تحتاج لتنبيه؛ لأن الكثير من العامة يسمع من كلام أهل العلم أن كفارة اليمين كفارة على التخيير، فيظن أنها على التخيير مطلقا، فيقول: أنا سأصوم، أنا سأصوم ثلاثة أيام، ويخلط بين ما خير فيه وبين ما جعل بعد ما كان فيه التخيير. لأن الله عز وجل قال: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾. إذن ليس من البداية يصوم ثلاثة أيام وهو مخير أن يصوم ثلاثة أيام. فيجعل التخيير بين أربعة أشياء، لا، وإنما التخيير بين ثلاثة أشياء، هو في هذه الثلاثة الأشياء مخير يختار ما يشاء بحسب مصلحته ورغبته ومنفعته، بين أن يطعم عشرة مساكين أو يكسوهم أو يعتق. فإذا لم يستطع أحد هذه الثلاثة ينتقل إلى الصيام، ليس يدخل بالصيام من أول الأمر على وجه التخيير، بل لا يجوز له أن ينتقل إلى صيام ثلاثة أيام وهو مستطيع لإطعام عشرة المساكين أو غيره من الثلاثة التي الخير فيها. فننتبه لهذا. ووجه المثال والشاهد منه ظاهر، وهو أن الله عز وجل خير العبد من دون أن يلزمه بشيء منها، فهو ينظر بما هو أصلح له. وما يروى في كتب التاريخ أن بعض الفقهاء ألزم بعض الأمراء بالصيام؛ لأن ذلك أنكى في تأديبه، فهذا لو صح فهو ليس بصحيح، لا يجوز له أن يلزمه بالصيام صيام ثلاثة أيام بحجة أن هذا يكون فيه تعذيبه. وقد رد أهل العلم هذه القصة ومعناها من أوجه؛ من هذه الأوجه أنه ليس دائما ينظر في الكفارات إلى تأديب العبد، بل قد ينظر في الكفارات إلى نفع العباد. ينظر في الكفارات إلى نفع العباد. ليس المقصود من الكفارة التأديب فقط، ولكن المقصود من الكفارة أحيانا حصول المنفعة للعباد. ولهذا جعلت من الكفارات اعتاق الرقاب؛ لأن حصول العتق للرقبة أنفع لهذه الرقاب. وهكذا كذلك حصول إطعام المساكين أنفع لهؤلاء المساكين. وأما ذات الرجل الذي أراد لنفسه المعصية أو أراد لنفسه الظلم وهو لا يبالي؛ لأنه ربما يكثر من فعل المخالفات ثم بعد ذلك يقول: أكفر، أكفر، أكفر في اليمين أو كفارة الظهار أو كفارة غيرها من أنواع كفارات، فإذا كان كذلك فهذا ظلمه بينه وبين الله سبحانه وتعالى. الله عز وجل يتولى على حسن نيته أو سوء سريرته، لكن الحكم الشرعي ينبغي للمسلم أن ينضبط به، وأن يدور معه حيث دار. فإذا القول بأن الصيام في حق الغني أولى من الإطعام، هذا ليس بصحيح. وهذا مشهور عند العامة، أن الغني في حقه الأفضل الصيام، والفقير في حقه أفضل الإطعام، وهذا خطأ. بل نسير على ما سار الدليل. الأشياء الثلاثة الأولى على التخيير: العتق والإطعام والكسوة، فإذا لم يستطع فإنه ينتقل إلى صيام ثلاثة أيام. قال رحمه الله: «وفي فدية الأذى بين الذبح أو إطعام ستة مساكين أو صيام ثلاثة أيام كذلك». فدية الأذى وقد مر معنا قريبا في درس اليوم أنها للعلم اختلف: فدية الأذى هي على التخيير أم هي على الترتيب؟ ومر معنا أن الصحيح أنها على الترتيب لأمور؛ أولا: أن الروايات الصحيحة الصريحة جاء فيها ذكر الترتيب. والأدلة أكثر الأدلة دلت على التخيير، ولم يأت في شيء من الروايات ذكر الترتيب إلا ما جاء في رواية عبد الله بن معقل عن كعب بن عجرة. ومر معنا أنه قد صح عن عبد الله نفسه في الصحيح في صحيح مسلم ذكر التخيير كذلك. وأما رواية الصحيحين التي الدعوى أن فيها الترتيب، فهي ليس فيها الترتيب، بل فيها كما قال الحافظ ابن عبد البر: ترجيح الترتيب، لا إيجاب الترتيب. والفرق بينهما: أن الأفضل الترتيب، وليس الواجب الترتيب. وهذا هو الصحيح. وقد وافق هذا المعنى نص القرآن. فعلى هذه الكفارة التي كانت على التخيير ماذا يصنع الإنسان منها؟ نقول كما ذكر قبل قليل من كلام ابن عبد البر: لأن النص جاء بذكر الترتيب على وجه الأفضلية، لا على وجه الإلزام والإيجاب. فمن استطاع أن يرتب فهو الأفضل، وإن كان يجوز له التخيير، يجوز له التخيير، لكن الترتيب أفضل. لماذا؟ لما جاء في بعض الروايات في ذكر ترتيب وتقديم الشاة. فيكون الأفضل تقديم الشاة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال لكعب: «أتجد شاة؟» فقال: لا. فخيره النبي عليه الصلاة والسلام، فدل ذلك على أفضلية تقديم الشاة لمن استطاع. فإن لم يستطع فيخير. وهذا ليس على وجه الإيجاب، وإنما على وجه الاستحباب. فإن شاء اختار من هذه الثلاثة ما شاء. إطعام ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع؛ لأنه قال: ثلاثة آصع. قال رحمه الله تعالى: «وفي جزاء الصيد بين ذبح المثل من النعم أو تقويمه بطعام يطعمه للمساكين». ومعنى تقويمه بطعام يطعمه للمساكين: يقوم قيمة هذا الصيد. فأولا من قتل الصيد فإنه ينظر: إن قتل هذا الصيد ينظر اثنان من ذوي العدل يحكمان بأن هذا الصيد مثله. مثلا الشاة، وهناك فتاوى للصحابة، وقد سار العلماء على تلك الفتاوى التي للصحابة، وذكروا الأمثلة والأقيسة التي قاس الصحابة فيها الصيد. فكل شيء له مثال من بهيمة الأنعام. وبهيمة الأنعام معروفة: البقر والإبل والغنم. فجعل لكل واحد منها ما في هذه البهائم صغرا وكبرا. فمثلا إذا صاد غزالا يجعل مثل الشاة، وإذا صاد صغيرا فمثل الصغير منه، وإذا صاد أرنبا فمثل البهمة الصغير من المعز. وهكذا كما جاء معنى هذا عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم وارضاهم. فإذا لم يستطع ذلك فيجوز له أن يقوم قيمة هذه الشاة أو هذه البهمة، ويقدرها كم تأتي بطعام ويطعم بها مساكين. فمثلا البهمة كان قيمتها ما يعادل ثلاثة آلاف، فهذه الثلاثة آلاف إذا اشترى بها طعام فستطعم كم من المساكين؟ يطعم كثير، بحساب أن لكل مسكين نصف صاع. وبعضهم قال: مد. قال: أو يصوم عن كل مد من ذلك المقوم يوما؛ لأن الله عز وجل خير الحكم بين هذا وهذا وهذا. قال: فهو في هذه المسائل التخيير راجع لإرادته، يعني ما شاء فعل. في هذه المسائل يختار منها ما شاء. طيب نقف لهنا لانتهاء الوقف. نكمل إن شاء الله في درس لاحق. والله تعالى أعلم.