الدرس في منزلة السنة في الإسلام 1، الدرس الأول : ( المقدمة ... صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل أهمية السنة النبوية ووجوب الأخذ بها في الإسلام، مع الرد على الشبهات حول إمكانية الاستغناء عنها بالقرآن الكريم. يبين الشيخ أهمية السنة في التشريع الإسلامي.
يفصل هذا الفصل وظيفة السنة النبوية في توضيح وتفسير القرآن الكريم، حيث أمر الله النبي بتبيين القرآن للناس، ويشمل هذا البيان اللفظ والمعنى. يوضح أن النبي لم يكتم شيئًا مما أمر بتبليغه.
يشرح هذا الفصل ضرورة الرجوع إلى السنة لفهم الآيات القرآنية المجملة والعامة والمطلقة، مع تقديم أمثلة توضيحية. كما يتناول بعض الأحكام الفقهية المتعلقة بتطبيق القرآن والسنة.
يناقش هذا الفصل أهمية اختيار المسلم لاسم يدل على إسلامه، وضرورة تغيير الاسم إذا كان مخالفًا للشرع دون أن يترتب على ذلك ضرر. يبين الأحكام المتعلقة بتسمية المواليد بأسماء أجنبية.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فتلبية لطلب إخواننا في أوكرانيا في المركز الإسلامي عن الاستمداد بسلسلة دروس متتابعة فيما ينتفع به الإخوة، وهكذا كذلك من يحضر معهم أو يسمع، وكان الطلب في سلسلة من دروس وكتابات ومؤلفات الشيخ العلامة المحدث الفقيد محمد ناصر الدين الألباني، رحمه الله تعالى رحمة واسعة، ونفعنا بعلمه. وقبل الابتداء، رأيت أن نقرأ في رسالة صغيرة نبتدئ بها هذه السلسلة، وهي على صغر حجمها عظيمة المعنى ومهمة للغاية، خصوصًا في مثل هذا الزمان الذي وجدت فيه أنواعًا من الفتن، فتن الشبهات والشهوات، فجعلت الكثير من الناس يستنكفون عن الكثير من الأحكام الشرعية. خصوصًا أن بعض شياطين الإنس ربما أدخلوا شيئًا من الشبهات، بصور متنوعة، ومن ذلك حصر الإسلام بما جاء في القرآن، فانبرى لمثل هذه الشبهة علماء الإسلام قديمًا وحديثًا، ومن هؤلاء الشيخ العلامة المحدث الفقيه محمد ناصر الدين الألباني، رحمه الله تعالى، في هذه الرسالة العظيمة على صغر حجمها، التي سماها "منزلة السنة في الإسلام وبيان أنه لا يستغنى عنها بالقرآن". قال الشيخ رحمه الله تعالى في هذه الرسالة: "منزلة السنة في الإسلام وبيان أنه لا يستغنى عنها بالقرآن، إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهم رجالًا كثيرًا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار". قال رحمه الله تعالى في هذا العنوان: "منزلة السنة في الإسلام وبيان أنه لا يستغنى عنها بالقرآن"، وهذا العنوان رد على من يزعم ويسمي نفسه بالقرآنيين، وكذبوا بهذه التسمية، وهم يزعمون أن الإسلام يكتفى فيه بما دل عليه دليل القرآن، ولا حاجة للسنة لما في القرآن من الغنى. وكذبوا في ذلك، فإن دليل القرآن دل على وجوب الأخذ بالسنة كما سيأتي معنا إن شاء الله، فالسنة تفسر القرآن وتبينه، بل دل القرآن على وجوب الأخذ بما جاء عن نبينا عليه الصلاة والسلام. فإن الله عز وجل يقول: "وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا"، ويقول كذلك جل وعلا: "إن تطيعوه تهتدوا"، ويقول جل وعلا: "وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى". ولكن هؤلاء لما رأوا أن في السنة من المباحث والأحكام ما يخالف أهواءهم وما هم عليه من الباطل، عمدوا إلى الإعراض عن السنة بمثل هذه الشبهة بأن القرآن فيه الكفاية، وأن السنة فيها الضعيف، وغير ذلك من المتعلقات. قال الشيخ رحمه الله: "وبعد، فإني لأظن أنني سوف لا أستطيع أن أقدم إلى هذا الحفل الكريم، لا سيما وفيه العلماء الأجلاء والأساتذة الفضلاء، شيئًا من العلم لم يسبق أن أحاط به علمًا، فإن صدق ظني فحسبي من كلمة هذه أن أكون بها مذكرًا متبعًا لقول الله تبارك وتعالى: 'وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين'". قوله رحمه الله: "وبعد"، لعلها أدرجت من بعض الطابعين أو النساخ، أو أنها كانت سبق لسان من الشيخ رحمه الله تعالى، فهي كما ترون عبارة عن محاضرة مرتجلة. وهذه المحاضرة فرغت في هذه الرسالة؛ لأنه قد نبه في مواضع أخرى أن "أما بعد" التي في خطبة الحاجة تغني عن قول الخطيب مرة أخرى "أما بعد" أو "وبعد". ثم قال رحمه الله تعالى: "إن كلمتي في هذه الليلة المباركة من ليالي شهر رمضان المعظم، لم أر أن تكون في بيان شيء من فضائله وأحكامه وفضل قيام ليله ونحو ذلك مما يطرقه فيه عادة الوعاظ والمرشدون بما ينفع الصائمين ويعود عليهم بالخير والبركة، وإنما اخترت أن يكون حديثي في بحث هام جدًا؛ لأنه أصل من أصول الشريعة الغراء، وهو بيان وهمية السنة في التشريع الإسلامي". قال رحمه الله: "وظيفة السنة مع القرآن، تعلمون جميعًا أن الله تبارك وتعالى اصطفى محمدًا صلى الله عليه وسلم بنبوته واختصه برسالته، فأنزل عليه كتابه القرآن الكريم، وأمره فيه في جملة ما أمره به أن يبينه للناس، فقال تعالى: 'وأنزلنا إليك الذكرى لتبين للناس ما نزل إليهم'". والذي أراه أن هذا البيان المذكور في هذه الآية الكريمة يشتمل على نوعين من البيان: الأول بيان اللفظ ونظمه، وهو تبليغ القرآن وعدم كتمانه، وأداءه إلى الأمة كما أنزله الله تبارك وتعالى على قلبه صلى الله عليه وسلم. وهو المراد بقوله تعالى: "يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك"، وقد قالت السيدة عائشة رضي الله عنها في حديث لها: "ومن حدثكم أن محمدًا صلى الله عليه وسلم كتم شيئًا أمر بتبليغه، فقد أعظم على الله الفرية". ثم تلت الآية المذكورة: "يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك"، قال: أخرجه الشيخان، يعني البخاري ومسلم. وفي رواية لمسلم: "لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتمًا شيئًا أمر بتبليغه، لكتم قوله تعالى: 'وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه'". وهو إشارة إلى آية سورة الأحزاب. قال: "والآخر يعني المعنى الآخر الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتبيينه، الأمر الأول هو تبليغ القرآن بلفظه ونظمه، ومعنى نظمه يعني فواصل آياته وترتيب سوره، وغير ذلك مما نزل به القرآن". قال: "والآخر بيان معنى اللفظ أو الجملة أو الآية الذي تحتاج الأمة إلى بيانه، وأكثر ما يكون ذلك في الآيات المجملة أو العامة أو المطلقة، فتأتي السنة فتوضح المجمل وتخصص العام وتقيد المطلق، وذلك يكون بقوله صلى الله عليه وسلم، كما يكون بفعله وإقراره". قال رحمه الله تعالى: "ضرورة السنة لفهم القرآن، وأمثل على ذلك بقوله تعالى: 'والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما'". قال: "مثال صالح لذلك؛ فإن السارق فيه مطلق كاليد، فبينت السنة القولية الأول منهما، وقيدته بالسارق الذي يسرق ربع دينار، بقوله صلى الله عليه وسلم: 'لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدًا'"، أخرجاه، يعني البخاري ومسلم. كما بيّنت الآخر بفعله صلى الله عليه وسلم أو فعل أصحابه وإقراره، فإنهم كانوا يقطعون يد السارق من عند المفصل، كما هو معروف بكتب الحديث. قال: "وإليكم بعض الآيات الأخرى التي لا يمكن فهمها فهمًا صحيحًا على مراد الله تعالى إلا من طريق السنة". أولًا: قوله تعالى: "الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون"، فقد فهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قوله "بظلم" على عمومه الذي يشمل كل ظلم ولو كان صغيرًا، ولذلك استشكلوا الآية، فقالوا: يا رسول الله، أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "ليس بذاك، إنما هو الشرك، ألا تسمعون إلى قول لقمان: 'إن الشرك لظلم عظيم'"، أخرجه الشيخان، يعني البخاري ومسلم. ثانيًا: قولوا تعالى: "وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا"، فظاهر هذه الآية اقتضى أن قصر الصلاة في السفر مشروط له الخوف. ولذلك سأل بعض الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "ما بالنا نقصر وقد أمنا؟" قال: "صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته"، رواه مسلم. نكتفي بهذا القدر، ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس لاحق. إذا كان عندكم شيء من الأسئلة، فتفضلوا. سؤال: هل نحن مطالبون بسؤال النصارى في هذه البلاد على كيفية ذبح الدجاج وغيره من الأنعام؟ الجواب: الصحابة كانت تأتيهم بعض اللحوم ممن هو حديث عهد بإسلام، فيأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يسموا الله ويأكلوا. وهذا الحكم كما ترون لمسلمين حديث عهد بإسلام، وبين للمسلمين حكم الذبح، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا". فمفهومه أن ما لم يذكر اسم الله ولم يذبح فإنه لا يؤكل. فإذا كان الأصل فيهم الدبح وذكر اسم الله، فلا حاجة للسؤال. ويكتفى بما سمعت، ومن شك فليسم الله وليأكل. سؤال: ما حكم تسمية المولود بإذن أجنبي له معنى عند الغرب؟ الجواب: إذا كان هذا الاسم الأجنبي له معنى في بلاده، وأصول مسلمة من أمثاله يسمون بمثل هذا الاسم، فلا بأس به، وهو مباح. ولم يأمر المسلمون حين أسلم من أسلم أن يغيروا أسماءهم إلا ما كان منافيا للشرع. سؤال: بعض الأسماء لها معاني عند الغرب، مثل أنجيلو، فيوناردو، فهل يجب تغييرها؟ الجواب: ما كان فيه معنى لا ينافي الشرع فهو مباح، خصوصًا إذا كان قد أسلم على هذا الاسم. وربما تغيير الوثائق الرسمية يشق على بعض الناس، ويسبب لهم إشكالات، فيبقى على هذا ولا بأس. إذا كان بين المسلمين، يجعل له مسمى وصف أو لقب يتعارف به يدل على إسلامه. وأما إذا كان الاسم الذي في الوثائق الرسمية فيه ما ينافي الشرع، فيحاول أن يغيره إذا لم يكن فيه ضرر عليه. بارك الله فيكم.