شرح سلم الوصول للشيخ حافظ الحكمي رحمه الله 40

شرح سلم الوصول للشيخ حافظ الحكمي رحمه الله 40

الدرس في شرح سلم الوصول للشيخ حافظ الحكمي رحمه الله 40، الدرس الأربعون : (من قالها معتقداً معناها ... يبعث يوم الحشر ناج آمنا ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في شرح كلمة التوحيد

يبدأ الشيخ بتوضيح معنى كلمة التوحيد 'لا إله إلا الله' وتفسيرها الصحيح بأنها تعني لا معبود بحق إلا الله. يشير إلى أهمية فهم معناها.

تفسير صحيح لكلمة التوحيد وانتفاع الإنسان بها

يتم التأكيد على أن تفسير 'لا إله إلا الله' بأنها لا معبود بالوجود إلا الله هو تفسير خاطئ. يُبين أن الانتفاع بها يتطلب الفهم الصحيح والعمل بمقتضاها.

شروط تحقيق كلمة التوحيد والنجاة

يُوضح أن تحقيق كلمة التوحيد يتطلب أربعة شروط: الاعتقاد الصحيح، القول، العمل بمقتضاها، والموت على هذا الإيمان. من حقق هذه الشروط ينجو يوم القيامة.

ختام في حقيقة كلمة التوحيد

يختتم بالتأكيد على أن العلم بحقيقة كلمة التوحيد هو الأساس لفهمها والانتفاع بها، ويشير إلى كفاية ما تمت مناقشته في هذا الشأن.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: «حاملا بمكتابه بالقول والفعل ومات مؤمنا يبعث يوم الحشر ناج آمنا». أسبع المؤلف رحمه الله هذه الأبيات بهذين البيتين، مبينا أن مما يفصح به هذا النوع من التوحيد أنه حوته كلمة الشهادة. ثم إن كلمة الشهادة هذه من فضلها وخصائصها ومزاياها أنه من قالها معتقدا معناها، وكان عاملا بمقتضاها بالقول والفعل ومات مؤمنا - انظروا إلى هذه الشروط - يبعث يوم الحشر ناج آمنا. فالجزاء عظيم، وهذا الجزاء العظيم أنه يبعث يوم الحشر آمنا، لا يكون إلا بهذه الشروط، وهذا يدل على عظم هذا النوع من التوحيد. فليس كل من قال هذه الكلمة ينتفع بها، بل لا بد لمن قالها أن يكون أولا معتقدا لما في معناها. ومعنى كلمة التوحيد كما مر معناها: لا إله إلا الله، أي لا معبود بحق إلا الله. لا إله: لا نافية، وإله هذا هو المنفي، وهو إله بمعنى مألوه، إله بمعنى مألوه. وقلنا كما مر معنا في دروس ماضية أن «فعال» يأتي بمعنى «مفعول»، فعال: أي هذا الوزن في اللغة يأتي بمعنى مفعول، وليس دائما، ولكن يأتي «فعال» بمعنى مفعول. فإله على وزن فعال، وهو يأتي بمعنى مألوه؛ لأن «فعال» يأتي بمعنى مفعول. ومنه قلنا: إله بمعنى مألوه. ومعنى مألوه: أي معبود. أله يأله ألوهية بمعنى عبد يعبد عبودية، فهو إله بمعنى مألوه، أي معبود. ولهذا فسر: «لا إله إلا الله» أي لا معبود بحق إلا الله. ولماذا قيد «بحق»؟ أضيف «بحق»؛ لأن هناك آلهة كثيرة في الأرض، لكنها عبدت بباطل. فمن الناس من يعبد الشجر، من الناس من يعبد القمر، من الناس من يعبد الحجر، من الناس من يعبد القبور. كل هؤلاء من الناس من عبد الملائكة، من الناس من عبد الأنبياء، من الناس من عبد الفجار والفساق، ومن الناس من عبد الصالحين. وكل هؤلاء عبدوا بباطل، بغض النظر أن هذا المعبود صالح أم طالح، بغض النظر أن هذا المعبود رضي عنه الرب جل وعلا أو لم يرض عنه. لكن كل هؤلاء عبدوا من دون الله عز وجل. فهل هذه العبادة بحق؟ بباطل. بباطل. فلهذا كان لا بد من هذا القيد: «لا إله إلا الله» لا معبود بحق إلا الله؛ لأنه وجد ما هو معبود بباطل. فإذا لم نقيد هذا القيد، فصار معنى «لا إله إلا الله»: لا معبود إلا الله. وهذا الذي يفسر به من ضل في باب توحيد الألوهية، فيقولون: لا معبود إلا الله. بل بعضهم يزيد: لا معبود في الوجود إلا الله. فهل صحيح أنه لا معبود في الوجود إلا الله؟ الجواب: لا. يكذب هذا التفسير القرآن والسنة. فإن أدلة القرآن بيّنت لنا أن هناك من عبد وهو ليس بالله جل وعلا، وقد عبد غير الله. فهذه دعوة الرسل عليه الصلاة والسلام من لدن نوح عليه الصلاة والسلام إلى نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، يدعون الناس إلى توحيد العبادة، توحيد الألوهية: أن يكون الإله واحدا. حتى قال المشركون: «أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب». فإذا كان عندهم الآلهة أكثر من واحد، ما كان عندهم واحد، كان عندهم أكثر من واحد، يعبدون الله عز وجل، يعبدون غيره. كما قال الله عز وجل: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾. فبين لنا جل وعلا أنهم عبدوا غير الله. فإذا من فسر وفهم أن معنى «لا إله إلا الله»: أي لا معبود بالوجود إلا الله، هو تفسير خاطئ، تفسير باطل، معارض بأدلة الكتاب والسنة، وواقع الناس الذي يعيشون؛ فإنه ما من زمان إلا ويرى الناس فيه من يعبد غير الله. وهذه مسألة خطيرة، ليست سهلة ولا هيّنة. وقد يسمعها من يجهل عظم قدر دين الله جل وعلا، قد يسمعها من إنسان ولا يبالي بها، أو ما تحرك في نفسه شيئا؛ لماذا؟ لأنه جهل دين الله، ونقص في قلبه عظمة الرب جل وعلا. فالجهل ينقص بعظمة الرب، وإلا فالمؤمن الموحد يغار لدين الله عز وجل، ويغبط لدين الله عز وجل. وهكذا يكون عنده من النصرة لدين الله عز وجل ما يدفعه لعدم الرضا بهذا الباطل، وعدم السكوت لمثل هذا المنكر العظيم، وعدم كذلك الإقرار لمثل هذه الكلمة الشنيعة. فهذا الذي ينبغي أن يكون عليه الموحد. ولهذا قال رحمه الله: «من قالها معتقدا معناها». فأما الذي يقولها ولا يعتقد معناها، ففي الحقيقة ما ينتفع بها؛ لأنه أحد رجلين: الذي يقولها ولا يعتقد معناها هو أحد رجلين: إما أن يكون رجل مشرك، يرى أن العبادة يجوز أن تصرف لله ولغير الله. تحال عباد القبور في زماننا هذا، فإنهم يرون أن العبادة لا بأس أن تصرف لله ولغير الله. كما سمعتم في مقولة الجهمي الذي يقول: إنه لا بأس بالسجود للقبر، وأنه ليس بعبادة. كيف يكون ليس بعبادة؟ والله عز وجل يقول: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، فأمر أن الصلاة لا تكون إلا لله عز وجل. أخص أعمال الصلاة السجود، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد». وفي حديث معاذ لما سجد للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ماذا قال له؟ قال: «ما هذا يا معاذ؟» قال: إني رأيت أهل الروم - أو قال: قيصر - يفعلون ذلك، وأنت أحق بهذا يا رسول الله. قال: «ما إني لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، ولكنه لا يسجد إلا لله عز وجل». ولكنه لا يسجد إلا لله عز وجل. فإذا الذي لا يعرف معنى «لا إله إلا الله» أحد رجلين: إما رجل مشرك، فهو لا ينتفع بكلمة التوحيد، بل هو ممن يحرم ثمرة التوحيد، ويكون ممن يخلدون في النار. أو يكون رجلا جاهلا، وجهله هذا يورثه عدم العمل بالعلم، ويورده كذلك المنكرات الكثيرة. فهو ممن حق فيه كذلك أنه لا ينتفع بهذه الكلمة. فالانتفاع بهذه الكلمة لمن عرف معناها؛ لأن العارف معناها هو الموحد، كذلك هو التقي؛ لأنه إذا عمل بمعناها اتقى الله عز وجل حق التقوى. بينما الذي لا يعرف معناها فهو بين أمرين: بين شرك وكفر، أو كذلك لا مبالاة ومعاصي. وفي كلا الأمرين هو على خطر. ثم قال رحمه الله تعالى: «وكان عاملا بمقتضاها». لا يكفي الاعتقاد، بل لا بد مع هذا الاعتقاد من عمل. لا بد مع هذا الاعتقاد من عمل؛ لأنه لو كان عنده اعتقاد من دون عمل، فهو في الحقيقة لم يبرهن على هذه الكلمة. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ويقيموا الصلاة». فلا يكفي أن يشهد من دون إقامة الصلاة. فلابد من أن يأتي بدين الله عز وجل حتى يبرهن على هذه الكلمة ويدلل على هذا الدين. ومر معنا أن المقتضي هو اللازم بالضد، اللازم بالضد: يعني لا يفعل ما ينافي هذه الكلمة من ترك الواجبات، أو كذلك فعل المحرمات. بل إنه يعمل المقتضي لها، فيمتثل في الواجبات، وينتهي عن المحرمات، حتى يكون ممن برهن على هذه الكلمة. ثم قال: «في القول والفعل ومات مؤمنا». ليس فقط أن يكون عاملا في القول دون الفعل، لا بد من القول والفعل. وهذا كله سيأتي الكلام عليه؛ لأنه وجد فرق من أهل الضلال الذين يقصرون الإيمان على القول كالمرجئة. والمرجئة طبقات، فمن طبقات المرجئة من يقولون: إن الإيمان هو المعرفة في القلب فقط، المعرفة في القلب. كأغلاط الجهمية، فإنهم على هذا. ومنهم من يجعلها القول فقط. ومنهم من يجعلها ببعض الأعمال دون بعض. ولكن الصواب الذي ينجو به صاحب هذه الكلمة: الذي يكون اعتقادا وقولا وعملا. فحقيقة الإيمان قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان. وهذا هو معنى «لا إله إلا الله». أن تأتي بها اعتقادا وقولا وعملا. «في القول والفعل ومات مؤمنا». لا يكفي أن تكون معتقدا، وأن تكون عاملا بقولك وفعلك، ثم تموت على غير الإيمان؛ لأن تأتي بشيء من أسباب الردة. فمن أتى بفعل من أفعال الكفر، ولو كان معتقدا، ولو كان عاملا، لو كان كذلك قائلا بهذه الكلمة، فإن فعل الكفر يهدم ذلك كله، يهدم ذلك كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، يحبط الاعتقاد، يحبط القول، يحبط الفعل. فلابد من هذه الأمور الأربعة حتى ينتفع صاحب هذه الكلمة من هذه الكلمة. فاستفدنا من هذا أنه لا ينتفع صاحب التوحيد من كلمة التوحيد إلا بهذه الأمور الأربعة: اعتقاد، وقول، وعمل، وعدم وجود ما ينافي ذلك من وجود أحد المكفرات. ثم قال رحمه الله: «يبعث يوم الحشر ناج آمنا». من أتى بهذه الأمور الأربعة فإنه يوم القيامة يبعث وهو ناج، ينجو من الفزع الأصغر والفزع الأكبر، وهو كذلك الأمن التام. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾، هذا الأمن التام لا يكون إلا بحصول هذه الأمور الأربعة. وكلما نقص شيء من هذه الأمور الأربعة، فإنه ينقص بمقابله من الأمن والنجاة يوم القيامة، يوم الحشر، يوم الوعد الأكبر. ثم قال: «ناج آمنا»، يعني هذا هو الأمن التام. الأمن: أمن تام، لا يكون ذلك إلا لأهل التوحيد، وأهل كذلك الكمال بالتوحيد. وأمن ليس تام، وإنما أمن فيه نقص من بعض الوجوه، وهو يكون للموحدين الذين قصروا في مقتضى كلمة التوحيد، بأن فعلوا بعض المعاصي، إما بترك الواجبات أو فعل المحرمات، أو كذلك بالوقوع في بعض البدع. فعلم بهذا حقيقة كلمة التوحيد، وكذلك المنتفع بها. وبهذا القدر نكتفي، والحمد لله رب العالمين.