الدرس في شرح سلم الوصول للشيخ حافظ الحكمي رحمه الله 08، الدرس الثامن : (وبعد هذا النظم في الأصول ... إلى قوله ... معتمداً على القدير الباقي). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الشيخ استخدام المؤلف لكلمة 'وبعده' ودلالتها على الفصل بين المقدمة والموضوع. يشير إلى أن تكرارها قد يعد خلاف الأفصح في كلام العرب.
يفسر المقطع قول المؤلف 'وبعده هذا النظم بالأصول' ويوضح معاني 'النظم' و'الأصول'. يناقش أيضًا معنى 'الأصول' في الدين وخطأ تقسيم بعض أهل البدع للمسائل الاعتقادية والعملية.
يشرح المقطع أبيات النظم للمؤلف ويبين معانيها، ويوضح الغرض من تأليف المنظومة وهو بيان عقيدة أهل السنة والجماعة الحقة. يعبر الشاعر عن امتنانه لله رب العالمين لتمكينه من ذلك.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. وبعد، هذا النظم بالوصول لمن أرى لمنهج رسوله، سألني إياه من لا بد لي من امتثال سؤله الممتثل. وقلت مع عجزي ومع إشراقي، معتمدا على القدير الباقي. أولا، المؤلف رحمه الله، هذه الأبيات كذلك، ويريد بها أن يبين السبب الذي لأجله ألف هذا النظم. وابتدأ هذه الأبيات الثلاث في قولها رحمه الله: «وبعده». ومر معنا أن هذه اللفظة «وبعده» كلمة يؤتى بها بالعربية بالفصل بين مقدمة الكلام وموضوعه، ومعناها «مهما يكون من شيء بعده». وعلمنا فيما مضى أنه لا يقال أو لا تقال هذه الكلمة إلا مرة واحدة. وعلى هذا، فخلاف الأفصح تكرار هذه الكلمة في هذا الموضع، لأنه قد قال قبل ذلك «وبعده». أين قال «وبعده»؟ يا إسلم، لا... هذا متى؟ مرة الآن، هذه المرة الثانية، يقول «وبعده». أين المرة الأولى؟ «وبعده إني باليقين أشهد». فإتيانه بهذه الكلمة في هذا الموضع خلاف الأفصح من وجهين. الوجه الأول: أنه قد مضى أن تكرار كلمة «أما بعد» أو «وبعد» ليس من الفصيح في كلام العرب، لأنها يؤتى بها للفصل بين مقدمة الكلام وموضوعه، فلا يكون إلا مرة واحدة كما نبه عليه غير واحد من أهل العلم. والأمر الثاني: أن تكرار التمهيد بالدخول للمقصود كذلك ليس من الأفصح، لأنه الآن يمهد، قد مهد تمهيدا أول، قال «وبعد»، فهذا تمهيد، ثم الآن قال مرة ثانية «وبعد»، هذا تمهيد ثاني. والتمهيد بعد التمهيد تكرار يوجد النقص وعدم الأفصح، فهو خلاف الأفصح. ولعل عذر المؤلف رحمه الله أن ما يريد ذكره خلاف الذي ذكر قبله، فأراد أن يميزه عما قبله، فميزه بهذه أو بهذا الفاصل، وهو قوله «وبعده». ولكن إذا علم الإنسان أن هذا خلاف الأفصح، فعليه أن يبحث عن فاصل آخر غير هذا الفاصل. وقوله رحمه الله «وبعده هذا النظم بالأصول»، هذا إشارة إلى أحد الشيئين كما نبه أهل العلم بمثل هذا الموضع، إما إشارة إلى شيء محسوس، وذلك إذا كان النظم قد ألف ثم شرع رحمه الله في تأليف المقدمة. وإما أن يكون أمر هذه الإشارة إلى شيء غير محسوس، وإنما شيء بالذهن. والفائدة من ذلك أننا إذا علمنا أن هذا إشارة إلى شيء محسوس، فمعنى ذلك أنه يعذر إذا لم يوف بما ذكر وأشار إليه بمقدمته من شروط. وإن كان يشير إلى شيء بالذهن، فإنه يعذر إذا لم يوف. لماذا؟ لأن المقدمة كانت قبل الكلام، فأثناء الدخول في المقصود ربما يحصل له ما لم يكن يريده من قبل. وقوله رحمه الله «هذا النظم»، النظم هو الشعر الذي يساق في المتون العلمية، على هذا صار اصطلاح أهل العلم. وقوله «الأصول»، هذا النظم في الأصول، تأتي هذه الكلمة أو هذه اللفظة، ويراد بها أحد معنيين: معنى فاسد، وهو أن يراد بالأصول المسائل الاعتقادية خاصة. ويريدون بذلك أن يميزوا بين المسائل العملية والمسائل الاعتقادية. وهذا التقسيم تقسيم محدث أحدثه بعض أهل البدع من المعتزلة ومن وافقهم. وقد نبه عليه وعلى خطره في كتبنا المتنوعة رحمه الله في مواضع من كتبه، وذلك لأنهم يريدون بهذا التقسيم أن يردوا كثيرا من السنة، بزعمهم أن منها ما هو أصل فلا يقبلونه في العقائد التي يسمونها أصول، ويقبلونه في العبادات التي يسمونها فروعا أو فروعا. وقد نجد هذا التعبير من بعض من علم خطأه، ولكن ليس ذلك موافقة لأهل الباطل، ولكن من باب تحديث الناس بما يعرفون، لأن هذا الاصطلاح شاع وصار له معرفة أو صار له اعتبار في معرفة الناس، فلأجل هذا ربما استعمل بعض من يعرف خطأ هذا التفصيل هذا التفصيل، من باب تحديثهم بما يعرفون. والأولى أن ينبه على خطأه. والمعنى الثاني الذي تأتي به هذه اللفظة هو أن يراد بالأصول المباني العظام في الدين، المباني العظام في الدين، سواء كانت في العقائد أو كانت في العبادات والعمليات. والمؤلف رحمه الله لعله يريد هذا الثاني، وقد ألمح بشرحه رحمه الله إلى هذا المعنى. وقوله رحمه الله «لمن أراد منهج الرسول»، يريد بذلك أن ينبه رحمه الله إلى أن هذا النظم الذي ألفه ألفه لأجل أن يبين الحق الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والمراد بالمنهج أي السبيل والطريقة والشيء الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وفيه إشارة إلى أن أمر حب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم واتباعه ليس بالإذعان، ولكن بموافقة ما كان عليه من الحق والهدى. وقوله رحمه الله «قد سألني إياه من لا بد لي من امتثال سؤله الممتثل»، البيت واضح، ومعناه أنه قد سأله إنسان له منزلة وله عليه كلمة لا يستطيع ردها. ولم يذكره رحمه الله تعالى لا في النظم ولا في الشرح. وقد مر معنا في ترجمته رحمه الله أن الذي سأله شقيقه عبد الله القرعاوي رحمه الله تعالى. وقوله رحمه الله «وقلت مع عجزي ومع إشفاقي»، أي أجبت هذا الطلب الذي طلبت إياه مع خوفي من العجز الذي فيه. ويريد بذلك أنه عنده تفسير. وهذا من تواضعه رحمه الله. وقوله «إشفاقي»، أي خوفي من هول هذا الموقف، فإنه رحمه الله استعظم هذا الطلب لكونه طلب في أمر مهم ودقيق. ولهذا أشفقه رحمه الله على نفسه من الخوض به، لكنه هون ذلك أنه اعتمد على الله جل وعلا وتوكل عليه، فرجى أن الله جل وعلا يعينه على ما قد يقابله من مشاق في أمر هذا الطلب. وقوله رحمه الله «القدير الباقي»، القدير اسم من أسماء الله يدل على إثبات القدرة لله جل وعلا. والباقي ليس اسما من أسماء الله، بل إنه من صفاته. وربما يعتبر للمؤلف أنه من باب الأخبار أتى بها، ولأجل أن يخدم به حرف الروي فيناسب صدر البيت، فإنه في صدر البيت قال «إشفاقي»، فناسب أن يأتي من أسماء الله ما كان على هذا الوزن، فلم يجد إلا «الباقي»، وهو ليس من أسماء الله. والخلاصة: أنه بين في هذه الأبيات الثلاثة السبب الذي لأجله ألف هذه المنظومة، وهو بيان عقيدة أهل السنة والجماعة الحقة، وأنه كان لطلب بعض مشائخه لرؤيتهم أن الناس في حاجة إلى ذلك. وهذا القدر نتفي، والحمد لله رب العالمين.