شرح كتاب الطهارة  11

شرح كتاب الطهارة 11

الدرس في شرح كتاب الطهارة 11، الدرس الحادي عشر (وصوف الميتة وشعرها وريشها ... إذا لم يكن متولداً من نجاسة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أحكام الانتفاع بأجزاء الميتة

تناول الشيخ حكم الانتفاع بأجزاء الميتة، مبينًا طهارة ما ليس فيه رطوبة نجاسة مع استثناءات ميتة الكلب والخنزير. وفصل في حكم البيض والعظام وأحوالها المختلفة.

استثناءات من قاعدة نجاسة الميتة

يتناول المقطع استثناءات من نجاسة الميتة، حيث يُستثنى الآدمي المؤمن وميتة حيوان الماء. يُفصّل الكلام حول نجاسة المشرك وكونها نجاسة معنوية.

مسائل فقهية متفرقة وتطبيق السنة النبوية

يتناول المقطع مسائل فقهية متفرقة منها طهارة الميتة التي لا نفس لها سائلة، وكتابة ما يغضب للسيطرة على الغضب، واعتماد الخطيب على العصى أثناء الخطبة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: «وصوف الميتة وشعرها وريشها وبيضها طاهر؛ لأنه لا روح فيه، ولا يحله الموت». واختار الشيخ تقي الدين طهارة قرنها وعظمها وظفرها وما هو من جنسه كالحافر ونحوه. وقال: قاله غير واحد من العلماء. هذه المسألة تتم للكلام على الانتفاع بالميتة، أي: هل يلحق بالجلد شيء؟ وإذا كان لا يلحق بالجلد، فهل هناك شيء من الميتة طاهر؟ اختلف أهل العلم في بعض الأشياء من هذه الأشياء المذكورة، وهو ما ليس فيه رطوبة نجاسة الميتة، كالصوف والشعر. والمراد بالصوف: مثل ما يأتي خارج الجلد بالنسبة للخروف الضأن من الغنم، والشعر: ما يأتي في الإبل وما كان بمعناه من الحيوان كالجاموس ونحوه، والريش: ما يكون في الطيور، والبيض معروف. فهذه الأشياء ذكرها العلماء واختلفوا فيها. فمنهم من قال: هي طاهرة؛ كما قال؛ لأنه لا روح فيه، وبتعبير آخر: ليس فيه رطوبة نجاسة الميتة، ولا يحله الموت؛ يعني لا يأتي في هذا المحل أثر الموت من رطوبة الميتة. ثم قال: «واختار الشيخ تقي الدين»؛ يعني شيخ الإسلام ابن تيمية «طهارة قرنها وعظمها وظفرها وما هو من جنسه كالحافر ونحوه»؛ يعني ألحق الشيخ زيادة على هذا المذكور القرن والعظم والظفر. ونقل شيخ الإسلام أن هذا قول غير واحد من العلماء. وفي الحقيقة، في بعض هذا المذكور خلاف كذلك. والخلاصة: الذي عليه جماعة من أهل العلم المحققين، ومنهم شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله، وشيخ شيخنا الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله: أن كل ما ليس فيه رطوبة الميتة فهو طاهر، إلا ميتة الكلب والخنزير؛ فإنه لا ينتفع منها بشيء. وما غير هذين، أو ما كان بمعنى هذين، فهو طاهر؛ فرطوبة... فكل ما ليس فيه رطوبة الميتة فهو طاهر. وبه نصل إلى أن بعض المذكور فيه تفصيل. فمثلًا الصوف الغالب أنه يأتي طاهر؛ لأنه ليس فيه رطوبة رطوبة الميتة. وهكذا الشعر، وهكذا الريش؛ إلا ربما نقول: أطراف الريش ممكن يقال: يقص. والبيض كذلك. فصل العلماء: إن كان البيض خرج من هذا الطائر الميت جافًا فهو طاهر، وإن خرج رطبًا فهو نجس. تعرفون البيضة تكون في بطن الطائر على أحوال. ومن أحوالها أن تكون لها قشرة، لكنها رطبة؛ يعني لم يكتمل بناؤها. فإن كانت رطبة فهي نجسة، وإن كانت جافة؛ أي صلبة فهي طاهرة. يغسل ما خارجها، وهي طاهرة. وهكذا كذلك العظم: الصحيح أن العظم يحل فيه شيء من رطوبة الميتة؛ فهو نجس على القول الصحيح، إلا ما كان من العظم خارجًا عن رطوبة الميتة؛ مثل ناب الفيل؛ فهو عظم، ناب الفيل عظم، ولكنه ليس فيه رطوبة. فلو قطع ناب الفيل الميت لم يكن نجسًا إن شاء الله. وهكذا نقول في غيره. فهذه القاعدة والضابط في معرفة أحكام هذه الأشياء وأمثالها ونظائرها. والله تعالى أعلم. بسم الله الرحمن الرحيم، تتمة. قال رحمه الله تعالى: «وكل ميتة نجسة؛ لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾»؛ إلا الآدمي؛ لحديث أبي هريرة متفق عليه، وحيوان الماء الذي لا يعيش إلا فيه طاهر إذا مات فيه؛ حلت ميتته؛ لقوله عليه الصلاة والسلام في البحر: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته». وما لا نفس له سائلة إذا مات فهو طاهر؛ إذا لم يكن متولدًا من نجاسة. هذه مسألة أخرى تتعلق كذلك بالميتات. قال رحمه الله أولًا: «وكل ميتة نجسة». وهذه القاعدة لها أدلة؛ منها ما في الكتاب: قوله سبحانه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾. وهو ليس صريحًا بالنجاسة، لكن صريح بالتحريم. ولكن معنى النجاسة أخذ من الحديث المتقدم، وما كان بمعناه من الأحاديث التي تدل على هذا المعنى؛ وهو نجاسة الميتة. فقوله عليه الصلاة والسلام: «أيما إهاب دبغ فقد طهر»؛ في كلامه على إهاب الميتة؛ يعني جلد الميتة؛ يدل على أن الميتة نجسة؛ لأن الاستثناء معيار العموم. فلما تكلم على الجلد وأنه يطهر إذا دبغ؛ دل على أن ما سواه على أصل النجاسة؛ أن ما سواه على أصل النجاسة. فإذا كل ميتة نجسة؛ كما قال رحمه الله. وهذا صحيح؛ دلت عليه الأدلة. لكن استثنى رحمه الله ثلاثة أشياء. الأول: قال: «إلا الآدمي؛ لحديث أبي هريرة متفق عليه». ويشير إلى حديث أبي هريرة في الصحيحين: «إن المؤمن لا ينجس». لما افتقد النبي عليه الصلاة والسلام أبا هريرة؛ قال: «أين كنت يا أبي هريرة؟» قال: «كنت على غير طهارة». قال: «كنت جنبًا، فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة». فقال: «سبحان الله! إن المؤمن لا ينجس». واستدل به العلماء أن المؤمن لا ينجس حيًا وميتًا؛ فهو طاهر. ولماذا قال المؤلف رحمه الله: «إلا الآدمي»؟ فالآدم أعم من المؤمن؛ لأنه يشمل الكافر والمشرك والمنافق والمؤمن والمسلم. الجواب: لأن نجاسة غير المؤمن مختلف فيها. صحيح أن الله عز وجل قال: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾. لكن اختلفوا في معنى قوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾. اختلفوا في ذلك. فمن أهل العلم من قال: نجاستهم؛ أي نجاسة المشركين؛ نجاسة حسية ونجاسة معنوية. ومن أهل العلم من قال: بل نجاسة المشركين نجاسة معنوية؛ يعني نجاسة الشرك والكفر، وليست نجاسة الجسد. والثاني أصح. والدليل على تصحيح الثاني: ما صح عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه أذن بدخول بعض المشركين إلى مسجده؛ فدل أن نجاستهم نجاسة معنوية لا حسية. فقد أسر ثمامة وربطه في سارية من سواري المسجد؛ كما في الحديث الصحيح، وهو مشرك. فلو كانت نجاسته نجاسة حسية؛ لم يكن ليتركه في مسجده عليه الصلاة والسلام. فدل أن نجاسته نجاسة معنوية؛ وهي نجاسة الكفر والشرك. وهذا هو الذي يفهم من الآية، ومن الأحاديث الكثيرة عن النبي عليه الصلاة والسلام. فقد أرسل النبي عليه الصلاة والسلام في حجة أبي بكر، وكانت في السنة التاسعة من الهجرة؛ يعني قبل وفاته تقريبًا بعام وقليل؛ أرسل عليًا أن ينادي: «أن لا يطوف بالبيت مشرك ولا عريان». فنهى عن طواف المشرك، وليس فيه دخول المشرك؛ أي النهي عنه. فالمهم: الأحاديث كثيرة تؤيد هذا المعنى؛ وهو أن نجاسة المشرك نجاسة معنوية؛ ليست حسية. وإن كانت به نجاسة حسية؛ فكما مر معنى وتقدم؛ ففي مضاف النجاسة؛ يعني مخرج النجاسة؛ لأنه لا يحاط بها في الغالب. ولهذا قال المؤلف: «إلا الآدمي». وهذا هو الصحيح. لكن لا شك أن المؤمن والمسلم أطهر؛ أي أكمل في الطهارة من المشرك والكافر. والاستثناء الثاني: قال: «وحيوان الماء الذي لا يعيش إلا فيه». انظر هذه القيود: «حيوان الماء»؛ فخرج به حيوان البر؛ فإنه نجس؛ أي ميتته نجسة. وقوله: «الذي لا يعيش إلا فيه»؛ خرج ما يعيش في البر والبحر؛ فإن ميتته على الصحيح نجسة؛ وليست بطاهرة؛ مثل ماذا؟ مثل التمساح والسلحفاة، وما كان بمعنى هؤلاء، أو كلب البحر. كلب البحر الذي يسميه بعضهم دب البحر، وبعضه له أرجل وذيل؛ أرجل؛ يعني أرجل كالكف؛ ككف في السلحفاة، وذيل مثل ذيل السمكة الكبيرة. فهذا يعيش في البر والبحر. فالصحيح أن ميتته ليست طاهرة؛ كما قال: «الذي لا يعيش إلا فيه»؛ أي في الماء. أما ما يعيش في الماء والبر؛ فميتته ليست بطاهرة؛ بل نجسة. وهذا هو الصحيح. وفيه خلاف؛ لكن هذا هو الصحيح؛ لأن الحديث يدل عليه. وما هو الحديث؟ هو الحديث الذي أشار إليه: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته». حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه-. وقوله: «ميتته»؛ استدل به قال: «إذا مات فيه حلت ميتته». وهل مفهوم: إذا مات في البر لم تحل ميتته؟ هكذا قال بعض أهل العلم. والصحيح: أنه سواء مات في البر أو في البحر؛ فميتته حلال؛ لعموم قوله عليه الصلاة والسلام: «الحل ميتته». وميتته نكرة في سياق الإثبات؛ فتفيد الإطلاق؛ فلا فرق بين موته في البر أو موته بالبحر. مثلًا: أخرج صياد سمكة، ولم تمت في البحر؛ بل ماتت في البر؛ فهل هذه السمكة حلال أم لا؟ الجواب: بلا شك حلال. ولو قذف البحر سمكة حية، فبقيت على البر حتى ماتت؛ حلال هي أم لا؟ الصحيح: أنها حلال كذلك؛ لعموم الحديث. وقوله: «وما لا نفس له سائلة»؛ هذا الاستثناء الثالث. ومراده: بما لا نفس سائلة له؛ مثل النمل؛ مثلًا النمل ليس له نفس سائلة؛ ما فيه دم. إذا مات فهو طاهر. لكن هل هو حلال الأكل؟ الجواب: لا. ليس الكلام على هذا. الكلام الآن على الطهارة؛ ليس على الأكل. وإن كان بعض الناس تعارفوا على أكل أنواع من النمل الكبير منه. وقد اختلف أهل العلم في ذلك. لكن الآن ليس كلامنا على أكله؛ وإنما كلامنا الآن على طهارته. ولكن مؤلف رحمه الله اشترط قال: «إذا مات فهو طاهر؛ إذا لم يكن متولدًا من نجاسة». ومعنى متولدًا من نجاسة؛ يعني لا يعيش بين النجاسة ويتولد منها؛ لأنه إذا تولد منها حمل من رطوبة النجاسة. وقد مر معنا أن النجاسة تتعلق أحكامها بعلة وجودها؛ فما وجد لونه أو طعمه أو ريحه؛ يعني إذا وجد أثر ذلك؛ فمعنى أن النجاسة موجودة. وهذا النمل مثلًا الذي يتولد النجاسة يحمل من رطوبة النجاسة؛ فيضع أثر هذه الرطوبة؛ إما بريح أو لون أو طعم؛ فيكون ذلك معنى وجود النجاسة. فإذا الثالث: ما لنفس له سائلة؛ يعني إذا مات فهو طاهر؛ لكن بشرط ألا يكون متولدًا من نجاسة. طيب، عندي تنبيهان قبل الأسئلة. أولًا: حديث «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته» خطأ قولي عن ابن عمر. الصواب عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه-. وإنما حديث ابن عمر: الحديث الآخر: «حلتا لنا ميتتان ودمان». والتنبيه الثاني: حالتي عن الشيخ ابن عثيمين -شيخنا الشيخ ابن عثيمين رحمه الله- والشيخ السعدي في مسألة الظفر والسن ونحوه. ذكره شيخنا رحمه الله في تعليقه على رسالة شيخ شيخنا الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي في كتابه «التقاسيم والفروق». ففي كتابه «التقاسيم والفروق» ذكر أقسامًا فيما يتعلق بالميتة؛ وأنها تنقسم إلى ثلاثة أقسام. وذكر عند ذلك مسألتنا التي تكلمنا فيها. ووافقه شيخنا الشيخ العثيمين رحمه الله. وذكر معنا ما ذكرت. وأحيل إلى ذلك الموضع. والله تعالى أعلم. وننظر إن شاء الله في الأسئلة لانتهاء الوقت. طيب، يقول السائل من بريطانيا: عندما أغضب أكتب ما يغضبني في ورقة، وأنوي استخدام هذه الطريقة لكي أسيطر على غضبي، ولكن لا أفعل أي مشكل مع أي أحد. وبهذه الطريقة استطيع أن يسيطر على الغضب. فهل فعلي هذا جائز؟ فالجواب: أنصحك أن تسلك المسلك الشرعي الصحيح في هذا الباب؛ وهو بالوضوء؛ فإن الوضوء من أسباب زوال الغضب. وهكذا كذلك فعل الطاعة؛ فإنه من أسباب زوال الغضب. وهكذا كذلك الهدوء والسكينة؛ فإنه من أسباب سكون الغضب. وأما كتابة ما يغضبك؛ ربما زاد في غضبك، وهيجك للانتقام أو للحقد، وتكرار ذلك في نظرك وفي سمعك وفي قلبك وفي كتابة يدك. وهذا لا ينفع؛ وهو فعل في الحقيقة لغو؛ يعني يذهب عبثًا. ولذلك الأولى أن تشغل هذا الوقت بشيء نافع؛ مثلًا: تقوم تتوضأ، أو إذا كنت على طهارة تقوم تصلي، أو تأخذ قرآن فتقرأ، أو شريط فتسمع، أو حتى تنام حتى تهدأ. فأنت تفعل ضد الغضب. أما الكتابة؛ فهي ربما تكون تفريغ للغضب؛ لكنه تفريغ مؤقت؛ مثل الذي يصرخ يريد أن يشفي غيظه بالصراخ. كأنه يقول: بدلًا من أن أكسر أو أضرب أو كذا؛ سأصرخ. وصراخ أخف. الجواب: نعم، الصراخ أخف من الضرب؛ لكنه هل هو الصواب أم يوجد ما هو أفضل منه؟ الجواب: يوجد ما هو أفضل منه. إذن علينا فعل الأفضل. والله تعالى أعلم. طيب، يقول السائل: أحسن الله إليكم، وأنتم كذلك. هل اعتماد الخطيب على عصى أثناء الخطبة من السنة؟ الجواب: نعم، صح أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمد في خطبته على العصى. والعصى أولًا: فعل النبي صلى الله عليه وسلم. وثانيًا: تعين الخطيب إذا قام في موضع كموضع النبي عليه الصلاة والسلام على الاتكاء والرسوخ في قيامه؛ خصوصًا مع خطبته الخطبة الأولى والخطبة الثانية. وأقول: كقيامه؛ لأنه قد لا يحتاج إليها إذا اضطر إلى الخطبة في موضع يتكئ بيديه مثلًا؛ كأن يكون هناك جدار أو خشب أو شيء يتهئ عليه ويقوم من خلفه؛ فهنا قد يكون الاستغناء عن العصى ليس منافيًا للسنة. ولا شك أن الأفضل والأكمل أن يخطب الخطيب على منبر بثلاث درجات؛ يواجه الناس فيه. وعند ذلك يحتاج إلى الاتكاء على العصى. ولهذا فعله النبي عليه الصلاة والسلام. والله تعالى أعلم.