كتاب الزكاة 6

كتاب الزكاة 6

الدرس في كتاب الزكاة 6، الدرس السادس : من : ( الحديث التاسع والستون بعد المائة ... تعظيم العم وكبير حقة لأنه بمنزلة الأب ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

شرح حديث العجماء والركاز

شرح حديث العجماء جبار والركاز، موضحا معنى العجماء والركاز والأحكام المتعلقة بهما. بين عدم الضمان في حالة تلف البهيمة أو البئر بدون تفريط، وإخراج الخمس في الركاز.

أحكام الركاز والكنوز واستخراجها

يتناول أحكام الركاز والكنوز، وشروط ضمان الأضرار الناجمة عن البهائم، وأحكام استخراج الكنوز وإخراج الخمس منها. يوضح أن الركاز يشبه الفي أكثر من الزكاة، ويجب إخراج الخمس منه عند العثور عليه.

جباية الزكاة وأحكامها وعذر الممتنعين

يشرح حديثا عن جباية الزكاة، وأسباب امتناع بعض الأشخاص عن أدائها وعذرهم. يستنبط بعض الأحكام الفقهية منها، مثل أحكام إرسال السعاة وتقديم الزكاة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قبل الاتداء بالقراءة في الدرس هذا، سؤال يجاب عليه. يقول بعض الأشخاص: إذا تأخر المؤذن تأخيرا شديدا، يتأقن معه أن الشمس غربت، يفطر قبل الأذان، فما حكم ذلك؟ حكم ذلك أنه يأثم، يأثم على فعله، لأنني لا أرى أن المؤذن عندنا يتأخر تأخرا شديدا، ولكن الشيطان يتلاعب ببعض الناس، فيجعلهم يضطربون، ما يحبون الاستقرار، يتلاعبون بدينهم. أين التأخر الشديد في أذان المؤذن؟ إذا كان هناك تأخر شديد، فعليك أن تناصحه، تناصح المؤذن أنه يتأخر تأخرا شديدا. وأما إذا كان السؤال على بلد بعيدة، واستيقنت أنه يؤذن في غير الوقت، وكان الوقت يدخل قبل ذلك وأنت متأكد مستيقن، واستشرت وسألت أهل العلم الخبرة، فيجوز لك، لكن ليس أمام الناس، ليس أمام الناس، حدث الناس بما يعرفون. أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟ افطر في بيتك، ثم اذهب فصلي مع الناس. أما الناس في المسجد منتظرون الأذان، وأنت تفطر قبل، ولو كان الأذان يؤذن بعد الوقت بكثير، فلا تفتن الناس وتدخل معهم في خصومات، فيكره الدين الذي تحمل والحق الذي تأذي به. لكن حدث الناس بما يعرفون. «أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟» ويقول ابن سعود: «ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تغلغه قلوبهم إلا كان لبعضهم فتنة». فانتبه. وأما إذا كنت من أهل هذا المسجد، فما أراك إلا مجحفا في هذا الحكم، فعليك أن تراجع نفسك، فارك الله فيك. قال المؤلف رحمه الله تعالى: الحديث التاسع والستون بعد المئة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «العجماء جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس». أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث في سياق ذكره على أحكام الزكاة، ووجه مناسبة إيراد هذا الحديث هو قوله عليه الصلاة والسلام: «وفي الركاز الخمس». وقد اختلف أهل العلم: هل الركاز من الزكاة أو ليس من الزكاة؟ وسيأتي إن شاء الله الشرح. وأما أقرب الألفاظ لهذا اللفظ هو لفظ الإمام البخاري رحمه الله في حديث 1499، قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك عن ابن شهاب، عن سعيد المقبري، وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة رضي الله عنه الحديث. وقد رواه مسلم نحوه في حديث 1710، وزاد فيه: «العجماء جرحها جبار، جرحها جبار» الحديث. قال الشارح رحمه الله تعالى أولا: قال المازري: الجبار الهدر الذي لا شيء فيه. والعجماء أي الدابة البهيم، وسمية العجماء لأنها لا تتكلم، لا تتكلم. ولذلك سميت عجماء كالأعجم. وكما أن البهائم سميت كذلك لأنها لا تتكلم. قال الشارح: الغريب العجماء بفتح العين وإسكان الجيم ممدودة، وهي البهيمة، سميت عجماء لأنها لا تتكلم. قال: والمعدن هو المكان الذي تستخرج منه الجواهر وأمثالها. وهذا الحديث اختلف أهل العلم: هل مراد بالمعدن المعدن الذي على ظاهر الأرض أم الذي كذلك في باطنه؟ والظاهر والله أعلم أن الحديث خرج مخرج الغالب، وهو ما كان على ظاهر الأرض من الحديد وما كان بمعنى. قال: وقوله «جبار» بضم الجيم يعني هدر، لا ضمان فيه. قال: والركاز بكسر الراء وتخفيف الكاف، آخره زاي، أي المركوز المغروز في الأرض، وهو دفن الجاهلية. الركاز لفظ عام يشمل كل ما غرز وأخفي في الأرض، لكن المقصود به دفن الجاهلية، قاصدا أي المال الذي لا مالك له، المال الذي لا مالك له. قال: المعنى الإجمالي يبين النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الأشياء التي يحصل منها تلف خارج عن قدرة الإنسان وتسببه وإهماله، وأنه ليس عليه من جراء إدلافها شيء، وذلك كالبهيمة التي لم يفرط في إرسالها ولم يكن متصرفا فيها، فتتلف زرعا أو تضر أحدا، بعض أو ضرب بيدها أو رمح برجلها، أي أنه لا يكون عليه مؤاخذة في ذلك. «العجماء جبار» يعني جرحها، كما جاء في رواية مسلم: «جرحها جبار» يعني هدر، ليس على صاحبها شيء، لكن هذا مقيد كما سيأتي إن شاء الله له أشياء تقيده. قال: وكذلك لو أمر إنسانا بدون إكراه له أو تغرير به بنزول في بئر أو عمل، فلا ضمان على الآمر، لأنه لمحصل منه تعد ولا تفريط. وكذلك «البئر جبار». أتيت بعمال يحذرون لك بئر، دخل العمال فانهدمت عليهم البئر، ماتوا. لا يأتي أولياء هؤلاء العمال يقولون: أنت السبب، أنت الذي قتلت أولادنا. لا، أنا ما قتلت أولادكم، هو رضي أن يعمل في هذه البئر، وأنا ما فرط، فحصل ما كتبه الله عز وجل وقدره. فإذن لا ضمان على صاحب العمل، إلا إذا ثبت أنه مفرط، كان يكون مثلا عرف أهل العمل أنهم لا ينزلوا البئر حتى تضفر، تعرفون ضفر البئر، لا ينزلون قليلا إلا ويعملوا لها شيء، إما من حديد أو من إسمنت صبة ينزلون ويعملون هذه الضفرة، ينزلون ويعملون هذه الضفرة. فإذا تساهل هو صاحب العمل وألزمهم بالعمل بدون ضفرة، فإن عليهم الضمان، لماذا؟ لأنه فرط. أما ما دام لم يكن هناك تفريط، فلا شيء عليه. قال رحمه الله تعالى: أما لو أكره على ذلك، طيب، فلا ضمان على الآمر، لأنه لم يحصل منه تعد ولا تفريط. أما لو أكره على ذلك أو كان يعلم أن في هذه الأشياء ونحوها خطرا فغره ولم يعلم بذلك، فإن عليه الضمان، مثل كما قلنا: جعله لعمل في بئر بلا ضفرة، أو كذلك يعلم أن هذه البئر فيها غازات كامنة وتساهل في إنزال هؤلاء ليعملوا فيها، أو كذلك فرط لأن يكون بالبئر ماء وكان فيها كهرباء وفرط في عزل تصل الكهرباء عن الماء أو نحو ذلك مما يكون فيه التفريط، فعليه الضمان. قال: أما لو أكرهوا على ذلك أو كان يعلم أن في هذه الأشياء ونحوه خطرا فغره ولم يعلم بذلك، فإن عليه الضمان، عليه الضمان. ثم ذكر أن من وجد كنزا قليلا أو كثيرا، فعليه إخراج خمسه، لأنه حصله بلا كلفة ولا تعب. قال: فشكرا لله تعالى ومواساة الإخوان المسلمين، يعني يخرج هذا الخمس. قال: يجب علي أن أخرج منه الخمس، لأنه حصل بلا كلفة، والذي يحصل من مال الكفار بلا كلفة، أمر الله عز وجل بإخراج الخمس. قال: وهكذا تلاحظ الشريعة العدل والإنصاف بأحكامها، فتقدم قدر الزكاة بما يشتاج إلى كلفة ومشقة ومؤنة، واختلافه بحسبه، أو حسب ذلك، يعني كل شيء بحسبه. قال: ما يأخذ من الحديث فوائد الحديث. أولا: أنه لا ضمان في البهيمة إذا لم يكن صاحبها متصرفا فيها أو لم يرسلها ليلا. وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حديث حرام بن محيصة ما يدل على تفصيل وتقييد في هذه المسألة، وذلك أن ناقة للبراء بن عازب رضي الله عنه اعتدت على حائط قوم من أهل المدينة، يعني دخلت فيه وعبثت، أكلت وداست في النهار، فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. البراء يقول: أنا ما لي ذنب، ناقة لا تفهم، دخلت في الحائط فأكلت وفعلت وفعلت. وأهل الحائط يقولون: الناقة ناقتك، وأتلفت علينا الحائط، وأنت تتحمل المسؤولية. فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقضى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على أن أهل الحوائط، يعني أهل الحدائق والمزارع والبساتين، عليهم أن يحفظوها بالنهار، يحفظوا هذه الحدائق والبساتين بالنهار من البهائم وغيرها. وأن ما أتلفت البهائم ليلا، فصاحبها ضامن. والحديث رواه الإمام مالك كما قلنا من حديث حرام بن محيصة، وهو حديث حسن. فاستفدنا من هذا الحديث هذا التفصيل: أنه في النهار ما أتلفت البهائم، فعلى من؟ فعلى أهل الحدائق. وما أتلفت في الليل، فعلى أهل البهيمة، يضمنون، لأن في الليل عليهم أن يحفظوا هذه البهيمة. ولأن الناس لا يستطيعون أن يحرسوا مزارعهم وحدائقهم في الليل، ولكنهم يستطيعون أن يحرسوها أن يحرسوها وينظروا فيها في النهار، هذه مسألة. واستثناء المسألة الثانية: أن صاحبها إذا كان موجودا، صاحب البهيمة كان فأفلت البهيمة ولو كان نهارا، فإنه يضمن. ودليله حديث النعمان بن بشير: «كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع به». ومعنى أنه يأخذ الراعي الذي يتساهل فيرعى غنمه بجانب حوش لأناس آخرين أو زرع لأناس آخرين، فإن الغنم اعتدت، فإنه يضمن. وهكذا هذا الحديث، فهذا الحديث فيه: «العجماء جبار». والعجماء لا تكون عجماء إلا وهي وحدها، ما عندها من يسيرها. أما وإذا كان عندها من يسيرها ويراقبها، فيجب عليه أن يكفها. فإذا أتلفت وهو موجود ولو كان بالنهار، فإنه يضمن. قال رحمه الله تعالى: فإن تسبب صاحبها بما أتلفت أو أرسلها ليلا فأفسدت على الناس زرعهم، فعليهم ضمان. إذا أرسلها في النهار في مكان ليس له، كذلك عليه الضمان. وإذا أرسلها ليلا عليه الضمان، لما تقدم من حديث أو أحاديث. قال: فقد خالف العلماء إطلاق هذا الحديث بأدلة أخرى بضمان المتسبب، وهو مذهب الجمهور. وذكر ابن قدامة العيد اختلاف العلماء في عموم الهدر، ووصل إلى القول بأن جناية البهيم هدر إذا لم يكن ثمة تقصير من المالك أو ممن هي تحت يده. وقال: وينزل الحديث على ذلك. وهذا القول هو الصواب، وهو الذي دلت عليه الأدلة المتقدمة: أنه ليس هدر مطلقا، بل هدر بشرط. قال: ثانيا: أنه لا ضمان بما أتلفت بئره أو معدنه إذا لم يكن مكرها النازل أو العامل أو عالما بأن بذلك خطرا فغره ولم يعلمه، كما مر معنا قبل قليل: أنه إذا لم يكن هناك تفريط، وانهدمت عليه البئر أو سقط من فوق الجبل أو كذلك سقطت عليه صخرة أو نحو ذلك، فلا شيء عليه. قال: فإن أكره أحدا على النزول في بئر، يعني ألزمه بالنزول بالقوة أو الصعود لشجرة أو نحو ذلك، أو لم يكرهه ولكن فيه خطر ولم يعلمه، يعني لم يعلم هذا الذي سيباشر العمل، فعليه الضمان، لأن التلف حصل بسبب إكراهه أو من تغريره. وكيف يعرف حد الخطر وعدم الخطر؟ بالعرف يعرف. وكيف يعلم كذلك التفريط غير التفريط؟ يعرف بالعرف. العرف يميز التفريط من غير التفريط. قال: ثالثا: أنه يجب إخراج الخمس مما وجد من الكنوز قليلا كان الموجود أو كثيرا، والمراد به ليس كل كنز، ولكن كنز الجاهلية خاصة، لأنه هو المقصود بالحديث، لأنه ركاز. قال: رابعا: خصه بعض العلماء بما عليه علامة كفار، بأن يكون من زمن الجاهلية، مثل عملات ذهبية أو فضية قديمة يعرف الناس أنها من كنز الجاهلية، أو أصنام قديمة من ذهب أو غيره، فهو يأخذها، ولكن لا يبيعها صنما، يقطعها أو نحو ذلك. قال: بأن يكون من زمن الجاهلية. وذكر الصنعاني قيدا ثانيا، وهو أن يكون في أرض موات أو ملك أحياه الواجد. فإن كان في أرض مملوكة، فليس بركاز، إنما هو لقطة. أنت مثلا استأجرت بيتا من إنسان، فحفرت داخل البيت فوجدت كنزا، الكنز ليس لك، بل لصاحب البيت، لأنها مثل اللقطة، لا بد أن تعرف. فقد يكون الذي دفنها جد هذا المالك، أحد أجداده دفن هذا الكنز. وقد يكون كذلك قرابته، لو لم يكن إلا أنه اشترى البيت لكان هذا أولى بالأحقية له، لأنه ملك الأرض وما تحتها. فإذا أنت لا بد أن تخبره بذلك، وهو حقه أن يكافئك على أمانتك، حقه أن يكافئك على أمانتك. قال: خامسا: أن يخرج الخمس من حين يجده، كما هو ظاهر الحديث. فإن النماء فيه متكامل، وما تكامل فيه في النماء لا يعتبر فيه الحول. فإن الحول مدة مضروبة لتحصيل النماء. قال النووي: وعدم استقرار الحول بالركاز إجماعا. ومعنى كلامي رحمه الله: أن هذا المال لا يحتاج به حولان الحول، بل يخرج الخمس من أول ما تجد هذا الكنز، ولو كان الكنز عبارة عن جرام واحد من الذهب، إذا استيقنت أنه من مال الجاهلية. بخلاف اللقطة إذا كانت لقطة، فأنت تحتاج إلى تعريف، تحتاج أن تعرفها كما وردت بذلك الأحاديث، وسيأتي إن شاء الله في موضعه الكلام على أحكام اللقطة. قال: سادسا: الظاهر من الحديث أنه يخرج منه، لا من قيمته، يعني يخرج الخمس من الشيء نفسه، لا من قيمته، يعني تثمنه لا. سواء كان من ذهب أو فضة ونحاس أو حديد أو غير ذلك، قد يجد للإنسان سيفا، وقد يجد مثلا أوعية وأواني من نحاس أو من حديد أو شيء من ذهب أو من فضة، فيخرج الخمس من عين الشيء، خمس عين الشيء. ومراده بذلك أنه يصدق وينصف في معرفة قيمة هذا الشيء إذا كان ولا يريد أن يبيعه. قال: سابعا: بهذه الميزات يعلم أن شبه الركاز بالفي أقرب من شبهه بالزكاة، يعني بهذه أوصاف المذكورة السابقة يعلم أن الركاز يشبه بالفي أكثر مما يشبه بالأموال الزكوية. ولهذا كان الصحيح أنه لا يلحق بباب الزكاة، ولكن يلحق بباب الفي. قال: ولذا قال كثير من العلماء: إن مصرف الفي يصرف في المصالح العامة، لا مصرف الزكاة. قد مر معنا أن مصرف الزكاة في الأقسام الثمانية. قال: لا مصرف الزكاة الذي يجعل في الأقسام الثمانية، لأن الركاز قد فارق الزكاة بالأمور الآتية. طيب، هذه الآن الفروق بين الزكاة وبين ما يخرج من الركاز. قال: أولا: الزكاة لا تخرج إلا من نصاب محدود، فما فوقه. أما الركاز فيخرج الخمس من قليله أو كثيره. الزكاة ما تخرج إلا من نصاب محدود، الإبل البقر الغنم الذهب الفضة كل شيء له نصاب كما مر معنا، حتى الزروع. بخلاف الركاز، خمس كائنة في القليل وفي الكثير. قال: ثانيا: الركاز يخرج من عينه، أما العروض تخرج زكاتها نقودا. وكذلك تخرج من عينها في الذهب وفي الفضة. وفي عروض تجارة زكاة كذلك الحبوب والزروع، لكن يريد الغالب أن هذا من عينه، وهذا يجوز نقودا. قال: ثالثا: الركاز حوله وجوده، أما الزكاة فلا، حول محدود معلوم لا تجب قبله، كما مر معنا. والمراد بالحول أي دوران السنة، مما اشترط الشرع دوران السنة أو خروج الزرع كل بحصاده. قال: رابعا: الركاز مصرف الفي في المصالح العامة، والزكاة تصرف بالأوجه الثمانية المعروفة. وسأتي إن شاء الله في كتاب الجهاد الكلام على الفي. قال: خامسا: الركاز فيه الخمس، والزكاة أكثر ما فيها العشر، وأقل ما فيها ربع العشر، يعني بين العشر وربع العشر كما مر معنا فيما تقدم. قال رحمه الله تعالى: الحديث السبعون بعد المئة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عمر على الصدقة، فقيل: منع ابن جميل وخالد بن الوليد والعباس عم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ما لكم ابن جميل إلا أن كان فقيرا فأغناه الله». وأما خالد «فإنكم تظلمون خالدا، فقد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله». وأما العباس «فهي علي ومثلها». أي عم النبي عليه الصلاة والسلام، قال: «ثم قال: يا عمر، أما علمت أن عم الرجل صنو أبيه؟» وهذا اللفظ هو لفظ الإمام البخاري. لفظ الإمام مسلم في حديث 983، قال الإمام مسلم رحمه الله: حدثني زهير بن حرب، قال: حدثنا علي بن حفص، قال: حدثنا ورقاء عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة الحديث. ورواه البخاري نحوه في حديث 1468. قال الشارح رحمه الله تعالى: الغريب. قال: «ما ينقم إلا أن كان فقيرا فأغناه الله» ينقم بكسر الكاف، معناه ما ينكر. وهذا السياق معناه عند البلاغيين: تأكيد الذم بما يشبه المدح، وهو من لطيف الكلام. ومعناه تأكيد الذم، يعني أنه أخطأ إذ لم يخرج الزكاة أو تقاعص في إخراج الزكاة، لكن بما يشبه المدح، وهو أنه جعل كأن ابن جميل هو الذي ينكر على غيره، لا أن ابن جميل ينكر عليه. وهذا من الأدب والتعريض في بيان الخطأ، يعني كما نقول: جرح خفيف ولطيف أو نصيحة لطيفة، فهي بهذا المعنى، لأنه قال: «ما ينقم ابن جميل إلا أن كان فقيرا فأغناه الله». إيش فهم من الكلام؟ يفهم أنه أخطأ في تأخره وتقاعصه عن أداء الزكاة. وفي نفس الوقت العبارة لطيفة، ظاهرها أن ابن جميل هو المتسخط، والحقيقة العكس، هو الذي ينبغي أن يتسخط عليه لتأخره. قال: وقوله «أعتاده» مفرده أعتاد، بفتح العين، والأعتاد آلات الحرب من السلاح وغيره. ومعناه أن خالد بن الوليد أوقف عدة السلاح الذي يملكها في سبيل الله. ومثل هذا ما يمكن أن يمنع الزكاة، الذي هو سباق في باب الصدقة والوقف، كيف يمكن أن يمنع الزكاة؟ إذن أنتم ما فهمتم خالد بن الوليد. قال: وقوله «صنو أبيه» أي هذا تشبيه للأخوين، فأكثر من أب واحد، وهم فروعه كالنخلتين فأكثر، كالتريبين من أصل واحد. والصنو لكسر الصاد هو المثل، كما قال الله عز وجل: «صنوان وغير صنوان» يعني مجتمعات وغير مجتمعات. فالصنو الشيء المتشابه المتماثل، يعني العم فإنه الأب. قال: وابن جميل بالجيم المفتوحة بعدها من مكسورة، سماه بعضهم حسينا، وبعضهم عبد الله، المهم المراد الحكم، ليس الشخص. قال رحمه الله: المعنى الإجمالي. بعث النبي صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه للجباية الزكاة، يعني لجمع الزكاة، تعرض في بعض السعاة، فجاء عمر إلى العباس بن عبد المطلب وخالد بن الوليد وابن جميل، يريد منهم الزكاة، فمنعوا أداءها، منعوا أداءها أي للنبي لعمر ليوصلها إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فجاء عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشتكي هؤلاء الثلاثة، فقال صلى الله عليه وسلم: «أما ابن جميل فليس له من العذر في منعها إلا أنه كان فقيرا فأغناه الله»، فقابل نعمة الله كفرا، وشكره نكرا، يعني أنه أخطأ بمنع الزكاة. قال: «وأما خالد فإنكم تظلمونه بقولكم منع الزكاة، وقد احتبس أدراعه وعتاده بسبيل الله». فكيف يقع منع الزكاة من رجل تقرب إلى الله تعالى لإنفاق ما لا يجب عليه، ثم هو يمنع ما أوجبه الله عليه؟ فإن هذا بعيد، يعني أن له عذر. سنسأله: ما هو عذره؟ قال: وإما لأنه جعلها أدوات قنية يستعملها بالجهاد. والأشياء التي للقنية ليس فيها زكاة، لأنها ليست من الأموال النامية بالتجارة وغيرها. وهذا هو جواب العلماء عن امتناع خالد: أن ما يملكه لم يجعله للتجارة، وإنما جعله لأجل الاستخدام الخاص والصدقة، فكأن خالدا كان عنده مال، لكن كان ماله في غير النقد. قال: «وأما العباس فقد تحملها صلى الله عليه وسلم عنه». قال: ويحتمل أن ذلك لمقامه ومنزلته، ويدل عليه قوله: «عندي قولك هو صواب». قوله: «عندي قولك» أيش؟ قوله طيب، هذا الصواب الذي عنده، قولك يصوبها صوابه، نسخة قوله. قال: «أما علمت أن عم الرجل صنو أبيه؟» وإما لأنه قدم زكاته لعامين، فقد تسلمها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ويدل عليه ما ورد بسند ضعيف عن ابن مسعود: أن النبي صلى الله عليه وسلم تعجل من العباس صدقته سنتين. والحديث حسنه بعض أهل العلم بمجموع طرقه، وهو بمجموع طرقه حسن. وهذا المعنى الثاني أقرب، هذا المعنى الثاني أقرب، لأن العباس قدم زكاة سنتين، اشتاق النبي عليه الصلاة والسلام، فقدم منه زكاة سنتين. فلما جاء العام الذي ذهب عمر ليجمع الزكاة، امتنع العباس لأنه قد أدى الزكاة في العام الماضي، لأنه أدى الزكاة في العام الماضي، فهذا هو عذر العباس. قال: ما يؤخذ من الحديث. أولا: مشروعية بعض الإمام السعاة لجباية الزكاة. وهذا مر معنا نحوه في حديث معاذ. ثانيا: جواز شكوى من امتنع من الزكاة إلى من يجبره على أدائها. وفيه كذلك أن هذا من اختصاص ولاة الأمور. ومثل بالشكوى كل ممتنع واجب أو فاعل محرما. ثالثا: قبح من جحد نعمة الله عليه شرعا وعقلا، يعني أن الغني الواجب أن يؤدي الزكاة. قال: رابعا: أن الأشياء الموقوفة في سبيل الله أو المعدة للاستعمال، ليس فيها زكاة. وذلك على أن عذره في منع الزكاة هو جعلها وقفا لسبيل الله، أو على معنى أنه جهلها، أو جعلها عندي صواب، جعلها فقوله جهلها خطأ، الذي عنده مثل الذي عندي صواب. قال: أو على معنى أنه جعلها معدة للاستعمال والقنية، يعني ولو للإيجار، فليس فيها زكاة. قال: خامسا: جواز جعل الأشياء وقفا لله تعالى وفي سبيله، مشروعية الوقف. قال: سادسا: أما الاعتذار عن العباس، فيحتمل إفادة جواز تعجيل الزكاة، ويحتمل إفادة جواز تحمل الزكاة عن من وجب عليه. قال: ويبعد أن يمنع العباس الزكاة لغير عذر، يبعد أن يكون ذلك. قال: سابعا: تعظيم العم وكبير حقه، لأنه بمنزلة الأب. هذا خلاصة ما يذكر بالحديث. وعلمنا ما هو الشاهد من الحديث. الشاهد من الحديث: بيان مجموعة من أحكام الزكاة. أولها: إرسال السعاة لجمع الزكاة. وثانيها: إيجاد العذر لمن امتنع عن الزكاة إذا كان له عذر. وثالثها: أن المال المعد للإيجارة أو ما أوقف أو ما كان للاستخدام الشخصي، فإنه ليس فيه زكاة. ورابعها: أنه يجوز تقديم زكاة عامين. وبذلك يكفيه عن زكاة العام الآتي. وهل يجوز أكثر من عامين؟ الصحيح أنه يجوز إذا احتيج إلى ذلك. وهذا الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وانتصر له. طيب، نكتفي بهذا، ونجيب إن شاء الله على هذا السؤال. يقول: هل إذا وجدت كنزا مثل صنم أو غيره، هل لي أن آخذه؟ معرض على الحاكم. إذا كان هذا مما تتابعه الدولة، فيعطى لها، ولا يتاجر به. هذا إذا كان غير كنز، ولكن بعد كسر رأسه، تكسر رأسه، لأن هذا مما أمرت بقطعه، إنما الصورة الرأس، ولا يجوز التجارة بها إذا كانت الدولة منعت من التجارة بها. ولكن الذهب كنز، وليس هو من الآثار. الذهب كنز، فمن وجده في مكان، يعني ليس لأحد، فهو له. وعليه أن يخرج الخمس، بنص حديث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولكن لا يبيعه على هيئته، لا يبيعه على هيئته. وإذا كان سيبيعه على هيئته، فلابد عليه إذا كان معناه أنه قيمته في وصفه لا في جنسه، معناه أنه سيرده إلى الآثار التي منعت من بيعها، وعند ذلك سيفصل، سيفصل رأسه. طيب، نقف هنا، والباقي نقوم له في وقت لاحق. وإلى هنا والحمد لله رب العالمين.