الدرس في شرح كتاب الطهارة 26، الدرس السادس والعشرون (الرابع غسل الرجلين إلى الكعبين ... وأرجلكم إلى الكعبين ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الدرس يشرح فرضية غسل الرجلين إلى الكعبين في الوضوء استنادًا إلى القرآن والسنة، ويوضح شروط المسح على الخفين أو الجوربين عند الحاجة. يُذكر أن هذا الفعل جزء من الوضوء الصحيح.
الدرس يحدد مدة المسح للمقيم يوم وليلة وللمسافر ثلاثة أيام بلياليهن، وتحسب من أول مسحة. يُوضح أيضًا أن المسح لا ينقطع بخلع الخف أو الجورب إذا كان على طهارة، ويجب نزعه عند الغسل من الجنابة.
الدرس يحذر من حضور جنائز الكفار أو أعيادهم أو مواضع تعبدهم لما في ذلك من مخالفة للأدلة الشرعية. يُشير إلى جواز زيارة جيرانهم أو معارفهم في أحزانهم إذا كان في ذلك مصلحة لدعوتهم إلى الإسلام.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فثمة لما أخذناه وكان آخر درسنا في الدرس السابق ما ذكره المؤلف رحمه الله عن مسح الرأس والأذنين، وكان ذلك الثالث من فروض الوضوء. قال رحمه الله تعالى: «الرابع غسل الرجلين إلى الكعبين» لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة:٦]. وهذا هو الرابع من فروض الوضوء الستة التي ذكرت مجملة في أول هذا الفصل. وهذا شروع منه رحمه الله في التفصيل، وسبق علمنا أن التفصيل بعد الإجمال له فوائد. ومن فوائده أولًا: ضبط العلم وحفظه مجملًا، ثم توضيحه مفصلًا، وغير ذلك مما سبقت الإشارة إليه في مثل هذا المعنى. وقوله رحمه الله: «الرابع غسل الرجلين إلى الكعبين»، أي الرابع من فروض الوضوء. وقد سبق أن علمنا أن المؤلف رحمه الله بنى هذا الترتيب كغيره من أهل العلم على أصل ما ورد في الآية، وهي الأصل في هذا الباب. فالله عز وجل ذكر في الآية غسل الوجه واليدين، ومسح الرؤوس، والرابع هو غسل الأرجل. وقوله: «غسل الرجلين إلى الكعبين» مع أن الآية ليس فيها صريح الغسل، لفظ الغسل قال الله عز وجل: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾. أخذ أهل العلم ممن قال بالغسل أخذوه من جهة سياق الآية؛ لأن «أرجلكم» معطوف على منصوب لأنه منصوب، والمنصوب قبله هو الوجه، فعلم أنه معطوف على الوجه الذي حكمه الغسل. وهذه مسألة عظيمة بين أهل السنة وبعض من ضل من المبتدعة، وهم طوائف من الرافضة؛ فإنهم يزعمون أن حكم الأرجل هو المسح، وأنها معطوفة على الرأس، وحكم الرأس المسح. وهذا ليس بصحيح، بل حكم الأرجل إذا كانت مكشوفة الغسل؛ لأنه نص القرآن، وهو كذلك الذي وردت به النصوص الكثيرة من السنة، من فعله عليه الصلاة والسلام، ومن قوله. وتقدم معنا حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه، وعبد الله بن زيد رضي الله تعالى عنه، وغيرها من الأحاديث في صفة وضوء النبي عليه الصلاة والسلام، وفيها غسل الرجلين إلى الكعبين إذا كانتا مكشوفتين. والكعبان هما العظمان الناتئان في أسفل الساق وفي أعلى القدم، وهو الموضع الذي يحصل اتصال القدم بالساق، عظمان ناتئان عن يمين وعن شمال القدم في آخر الساق، هذان هما الكعبان. وحكم الكعبين أنهما يدخلان في الغسل على ما تقدم الكلام عليه في قوله: «إلى المرافق». فإن «إلى» تقتضي بدلالة الشرع واللغة إدخال المغي في المغي فيه. والمراد بالمغي: أي ما وصلت إليه، فكان غاية غاية وصول «إلى» أي حرف الجر «إلى». فمن غسل رجليه لابد أن يرفع الماء فوق الكعبين. وهكذا ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله التشديد في الاعتناء بالرجلين، خصوصًا المواضع التي قد يتساهل فيها مع شدة الحر أو قلة الماء، كالعقب. والعقب هو المكان المنخفض في مؤخرة القدم، وفي أسفل الكعبين. قال النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيحين من حديث «ويل للأعقاب من النار». وللحديث قصة وسبب، وذلك أنهم كانوا في غزوة من الغزوات، فرأى النبي صلى الله عليه وسلم في رجل رجل لمعة -يعني لم يصبها الماء- فقال هذا الحديث عليه الصلاة والسلام. فتبين أن المسلم ينبغي عليه أن يعتني بغسل الرجلين، خصوصًا عند قلة الماء أو شدة الحر أو البرد، وخصوصًا في مثل هذه المواضع التي قد ينساها أو يغفل عنها. وقوله: «لقوله تعالى»، أي الدليل على فرضية غسل الرجلين إلى الكعبين الآية. فدلت الآية على ثلاث مسائل: المسألة الأولى: الغسل، أن الرجلين حكمهما الغسل. والثانية: أن الغسل يكون إلى الكعبين، أي منتهى الغسل. والثالثة: أن الكعبين يدخلان في حكم الغسل. فهذه ثلاث مسائل. وهذا هو الأصل إذا كانت الرجل مكشوفة، فإنه يجب غسلهما إلى الكعبين، وهو من فرائض الوضوء. ومن رحمة الله عز وجل وحكمته، وكذلك لطفه بخلقه -وهو أعلم بمصالحهم سبحانه- خفف عن عباده في غسل الرجلين إذا احتاجوا إلى المسح، أن يمسحوا على الخفين أو ما كان بمعناهما من الجوربين، لكن بشرط. والكيفية الثانية من كيفية غسل الرجلين: أن يكون على الرجلين خف أو جورب، فيجوز المسح على هذا الخف والجورب بشروط. الشرط الأول: أن يكون قد لبس هذا الخف أو الجورب على طهارة، يعني يكون قد غسل الرجلين بوضوء أو بغسل، فيكون إدخال الخف لطهارة كانت في الرجلين. فلا يجوز لبس الخف والمسح عليه بعد ذلك لمن كان طهارته بالتيمم؛ لأنه لم يغسل رجليه؛ لأن أعضاء التيمم كما سيأتي ليس منها غسل الرجلين، مسح الرجلين. ويدل عليه حديث المغيرة بن شعبة في الصحيحين، حين أراد أن ينزع خفي النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: «دعهما؛ فإني أدخلتهما طاهرتين». فاستدل العلماء بهذه الفقرة على أن المسح على الخفين من شرطهما: أن يكون قد لبسهما على طهارة للرجلين، أي بالغسل. الشرط الثاني من شروط المسح على الخفين والجوربين: أن يكون معنى الجورب موافقًا لمعناه الشرعي والعرفي، وذلك بأن يكون ساترًا لأكثر القدم من أطراف الأصابع إلى أعلى الكعبين. فما كان من الأحذية أو الجوارب أسفل من الكعبين لا يجوز المسح عليهما؛ لأنهما ليس على الوصف الشرعي واللغوي لمعنى الخف والجورب، ولا حتى من جهة العرف. وكذلك في المقابل: ما كان من خف أو جورب فيه شيء من الأخراق اليسيرة، لا يضر وجود تلك الأخراق أو التشققات في مسألة المسح على الخف أو على الجورب. وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أنه في زمن الصحابة كان عندهم بعض ذلك، فليس كلهم يتيسر لهم لبس السليم الذي يسلم من الخرق والتشقق، خصوصًا مع فقرهم رضي الله عنهم أرضاهم. ويؤيده حديث ثوبان رضي الله عنه في السنن: «أنهم كانوا يمسحون على العصائب والتساخين». العصائب: ما يعصب على الرأس، والتساخين: ما يعصب على الرجلين. فليس كل الناس في ذاك الزمان يملكون خفافًا أو جوارب أو نعال، ولكن هل كان ذلك مانعًا لهم من أسفارهم وغزواتهم؟ الجواب: لا. فإذا احتاج أحدهم أن يضع شيء على رجله اتقاء الحر أو البرد، عصب على رجله شيء -يعني من الخرق- لفها عليه وسافر. ولا شك أن مثل هذه العصائب قد ترتخي أحيانًا أو يكون بها بعض التشققات، ومع ذلك أخبر ثوبان: «أنهم كانوا يمسحون عليها». فدل على أن وجود الكشف اليسير لبعض القدم لا يضر ولا يمنع من المسح، مع الحرص على ستر كل القدم. الشرط الثالث من شروط المسح للخفين والجوربين: أن يكون المسح عليهما في مدة المسح. ومدة المسح للمقيم يوم وليلة، أي 24 ساعة. وللمسافر ثلاثة أيام بلياليهن، أي ما يعادل 72 ساعة. ويحسب ذلك من بعد أول مسحة مسحها على ذاك الخف أو الجورب. وقد جاء في صحيح مسلم عن علي رضي الله تعالى عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام في أمر مسح المقيم: «أنه يوم وليلة». وفي السنن عن صفوان بن عسال عن النبي عليه الصلاة والسلام: «أنه وقت للمسافر ثلاثة أيام بلياليهن، وللمقيم يوم وليلة». فمثلًا لو أن رجلًا لبس خفه على طهارة في الليل، ومسح أول مسحة على هذا الخف بعد صلاة الفجر -مثلًا الساعة الخامسة- فيجوز لهذا الرجل أن يمسح إن كان مقيمًا على هذا الخف إلى الساعة الخامسة من اليوم التالي. فإذا دخلت الساعة الخامسة من اليوم التالي وأراد أن يمسح، لم يجوز له أن يمسح لانتهاء مدة المسح. وهكذا بالنسبة للمسافر: يجوز له أن يمسح إذا كان كذلك إلى ثلاثة أيام. فإذا انتقض وضوءه ودخل وانتهى وقت المسح، لم يجوز له أن يمسح. فمثلًا لو مسح أول مسحة الساعة الخامسة صباحًا من يوم السبت، جاز له أن يستمر في المسح إن كان مسافرًا إلى يوم الأحد، ثم الاثنين، ثم الثلثاء. فما بعد الساعة الخامسة صباحًا من يوم الثلثاء لا يجوز له المسح. وفي مقابل هذا تنبيه: أن انتهاء مدة المسح لا يعني إنهاء وقطع للطهارة. فمن دخلت عليه الساعة الخامسة -مثلًا- وهو على طهارة، لا تنقطع طهارته؛ لأن انتهاء مدة المسح لا تقطع الطهارة، ولكنها تمنع المسح. فننتبه لهذا المعنى. وهنا يناسب ذكر تنبيه آخر: وهو أن بعض الناس قد يحتاج لتغيير الخف أو الجورب فيخلعه، فيسأل: هل خلع الخف أو الجورب يبطل المسح؟ الجواب: إن خلعه وهو على طهارة، تبقى طهارته، فيلبس الجورب الجديد، ولكن يستمر بمدة مسح الجورب القديم. مثلًا رجل لبس في فجر السبت -لبس في ليلة السبت- جوربًا وهو مسافر، مسح أول مسح الساعة الخامسة، ثم استمر بالمسح إلى يوم الأحد، وهو مسافر. في يوم الأحد أراد أن يغير هذا الجورب، فيقال له: إن خلعت هذا الجورب وأنت على غير طهارة -يعني وضوءك منتقض- انتقض مدة المسح، خلاص ما تستطيع أن تلبس جوربًا مرة أخرى إلا تتوضأ، لابد أن تتوضأ من جديد. وأما إن خلعت هذا الجورب القديم وأنت على طهارة -يعني توضأت ومسحت على الجورب القديم- ثم أردت أن تخلعه، وقد يحتاج الإنسان إلى عدم غسل الرجلين في شدة البرد -مثلًا- فهنا يقال: خلع الخف وهو على طهارة لا ينقض مدة المسح. فإذا لبس -مثلًا يوم الأحد صباح الأحد- خفًا جديدًا وهو على طهارة، خلع الخف القديم أو لبس فوق الخف القديم خفًا جديدًا اتقاء للبرد، ولكن بهذا الشرط: وهو على طهارة، يجوز له أن يستمر في مدته -مدة المسح- لكن بنفس المدة السابقة، يعني يكمل ما بقي من المدة، ليس يستأنف مدة جديدة. وإذا لبس خفًا فوق الخف القديم، يقال فيه مثل ذلك. لو أراد أن يلبس خفًا جديدًا فوق الخف القديم، يقال: إن لبسته وأنت على غير طهارة، لم يجوز لك المسح على الخف الجديد. وإن لبسته وأنت على طهارة، جاز لك أن تمسح عليه وتحته الخف القديم، بشرط أن تستمر في نفس مدة مسح الخف القديم، لا تستأنف مدة جديدة. وفي المسائل هذه خلاف، وهذا هو الصحيح الذي دلت عليه عمومات الأدلة، وقال به جماعة من المحققين من أهل العلم. الشرط الرابع من شروط المسح على الخفين: أن يمسح على الخفين أو الجوربين من الحدث الأصغر فقط، لا من الحدث الأكبر. فيجوز أن يمسح من الحدث الأصغر: بول أو غائط أو هواء. أما إذا كان عليه جنابة -أي حدث أكبر- بأي معنى من معانيه كما سيأتي إن شاء الله، فلا يجوز له أن يمسح، بل يجب أن يغسل الرجلين. لما ثبت في حديث صفوان بن عسال قال: «ولكن من نوم أو بول أو غائط» أي المسح. ومعنى أنه لا يجوز المسح من الحدث الأكبر، بل من أجنب وعليه خف أو جورب، يجب عليه أن ينزع الخف أو الجورب ويغتسل. فإن قال قائل: إن كان لا يستطيع الاغتسال، فماذا يصنع رجل ما يستطيع الاغتسال؟ شدة البرد ما يستطيع الاغتسال، لكن يستطيع يتوضأ، فهل نقول له: توضأ وامسح على الخفين؟ الجواب: لا؛ لأن الوضوء ليس بدلًا عن الغسل. ولكن من لم يستطع الغسل لمرض أو شدة برد، فلينتقل إلى ما؟ إلى التيمم. وإذا تيمم، فلا حاجة له أن ينزع الخف. لكن متى ما استطاع أن يغتسل، كان يشتد حرارة النهαρ -مثلًا- بعض الناس يكون في البادية، وليس عنده ما يسخن الماء، لا يستطيع أن يغتسل من جنابته في الفجر، خصوصًا إذا كان في البرد، ليس عنده ما يحتمي به من شدة البرد، فهنا يقال له: لا بأس، تيمم الآن. وإذا اشتد الحر في الظهر، وجب عليك أن تغتسل، وعند ذلك تنزع الخف والجورب. هذا خلاصة ما يذكر في أحكام المسح على الخفين والجوربين، وهناك تفاصيل أخرى كثيرة، لكن هذا يناسب الاختصار في هذا المقام، والله أعلم. الآن ننتقل إن شاء الله إلى ما يتيسر من الأسئلة. هذه سائلة من بلجيكا تقول: زوجي يقول إنه غير مسلم وليس منا. سألت عدة مرات عن هذا الأمر، وقد أكد لي أنه قد اقتنع بهذا الأمر. قال: إنه يؤمن ببعض القرآن ويستهزئ ببعض، وبالنبي أيضًا. حاولت أن أنصحه، لكن أكد لي -حتى في رمضان- أنه غير مسلم. زوجي نظرته للإسلام بأنه دين للماضي، ويجب علينا الاهتمام أكثر بأمر علوم الدنيا. أيضًا يقول: إنه يكره العرب، ويؤكد أن أهل الكتاب يمكنهم دخول الجنة. وكان يصلي في الماضي؛ لأنني كنت أنصحه، وأقول له: أنني لن أستطيع البقاء معه إذا لم يفعل، فكان يصلي، ثم يقف. وحين كان يصلي، كان يفعل بدون الاعتناء بالوضوء، ويصلي بسرعة. ولقد أصبح الأمر إلى الحد أنه يقول: أنه غير مسلم، ولا أستطيع تغيير رأيه. ماذا أفعل؟ وما نصيحتكم؟ الجواب: حفظك الله، ودفع عنك وعن سائر المسلمين كل سوء ومكروه. أنك إن كنت يئست من نصحه، فعليك مفارقة هذا الرجل. ويخلف الله عز وجل لك بما هو خير لك. ومن ترك شيئًا لله، عوضه الله خيرًا منه. إما أن يتوب ويرجع إلى ربه باستمرار النصح، حتى ولو ابتعدت عنه وفارقتي، فإنه يناصح. فإن تاب، فالحمد لله. وإن لم يتوب، فعسى أن تكره شيئًا وهو خير لكم. ولن يضيع الله عز وجل عبدًا طلب مرضاته وقصد تقواه. والله جل وعلا يقول: ﴿مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:٢-٣]. فالمهم ما دام الأمر كما ذكر، فمثل هذا الكلام وهذه الأفعال، الواحد منها يكون به الكفر والرد والعياذ بالله. فترك الصلاة والإصرار على تركها كفر. قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله: «بين الرجل والشرك والكفر ترك الصلاة». وعند أبي داود وأحمد وغيرهما بإسناد حسن عن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر». فكيف إذا انضاف إلى ذلك الاستهزاء ببعض الأحكام الشرعية، وعدم الرضا بهذا الدين، وغير ذلك مما ذكر في السؤال؟ والله عز وجل أنزل قرآنًا فيه كفر من استهزأ بما هو دون ذلك بكثير، كما في سورة التوبة، حين قال بعض الناس: «ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أكبروا بطونا وأجبنوا عند اللقاء». فأنزل الله عز وجل: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥-٦٦]. فالمهم إذا يئست منه، ففارقيه مع استمرار النصح. عصى الله عز وجل لن يهديه، أو يخلف لك بخير. والله تعالى أعلم. وهذا سائل يقول: نزع الجوربين بعد المسح عليهما، هل يفسد الوضوء؟ الجواب: سبق عليه في الدرس أن نزع الجوربين بعد المسح عليهما، إن كان الوضوء ما زال باقيًا، فالصحيح أن نزعهما لا ينتقض به الوضوء. فإن ردهما وهو على طهارة، استمر على المسح الأول. وأما إن نزعهما وهو على غير طهارة، أو نزعهما وهو على طهارة، ثم انتقضت الطهارة، فلا يجوز له أن يلبسهما، بل لابد أن يغسل رجليه ويتوضأ الوضوء الكامل. والله أعلم. وهذا السائل يسأل يقول: رجل نذر أن لا يتزوج حتى يحج أمه أولًا، ولكن الآن يريد أن يتزوج أولًا. فماذا عليه؟ مع العلم أن الحج في بلادنا صعب؛ لأنه بالقرعة، والله المستعان. الجواب: الواجب على المسلم أن يوفي بنذره. فإن كان لا يستطيع الوفاء به، لوجود مانع أو لوجود ما هو أوجب وأولى لدفع ضرر أشد. مثل هذا السائل قد يكون في أول الأمر لم يحتج إلى الزواج، واستطاع أن يصبر عنه برًا بوالدته. ثم عرض له مما يعرض على الشباب من الحاجة للزواج، وكذلك ما قد يعرض في المجتمع من الفتن ما يدعوه لتعجيل الزواج. فهنا يقال له: أحسنت بتقديم الزواج، والحمد لله. ما جعل الله عز وجل لنا في الدين من حرج. ولكن عليك أن تجعل لهذا النذر كفارة كما وردت في السنة عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «كفارة النذر كفارة يمين». فأطعم عشرة مساكين من أوسط ما تطعم أهل بيتك -يعني من غالب قوت طعامك-. وبهذا إن شاء الله تبرأ ذمتك من هذا النذر. وهذا كفارته. والله أعلم. ننبه هنا بالنسبة لصاحب سؤال النذر: أن النذر يكره؛ لما فيه أولًا من إلزام النفس بما لا قد تستطيعه. وثانيًا لما ورد من الأدلة في ذلك. وقد صح في حديث ابن عمر مطلقًا النهي عن النذر، فقال: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن النذر». ويزداد هذا التأكيد في النهي إذا كان بشرط، مثل قول بعض الناس: «إن شفى الله مريضي، فعليَّ أن أصوم كذا». فهذا أشد. وهذا سائل آخر يقول: أعمل في شركة، وهذه الشركة وضعت قانونًا يمنع الموظفين من صنع الطعام في مكان عملهم. لكن بعض الموظفين يخالفون ويصنعون الطعام في مكان عملهم، بحجة أن مطعم الشركة غير نظيف. فهل يجوز لي أن آكل معهم؟ الجواب: إن كان منع الشركة لا يزال قائمًا، فلا يجوز لك أن تفعل ما يكون فيه اختراق لنظام الشركة. وأنت دخلت في هذا العمل بشروط. ومن هذه الشروط أنك لا تخالف أنظمة العمل. والمسلمون على شروطهم. شروطهم وأما إذا كان مثل هذا النهي والمنع حصل التسامح فيه بمعرفة إدارة الشركة وغض الطرف عنه -ولو كان قد صدر فيه مرسوم، لكن غض الطرف، ما علمهم به- صار مثل الإذن، لكنه إذن غير لفظي. فهنا يكون مثل هذا المعنى رخصة. وقد نص العلماء في كتب القواعد الفقهية بقاعدة دلت عليها عمومات ونصوص، وهي: «الإذن العرفي كالإذن اللفظي». فإذا جرى في عرف الشركة أن مثل هذا الذي يغض عنه الطرف مع العلم به مما يتسامح فيه في حدود، فيأخذ بهذه الرخصة في حدود هذا التسامح. والله أعلم. وهذا سائل يسأل يقول: الجوارب التي تشف، هل يجوز المسح عليها؟ يعني كأنه يقول: التي هي رقيقة، فيظهر لون البشرة من تحتها. هذا النوع من الجوارب اختلف أهل العلم في المسح عليها. والصحيح التفصيل. فما كان لبسه فيه معنى الخف والجوارب من حاجة لابسه إليه، ودفع الحرج والمشقة، فيتناوله الرخصة كغيره من الجوارب والخفاف التي كانت المشقة سببا للتيسير. والأصل عموم التشريع، ولا دليل على النهي عن مثل هذا المعنى من معاني الجوارب. ومثله جوارب بعض الأطباء؛ فإن بعض الأطباء قد يحتاجون إلى لبس الجوارب من هذا النوع، وقد يحتاجون معه إلى المسح. فالصحيح أن الرخصة عامة. وأما ما كان من الجوارب على خلاف ذلك، ليس فيها معنى الخف والجوارب التي يرخص لمثلها، ولا تلبس لدفع مشقة وحرج، فإن مثل ذلك ممكن أن يوجه عليه نهي من نهى من أهل العلم عن مسح ما يشف من الجوارب؛ لأنه أشبه ما يكون بالعبث الذي ليس هو محل ترخيص، كبعض الجوارب التي هي للزينة، فهي لا تستر من برد، ولا تحمي من حر، ولا يحصل فيها مقصد من المقاصد التي لأجلها ينتفع بهذه الرخصة. فمثل هذه تنزع. والله تعالى أعلم. وهذه سائلة من فرنسا تقول: أخت معي تسأل: هل تحضر الجنازة في الكنيسة، وتذهب إلى مقبرة النصارى؟ الجواب: لا يجوز للمسلم ولا للمسلمة حضور أعياد، وكذلك محافل ومواضع تعبد الكفار؛ لما في ذلك أولًا من مخالفة صريحة للأدلة الشرعية في ذلك. فإن الأدلة الشرعية تنهانا عن موالاة الكفار، ومن ذلك حضور مواضع تعبداتهم ومناسكهم وأعيادهم، ومنها الجنائز. قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة:٥١]. وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود:١١٣]. وقال جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان:٧٢]. جاء عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وجماعة من الصحابة والتابعين: أن الزور أعياد المشركين ومواضع عباداتهم. والمعنى الثاني: كذلك حضور مثل هذه المواضع سبب لحصول الضر على المسلم، بما يدخل عليه من بدع وظلالات وعواطف، بسبب جهله. تدخل على هذا المسلم. ولهذا أمر أهل العلم حتى بهجر جنائز بعض أهل البدع، فضلًا عن الكفار؛ لمعنيين: المعنى الأول: تحذيرًا من فعلي مثل هذا المبتدع. فالكافر من باب أولى. وثانيًا: حماية لهذا المسلم السني أن يغتر بمن يشيع ويعظم هذا المبتدع، فيقع في قلبه تعظيم له، واستحسان لطريقته. والكافر من باب أولى. فلهذا ولغيره: لا يجوز للمسلم ولا للمسلمة حضور جنائز ومقابر النصارى، وما كان بمعناه مما هو من خصائص الكفار. فإن قالت السائلة: إذا أردت أن أعزي جارة نصرانية، وأواسيها، بما يكون تأليفًا لها للدخول في دين الإسلام، وحسن تخلق ومعاشرة وخلطة، يكون فيه الدعوة إلى الإسلام. يقال: نحو هذا ممكن. وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يزور اليهود، ويعود بعض مرضى اليهود. وقد صح أنه عاد يهوديًا شابًا يهوديًا قد مرض، فأسلم قبل موته في مرض موته. فلا مانع أن يذهب المسلم أو المسلمة إذا كان في ذلك مصلحة لأجل دين الله سبحانه وتعالى، والدعوة إليه. لكن بما لا يخالف الشرع، يعني لا يحضر وقت الجنازة. ممكن يعتذر عن وقت الجنازة، ويأتي إلى البيت، ونحو ذلك من الأفعال. والله أعلم.