الدرس في كتاب الجهاد والسير 10، تابع الاسترقاق وقتل الجاسوس . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح مفهوم أمان المسلمين ووجوب الوفاء به، ويحذر من نقض هذه الذمة. يعتبر ذلك ظلما عظيما وتشويها لحقيقة الدين.
يناقش أحكام مهادنة الكفار وأخذ الجزية، ويشير إلى جواز الصلح معهم بشرط وجود مصلحة للمسلمين. كما يشير إلى جواز تأبيد المهادنة إذا كانت مقرونة بدفع الجزية.
يناقش مسألة إخراج المشركين من جزيرة العرب مستنداً إلى أحاديث نبوية وأدلة شرعية. يوضح أن وجود المشركين بين المسلمين يفسد دينهم.
يتناول مسألة خطأ الحاكم وسبل معالجته، ويؤكد أن الشرع لا يسمح بمعالجة الخطأ بخطأ أكبر. يجب الانتباه لمثل هذه الأمور لتجنب الفساد.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله، الحمد لله، وصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن والاه. ثم لما سبق من المسائل، قال رحمه الله تعالى: قال: ومن أمنه أحد من المسلمين صار آمنا. ومعناه أن أمان الواحد من المسلمين ملزم لبقية المسلمين. وأشار في الشرح إلى عدد من الأحاديث في هذا الباب، منها ما جاء في الصحيحين من حديث علي رضي الله عنه، وقد روي مطولا، وأشار إلى الشاهد للمسألة مختصرا، أنه قال عليه الصلاة والسلام: «ذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم». ومعناه: إذا أعطى الذمة - والمراد الذمة ها هنا العهد والأمان - واحد، فهي تلزم جميع المسلمين. وجاء في صحيح مسلم كذلك من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أنه قال عليه الصلاة والسلام: «إن ذمة المسلمين واحدة، فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين». ومعناه: لا يجوز أن تخفر ذمة المسلم إذا أعطى أو أعطى هذا المسلم لكافر أمانا. ويدل عليه كذلك ما جاء في الصحيحين في قصة أم هانئ بنت أبي طالب حين أجارت رجلا مشركا عام الفتح - يعني أعطته الأمان - فأراد علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن يقتله، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال عليه الصلاة والسلام: «قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ». فهذا الحديث، والذي قبله، والذي قبله، وأحاديث كثيرة في الباب أشار إلى بعضها في الشرح، تدل على هذا الأصل. ومن ذلك ما أشار في حديث معقل بن يسار، وهو حديث ضعيف، فيه عبد السلام بن أبي الجنوب، وهو واهن، وهو ضعيف، لكن جاء معناه من حديث ابن عباس وجابر، فمعناه صحيح، ولهذا حسنه بعض أهل العلم لغيره. وهذا مع غيره يدل على ثبوت هذا الأصل، أي وجوب إعطاء الأمان لمن أمنه أحد المسلمين. وهذا الأمان كذلك في الإسلام لا يكون عن شهوة وهوى، وإنما يكون لما فيه المصلحة للإسلام والمسلمين. فقد تكون المصلحة تأليف هذا المستأمن، وقد تكون المصلحة الاستعانة به في نصرة الإسلام والمسلمين. فقد يحتاج المسلمون إلى دخول بعض الكفار لمعنى من المعاني ينتفعون بوجودهم إذا لم يجدوا مسلما يقوم بمهمتهم، فدخولهم يكون بأمان أحد المسلمين. فإذا كان كذلك لا يجوز الاعتداء عليه، حتى ولو كان هذا الكافر حربيا. وهذه الأحاديث تدل على ذلك، قال عليه الصلاة والسلام: «فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين». فما تفعله جماعة الفساد من قتل الكفار في بلاد المسلمين، زعما أنهم كفار حربيون، هذا ظلم عظيم، وتشويه لحقيقة هذا الدين، مع ما فيه من التعدي على حدود الله. لأن هؤلاء أدخلهم الحاكم المسلم، فإذا أدخلهم بأمان لا يجوز أن تخفر هذه الذمة بنص هذه الأحاديث. بل معنى هذه الأحاديث في كتاب الله عز وجل، فإن الله عز وجل أمرنا أن نرفع عن الكافر إذا رأينا منه ما يظن فيه الخير له، فإذا دعونا إلى الصلح أمرنا أن نستجيب لهم، وإذا وافقوا على معنى يكون فيه إيقاف القتال، نحن مؤمورون بالاستجابة لذلك. فأين هذا مع ما يفعله هؤلاء؟ فهذا الذي يفعل هو في الحقيقة من أعظم الفساد، ومن الخروج على حدود الله. فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن ذمة المسلمين واحدة، فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين». إذا كان هذا في مسلم عادي، فكيف بولي الأمر؟ وكيف بجماعة المسلمين؟ فهو أشد. فلا يجوز نقض هذه الذمة ما دام أنه دخل إلى بلاد المسلمين بأمان، هذا ولو كان حربيا. فكيف إذا لم يكن حربيا، بل هو قد يكون أصله من أهل الذمة أو من أهل العهد والميثاق؟ فهذا أشد وأشد. قال رحمه الله: والرسول كالمؤمن. ومعناه أن الرسل لا يجوز الاعتداء عليها. والمراد بالرسول: من يأتي إلى بلاد المسلمين مرسلا من قبل الكفار. لأن هذا أولا نص عليه الشرع، ولأنه من نقض العهد والميثاق الذي قد نهينا عنه. وفي الباب أحاديث كثيرة أشار إلى بعضها. فمن ذلك الكثير حديث نعيم بن مسعود عند أحمد وغيره، أنه قال عليه الصلاة والسلام لرسل مسيلمة الكذاب: «لو كنت قاتلا رسولا لقتلتكما». والحديث حسن بمجموع طرقه، وقد صححه الشيخ الألباني رحمه الله في صحيح الجامع وغيره. رواه أحمد والطبراني وغيرهما. وهكذا جاء من حديث عبد الله بن مسعود من طريق بيان عنه، وهو كذلك صحيح. وقد صححه جماعة من الحفاظ. وأحاديث أخرى في الباب أشار إليها تدل على هذا الأصل، فلا يجوز قتل الرسل، ولو جاءوا حتى بتهديد للمسلمين، ما دام الرسول فلا يجوز أن يقتل، بل ينبغي أن يرجع آمنا كما تقدم. لأن الشرع أمر بذلك، ولأنه نقض للعهد والميثاق، ولأنه يؤدي إلى مفسدة وهو المعاملة بالمثل مع الرسل، ولا يجوز ذلك. قال رحمه الله تعالى: وتجوز مهادنة الكفار ولو بشرط وإلى أجل أكثره عشر سنين. أما جواز مهادنة الكفار فأدلة ذلك كثيرة من الكتاب ومن السنة. فهم إذا دعونا للسلم أمرنا ربنا جل وعلا أن نستجيب لذلك، وإذا طلبوا الصلح فإننا نوافق على ذلك لأن ذلك خير من الحرب. ففي الصلح والسلام يغزو الإسلام بلاد الكفر بالحج والبرهان، فيكون بذلك نفع. ومن ذلك ما وقع في صلح الحديبية، والحديث في الصحيحين عن عدد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وقوله: ولو بشرط، يعني ولو كان هناك شروط، بل ولو كانت الشروط فيها غضاضة على المسلمين، إذا كان الصلح فيه مصلحة الإسلام والمسلمين، فلا بأس أن يوافق المسلمون على هذا الصلح. قد تكون المصلحة دخول الإسلام في بلاد الكفار، وقد تكون المصلحة ضعف المسلمين وعدم قدرتهم على دفع شر الكفار، وقد تكون المصلحة غير ذلك. فالمهم إن كانت هناك مصلحة فيجوز مثل هذا الصلح. وهذا كما مر ليس بالهواء، ولكن بضوابط وشروط ومسائل نص عليها العلماء مبسوطة في كتب الفقه والحديث، حتى لا يظن أن مثل هذا يكون بالتشهي والهواء. فهذا ليس بالصحيح، بل هذا كله منضبط بعلم من أدلة الكتاب والسنة، وفهم السلف الصالح، وما كان عليه سيرة النبي عليه الصلاة والسلام. ودقائق وتفاصيل نقلها وذكرها العلماء، كلها يستفيد منها العلماء ما يكون به إتمام مثل هذه الأمور. وقوله: إلى أجل، يعني يجوز أن يكون الصلح إلى أجل. قال: أكثره عشر سنين. هكذا قال رحمه الله. والصحيح أنه بحسب المصلحة، ولو أكثر من عشر سنين. بل نص بعض أهل العلم، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، كما في كتاب الاختيارات المنقول عنه، أنه يجوز ولو كان مطلقا. لأن الأمر يدور بحسب المصلحة، فقد تقتضي المصلحة أن يعقد صلح مطلق، فلا بأس يعقده المسلمون إذا اضطروا إليه، خصوصا إذا اضطروا إليه. ثم بعد ذلك ما في شيء يدوم، من عنده خبرة بهذه الحياة، وما عليه حال الكفار، يعلم أنه لا يدوم. فهؤلاء المشركون في زمن النبي صلى الله عليه وسلم صالحوه على عشر سنين، ما تم العشر حتى نقضوا الصلح. فإذا حتى لو كان الصلح مطلقا، فإن المطلق لا يدوم، الغالب أن الكفار ينقضون مواثيقهم وعهودهم، ما دام أهل الإسلام احتاجوا إلى ذلك واضطروا إليه، فلا بأس حتى ولو كان مطلقا، لا مانع من ذلك. لأن الأمر وقع بضرورة، ونص العلماء على ذلك لعلمهم أن الأدلة دلت على هذا المعنى. وأشار في الشرح إلى بعض هذه الأدلة، منها ما تقدم في صلح الحديبية، وغيرها كثير مما يدل على هذا المعنى. قال رحمه الله بعده: ويجوز تأبيد المهادنة بالجزية. قال: ويجوز تأبيد المهادنة، يعني أن الهدنة إلى أبد الآبدين إذا كان فيها جزية. وهذا المعنى كذلك جاءت فيه أحاديث وآثار تدل على هذا. أشار بالصحيحين لحديث عمر بن الخطاب في بعث النبي صلى الله عليه وسلم لأبي عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها، وقد صالح أهل البحرين على هذا المعنى. وهكذا كذلك في الباب أدلة كثيرة أشار إلى بعضها، مراسيل وموقفات وأحاديث مرفوعة، وجرى عليه عمل أهل العلم، بل والسلف الصالح في آثار صحيحة مروية تدل على هذا المعنى، وعمومات الأدلة تدل عليه. وفي الشرح أشار إلى بعض ذلك. وقال بعده رحمه الله: ويمنع المشركون وأهل الذمة من السكون في جزيرة العرب. وهذه مسألة كذلك تلحق بهذا الفصل. وأدلة ذلك كثيرة، منها ما أشار إليه في حديث ابن عباس في الصحيحين: «أوصى النبي عليه الصلاة والسلام عند موته بثلاث وصايا، منها إخراج المشركين من جزيرة العرب». وأشار إلى الحديث الأخرى حديث عمر، وكذلك حديث عائشة، وجماعة من الصحابة في هذا المعنى. ولكن أهل العلم اختلفوا: ما هي جزيرة العرب؟ فمن قائل: أنها الحجاز وما حولها. ومن قائل: تشمل الجزيرة من البحر إلى البحر، فيدخل في ذلك الحجاز واليمن وعمان والبحرين وما حولها. فكل ذلك والمراد البحرين: كل ما كان في جهة بحر الخليج، كان يسمى في القديم بحرين، أي ما كان في جهة البحرين بحر الخليج وما جاوره من بحر آخر. فهذا القول الأخير هو الصحيح، وهو الذي أشار إليه المؤلف رحمه الله في الشرح، وهو معنى جزيرة العرب في اللغة وفي العرف، والصحيح أنه كذلك في الشرع. وأما ما ورد في حديث عبيدة: «أن آخر ما تكلم به النبي عليه الصلاة والسلام: أخرجوا يهود الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب»، فهذا أولا لم يصح. ولو صح معناه، فهو ليس مقيدا، بل معناه تخصيص هؤلاء، والابتداء بإخراج هؤلاء. وكما أشار رحمه الله إلى معنى هذا الذي ذكر، وقد جاءت أحاديث كثيرة عامة، فالواجب العمل بهذا العموم. ولأن المصلحة للمسلمين إبعاد المشركين من جزيرة العرب، وتدل على ذلك أدلة أخرى. فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الأرض تفسد إذا فسد العرب أو أهل جزيرة العرب، فصلاحهم صلاح للناس، وفسادهم فساد للناس، وبقاء المشركين بين أظهرهم من أعظم المفسدات لهم. وهذا يؤيد عموم ما ورد في هذا الباب. ولا يشكل على هذا إبقاء الصحابة في عهد أبي بكر وعمر لليهود في اليمن، فقد أجاب العلماء عن ذلك: أنهم أبقوهم لأن نيتهم الإخراج، ولكن بالتدرج، كما أخرج اليهود في زمن النبي صلى الله عليه وسلم بالتدرج، ما أخرجوا جميعا دفعة واحدة، وفي مرة واحدة، وإنما شيئا فشيئا، حتى أجلاهم عمر رضي الله عنه في عهده، أي من حول المدينة. وهكذا كذلك أهل نجران، نصارى نجران. وهكذا كذلك ينبغي أن يكون بالنسبة ليهود اليمن، عملا بعموم الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أخرج المشركين من جزيرة العرب». هذا هو الواجب، حماية لبقاء صفاء هذا الدين في الجزيرة. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أيسر الشيطان أن يعبده المصلون في جزيرة العرب». وهذا وغيره من الأحاديث تدل وتؤكد هذا المعنى، فهو خبر يتضمن معنى الإنشاء، يعني كما أنه خبر، كذلك يطلب من أهل هذا الدين أن ينقوا جزيرة العرب مما يطمع فيه شياطين الجن والإنس، ومنها إخراج المشركين منها. فلا يبقى دينان في جزيرة العرب، بل دين واحد. وها هنا تنبيه فيما يتعلق بدخول بعض المشركين بأمان أو لمعنى آخر لما فيه من مصلحة الإسلام والمسلمين: هل ينافي إدخال المشركين إلى جزيرة العرب؟ الجواب: لا. لأن ذلك دلت عليه الأدلة الشرعية، ولأنه مما تقتضيه الحاجة، بل ربما الضرورة. فالمسلمون قد يحتاجون إلى بعض الكفار للاستفادة من ما معهم من معارف. وهذا جائز أن يستعين المسلمون بالكفار عند الضرورة، فالاستعانة بالمشرك عند الضرورة جائزة، وتدل على ذلك أدلة كثيرة ذكرها العلماء بتفاصيل في مواضع، وقد مرت معنا في بعض دروسنا السابقة ما يدل على هذا المعنى. فبهذا نكون قد انتهينا من هذا الفصل الذي ذكره رحمه الله فيما يتعلق بهذا الكتاب. وما بقي إن شاء الله يترك بدرس لاحق. «ذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم». كيف الرجل المسلم، ولكنه نهج وحدة الأديان، ويحب أن يكفل هؤلاء الكفار. ومع ذلك... المهم السؤال: هل مثل هؤلاء لهم ذمة؟ الجواب: نعم، ما داموا دخلوا بأمان، فلا يجوز أن ينقض الأمان. الحاكم قد يخطئ، لكن هل الخطأ يعالج بخطأ أكبر منه؟ الشرع ما يأذن بمثل هذا. فننتبه لمثل هذا الأمر الذي قد يكون شبهة لبعض الناس يتعلق بها لفعل ما فيه فساد. والله تعالى أعلم.