الدرس في كتاب الطهارة 4، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل أحكام المياه وطرق تطهيرها عند وقوع النجاسة فيها، ويشرح كيفية التمييز بين القليل والكثير من الماء وتأثير النجاسة عليه. يُوضح أن الماء يطهر بالنزح حتى لو بقيت رائحة أو طعم النجاسة بعد إزالتها.
يناقش هذا الفصل حكم الماء الدائم والساكن والمتحرك، ويوضح أن النهي عن الاغتسال في الماء الدائم يرجع إلى كونه مظنة للتلوث. كما يفرق بين الماء الدائم والجاري من حيث جواز البول والاغتسال فيه.
يتناول هذا الفصل حكم استعمال الماء المستعمل وسؤر الآدمي والبهائم في الطهارة، حيث يرى أن الماء المستعمل يجوز التطهر به، وسؤر الآدمي لا يضر. كما يبين حكم سؤر بهيمة الأنعام وما لا يؤكل لحمه.
يلخص هذا الفصل مسائل الماء التي تمت مناقشتها، مشيراً إلى أنه لا فرق بين الماء القليل والكثير في الحكم الشرعي إلا إذا تغير أحد أوصافه. ويختتم الحديث عن أحكام المياه.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة لكتابي متن الدرر، مجموعة من المسائل التي ذكرت في كتاب، التي ذكرت في كتاب أو فيما يتعلق بأحكام المياه من كتاب الطهارة. وكان مما مر معنا المسألة الثانية والثالثة والرابعة. وقلنا أن المسألة الثالثة من مسائل هذا الباب، المسألة الثانية منها أن ما فرج عن الوصفين فإنه لا يخرج عن الوصفين إلا ما غير ريحه ولونه وطعمه من النجاسة. فالمراد بالوصفين هما طاهر ومتحرك، ودليله أدلة صحيحة صريحة، وأدلة صحيحة غير صريحة، مثل حديث غيرة والريح. المسألة الثانية: المذل المذل إلا ما غالب أولا يش أولا طعمه، حديث أبي أمامة هو ضعيف، لكن قام الدليل على ذلك. المسألة الثالثة التي أفضناها هي: ما خرج عنه الثاني، ما هو الثاني؟ ما المراد بالثاني؟ ما خرج عنه الثاني، أي بمعنى طهور، كونه طهور يعني يكون طاهرًا بنفسه، غير مطهر لغيره. وما هذا الذي يكون طاهرًا بنفسه وغير مطهر لغيره؟ لا يوجد. إذا ما هو من المياه الذي نقول أنه طاهر غير مطهر؟ فما هذا؟ لن نريد الصواب يعني حتى وهذا الذي هو طاهر غير مطهر ما هو؟ مثل ما نزع منه اسم الماء. فالماء إذا حار، طاهر، فنزع اسمه فهو طاهر غير مطهر. والمسألة الرابعة: الفرق بين القليل والكثير، فما حد الفرق بين القليل والكثير؟ ما يفيده الإجماع، الحد إذا تغير أحد أوصافه الثلاثة، يعني ما يحد القليل والكثير بالنجاسة إلا إذا تغير. وهنا لا نستفيد شيئًا أن القليل مظنة النجاسة، والكثير مظنة عدم التغير والتنجس، وإلا بالعبرة كما سبق بتغير أحد الصفات الثلاث. ومر ما أنه استثني أشياء، ما هذا الذي استثني؟ مثل ماذا؟ المجاورة، ما كان التغيير بالمجاورة فإنه لا يضر بالإجماع. والثاني: إذا كان جاريًا فسقطت فيه نجاسة، أنه لا يضر، مثل البحار وما كان بمعناها من الأنهار. وهنا يأتي سؤال سأل به أحد الإخوة، وللفائدة نعيده. إذا وقعت ميتة أو نجاسة في بئر أو ما كان بمعناها، كيف يطهر هذا؟ الجواب أن أهل العلم ذكروا في تطهير ما كان مثل هذا أنه يطهر بالنزح، وسنأتي إن شاء الله نشير إليه في أحكام النجاسات. لكن نريد أن نكرر هذا هنا للتنبه إلى ثمرة هذا السؤال. ذكروا أنه يطهر بالنزح، ينزح النجاسة وينزح الماء، فإذا نزحت النجاسة ونزح أكثر الماء ولم يبق للنجاسة أثر، لكن بقي بعض الطعم أو الريح في ماء كثير. والقول الراجح من أقوال أهل العلم أنه لا يضر بعد ذهاب عين النجاسة، لأن هذا حصل بالمجاورة، هذه الريحة الباقية باقية بالمجاورة، وليس بالمخالطة، لأن عين النجاسة قد ذهبت. والغالب أن هذا يذهب بعد أيام، خصوصًا في الآبار، إذا وقعت فيها ميتة بسبب انكتم الهواء فيها يتأخر أثر الريح الميتة. ولو نزحت الميتة ولو نزح الماء كله الذي بالبئر. تعرفون بعض الآبار ماء قليل، ينزح الماء حتى ينتهي، ثم يجتمع ماء آخر. ومع ذلك يأتي الماء الجديد، وإذا شممته وجدت فيه رائحة الميتة. من أين أتت رائحة الميتة؟ فهل نقول إن هذا الماء نجس؟ الجواب: لا، ليس بنجس، لأن هذه الرائحة جاءت من المجاورة. ومثله كذلك ما يقع في البراميل أو أتباع الخزانات الكبيرة التي تكون للمياه، تسقط فيها بعض الطيور أحيانًا، فتحدث فيها رائحة. فإذا نسح هذا الطيب وكب ذاك الماء وصب ماء جديد، فإنه يبقى أثر هذه الرائحة ربما يوم ويومين. فهل هذا يكون حكمه حكم الماء النجس؟ الجواب: لا، ما يكون حكمه حكم الماء النجس، لأن هذه الرائحة لم تأت بالمخالطة، وإنما أتت بالمجاورة. قال رحمه الله تعالى: "ومتحرك وساكن"، وهذه هي المسألة الخامسة من مسائل هذا الباب. قال رحمه الله: "ومتحرك وساكن"، يعني كذلك لا فرق بين قليل وكثير، وما فرقوا القلتين وما دونهما. وكذلك متحرك وساكن، ويريد بذلك أن يشير إلى مسألة ذكرها جمهور أهل العلم، لكن ليس بهذا النص، وهي ما تسمى في الماء الدائم حكم الماء الدائم. وهذا الذي عبر به رحمه الله وأشار إليه بشرحه تعبير غير دقيق، وقد انتقد بعض أهل العلم هذا التعبير من المؤلف رحمه الله تعالى، لأنه أولًا تعبير مخالف للنص، فالنص إنما جاء في الماء الدائم. فالأحاديث الواردة فيها النهي عن الاغتسال في الماء الدائم وهو جنب، أو لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري. فهذه الأحاديث إنما جاء فيها ذكر الماء الدائم، ولم يأت فيها ذكر الماء الساكن والمتحرك، وإنما الدائم وضده الجاري. فهي إذن مسألتان: مسألة الماء الدائم، ومسألة الماء الساكن. فالماء الدائم هو الماء الماكث في مكان معين محصور. فهذا قد جاء النهي عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الاغتسال فيه والبول فيه. ولكن يلتفت منه هذا الذي جاء في الشرع، فهل هذا النهي الذي ورد يدل على عدم مشروعية هذا التطهر الذي يقع وعدم صحة ذلك؟ ذهب بعض الظاهرية إلى ذلك. وهذا الذي جعل المؤلف رحمه الله يعدل إلى تعبير الساكن والمتحرك. والصحيح أنه لا عبرة بهذا الوصف، إنما العبرة بالدائم، ليس بالسكون. وإن كان بعض الحنفية قد أشار إلى ذلك، لأن وجد ما إذا حركت قرفه لم يتحرك القرف الآخر، يعني في الماء الكثير والقليل. وهذا ليس بصحيح، لأن بعضه قد يكون غزيرًا ويتحرك القرف الآخر. فقلنا إذن هي مسألتان: المسألة الأولى هي مسألة الماء الدائم. والصحيح أن الذي ورد من نهي إنما كان لأن ذلك مظنة التلوث، الاغتسال بالماء الدائم من الجنابة مظنة التلوث، والبول بالماء الدائم مظنة التلوث. فلأجل هذا ورد النهي عن النبي عليه الصلاة والسلام، وليس معناه أن من فعل ذلك لا يصح منه، ما دام الماء طاهرًا مطهرًا. وكل ماء طاهر فهو مطهر، فإنه يجوز. وإنما ورد النهي لأجل أن هذا الفعل هو مظنة التلوث لهذا الماء. فإن الماء إذا اغتسل به وهو دائم كان هذا سببًا لتغيره، فإذا تغير ظهرت عليه آثار النجاسة في المستقبل بكثرة البول به، ولو كان كثيرًا. بكثرة البول به يتغير، وبكثرة اغتسال الجنب به كذلك يتغير. فلأجل هذا جاء النهي عن النبي عليه الصلاة والسلام. وأما الجاري فلا شك في جواز الاغتسال به والبول به، يجوز البول به والاغتسال به، على أن الإنسان يتنبه كذلك ما يضر الناس، لعموم الأدلة الواردة في ذلك. يعني إذا كان البول سيضر الآخرين فلا شك أنه لا يجوز به. وأما مثل البحار الكبيرة والأنهار الكبيرة فإنه لا شك بأنه لا حرج في ذلك. قال رحمه الله: "مستعمل وغير مستعمل"، وهذه المسألة السادسة من مسائل هذا الباب، بأنه كذلك لا فرق بين ماء مستعمل وغير مستعمل. وإن أهل العلم اختلفوا بذلك في حكم الإجزاء بالتطهر بالماء المستعمل. والذي تجتمع به الأدلة الواردة في هذا الباب أن الماء المستعمل يجوز التطهر به، وهو خلاف الأفضل والأكمل. فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما يدل على جواز ذلك، وجاء عنه عليه الصلاة والسلام ما يدل على المنع منه. فمما جاء مما يدل على المنع ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام عن عدد من الصحابة، ومنهم رجل غير مسمى، ورواه الإمام أحمد وأبو داود. وجاء في رواية أنه حكم بن عمر الغفاري أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة، وأن تتوضأ المرأة بفضل الرجل. وجاء كذلك معنى ذلك عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والعكس رواية عنه عليه الصلاة والسلام أنه توضأ بفضل وجوه بعض أزواجه، فقيل له: أن هذا فضل جنابة أو جنب، فقال: "إن الماء لا يجنب، إن الماء لا يجنب"، كما ورد في حديث ابن عباس الذي رواه الإمام أحمد والنسائي وأبو داود بإسناد حسن. وجاء كذلك في حديث عائشة في رواية مسلم أنها كانت تغتسل مع النبي عليه الصلاة والسلام من إناء واحد، يغترف كل منهما منه، أو قالت: "نغترف منه جميعًا". وغيرها من الأحاديث التي تدل على هذا المعنى. وضرب البخاري رحمه الله في صحيحه بابًا فقال: "باب استعمال وضوء الناس، وما ورد فيه، ووضوء الرجل مع امرأته، وفضل وضوء المرأة". ثم ذكر الأحاديث التي تدل على المشروعية والجواز. مما يدل على أن الذي ورد منه ما هو ضعيف لا يصح، ومنه ما هو صحيح، لكن أقصى ما يدل على أنه خلاف الأولى، وأنه فقط للكراهة، لأنه مظنة التغير، هذا خلاصة ما يذكر بهذه المسألة الأخيرة. وبه نعرف مسألة يسميها بعض أهل العلم بسؤر الآدمي، وهي هذه المسألة بعينها، بأن سؤر الآدمي إذا كان بوضوءه لا يضر، فسؤره أي بقايا جربه فكذلك لا يضر. وهذا هو القول الصحيح. وإذا كان كذلك تلحق بهذه المسألة مسألة سابعة، وهي سؤر البهائم والدواب، ما حكمها؟ ذكر العلماء في ذلك على قسمين: قسم من الدواب ما هي من بهيمة الأنعام مما أحل الله أكلها، فلا خلاف بين أهل العلم في جواز التطهر بقايا سؤرها، أي من الماء. والقسم الثاني ما لا يؤكل لحمها، اختلف أهل العلم فيها. فذهب بعض أهل العلم إلى المنع، وذهب بعض أهل العلم إلى الجواز. ومن ذهب إلى الجواز بقي على الأصل، ومن ذهب إلى المنع استدل بأقياس ونحو ذلك، وليس بشيء صحيح صريح. إلا ما روي في الكلب خاصة، فقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا". الحديث. وفي رواية: "بل يرقه". وهذه الرواية بعض أهل العلم حكم عليها بالشذوذ. وسيأتي إن شاء الله الكلام عليها. لكن المراد الآن حكم الماء، وأن بعض أهل العلم قاس على الكلب غيره من الدواب التي لا يؤكل لحمها. والصواب أن المسألة تعبدية، وأن ولغ الكلب في الماء إذا لم يغيره فإنه لا يضر، لما سبق من المسألة الرابعة في الفرق بين الماء القليل والكثير. فلا فرق بين الماء القليل ولا الكثير إلا ما غير أحد أوصافه. وهذا هو خلاصة هذه المسائل، وبهذا نكتفي وننتهي من هذا الباب، وإلى هنا والحمد لله رب العالمين.