اللقاء المفتوح 43

السؤال: اللقاء المفتوح 43، وكان يوم الاثنين 6 شعبان 1444هـ الموافق 27 فبراير 2023م بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر أجاب عنه الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة عن فضل شهر شعبان والاستعداد لرمضان

يُشيد الخطيب بجهود الشيخ عبد الله بن عمر بن بريك ويتحدث عن فضل شهر شعبان حيث ترفع الأعمال إلى الله. يحث على الاقتداء بالنبي ﷺ في كثرة العبادة.

أهمية مجالس العلم في الاستعداد لرمضان

يبرز أهمية مجالس العلم في نيل الرحمة والسكينة ويحث على الاستعداد لرمضان بمجالس العلم والتفقه في أحكام الصيام والقيام.

نصائح وتوجيهات حول العبادات والمعاملات

يتناول المقطع عدة أسئلة حول تقسيم الميراث وأداء العمرة عن الغير وزيارة القبور وتنفيذ وصية المتوفى بسقاية الماء.

التفريغ النصي الكامل

﴿ إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا أَمَّا بَعْدُ عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانِي فِي اللَّهِ فَإِنَّنَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ بِإِذْنِ اللَّهِ مَعَ لِقَاءٍ مَفْتُوحٍ مَعَ شَيْخِنَا وَوَالِدِنَا مَعَ الشَّيْخِ الْمُبَارَكِ الْمُرَبِّي أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مُرَعِيٍّ بْنِ بُرَيْكٍ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَرَعَاهُ وَسَدَّدَ رَبِّي عَلَى الْخَيْرِ خَطَاهُ وَسَلَّمَهُ اللَّهُ وَعَافَاهُ وَأَطَالَ اللَّهُ فِي عُمُرِهِ وَأَبْقَاهُ وَهُوَ الْقَائِمُ عَلَى دَارِ الْحَدِيثِ بِالْفُيُوشِ بِالتَّدْرِيسِ وَالتَّعْلِيمِ وَهُوَ كَذَلِكَ الْقَائِمُ عَلَى هَذِهِ الدَّارِ بِالْإِشْرَافِ وَالتَّدْبِيرِ فَجَزَاهُ اللَّهُ خَيْرَ الْجَزَاءِ كَانَ بَذْلٌ مِنْ وَقْتِهِ وَمَالِهِ وَمِنْ جَهْدِهِ وَوَلَدِهِ وَعِيَالِهِ فِي سَبِيلِ النَّهُوضِ بِهَذِهِ الدَّعْوَةِ الْمُبَارَكَةِ لَأَقُولُ تَشْهَدُ لَهُ بِذَلِكَ مَيَادِينُ الْعِلْمِ وَالْقُرْآنِ فَقَطْ بَلْ وَكَذَلِكَ تَشْهَدُ لَهُ مَيَادِينُ الْجِهَادِ وَالْقِتَالِ دَعَا بِنَفْسِهِ بِلِسَانِهِ وَأَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَجَاهَدَ كَذَلِكَ بِسِلَاحِهِ وَسِنَانِهِ فَنَسْأَلُ اللَّهَ جَلَّ فِي عُلَاهُ أَنْ يُبَارِكَ فِي جُهُودِهِ وَأَنْ يَحْفَظَهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ وَأَنْ يَنْفَعَ بِهِ الْبِلَادَ وَالْعِبَادَ وَأَنْ يَجْعَلَهُ مِفْتَاحَ خَيْرٍ مِغْلَاقَ شَرٍّ ﴾. إِخْوَانِي فِي اللَّهِ الْحُضُورُ الْكِرَامُ، فَإِنَّنِي فِي هَذَا الْمَقَامِ لَأُرَحِّبُ بِشَيْخِنَا أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَهَكَذَا نُرَحِّبُ مَنْ أَتَى وَوَفَدَ مَعَهُ مِنْ إِخْوَانِهِ وَأَحْبَابِهِ وَمِنْ طُلَّابِهِ وَحُرَّاسِهِ، فَنَقُولُ لَهُمْ: أَهْلًا وَسَهْلًا، نَزَلْتُمْ سَهْلًا وَوَجَدْتُمْ أَهْلًا، طِبْتُمْ وَطَابَ مَمْشَاكُمْ وَتَبَوَأْتُمْ مِنْ الْجَنَّةِ مَنْزِلًا. عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانِي فِي اللَّهِ، إِنَّ هَذَا اللِّقَاءَ لَيَنْعَقِدُ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَفِي هَذَا الشَّهْرِ الْمُفَضَّلِ فِي شَهْرِ شَعْبَانَ، هَذَا الشَّهْرِ الَّذِي مَيَّزَهُ اللَّهُ عَنْ بَقِيَّةِ الشُّهُورِ وَالْأَيَّامِ أَنْ جَعَلَهُ زَمَنًا تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ، كَمَا صَحَّتْ بِذَلِكَ الْآثَارُ وَالْأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِنَا الْمُصْطَفَى ﷺ. وَإِنَّ الْمُسْلِمَ إِزَاءَ هَذِهِ الْخَصِيصَةِ وَهَذِهِ الْفَضِيلَةِ الَّتِي جُعِلَتْ لِهَذَا الزَّمَانِ عَلَيْهِ أَنْ يَتَأَسَّى وَيَقْتَدِيَ بِرَسُولِ الْأَنَامِ ﷺ، إِذْ أَنَّهُ كَانَ يُشَمِّرُ عَنْ سَاعِدِ الْجِدِّ فِي الْعِبَادَةِ وَالتَّعَبُّدِ، فَكَانَ ﷺ يُكْثِرُ مِنْ صِيَامِ شَعْبَانَ، تَقُولُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلَّا قَلِيلًا»، وَقَالَتْ: «وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ». فَكَانَ ﷺ يُكْثِرُ مِنْ الْعِبَادَةِ وَالتَّعَبُّدِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَيَّامِ، وَلَيْسَ هَذَا مُخْتَصًّا بِالصِّيَامِ، بَلْ إِنَّ الْعُلَمَاءَ فَتَحُوا الْمَقَامَ لِسَائِرِ الطَّاعَاتِ وَالْعِبَادَاتِ، يَقُولُ عَلَامَةُ ابْنُ رَجَبٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: «لَمَّا كَانَ شَعْبَانُ كَمُقَدِّمَةٍ لِرَمَضَانَ، فَإِنَّهُ شُرِعَ فِيهِ مَا يُشْرَعُ فِي رَمَضَانَ مِنْ صِيَامٍ وَقِرَاءَةِ قُرْآنٍ»، وَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاءُ: «إِنَّ الْحِكْمَةَ مِنْ ذَلِكَ تَرْوِيضُ النَّفْسِ لِكَيْ تَتَهَيَّأَ فِي اسْتِقْبَالِ رَمَضَانَ». وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا يُسْتَقْبَلُ بِهِ رَمَضَانُ، وَمِنْ أَعْظَمِ مَا يُتَعَبَّدُ بِهِ اللَّهُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ، مَا يَكُونُ مِنْ الْجُلُوسِ فِي مَوَائِدِ الْعِلْمِ وَالْقُرْآنِ، هَذِهِ الْمَجَالِسُ الْمُبَارَكَةُ الَّتِي مَنْ انْضَمَّ إِلَيْهَا وَمَنْ اجْتَمَعَ إِلَيْهَا، فَاللَّهُ جَلَّ وَعَلَا يُعَامِلُهُ بِالْمِثْلِ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «أَمَا أَحَدُهُمْ فَآوَى إِلَى اللَّهِ فَآوَاهُ اللَّهُ». إِخْوَانِي فِي اللَّهِ، لَا أُطِيلُ عَلَيْكُمْ بِالْكَلَامِ، فَإِنْ شَاءَ اللَّهُ اللِّقَاءُ الْمَفْتُوحُ مَعَ شَيْخِنَا أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بَعْدَ رَكْعَتَيِ السُّنَّةِ الرَّاتِبَةِ، فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ سُؤَالٌ أَوْ اسْتِفْهَامٌ أَوْ اسْتِشْكَالٌ فَلْيَكْتُبْهُ فِي وَرَقَةٍ وَلْيُرْسِلْهُ إِلَى شَيْخِنَا حَتَّى يُتَحِفَنَا حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْإِجَابَاتِ الَّتِي فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ. فَأَسْأَلُ الْمَوْلَى جَلَّ وَعَلَا أَنْ يَنْفَعَنَا بِمَا قُلْنَا، إِنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ أَمَّا بَعْدُ فَنَحْمَدُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ الَّذِي أَنْعَمَ عَلَيْنَا بِنِعَمٍ كَثِيرَةٍ لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى وَنُخَصِّصُهُ سُبْحَانَهُ بِالْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ عَلَى مَا خَصَّنَا مِنْ نِعْمَةِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَالتَّوْفِيقِ لِسُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَذَلِكَ عَظِيمٌ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ. كَمَا نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ الَّذِي يَسَّرَ لَنَا مِثْلَ هَذِهِ الْمَجَالِسِ الطَّيِّبَةِ الْمُبَارَكَةِ نَجْتَمِعُ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ لَا لِأَحْسَابٍ وَلَا لِأَنْسَابٍ وَلَا لِأَعْرَاضٍ وَلَا لِأَغْرَاضٍ وَلَكِنَّنَا نَرْجُو مَا عِنْدَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى نَجْتَمِعُ لِنَتَذَاكَرَ مَا يَنْفَعُنَا مِنْ عِلْمٍ نَافِعٍ، مَا يُعِينُنَا عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ، فَنَسْأَلُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ يَجْعَلَ مَجْلِسَنَا هَذَا مَجْلِسَ خَيْرٍ وَبَرَكَةٍ وَنَفْعٍ وَنِعْمَةٍ. وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ». فَهَذِهِ أَرْبَعُ جَوَائِزَ عَظِيمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ لِمَنْ وَفَّقَهُ لِمَجْلِسِ الْعِلْمِ. وَكَذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الثَّلَاثَةِ نَفَرٍ الَّذِينَ جَاءُوا إِلَى مَجْلِسِ النَّبِيِّ ﷺ، فَكَانَ الْأَوَّلُ وَجَدَ فُرْجَةً فِي الْحَلْقَةِ فَدَخَلَ فِيهَا وَاقْتَرَبَ مِنْهَا، وَالْآخَرُ اسْتَحْيَا فَبَقِيَ بَعِيدًا عَنْهَا، وَالثَّالِثُ رَآهَا فَخَرَجَ وَأَعْرَضَ عَنْهَا، فَنَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى شَأْنِ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ وَقَالَ: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَبَرِ الثَّلَاثَةِ؟ أَمَّا الْأَوَّلُ فَآوَى إِلَى اللَّهِ فَآوَاهُ اللَّهُ، وَأَمَّا الثَّانِي فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ». هَذَا الْحَدِيثُ الْعَظِيمُ يُبَيِّنُ لَنَا عَظِيمَ أَثَرِ مَجَالِسِ الْعِلْمِ عَلَى أَصْحَابِهَا، فَالنَّبِيُّ ﷺ أَخْبَرَ عَنِ الْأَوَّلِ الَّذِي اقْتَرَبَ مِنَ الْحَلْقَةِ وَدَخَلَ وَجَلَسَ أَنَّهُ «آوَى إِلَى اللَّهِ فَآوَاهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى»، وَالْجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ. وَإِذَا كَانَ الْقَلْبُ يَمِيلُ إِلَى اللَّهِ، مَلِيءٌ نُورًا وَرَحْمَةً وَتَوْفِيقًا وَهُدًى، وَإِذَا أَعْرَضَ عَنْهُ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُسَلِّطُ عَلَيْهِ شَيَاطِينَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ. فَلِذَلِكَ أَحُثُّ نَفْسِي وَأُبَائِي وَإِخْوَانِي وَأَبْنَائِي عَلَى الْحِرْصِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَوَاسِمِ، خُصُوصًا مَوَاسِمَ الِاجْتِهَادِ فِي الْخَيْرَاتِ وَالْمُضِرَاتِ. وَقَدْ سَمِعْتُمْ فِي كَلِمَةِ أَخِينَا الشَّيْخِ بِهَاشِمٍ حَفِظَهُ اللَّهُ كَيْفَ كَانَ السَّلَفُ يَسْتَعِدُّونَ لِرَمَضَانَ مِنْ شَعْبَانَ اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ ﷺ، حَتَّى كَانُوا يَسَمُّونَ شَهْرَ رَمَضَانَ بِشَهْرِ الْقُرْآنِ. وَمِنْ أَعْظَمِ مَا يُسْتَعَدُّ بِهِ لِرَمَضَانَ: مَجَالِسُ الْعِلْمِ وَحُضُورُهَا وَالتَّفَقُّهُ فِي أَبْوَابِ الْعِلْمِ، خُصُوصًا مَا يَتَعَلَّقُ بِأَحْكَامِ الصِّيَامِ وَالْقِيَامِ وَالزَّكَاةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَهُ تَعَلُّقٌ بِهَذَا الشَّهْرِ. فَنَسْأَلُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ يُوَفِّقَنَا وَإِيَّاكُمْ لِأَبْوَابِ الْخَيْرِ، وَيَدْفَعَ عَنَّا وَعَنْكُمْ كُلَّ شَرٍّ وَضَيْرٍ، وَأَنْ يَجْعَلَنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ غَيْرَ ضَالِّينَ وَلَا مُضِلِّينَ. يَقُولُ السَّائِلُ: عَلِيٌّ يَدَيْنِ وَعَجَزْتُ عَنْ سَدَادِهِ، وَعِنْدِي بَيْتٌ فِي أَحَدِ دُورِ الْحَدِيثِ أَسْكُنُ فِيهِ، هَلْ أَبِيعُهُ لِأَسَدِّدَ الدَّيْنَ وَأَرْجِعَ إِلَى الْقَرْيَةِ أَمْ أَصْبِرَ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنِّي؟ أُصَبِّرُ وَأَخُذُ بِأَسْبَابِ الْقَضَاءِ. نَصَّ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْمُعْسِرَ وَالْمُفْلِسَ وَمَنْ كَانَ بِمَعْنَاهُ يُؤْخَذُ مِنْ مَالِهِ مَا يُسَدِّدُ لِغُرَمَائِهِ، مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ حَوَائِجِهِ الضَّرُورِيَةِ. وَمِنْ حَوَائِجِ الْإِنْسَانِ الضَّرُورِيَةِ: السَّكَنُ، لَا يَجُوزُ أَنْ يُكْرَهُ الْإِنْسَانُ عَلَى بَيْعِ بَيْتِهِ لِسَدَادِ الدَّيْنِ. بَلْ كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ فَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ ﴾ [البقرة: 280]. يَقُولُ السَّائِلُ الثَّانِي: تُوُفِّيَ أَبِي وَمَعَهُ مَحَلٌّ تِجَارِيٌّ، وَأَبْنَاؤُهُ يَعْمَلُونَ عِنْدَهُ كَعُمَّالٍ، وَلَمَّا تُوُفِّيَ الْأَبُ بِشَهْرَيْنِ أَوْ أَقَلَّ، قَامَ الْأَبْنَاءُ بِتَثْمِينِ الْمَحَلِّ فِيمَا بَيْنَهُمْ بِثَمَنٍ أَقَلَّ مِمَّا يَسْتَحِقُّ لِكَيْ يُعْطُوا الْبَنَاتِ حِصَّتَهُنَّ وَيَبْقَى الْمَحَلُّ لِلْأَوْلَادِ فَقَطْ، بِحُجَّةِ أَنَّهُمْ يَعْمَلُونَ فِيهِ. وَالْآنَ الْأَبُ مُتَوَفًّى مُنْذُ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِ سِنِينَ، وَمَعَهُ أَمْوَالٌ أُخْرَى أَيْضًا، لَكِنَّ الْأَوْلَادَ لَمْ يَقُومُوا بِحَصْرِ الْوِرَاثَةِ وَلَا بِإِعْطَاءِ الْبَنَاتِ حُقُوقَهُنَّ مِنَ الشَّرْعِ إِلَى الْآنِ. فَمَا نَصِيحَتُكُمْ؟ الْوَاجِبُ عَلَى هَؤُلَاءِ الْأَبْنَاءِ الذُّكُورِ أَنْ يَتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِيمَا أُمِنُوا عَلَيْهِ مِنْ مَسْؤُولِيَّةٍ وَأَمَانَةٍ. وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ سَيَسْأَلُهُمْ عَنْ هَذِهِ الْأَمَانَةِ وَالْمَسْؤُولِيَةِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا. وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَرُدُّوا إِرْثَ الْبَنَاتِ بِالْعَدْلِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ، وَالَّذِي فَرَضَهُ فِي كِتَابِهِ وَسُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ. فَلَا يَجُوزُ مَنْعُ الْبَنَاتِ شَيْئًا مِنْ حَقِّهِنَّ الَّذِي فَرَضَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا أَنْ يَأْتُوا بِلَجْنَةٍ مِنْ أَهْلِ الْأَمَانَةِ وَالْخِبْرَةِ لِتَثْمِينِ الْمَحَلِّ، ثُمَّ يُقَسِّمُوا مَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، ثُمَّ يُعْطُوا كُلَّ وَاحِدٍ مَا هُوَ لَهُ. يَقُولُ السَّائِلُ الثَّالِثُ: هَلْ يَشْتَرِطُ فِي أَدَاءِ الْعُمْرَةِ عَنْ غَيْرِهِ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِهِ؟ الصَّحِيحُ مِنْ أَقْوَالِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ هَذَا التَّنْوِيبَ أَوِ النِّيَابَةَ فِي الْعِبَادَاتِ الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا النِّيَابَةُ، الْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْمَيِّتِ. وَفِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إِلَّا مِنْ أَهْلِ الْمَيِّتِ، مِثْلُ الصِّيَامِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ». وَبَعْضُ الْعِبَادَاتِ لَا نِيَابَةَ فِيهَا أَبَدًا، مِثْلُ الصَّلَاةِ. وَبَعْضُ الْعِبَادَاتِ يَجُوزُ فِيهَا النِّيَابَةُ مِنْ غَيْرِ الْوَلِيِّ، مِثْلُ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ. يَقُولُ السَّائِلُ الرَّابِعُ: مَا نَصِيحَتُكُمْ لِمَنْ يَقُولُ: «إِنَّ الرَّدَّ عَلَى الْمُخَالِفِ يُسَبِّبُ الْفُرْقَةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَالْوَاجِبُ السُّكُوتُ عَنْ الْخَطَأِ حَتَّى تَجْتَمِعَ كَلِمَةُ الْمُسْلِمِينَ»؟ الصَّوَابُ أَنْ نَدْعُوَ إِلَى الِاجْتِمَاعِ عَلَى الْحَقِّ، وَلَيْسَ أَنْ نَسْكُتَ عَنْ الْخَطَأِ، فَنَكُونَ كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي مَنْ ضَلَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ: ﴿ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ﴾ [الحشر: 14]. وَأَمْثَالُ هَؤُلَاءِ لَنْ تَكُونَ لَهُمْ قُوَّةٌ، كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ﴾ [الأنفال: 46]. إِذَا كَانَ وَاحِدٌ يَبْنِي وَالثَّانِي يَهْدِمُ، كَيْفَ يَصْلُحُ الْبِنَاءُ؟ وَلِهَذَا كَانَ مِنْ أَعْظَمِ مُبَانِي هَذَا الدِّينِ الْعَظِيمِ وَأَسُسِهِ الْكِبَارِ: الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ وَالنُّصْحُ لِلْخَلْقِ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ»، وَفِي رِوَايَةٍ خَارِجِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ ثَلَاثًا». يَقُولُ السَّائِلُ الْخَامِسُ: لِي وَلَدٌ يَبْلُغُ مِنْ الْعُمُرِ سَبْعَةَ عَشَرَ سَنَةً، تَعَرَّضَ لِحَادِثٍ وَشَرِفَ عَلَى الْمَوْتِ، وَفِي أَثْنَاءِ مَرَضِهِ قَالَ: «إِنْ أَنَا مُتُّ فَاجْعَلُوا لِي سِقَايَةَ مَاءٍ -بِرَادَةً- فِي طَرِيقِ النَّاسِ»، ثُمَّ شُفِيَ بَعْدَ هَذَا الْحَادِثِ، وَبَعْدَ سَنَةٍ تَقْرِيبًا تَعَرَّضَ لِحَادِثٍ آخَرَ فَأَوْدَى بِحَيَاتِهِ وَمَاتَ مُبَاشِرَةً. فَهَلْ يَلْزَمُنَا شِرَاءُ بَرَّادَةٍ كَالَّتِي فِي الشَّوَارِعِ أَمْ يَكْفِي أَنْ نَضَعَ دُبُرَ الْمَسْجِدِ سِقَايَةَ مَاءٍ نَتَعَهَّدُهَا كُلَّ يَوْمٍ؟ لَا يَلْزَمُكُمْ شِرَاءُ بَرَّادَةٍ، إِنْ تَيَسَّرَ لَكُمْ فِعْلُ ذَلِكَ فَافْعَلُوا، وَإِنْ شَقَّ عَلَيْكُمْ فَلَا يُكَلِّفُكُمُ اللَّهُ مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ. يَقُولُ السَّائِلُ السَّادِسُ: هَلْ يَجُوزُ اخْتِبَارُ الْقُرْآنِ بِالْعَكْسِ؟ هَذَا يُسَمَّى الْقُرْآنَ بِالتَّنْكِيسِ، وَفِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْقِرَاءَةُ بِالتَّنْكِيسِ، وَلَكِنْ يَجُوزُ الِاخْتِبَارُ فِي ذَلِكَ. يَقُولُ السَّائِلُ السَّابِعُ: مَا نَصِيحَتُكُمْ لِمَنْ يَذْهَبُ لِزِيَارَةِ هُودٍ؟ النَّصِيحَةُ أَنْ يُعْلَمَهُمْ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَارَةُ تُعْتَبَرُ مِنْ الزِّيَارَاتِ الْوَثَنِيَّةِ الشِّرْكِيَّةِ الْمُحَرَّمَةِ فِي الْإِسْلَامِ. وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُسَاهَلَ فِيهَا، بَعْضُ النَّاسِ يُغَيِّرُ الْمُسَمَّيَاتِ وَيَقُولُ: «إِنَّمَا هَذِهِ عِبَارَةٌ عَنْ ذِكْرَيَاتٍ وَتَارِيخٍ وَسِيَاحَةٍ دِينِيَّةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمُسَمَّيَاتِ». وَفِي الْحَقِيقَةِ يَذْهَبُ كَثِيرٌ مِنْهُمْ لِيَسْتَغِيثُوا بِغَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَيَعْبُدُوا غَيْرَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ عَلَى طَرِيقَةِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ وَأَشَدَّ. يَقُولُ السَّائِلُ الثَّامِنُ: هَلْ يَجُوزُ أَنْ تُرَدِّدَ مَعَ الْأَذَانِ وَأَنْتَ فِي الْخَلَاءِ؟ لَا تُرَدِّدْ وَأَنْتَ فِي الْخَلَاءِ، وَلَكِنْ إِذَا خَرَجْتَ مِنْهُ فَأْتِ بِصِيغَةِ الْأَذَانِ كَامِلَةً. وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ رَدَّدَ بَعْدَ الْأَذَانِ بِكَيْفِيَّتَيْنِ. يَقُولُ السَّائِلُ التَّاسِعُ: لِي وَلَدٌ يَبْلُغُ مِنْ الْعُمُرِ سَبْعَةَ عَشَرَ سَنَةً، تَعَرَّضَ لِحَادِثٍ وَشَرِفَ عَلَى الْمَوْتِ، وَفِي أَثْنَاءِ مَرَضِهِ قَالَ: «إِنْ أَنَا مُتُّ فَاجْعَلُوا لِي سِقَايَةَ مَاءٍ -بِرَادَةً- فِي طَرِيقِ النَّاسِ»، ثُمَّ شُفِيَ بَعْدَ هَذَا الْحَادِثِ، وَبَعْدَ سَنَةٍ تَقْرِيبًا تَعَرَّضَ لِحَادِثٍ آخَرَ فَأَوْدَى بِحَيَاتِهِ وَمَاتَ مُبَاشِرَةً. فَهَلْ يَلْزَمُنَا شِرَاءُ بَرَّادَةٍ كَالَّتِي فِي الشَّوَارِعِ أَمْ يَكْفِي أَنْ نَضَعَ دُبُرَ الْمَسْجِدِ سِقَايَةَ مَاءٍ نَتَعَهَّدُهَا كُلَّ يَوْمٍ؟ لَا يَلْزَمُكُمْ شِرَاءُ بَرَّادَةٍ، إِنْ تَيَسَّرَ لَكُمْ فِعْلُ ذَلِكَ فَافْعَلُوا، وَإِنْ شَقَّ عَلَيْكُمْ فَلَا يُكَلِّفُكُمُ اللَّهُ مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ. وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.