شرح أصول في التفسير للعثيمين 26

شرح أصول في التفسير للعثيمين 26

الدرس في شرح أصول في التفسير للعثيمين 26، الدرس السادس والعشرون : من : (ثالثاً كلام الصحابة لاسيما ذوو ... أنه فسر الملامسة بالجماع ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مكانة كلام الصحابة في تفسير القرآن وأفضليتهم

كلام الصحابة يعتبر مصدرًا هامًا لتفسير القرآن لكونهم عاصروا نزول الوحي. يفسرون القرآن بفهم أعمق وأصدق لارتباطهم بالسياق وأسباب النزول.

مرجحات تفسير الآية وشرط حجة قول الصحابي

العلماء ذكروا مرجحات لتفسير الآيات، مثل عدم ذكر الحدث الأكبر واتفاق الصحابة. كما ناقشوا شرط أن يكون قول الصحابي حجة إذا توفرت شروط معينة.

تفاوت الصحابة في نقل التفسير وتوضيح المرجحات

الصحابة تفاوتوا في كمية ونوعية ما نُقل عنهم من تفسير. سيتم شرح هذا التفاوت مع ذكر المرجحات والأمور ذات الصلة في موضع لاحق.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخنا أبو عبد الله محمد بن صالح عثيمين، رحمه الله تعالى: كلام الصحابة رضي الله عنهم؛ يعني: مما يفسر به القرآن، كذلك كلام الصحابة رضي الله تعالى عنهم، قال: لا سيما ذو العلم منهم، والعناية بالتفسير، الذين عرفوا بالعلم؛ كالخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبي موسى، وعبد الله بن الزبير، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عمر، وعائشة، وغيرهم من الصحابة الذين عرفوا بالعلم. ويوجد صحابة آخرون لهم شرف الصحبة وفضل الصحبة، لكنهم لم يعرفوا بالعلم، ولم تنقل عنهم مسائل العلم، وإن كانوا قد عرفوا من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: لأن القرآن نزل بلغتهم وفي عصرهم، فهم أعرف الناس بتفسيره، من أوجه؛ من هذه الأوجه: أن القرآن نزل في عصرهم، فهم يعرفون ما كان تفسيره ومعناه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولأنهم عرفوا سبب نزوله ووقت نزوله، ولا شك أن سياق الكلام وسباقه من أعظم ما يفهم به المعنى. فأنت إذا نقلت لك كلمة عن إنسان ما تدري في أي مكان قالها، ولا في أي زمان قالها، هل ستفهمها مثل ما إذا علمت الزمان أو المكان الذي قيلت فيه هذه الكلمة؟ الجواب: لا شك أن هناك فرقًا؛ إذا علمت الزمان والمكان الذي قيلت فيه هذه الكلمة، سيقرب لك ذلك المعنى، على خلاف ما إذا لم تعلم ذلك. فكيف إذا كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم حضروا التنزيل، وشهدوا الوحي؟ وهكذا كذلك من المرجحات: أنهم أفصح الناس وأعرف الناس بالعربية، فقولهم أولى من قول غيرهم، وهذا مرجح آخر. وكيف إذا انضاف إلى ذلك أنهم أسلم الناس من البدعة، بخلاف من بعدهم، ظهرت فيهم البدعة، بما يشكك في العلم المنقول عن غيرهم؟ وكيف إذا انضاف كذلك أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم أبعد عن الهوى، بخلاف من بعدهم، كثرت فيهم الأهواء والتعصب والانتصار للأشخاص؟ أما الصحابة، ما كانوا يعرفون إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما يعرفون أحدًا آخر يوالون ويعادون عليه، أو يجتمعون ويفترقون معه ودونه، فلم يكن لهم متبوع إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، بخلاف من جاء بعدهم، عرفوا أئمتهم وعلماءهم، وكذلك وجهاء، ربما كان لبعضهم من التعصب والولاء والبراء لبعض أولئك ما أورث الخروج عن الحق. وهكذا كذلك مرجحات أخرى كثيرة تقدم تفسير الصحابة على تفسير غيرهم، قال رحمه الله تعالى: لأن القرآن نزل بلغتهم وفي عصرهم، ولأنهم بعد الأنبياء أصدق الناس في طلب الحق، وأسلمهم من الأهواء، وهذه كلها مرجحات، وأطهرهم من المخالفات التي تحول بين المرء وبين التوفيق للصواب. فأنت تعرف أن الجهل سبب من أسباب عدم الوصول إلى الحق، والجهل فيمن هم بعد الصحابة، لا شك ليس كالجهل في المجتمع الذي كان في عهد الصحابة، قد يجهل بعض الصحابة بعض العلم، لكن العلم لا يفتقد عنهم؛ لأن القرآن أنزل، والدين أكمل في عهدهم، رضي الله تعالى عنهم أرضاهم. وهكذا كذلك بعض المخالفات ما تكون بسبب معصية يحرم الإنسان فهم المسألة، والصحابة رضي الله تعالى عنهم أثنى الله عز وجل عليهم من فوق سبع سماوات، ورضيهم لصحبة رسوله عليه الصلاة والسلام، فعلم أنهم من أكمل الناس دينًا، ولهذا رضيهم لصحبة رسوله عليه الصلاة والسلام، ليسوا كاملين، ولكنهم أكمل الناس، أكمل الناس دينًا، رضي الله عنهم أرضاهم. قال: الذي تحول بين المرء وبين التوفيق للصواب، ولذلك أمثلة كثيرة جدًا، منها قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ فقد صح عن ابن عباس رضي الله عنه أنه فسر الملامسة بالجماع، وهكذا جاء معناه عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما. فهذا التفسير من الصحابي يدل على أن معنى الآية على هذا المعنى، فقوله مقدم على قول غيره ممن جاء بعده، فمثلًا عند الشافعية في تفسير هذه الآية: أولى مستم النساء ليس الجماع، وإنما مجرد ملامسة البشرة للبشرة، أن ذلك مما يوجب نقض الطهارة، وليس الأمر كذلك. وذكر العلماء مرجحات في ترجيح هذا التفسير على غيره من التفسير الآخر، من هذه المرجحات: أنه ذكر الحدث الأصغر ولم يذكر الحدث الأكبر، فناسب أن يكون تفسير الآية على الجماع؛ لأجل أن يذكر الحدث الأصغر والحدث الأكبر. ومن هذه المرجحات: أنه جاء عن الصحابة، ولم ينقل عن غيرهم خلافه من الصحابة، فعلم أن هذا اتفاق الصحابة لعدم وجود المخالف، والمرجح الثالث: أنه جاء في اللغة استعمال الملامسة للجماع، وهذا يوجد له شواهد في الشرع فضلًا عن اللغة. فلما ذكر الله عز وجل أمر مريم، قالت: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ وليست المراد: لم يمسسني؛ يعني: لمس البشرة بالبشرة، ولكن المراد: لم يحصل لي جماع حتى الذي به يكون الحمل، فعلم بذلك أن هذا هو مما جاءت به اللغة وجرى في لسان الشرع. فإذا كان كذلك، فهذه كلها مرجحة في تقديم هذا التفسير على غيره. وهنا تأتي مسألة: وهي هل قول الصحابي في تفسير الآية حجة أم ليس بحجة؟ مر معنا أنه يكون حجة بشروط كما ذكر بعض أهل العلم، وهذه الشروط هي ثلاثة شروط. الشرط الأول: أن لا يخالف الشرع، والشرط الثاني: أن لا يكون مما للرأي فيه مجال، والشرط الثالث: أن لا يكون نقل على وجه من أوجه العرب، فإن كان كذلك فهو حجة. ومثاله القريب الذي مر معنا: قول الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ فلفظ زيادة ليس تفسيره بأنه النظر إلى وجه الله يخالف الشرع، بل عكس أدلة الشرع تقره؛ أي: إثبات النظر إلى وجه الله سبحانه وتعالى. كذلك ليس هو مما للرأي فيه مجال، ليس هو من المسائل الفقهية التي يجتهد فيها، هذه مسائل عقيدة، كذلك ليس في اللغة ما يدل أن الزيادة النظر إلى وجه الله أبدًا، لا يوجد في اللغة هذا، لا يوجد في اللغة أن الزيادة هو النظر إلى وجه الله، إنما الزيادة شيء مطلق لابد أن يعرف معناه بشيء آخر. فلما فسر بالنظر إلى وجه الله، ونقل ذلك عن عدد من الصحابة، كان هذا التفسير حجة كالمرفوع، حكمه كحكم المرفوع، حكمه كحكم المرفوع. فهذه ثلاثة شروط بها يعرف أن بعض التفسير يكون له حكم الرفع. وسيأتي معنا إن شاء الله في الموضع الذي فصل فيه الشيخ رحمه الله ذكر بعض الصحابة الذي نقل عنهم التفسير: أن الصحابة يتفاوتون في كثرة وقلة ما نقل عنهم من التفسير، ويتفاوتون في صحة وضعف ما نقل عنهم من التفسير بمرجحات وأمور ستعرف في ذاك الموضع. نكتب بهذا القدر إلى هنا، والله تعالى أعلم.