كتاب الصيام من الاختيارات الفقهية  5

كتاب الصيام من الاختيارات الفقهية 5

الدرس في كتاب الصيام من الاختيارات الفقهية 5، الدرس الخامس:من( فصل:ولا يفطر الصائم بالاكتحال والحقنة ... أو وضع في فيه عسلاً ومجه فلا بأس به للحاجة كالمضمضة والاستنشاق ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أحكام الاكتحال والحقن في نهار رمضان

تناول المقطع حكم الاكتحال والحقن في نهار رمضان، حيث أجاز الاكتحال واختلف في الحقن بين من يرى الإفطار ومن يرى عدمه. الصواب هو التفصيل بين ما يقوم مقام الطعام والشراب وما لا يقوم مقامه.

مسائل فقهية متعلقة بالصيام والحجامة

ناقش المقطع مسائل فقهية متعلقة بالصيام مثل إدخال الدواء أو الطعام من خلال جروح أو فتحات في الجسم، والحجامة وتأثيرها على صحة الصيام. يرى أن إدخال الدواء للعلاج لا يفطر، بينما إدخال الطعام من غير الفم يفطر إذا كان بديلاً عن الأكل والشرب.

أحكام الصيام والفطر في حالات مختلفة

ناقش المقطع أحكام الصيام والفطر في حالات مختلفة مثل الحجامة، الفصد، التشريط، ونزول المذي. يرى أن الحجامة لا تفطر، وأن نزول المذي لا يفطر، ويجوز تذوق الطعام للحاجة دون إدخاله إلى الجوف.

ختام الدرس والتأكيد على الاستمرار لاحقاً

أعلن المتحدث انتهاء الوقت المخصص للدرس الحالي ونوه عن نية استكمال الموضوع في درس قادم بإذن الله، مؤكداً على علم الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال فصل: ولا يفطر الصائم بالاكتحال والحقنة وما يقطر في إحليله، ومداوات المأمومة والجائفة، وهو قول بعض أهل العلم. ويفطر بإخراج الدم بالحجامة، وهو مذهب أحمد، وبالفصد والتشريط، وهو وجه لنا، أو بإرعاف نفسه، وهو قول الأوزاعي. ويفطر الحاجم إن مص القارورة. هذا الفصل جعله رحمه الله في ذكر بعض المسائل المختلف فيها مما ذكر أنها من المفطرات أو أنها ليست من المفطرات. فأول ذلك قال: ولا يفطر الصائم بالاكتحال والحقنة. الاكتحال معروف، ما يوضع في العين فيكتحل به بالمكحلة، سواء أكان هذا كحلًا أسودًا أو إثمدًا أحمرًا أو كان هذا سائلًا كعسل أو كذلك ما يقطر من أنواع القطر التي تستعمل في وقتنا المعاصر، فكل هذا يدخل في معنى الاكتحال. فالصحيح أنها لا تفطر. فإن وجد طعمها في فمه وحلقه، فعليه أن يترك، يخرج هذا الطعم يبزقه، هذا إن وجد، وهذا نادر خصوصًا إذا كان من العين. فإذا وجد طعم ذلك بزقه. ومن كان من عادته أن يجد طعم ما يضع في عينه، فالأفضل في حقه أن يؤجل ذلك، إلا إن كان يلحقه ضرر فلا بأس، ويتحرى ببذل ما يجد من طعم. ودليل هذه الأفضلية حديث لقيط بن صبرة رضي الله عنه بما رواه الترمذي والنسائي وغيرهما بإسناد حسن، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «بالغ في المضمضة والاستنشاق إلا أن تكون صائمًا». فإذا نهاه عن المبالغة في الاستنشاق خصوصًا هكذا جاء في بعض الروايات؛ لأجل كونه صائمًا خشية أن يدخل إلى جوفه شيء، فكل ما كان معنى يدخل به إلى الجوف، فالأفضل تركه. ومنه ما ينزل من جهة العين، إن كان هذا الإنسان مما يجد في حلقه، وكما قلنا هذا قليل. وقوله: والحقنة، الحقنة كان في زمن شيخ الإسلام رحمه الله ومن كان قبله هو ما يدخل إلى جوف الإنسان من جهة فتحة الشرج. فكانوا يحقنون أنواع الحقن أحيانًا حقنة لتسهيل البطن، وهو ما يسميه اليوم بعض الناس بالبشكاري أو نحوه، ومنها حقن للعلاج والدواء فيدخل الدواء من الأسفل، ومنها حقن للغذاء إذا صار الرجل مريضًا ولا استعصى أكله، سواء بجرح أو حادث أو أي شيء استعصى أن يدخل الأكل من الفم، أدخلوا له الطعام من الأسفل. فهذه الحقنة هل تفطر أو لا تفطر؟ من أهل العلم من قال: لا تفطر، ومن أهل العلم من قال: تفطر، ومنهم من فصل. ومن فصل قال: ما كان يقوم مقام الطعام والشراب فإنه يفطر، وما لا يقوم مقام الطعام والشراب فإنه لا يفطر. ولشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كلام في بعض المواضع يدل أنه يوافق قول من يقول بالتفصيل بين ما يقوم مقام الطعام والشراب وما لا يقوم مقام الطعام والشراب، إلا أنه لم يذكره على وجه الجزم. وفي أكثر فتاويه رحمه الله يرجح أن الجميع لا يفطر، حتى ما يقوم مقام الطعام والشراب. بل يقول: لو أدخل الطعام والشراب من الأسفل فإنه ليس مثل الطعام والشراب؛ لأن الطعام والشراب حصل به التلذذ بالطعم، وهذا لم يحصل له ذلك. ولو حصل له التقوي فهو يقول: هذا قياس مع الفارق. وفي زماننا هذا صارت الحقن لها أوجه أخرى، فمنها ما يضرب في العضلة، ومنها ما يضرب في الأوردة، وكذلك منها ما يقوم مقام الطعام والشراب، ومنها ما لا يقوم مقام الطعام والشراب. وهذا كذلك محل خلاف بين أهل العلم على ما سمعنا. ولأن هذه المسائل مسائل مستحدثة كان الخلاف فيها أكثر، مع عدم ورود الشيء الصحيح الصريح الذي يرجح به الباحث والناظر والمحقق في المسألة أحد طرفي هذه الأقوال أو أحد أطراف هذه الأقوال. ولكن والله أعلم، نظرًا لما ورد من أدلة في هذا الباب بعموماتها وفتاوى أهل العلم، وكذلك الحكمة والعلة من ترك الطعام والشراب، كان الصواب والله أعلم التفصيل فيما كان من الحقن بأي نوع من أنواعها يقوم مقام الطعام والشراب، فالصحيح أنه يفطر؛ لأن الصائم تقوى على صيامه بطعام وشراب، وإن لم يدخل من الفم دخل له من غيره، فلم يحصل له المقصود من التعب والنصب، وهكذا كذلك الجوع والعطش الذي هو من صفات الصائم. وإن كان هذا لا يكون مثل الطعام والشراب حقيقة، لكن فيه بعض المعنى. فلذلك فالصحيح التفصيل بهذا المعنى، فيفرق فيما كان يقوم مقام الطعام والشراب، سواء ما أدخل من الأسفل أو ما أدخل من الوريد أو ما أدخل من الأنف. فإن كل ذلك إذا كان يقوم مقام الطعام والشراب فهو يلحق به فيكون مفطرًا. وما ليس كذلك كالذي يضرب في العضلة أو التي يصف بها البطن أو غير هذا، فهو لا يفطر والله تعالى أعلم. ولكن كما رأينا الشيخ رحمه الله يقول: أن الحقنة لا تفطر يعني مطلقًا. وأما ما يقطر في الإحليل، المراد به ما يدخل إلى جوف الإنسان من جهة ذكره، وإن كانت مرأة فمن جهة قبولها. فهل هذا يفطر؟ الصحيح أنه لا يفطر، خلافًا للشافعية ومن وافقهم في هذا الباب؛ لأنه أولًا ليس بمنفذ شرعي للتفطير، ولأنه لا يقوم مقام الطعام والشراب. فما وضع في الإحليل من دواء أو كذلك إذا احتيج إلى إدخال شيء مثل صاحب الترسبات، قد يضطر فيدخل له شيء لفتح الطريق من هذه الترسبات، أو كذلك ما يجعل أحيانًا في باب الفحوصات المناظير ونحوها، فكل هذا إن شاء الله لا يفطر ولا يضر. وإن كان لو أجل إلى وقت الإفطار كان أحسن؛ حتى يبتعد الإنسان من الوسوسة والشك في مسائل الخلاف التي اختلف فيها أهل العلم، وإلا فالصواب أنه ليس هذا مما يفطر. وقوله: ومداوات المأمومة، المأمومة هو الجرح، ويتذكر في باب الجنايات الجناية التي تبلغ أم الرأس تسمى مأمومة، وهو ما نسميه الدماغ. فإذا بلغ الجرح إلى الدماغ، فهل ما أدخل من دواء أو غيره في هذا الموضع مفطر أم ليس بمفطر؟ فيه خلاف. والصحيح أنه ليس بمفطر. قد يحتاج الإنسان للعلاج، يدخل شيء من الدواء، وبعضهم ربما يضع العسل؛ لأن العسل مجرب عند أهل الخبرة من أنه يعالج بمثل هذه الجروح العميقة وينمي اللحم ويجبر العظم، وكذلك ينقي من الخبث. فهل إدخال مثل هذا يفطر؟ الجواب: لا. طيب قد يقول قائل: العسل طعام. الجواب: نعم طعام، لكنه ليس هذا موضع يقوم فيه الطعام مقام ما يدخل من الفم؛ لأن هنا وضع علاج، مثل ما يوضع العسل في الجرح هل يفطر؟ فكذلك هذا جرح من الجراحات، فالصحيح أنه لا يفطر. وقوله: والجائفة، هي الطعن التي تبلغ إلى الجوف. الطعن التي تبلغ إلى الجوف، فهل كذلك إدخال شيء من الدواء أو ربما العسل أو غيره يفطر؟ الصحيح أنه لا يفطر، ما دام أنه لأجل هذا الجرح. وأما إذا كان أدخل منه ليقوم مقام الطعام والشراب، فالصحيح أنه يفطر. مثلًا رجل به طعن في جوفه في بطنه تدخل إلى الجوف تصل إلى الأمعاء، وهو لا يستطيع أن يأكل من فمه، فأدخل له طعامه من هذه الفتحة، هذا إدخال الطعام إلى الأمعاء من هذه الفتحة هو مما يقوم مقام الطعام والشراب، فإذن يفطر. أما إذا كان إدخال شيء لأجل العلاج، سواء كان أكلا كالعسل أو كان دواء أو غير ذلك، فالصحيح أنه لا يفطر. قال: وهو قول بعض أهل العلم، يعني أنه لم ينفرد بهذا القول، بل سبقه إلى ذلك من قال بهذا من أهل العلم. وقد بسط الكلام في هذه المسائل في مواضع من كتبه رحمه الله، ونقل ذلك عن عدد من الأئمة. قال: ويفطر بإخراج الدم بالحجامة. وهذه المسألة كذلك مما اختلف فيها أهل العلم، هل المحتجم يفطر بالحجامة أو لا يفطر؟ اختلف في ذلك؛ لأنه روي في هذا الباب أحاديث تدل على الفطر، كما روي أحاديث تدل على عدم الفطر. فقد جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أفطر الحاجم والمحجوم». روي ذلك عن عدد من الصحابة، أبلغ بعضهم إلى أربعة عشر صحابي، بل إلى ستة عشر صحابي. وقد ذكرهم وذكر رواياتهم الحافظ ابن حجر في كتابه التلخيص. وبعض هذه الروايات أشار إلى ضعفها، وبعضها حسنها وصححها. وكما قال بعض أئمة الحديث: أن أصح ما روي في هذا الباب ما روي من حديث ثوبان وشداد ورافع بن خديج، هكذا رواية عن إمام أحمد، ورواية عن إمام البخاري رحمه الله، أنه قال: أصح ما روي حديث ثوبان وشداد. وفي مقابل هذا رواية عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم وهو محرم، فاستدل بهذا الثاني من قال بأن الحجامة لا تفطر، وهو قول الأئمة الثلاثة: أبي حنيفة ومالك والشافعي، والمروية عن إمام أحمد رحمه الله أنها تفطر، واستدل بهذا المروي في هذا الحديث. فكما ترون لكل طائفة استدلال. وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ها هنا يرجح أن الحجامة تفطر، ودليله هو دليل ما استدل به الإمام أحمد رحمه الله من حديث «أفطر الحاجم والمحجوم». والصواب والله تعالى أعلم في هذه المسألة أن الحجامة لا تفطر، إلا إذا أضعفت صاحبها فمرض فيفطر لمرضه لا لأجل الحجامة. وذلك أولًا لأن الأحاديث المروية في هذا الباب الصحيح عند بعض أهل التحقيق أنها معلَّة، فقد أشار ابن أبي حاتم رحمه الله فيما يرويه عن أبيه في العلل إلى إعلال كل ما روي في هذا الباب. بل نص أبو حاتم رحمه الله أن الإمام أحمد رحمه الله أخطأ في هذا الباب واغتر بخطأ رواية في حديث ثوبان. والصواب أن الحديث إنما روي في باب كسب الحجام. وبدأ يمر على الأحاديث، المروية في هذا الباب، فمنها ما الصحيح فيه الإرسال، ومنها ما الصحيح فيه الوقف، كحديث أبي هريرة وحديث علي. ومنها ما الصحيح أنه من فعل الصحابي لا من فعل النبي عليه الصلاة والسلام أو قوله، كالمروي عن أبي موسى. ومر عليها حديثًا حديثًا فأعلها جميعًا. وهكذا فعل الدارقطني رحمه الله، وقد بسط القول في أحاديث الباب وضعفها جميعًا. فعلى تقدير صحتها، وأن بعض العلماء صحح هذه الأحاديث كما روى الإمام البخاري والإمام أحمد وجماعة منهم ابن المديني وإسحاق بن راهويه والدارمي، فعلى القول بتصحيح هذه الأحاديث فهي ليست صريحة بأن المقصود بالإفطار هو الإفطار لأجل نفس الحجامة؛ لأن قول النبي عليه الصلاة والسلام: «أفطر الحاجم والمحجوم»، أكثر العلماء الذين قالوا بالفطر إنما يقولون في الحاجم والمحجوم لا في الحاجم. ولهذا كما ترون شيخ الإسلام فرقها هنا، قال: ويفطر بإخراج الدم بالحجامة، أي المحجوم. وقال في الأخير: ويفطر الحاجم إن مص القارورة، فصل في حق الحاجم. والحديث واحد، فالذي ينبغي كما فصل في الحاجم كذلك ينبغي أن يفصل في المحجوم، وهذا هو الصواب. فلو قدر أن الحديث صح، فالحاجم سيفطر بماذا؟ إذا كان من أجل مص القارورة، وقد يدخل شيء إلى جوفه، إذن فطره ليس لأجل الحجامة، وإنما لما ترتب من الحجامة مما قد يدخل إلى جوفه من مص القارورة. فكذلك يقال في حق المحجوم، ليس لأجل الحجامة، ولكن لما يترتب من أثر الحجامة، فإن ضعف المحجوم واحتاج إلى الفطر، وهذا هو الغالب، فإنه يفطر؛ يعني أن الحجامة مما تؤدي إلى الفطر بضعفه وخروج الدم منه، فإذن الصحيح في الحجامة أنها لا تفطر. ومن قال بصحة الحديث أو على تصحيح الحديث، فيكون تفطيره لما يترتب على الحاجم والمحجوم من أثر الحجامة، لا لمجرد فعل الحجامة. وكما مر معنا فيما يروى عن ابن عباس وغيره أن الفطر إنما مما دخل لا مما خرج، إلا ما جاء فيه الدليل مثل المني، مثلًا. وهذا مروي عن ابن مسعود وابن عباس وجماعة من السلف. ثم قال رحمه الله: وبالفصد والتشريط. الفصد هو ما يكون من تصفية الجراحات ونحوها، والتشريط ما يكون بتشقيق الجلد بالموس ونحوه. وهذا إما يستعمل ليقوم مقام الحجامة أو لأن الحجامة أنواع. ومن الحجامة ما يكون حجامة أعضاء بعينها للعلاج، كجرح معين أو موضع في رجل أو موضع في يد، فقد يكون بالفصد والتشريط. فهل مثل هذا يفطر؟ يقول: أنه كذلك يفطر. يقول: وهو وجه لنا، يعني يخرج على مذهب الإمام أحمد. وعرفنا الفرق بين الوجه والرواية فيما تقدم. فالوجه هو القول المنزل على معنى فتوى تشبهها من قول الإمام. والصواب في هذا كله أنه لا يفطر؛ لعدم وجود الدليل الصحيح الصريح الذي يدل على التفطير به، وعدم وجود التعليل القوي الذي يكون سببًا للإفطار. قال: أو بإرعاف نفسه. وفرق هنا بين إرعاف نفسه وبين ما إذا رعف من دون ذلك. قال: وهو قول الأوزاعي، يعني أنه إذا فعل ذلك بعمد فيفطر. والصحيح أنه لا يفطر، لكن لا ينبغي أن يفعل ذلك؛ لأنه بهذا يضر بنفسه. وقد نهى شرعنا عن الضرر «لا ضرر ولا ضرار». ولأنه ربما يكون سببًا في ضعفه فيأثم إذا فعل ذلك عن وجه العمد وتسبب فيه إفطار نفسه أو لضرار بنفسه، فالإفطار إن وقع لأجل ما يلحقه من ضعف أو مرض أو ضرر. وقوله: ويفطر الحاجم إن مص القارورة، كما تقدم يعني إن دخل إلى جوف الحاجم شيء عند مصه القارورة. وعلى هذا يحمل الحديث إذا صح. وأصح من حديث ابن عباس وهو في البخاري برواية صحيحة يصححها الإمام البخاري رحمه الله، أنه يرى أنه لا يفطر بالحجامة، هذا معنى تبويبه. والحديث كذلك يدل عليه؛ إذ أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم وهو صائم، كما في حديث ابن عباس. وجاء معناه عن غير ابن عباس. على أن قال بعض أهل العلم: قول البخاري أن هذا أصح ما روي في الباب لا يعني أنه تصحيح لحديث ثوبان وشداد والله أعلم. قال: ولا يفطر بمذي بسبب قبلة أو لمس أو تكرار نظر، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وبعض أصحابنا. نزول المذي لا يفطر؛ لأن المذي ليس مثل المني، ولأنه كذلك يشق اتقاؤه، والمشقة تجلب التيسير. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقبل وهو صائم، بل ويباشر وهو صائم، لكنه كان أملك الناس لإربه عليه الصلاة والسلام. فيجوز للصائم أن يقبل وأن يباشر إذا كان يستطيع أن يغلب شهوة نفسه. وأما إذا عرف من نفسه الضعف وأنه لو فعل ذلك أنزل، فلا يجوز له أن يفعل هذا؛ لأجل أن لا يفسد صومه بالإنزال؛ لأن الصحيح من أقوال أهل العلم أن الإنزال يفسد الصوم بحديث أبي هريرة في الصحيح: «يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي». والإنزال من معنى الشهوة. فالمذي ليس مثل المني، ولهذا رخص فيه يعني لا يفطر. وليس معنى أن الإنسان يتعمد إنزال المذي فيتساهل في هذا الباب لا، لكن إن وقع فهو لا يفطر به. وقوله: بسبب قبلة أو لمس أو تكرار نظر؛ لأن هذا مما هو جائز لما تقدم من حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل. وفي بعض الروايات: يصيب من الرؤوس وهو صائم. بل وفي رواية: يباشر وهو صائم، ولكنه كان أملك لإربه عليه الصلاة والسلام. وقوله: وهو قول أبي حنيفة والشافعي وبعض أصحابنا، يعني في هذه المسألة. بل نص بعض أهل العلم أنه لو أنزل بغير عمد واسترسال فإنه لا يفطر، وهذا هو الصحيح. نفرق بين العمد والاسترسال فإنه يفطر، وبين ما كان بغير عمد ولا استرسال فإنه لا يفطر. وقد بوّب الإمام البخاري رحمه الله في الصحيح بابًا فقال: باب القبلة للصائم، ثم ذكر أثرًا معلقًا عن جابر بن زيد أنه قال: «إن نظر فأمنى يتم صومه». يعني نزل المني. قال: يتم صومه. وهذا الأثر عن جابر بن زيد إنما ذكره الإمام البخاري رحمه الله ليستدل به ويقول بما فيه. والأثر روي بإسناد صحيح، فقد وصله ابن أبي شيبة رحمه الله بإسناد صحيح كما قال الحافظ ابن حجر في الفتح وفي تغليق التعليق. وفيه وفيه أن جابر بن زيد سئل عن رجل نظر إلى امرأته فأمنى من شهوتها، فقال جابر بن زيد: يتم صومه. وفيه: فمن أنزل المني من النظر فهو لم يتعمد ذلك ولم يسترسل. وأما من تعمد أو استرسل والاسترسال من معاني التعمد، فالصحيح أنه يفطر، وعليه القضاء للحديث المتقدم: «يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي». قال رحمه الله: أما إذا ذاق طعامًا ولفظه أو وضع فيه عسلًا ومجّه، فلا بأس به للحاجة، كالمضمضة والاستنشاق. المضمضة والاستنشاق فيها إدخال الماء، ومع ذلك لا يفطر بذلك، فقاس عليه رحمه الله إدخال الطعام. وهكذا كذلك الشراب إذا كان للحاجة. وإن كان المسألة فيها فارق في القياس؛ فالماء ليس مثل الطعام، والمضمضة والاستنشاق ليس مثل التذوق؛ لأن المضمضة والاستنشاق عبادة الله أمر بها. لكن مع ذلك عمومات الأدلة تدل على جوازه. وقد رويت فيه آثار يستأنس بها خصوصًا وأنه لا يدخل هذا الطعام والشراب، وإنما يجعله على طرف لسانه. وقد يحتاج الإنسان إلى ذلك خصوصًا المرأة قد تحتاج إلى ذلك عند الطبخ، تنظر الطعام فيه ملح أو ليس فيه ملح، وكذلك الحلاوة كافية أو ناقصة أو نحو ذلك. فما كان كذلك فلا بأس به، ما دام أنه لم يدخل إلى جوفه منه شيء. طيب نقف لهنا لانتهاء الوقت، ونكمل إن شاء الله في درس لاحق والله تعالى أعلم.