الدرس في كتاب الصيام من الاختيارات الفقهية 3، الدرس الثالث:من( ومن خطر بقلبه أنه صائم غداً فقد نوى ... فإنه يتم بقية يومه ولا يلزمه قضاء وإن كان قد أكل). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
شرح مسألة النية في الصيام وبيان حكم صيام يوم الشك، حيث يفرق بين من يصومه لأجل الشك ومن يصومه لموافقة صوم معتاد له. يرى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن صيام يوم الشك لأجل الشك لا يجوز بل يحرم.
يتناول حكم صيام يوم الشك وتفاصيل من أفطر في يوم شك ثم تبين أنه من رمضان، أو كان مسافرا ثم وصل إلى بلده. الأحوط لمن لم يكن له نية صيام هو الإمساك مع الصائمين وقضاء يوم مكانه.
يتناول حكم الصيام على من أفطر في رمضان، ويوضح أن القضاء واجب في حال الإفطار، ويستدل بذلك على الحائض التي تطهر في وسط النهار. يرى الشيخ أن الصواب هو أن القضاء واجب في كلا الحالتين.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال: ومن خطر بقلبه أنه صائم غدا فقد نوى. والصائم لما يتعشى يتعشى عشاء من يريد الصيام. ولهذا يفرق بين عشاء ليلة العيد وعشاء ليالي رمضان. وهذه مسألة أخرى من مسائل النية في الصيام، وتقدم معنا أن الصحيح من أقوال أهل العلم في قضية الصيام والنية فيه، وتبييت النية على وجه الخصوص، أن تبييت النية بالنية العامة يجزئ في الصيام، وأنه لا حاجة لتبييت نية خاصة لكل ليلة، فإن ذلك تشديد لم يصح به شيء من الأدلة الصحيحة الصريحة. ومر معنا الكلام على حديث حفصة، على تقدير صحته، فهو يحمل لمن لم تكن عنده نية، وليس معناه استحضار نية لكل ليلة بعينها. على أن الحديث، كما تقدم معنا، رجح الحفاظ أنه موقوف. وعلى صحته، فكما سمعنا. ولهذا فإنه كما قال رحمه الله: ومن خطر بقلبه أنه صائم غدا فقد نوى، يعني مرور معنى الصيام في بداية الشهر على القلب يكفي في حصول وانعقاد النية في القلب. لأن معنى انعقاد النية ليس هو أن يمر هذا الناوي لفظا معينا على قلبه حتى يكون بذلك قد نوى، ولا معناه كذلك أن يستحضر شيئا خاصا حتى يعرف أنه سيصوم يوم غد، بل كونه ينوي صيام رمضان، حتى ولو كان في يوم الشك، فهو في قلبه أنه إن كان من رمضان فهو صائم مع الناس حيث يصومون، فهذا يكفي ويجزئه. وهذا هو الصحيح من أقوال أهل العلم لعمومات الأدلة في هذا الباب. ومر معنا حديث سلمة بن الأكوع، الإشارة إليه، كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالصيام من النهار، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله. وقوله: والصائم لما يتعشى إلى آخره، معناه كون الصائم يتعشى عشاء الصائمين، هذه نية تكفي. فإن الذي يأكل في ليلة العيد ليس كالذي يأكل في ليلة رمضان، فالآكل في ليلة من ليالي رمضان لا يأكل الأكل إلا وفي قلبه أن اليوم التالي يوم الصيام، ولو لم يتلفظ بذلك، ولو لم حتى يحدث قلبه بذلك. لأنه يفرق بين عشاء رمضان وعشاء العيد، حتى في معنى العشاء، الناس يفرقون في الغالب، عشاء الصائم ليس كعشاء المفطر. فهذا التفريق لا شك أن له معنى في القلب. ويريد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن يبين أن عمومات الأدلة تدل على هذا المعنى، وكذلك حتى العرف والقياس الصحيح، فالكتاب والسنة والقياس الصحيح كل ذلك يدل على هذا المعنى، أي أن النية تكفي على هذا الوصف. قال رحمه الله: وتصح النية المترددة، كقوله: إن كان غدا من رمضان فهو فرض، وإلا فهو نفل، وهو إحدى الروايتين عن أحمد. قوله: وتصح النية المترددة، كذلك لأن بعض الفقهاء زعموا أن النية المترددة لا تكفي، واستدلوا بحديث حفصة. وحديث حفصة، على صحته كما تقدم، ليس فيه ما يدل على ما يريدون من وجود نية خالصة، وهكذا كذلك عينية لكل ليلة، ليس في الحديث ذلك. بل يكفي الصائم كونه ينوي الصيام، حتى ولو على وجه التردد، ما دام أنه في قلبه: إن كان غد من رمضان فأنا صائم مع الصائمين، وإن كان ليس من رمضان، فإن كان سيفطر فهو مفطر، أو إذا كان هو ممن له صوم يصومه صيام نفل فليصمه. وفي صيام يوم الشك خلاف بين أهل العلم. فمن أهل العلم من يرى حرمة صيام يوم الشك مطلقا، ومن أهل العلم من يرى جواز صيام يوم الشك مطلقا، وأن النهي على الكراهة. ومن أهل العلم من فصل، وهذا هو الصحيح. والتفصيل أن من صام يوم الشك لأجل الشك فهو آثم. وعلى هذا يحمل ما جاء في صحيح البخاري وغيره من حديث عمار: «من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم»، وهو موقوف له حكم الرفع، لأن مثل هذا لا يقال بالرأي، فالتحليل والتحريم إنما هو من حق الله سبحانه وتعالى ورسول الله صلى الله عليه وسلم بما أوحى الله إليه، وليس لأحد أن يحلل ويحرم. فقول عمار: «فقد عصى أبا القاسم»، كما ذكر العلماء أن هذا من الموقوف الذي له حكم الرفع. وروي في رواية أنه أتى بشواء وأمر من معه أن يفطروا، فامتنع بعضهم، فذكر لهم هذا الحديث، أو هذا القول الذي هو بمعنى الحديث المرفوع لأنه موقوف له حكم الرفع. فالشاهد من هذا أن من كان صيامه ليوم الشك لأجل الشك فهذا هو العاصي، وفعله محرم. وأما من صام يوم الشك لأنه وافق صياما يصومه، فالصحيح أنه جائز، وإن كان الأفضل أن لا يصوم حتى لا يلبس على الناس. ويدل عليه ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال عليه الصلاة والسلام حين نهى عن صيام يوم الشك: «إلا أن يكون صوما يصومه أحدكم»، أو قال: «إلا رجل يصوم صوما فليصومه». ومعناه: إذا كان الرجل قد اعتاد أن يصوم هذا اليوم مثلا وافق يوم الشك يوم الاثنين، فيجوز لمن تعود صيام يوم الاثنين والخميس أن يصوم يوم الشك، لا لأنه يوم الشك، ولكن لأنه يوم الاثنين الذي تعود أن يصومه. وأما من لم يكن له صوم يصومه، فالصحيح أنه لا يجوز له أن يصومه. وعلى هذا فقوله رحمه الله: «وإلا فهو نفل»، يعني في حق من تعود صيام النفل فوافق ذلك. والصحيح أنه لا يجوز التنفل بيوم الشك إلا لمن اعتاد صوما يصومه فوافق ذلك الصوم. فإذا كان كذلك فهو إذن غدا سيصوم، سيصوم إن كان رمضان فهو صائم مع الصائمين لأجل رمضان، وإن كان ليس رمضان فهو صائم لأنه وافق اليوم الذي يصومه مثلا يوم الاثنين. فهل يجوز عقد النية المترددة؟ فإذا ظهر أنه رمضان، هل يجزئه ذلك؟ الجواب: نعم يجزئه ذلك. وهذا هو الصحيح لعمومات الأدلة في هذا الباب. وقوله: «وهو إحدى الروايتين عن أحمد»، يعني روي عن أحمد هذا وهذا. والذي تدل عليه الأدلة هو الذي رجحه الشيخ رحمه الله هنا كما سمعنا. قال رحمه الله: ويصح صوم الفرض بنية من النهار إذا لم يعلم وجوبه بالليل، كما إذا شهدت البين بالرؤية في أثناء النهار، يعني شهدت أو شهدت، يجوز هذا وهذا. وهذا يحمل إذا كان هناك تبييت للنية من الليل، يعني ولو تبييت عام مثلا كان يوم الشك فهو قال: إن كان غد من رمضان فأنا صائم مع الصائمين، وإن لم يكن من رمضان فأنا مفطر. فأدرك أول نهار، فسأل: ماذا اليوم؟ قالوا: اليوم ليس من رمضان. فهنا ما دام أنه عنده لم يكن من رمضان، فهو نوى الفطر، ولم يعلم بالوجوب من الليل. فهنا هل يصوم إذا علم في وسط النهار، وهو قد نوى في أول النهار الفطر؟ هل يجوز أن يصوم من وسط النهار؟ الصحيح أنه يجوز أن يصوم، ما دامت النية العام ما موجودة، وهو لم يأكل شيء من الطعام. وسيأتي إذا ما أكل ما حكم ذلك. الآن عندنا أحوال لحال الصائم يوم الشك. من الناس من ينوي صيام يوم الشك إذا كان رمضان فهو صائم مع الصائمين، وإذا كان ليس برمضان فهو مفطر. فتبين أنه رمضان، فهو صائم مع الصائمين، ونيته بهذا تجزئ. والثاني: آخر إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن، إنسان آخر قال: أنا صائم صائم، سواء غد رمضان رمضان أو غير رمضان، لأنه وافق صيام يوم اعتاد أن يصومه، مثل أن يكون يوم الشك في يوم الاثنين، فهذا كذلك نيته المترددة، الصحيح أنها تجزئه. والرابع: إنسان لم يكن عنده صوم يصومه، وقال: أنا غدا سأصوم، سواء كان رمضان فأنا صائم، أو ليس برمضان فأنا صائم، فسأصوم احتياطا، إن كان من رمضان فهو رمضان، وإن كان ليس من رمضان فهو نفل. الصحيح أن هذا لا يجوز له أن يصوم، ما دام أنه لم يتبين له أنه رمضان، لحديث عمار الوارد في هذا الباب. فلا يجوز له أن يصوم على هذا المعنى، بل إذا لم يتبين له رمضان يجب عليه أن يفطر، لقول عمار: «فقد عصى أبا القاسم». والحالة التي بعدها: ما إذا كان يوم الشك، وهو لم يعلم بدخول رمضان، فنوى الفطر، ولم يفطر، ثم أخبر بأن اليوم أول يوم من رمضان. فهنا يصوم مع الصائمين. وهل يصح صومه إذا لم تكن عنده نية؟ الجواب في هذا خلاف بين أهل العلم. فإن كانت النية العامة موجودة عنده، فالصحيح أنه يصح صومه. وإن لم تكن عنده نية عامة، فأكثر أهل العلم أنه لا يصح صومه، مثل مسافر واصل أسفار متتابعة، فورد على بلده وهو لم يدري: يوم الشك من غير يوم الشك. يحصل لبعض الناس أنه حتى لا يدري: هو في شعبان أو هو في غير شعبان. فمثل هذا الذي ليس عنده نية بالمرة، فالكثير من أهل العلم يرون أنه لا بد عليه من قضاء اليوم. وإن كان يصوم لحرمة اليوم، فهو يصوم مع الصائمين، ولكن عليه أن يقضي يوما مكانه، لأنه ليس عنده نية بالمرة. وظاهر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، أو ظاهر المنقول عنه ها هنا، أنه لا يفرق بين هذين المعنيين. وأن كل من أدركه رمضان في النهار فإنه إن صام صح صيامه. والقسم الثاني الذي سمعناه: الأحوط، والله أعلم، أنه يقضي يوما مكانه، لأنه ليس له نية في هذا الصيام. وإن كان له وجه كما سيأتي الاستدلال عليه في حديث سلمة بن الأكوع إن شاء الله. ومثل هذه المسائل الدقيقة قد طالب العلم يحقق فيها وينظر فيها بمقتضى الأدلة وكلام أهل العلم، فيصل إلى شيء. فما وصل إليه بمقتضى الدليل فهو الذي يعمل به ويدين لله عز وجل به. كما أن بعض مثل ذلك قد لا يحتاج التشويش على العامة به، فالمقصود من هذا التنبه لمثل هذه التفاصيل. قال رحمه الله: وإن حال دون رؤية الهلال ليلة الثلاثين غيم أو قتر، فصومه جائز، لا واجب ولا حرام، وهو قول طوائف من السلف والخلف، وهو مذهب أبي حنيفة. والمنقولات الكثير المستفيضة عن أحمد إنما تدل على هذا، ولا أصل للوجوب في كلامه، ولا في كلام أحد من الصحابة رضي الله عنهم. وحكي عن أبي العباس أنه كان يميل أخيرا إلى أنه لا يستحب أو يجوز، لا يستحب صومه أو لا يستحب صومه، يجوز هذا ويجوز هذا. وهذه مسألة أخرى من مسائل الصيام تتعلق بصيام يوم الشك. فلما ذكر مسائل النية، وكان في ثناء هذه المسائل ذكر يوم الشك، ناسب أن يذكر حكم صيام يوم الشك. فيقول: وإن حال دون رؤية الهلال ليلة الثلاثين غيم أو قتر، يعني لم يتبين الهلال، وكان هناك مانع. فالمانع أورد زيادة في الشك. وقد تقدم معنى حديث ابن عمر: «فاقدروا له» واختلاف أهل العلم في فهمه. وأن الصحيح من أقوال أهل العلم في تفسير حديث ابن عمر أنه ليس المراد به التقدير بمعنى الصيام، ولكن المعنى يفسر بالرواية الأخرى التي في الصحيحين: «فاقدروا له ثلاثين يوما». وهو الذي جاء في حديث أبي هريرة في الصحيحين: «فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما». فهو صريح في حديث أبي هريرة، وصريح في الرواية الأخرى في الصحيحين في حديث ابن عمر، بأنه إذا حصل غيم أو قتر فغم علينا الهلال، يكمل عدة شعبان ثلاثين يوما. وهو المروي عن الكثير من الصحابة، ومر معنا قصة ابن عباس فيما سبق، وكيف أنه قال: إن رأوا الهلال وإلا أكملوا العدة ثلاثين. وهذا الذي يقتضيه القياس الصحيح. فعلى هذا فالصحيح أنه لا يصام يوم الشك، بل حديث عمار يدل على تحريم صيام يوم الشك، يعني لأجل الشك. وأما صيامه لكونه وافق صيام كان يصوم الإنسان من نفل أو غيره، فهو يصوم لأجل النفل الذي اعتاده، فهذا جائز لحديث أبي هريرة الذي في الصحيحين. وأما أن يصومه لأجل الشك، فالصحيح أنه لا يجوز. والحكم من ذلك حتى لا يقع الناس في الوسوسة، فإن فتح هذا الباب ينفتح به شر كثير على الناس. والله عز وجل أعلم وأحكم. وقد شرع على لسان نبيه عليه الصلاة والسلام أن يفطر في يوم الشك، فإنه إن غم علينا أكملنا العدة ثلاثين، بنص الأحاديث الصحيحة الصريحة عن النبي عليه الصلاة والسلام، كحديث أبي هريرة في الصحيحين، وحديث ابن عمر كذلك في الصحيحين. فإذن الصواب في هذه المسألة ما مال إليه شيخ الإسلام في الأخير، وهو قوله: وحكي عن أبي العباس، أي ابن تيمية، أنه كان يميل أخيرا إلى أنه لا يستحب صومه، بل على الصحيح أنه يحرم صومه، يحرم صيام يوم الشك لأجل الشك. وأما صيام يوم الشك كما تقدم لأنه وافق صياما كان يصومه الإنسان، فهذا جائز. قال رحمه الله تعالى: ومن تجدد له صوم بسبب، كما إذا قامت البين بالرؤية في أثناء النهار، فإنه يتم بقية يومه، ولا يلزمه قضاء، وإن كان قد أكل. وهذه المسألة الصحيح فيها التفصيل. ولا أظن أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يعمم القول فيها، ويحتاج إلى بحث أكثر في تفاصيل ما يدخل تحت هذا العموم من مسائل. من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فضلا عما نقل عن غيره من كلام أهل العلم. فتحت هذه المسألة تفاصيل. من هذه التفاصيل أولا: من لم يعلم بدخول رمضان لكون اليوم يوم شك، فتجدد له معرفة حكم الصوم بعد إذ لم يكن يعرف، كما إذا قامت البين بالرؤية في أثناء النهار مثلا. كما قلنا في المثال المتقدم: إنسان أدرك نهار يوم الشك وهو لا يدري أنه من رمضان، فنوى الفطر، ولم يأكل، ثم ظهر له أنه من رمضان. فهنا على التفاصيل الذي تقدم: إن كانت النية موجودة من قبل، فالصحيح أن ذلك يجزئه، ولو النية العامة، يعني إذا ظهر أن يوم الشك يوم من رمضان، فهو صائم مع الصائمين. حتى ولو نوى في النهار أن يفطر، ما دام لم يفطر، فالنية موجودة من الليل، فذلك يجزئه. وكما قال هناك: كما إذا شهدت البين بالنهار، يعني إذا ظهرت البين أن اليوم رمضان، فماذا يصنعون؟ يمسكون. يمسكون. فمن لم يأكل، صيامه صحيح. ومن أكل، فيه الخلاف الذي سيأتي، ما دامت النية موجودة. وأما إذا كانت النية غير موجودة أصلا، وهذا قد يرد، كالحالة التي سمعناها، كإنسان واصل الأسفار، فلم يدري أصلا أن شهر رمضان سيقدم عليه، فليس في قلبه أي نية. فمثل هذه المسألة: الأحوط، والله أعلم، أنه يمسك مع الممسكين والصائمين، ويقضي يوما مكانه، لأنه ليس عنده نية أصلا. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنيات». بقي الآن هذه المسألة هي نفس الأولى، لكن فيها زيادة شيء من التعميم. فهذه أحد تفاصيل هذه المسألة وصورها. والصورة الثانية: فيما إذا كان هذا الرجل الذي لم يدري أن يوم الشك هذا من رمضان، ونوى الفطر، أفطر حقيقة، أكل أو شرب، أكل أو شرب، ثم قيل له: اليوم رمضان. هنا الصحيح أنه يجب أن يمسك، لماذا؟ لأنه مقيم، والمقيم يجب عليه الصيام، فيصوم لحرمة اليوم، ولو أفطر في أول النهار، لكن بقي: هل عليه القضاء أم ليس عليه القضاء؟ ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إلى قول من قال من أهل العلم: أنه ليس عليه القضاء، واستدل من قال بهذا القول بحديث سلمة بن الأكوع الذي جاء في الصحيحين، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم في يوم عاشوراء. وصيام يوم عاشوراء فيه خلاف بين أهل العلم: هل كان للوجوب أو الاستحباب؟ والصحيح أنه مر بمراحل: حثهم عليه في أول الأمر على الاستحباب، ثم أمرهم به على وجه الإلزام، ثم كما جاء في حديث عائشة: لما فرض رمضان، قال لهم: «من شاء صامه ومن شاء تركه». إذن في أحد مراحله أمرهم به على وجه الإلزام. وهذا الذي يدل عليه حديث سلمة بن الأكوع، وهو في الصحيحين. وهذا لفظ البخاري: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رجلا ينادي في الناس يوم عاشوراء: «أن من أكل فليتم صومه، ومن لم يأكل فلا يأكل». وجاء معناه كذلك في صحيح مسلم من حديث الربيع بنت معبد. فهنا في هذا اللحظ أمر النبي صلى الله عليه وسلم الجميع أن يصوموا، من أكل ومن لم يأكل، أمرهم في النهار. في حديث الربيع بنت معبد: أنه أرسل إليهم في الصباح في النهار، جاء المنادي ينادي على ضواحي المدينة في المدينة وأطرافها: «أن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرهم أن يصوموا ذلك اليوم، من أكل فليتم صومه، ومن لم يأكل فلا يأكل». فاستدل بعض أهل العلم بهذا الحديث على أن من أدركه رمضان في وسط النهار فإنه يمسك بقية يومه، ثم اختلفوا: هل عليه القضاء أم ليس عليه القضاء؟ في هذا خلاف بين أهل العلم. فمن أهل العلم من أخذ بظاهر حديث سلمة بن الأكوع، وقال: ليس عليه القضاء. ومن أهل العلم من قال: عليه القضاء. واستدلوا برواية رواها الإمام أبو داود في هذا الحديث، فجاء في لفظ أبي داود: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالقضاء، قال: «اقضوه، ومن لم يأكل قال: ومن أكل فليتم صومه واقضوه، فليتم صومه واقضوه». وهذه اللفظة: الصحيح من أقوال أهل العلم أنها لفظة لم تصح. فقد قال الحافظ عبد الحق: لا يصح هذا الحديث بلفظ القضاء، تفرد به أبو داود، ولم يذكرها النسائي، بل لم يذكرها البخاري ولا مسلم، أي لفظ القضاء. ولهذا ذكر العلامة الألباني رحمه الله تعالى هذا الحديث بهذا اللفظ الضعيفة، ذكره بالضعيفة، وذكر فيه: وهكذا كذلك بضعيفة أبي داود، وذكر أن عبد الرحمن بن المنهال بن مسلمة وهو مجهول. فالحديث ضعيف، وزيادة على ذلك حصلت المخالفة، فهو منكر. والنكارة لأجل المخالفة في هذه اللفظة للأحاديث الصحيحة في هذا الباب. بقي: هل إذا ضعفت هذه اللفظة، معناه أنه لا يقضي؟ هذا ليس بلازم، فلا يلزم من ضعف الحديث ضعف الحكم. فعدم الثبوت أو نقول عدم الوجود ليس نفيا للوجود. فكون أن الحديث لم يصح بهذه اللفظة، ليس معناه أن هذا الحكم غير وارد. فعمومات الأدلة قد تقتضي أنهم أمروا بالقضاء، ولم ندري بذلك. ولا يلزم أنهم لم يقضوا. ولهذا قال من قال من أهل العلم بالقضاء، سواء صح هذا الحديث أو لم يصح الحديث، أخذا بعمومات الأدلة في من أفطر بعض اليوم أنه عليه القضاء. وبعضهم استدل كذلك بما جاء عن بعض السلف فيمن أفطر قبل وقت الإفطار، أنه جاء عن بعضهم الأمر بالقضاء. والصحيح في هذا التفصيل: إذا حصل الخطأ فليس فيه قضاء، فهو مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم في الناس إذا أكل أو شرب: «فإنما طعمه الله وسقاه». وفي غير الخطأ والجهل والنسيان، أو الخطأ والنسيان كالمتعمد، فعليه القضاء. فهذا هو الذي يقال ها هنا. فيقال: أن هذا الرجل ما دام أنه أفطر في أول النهار، فالصحيح والأحوط أنه عليه أن يقضي يوما مكانه. بقي تفصيل ثالث، وهو قوله: ومن تجدد له صوم، ليس خاص بمن أدرك يوم الشك، بل كذلك يشمل من تجدد له صوم مثلا بسبب إقامة بعد سفر. فهل يصوم ولو أكل، ويكون ليس عليه القضاء؟ عندنا الآن تفصيل في هذه المسألة. رجل كان مسافرا ثم وصل إلى بلده مكان الإقامة. فعلى هذا القول، وهو قول الكثير من أهل العلم: أنه عليه أن يواصل الصيام. وقول آخر: أن من أفطر أول النهار أي برخصة شرعية، جاز له أن يفطر آخره. وروي هذا عن جماعة من السلف: من أفطر أول النهار أفطر آخره. فعلى هذا: هذا مسافر رخص له بالفطر، ووصل إلى بلده بلد الإقامة، وله رخصة الفطر في السفر. هل يجب عليه إذ وصل إلى بلده أن يصوم؟ على ظاهر كلام شيخ الإسلام: أنه يجب عليه أن يصوم. على ظاهر هذا الذي عندنا بين أيدينا. والصحيح في المسألة: أنه لا يجب عليه أن يصوم، لأنه فطر برخصة شرعية. ومن أفطر أول النهار جاز له أن يفطر آخره. وعلى ظاهر هذا الكلام كذلك: أنه يواصل وهو مفطر، يعني يواصل بعد أن كان مفطرا، وأنه ليس عليه القضاء. وهذا خلاف الصواب، بل الصواب: لو قيل حتى بالصيام لحرمة اليوم، فإنه يؤمر بالقضاء على الصحيح. فالقضاء لا بد منه على كلا المسألتين. ومثله كذلك الحائض تطهر في وسط النهار. على ظاهر هذا الكلام: أنها كذلك ماذا؟ أنها كذلك عليها أن تصوم، وأنه ليس عليها القضاء. وهذا ليس بصحيح، بل الصواب: أنها لا تصوم، وأنها لو قدر أن تصوم، فالصحيح أن عليها القضاء. والصواب: أنها لا تصوم أصلا. طيب نقف عند هذا الحد لانتهاء الوقت، ونكمل إن شاء الله في درس لاحق. والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.