الدرس في كتاب الصيام من الاختيارات الفقهية 1، الدرس الأول:من( كتاب الصوم ... وكما لا يعرف ولا يضحي وحده ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
شرح معنى الصوم لغة وشرعًا، وبيان حكمه وأهميته، وفوائده الكثيرة. كما ذكر تدرج فرض الصيام على الناس وتفاصيل أحكامه وقيوده.
يناقش اختلاف مطالع الهلال ووجوب الصوم، حيث يؤثر اختلاف المطالع على وجوب الصوم. يشرح كيف أن الصحابة كانوا يعتبرون بمطلعهم واختلاف مطالع الهلال في صومهم وإفطارهم.
إذا رأى شخص الهلال وحده ولم تقبل شهادته، فلا يلزمه الصيام وحده، بل يصوم مع الناس. هذا الحكم مبني على حديث أبي هريرة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: كتاب الصوم، أي من اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو مختار أبي الحسن البعلي رحمه الله تعالى، وهو مذكور كذلك في الفتاوى الكبرى المسمى بالفتاوى المصرية. قوله: كتاب الصوم، أي هذا مكتوب يتعلق بأحكام الصوم. والتكرير معنا في دروس سابقة أن الكتاب معناه في اللغة ما خط على القرطاس لحفظه، وهو في اصطلاح أهل العلم مجموعة متشابهة من العلم. والكتاب يطلق ويراد به جنس تدخل تحته مسائل متشابهة في جنس واحد. ودون الكتاب الباب، وهو مثل النوع، فالنوع فرع من الجنس، وتحت الباب فصل، والفصل فرع من النوع، فهو يتضمن المسائل التي هي متفرعة عن ذاك الباب الذي هو نوع. ومر معنا في دروس سابقة أن أهل العلم اصطلحوا على هذه التقسيمات لفوائد ومصالح كثيرة، منها تسهيل حفظ العلم، ومنها تيسير فهمه، ومنها ترتيب أبواب ومسائل العلم بما يكون به سهولة الوصول إليها، وغير ذلك من المصالح. وهكذا كذلك أن تجعلك المراحل هذه الكتب والأبواب والفصول كمراحل المسافر، كلما قطع مرحلة تشوق لما بعدها، فيسر عليه أخذ العلم وسهله ورغبه فيما بعده. والصوم لغة مأخوذ من معنى يدور حول معنى الإمساك، ولكنه فيه معنى زائد عن الإمساك، لأن اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى، فهو إمساك بمعنى مخصوص. ولذلك لا يقال لكل إمساك صوم، وإنما يقال للإمساك الذي يكون معه معنى آخر مخصوص هو الصوم. فأنت إن أمسكت شيئًا أو أمسكت عن شيء لن تقول أنك صمت، ولكن من أمسك لمعنى فإنه يقال أنه صائم. ومنه: إني نذرت للرحمن صومًا، أي عن الكلام، فهو إمساك عن الكلام بمعنى مخصوص تعارف عليه الناس. وهكذا كذلك الصوم في الشرع، فهو في الشرع التعبد لله بالإمساك عن الطعام والشراب وما كان بمعناه، وسائر المفطرات من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس. وفرض الصيام على الصحيح من أقوال أهل العلم في السنة الثانية. وفرضه ربنا جل وعلا لحكم كثيرة. وقد ذكر بعض أهل العلم من حكمه أشياء كثيرة، أبلغها بعضهم إلى أكثر من مئة فائدة وفضيلة ومصلحة وحكمة من فضائل وحكم الصيام. فمن فضائله أنه سبب لتحقيق الإيمان وتصديق الإسلام، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان». والحديث في الصحيحين عن ابن عمر. وهو سبب لتكفير الذنوب والمعاصي، ما تقدم منها. «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه»، حديث أبي هريرة في الصحيحين. وهو كذلك سبب آخر لحصول التقوى، وهذه الحكمة في فرضه قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. وهكذا كذلك من فضائله أنه سبب للنجاة من النار، فقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أن الصيام جنة، كجنة المقاتل أن يتقي بها الصائم من غضب الله وسخطه وعذابه في الدنيا وفي الآخرة. ومن حرم هذا الفضل فهو المحروم. وفي حديث أبي هريرة الذي أصله في صحيح مسلم، وجاء مطولًا عند البيهقي وأحمد، في صعود النبي عليه الصلاة والسلام على المنبر، فقال: «آمين، آمين، آمين»، فسئل عن ذلك، فأخبرهم أن جبريل أتاه آنفًا فأخبره بثلاث كلمات، ومنها: «أن من أدركه رمضان فلم يغفر له فأبعده الله، فدخل النار، فأبعده الله»، فقل: «آمين»، قال: «فقلت: آمين». وهكذا كذلك من فضائله وحكمه أنه كذلك سبب لخروج وحر الصدر وآفاته، وسبب لصفائه ونقائه. وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أن الصيام يزيل وحر الصدر. وهكذا كذلك يكسر الشهوة، وهذا من حكمه، ويحدث في النفس القناعة والزهد، وكذلك الحب للخير. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء». فكما يكسر شهوة الرجل، فكذلك يكسر سائر الشهوات. فإذا انقطع الإنسان بالصيام أعانه ذلك على الزهد في الدنيا والقناعة، وكذلك قلة المطامع. وهو كذلك سبب لرحمة الفقراء، فبصيام الصائم يتذكر حال الفقراء وجوعهم وعطشهم، فيعينه ذلك على الإحسان إليهم. وهو سبب كذلك لتذكر نعمة الله عليه، فيتذكر نعمة الصحة والعافية، ونعمة الطعام والشراب، وسائر ما أنعم الله عز وجل عليه. وهو بهذا يعينه كذلك على أبواب الخير. وهو كذلك سبب لصحة الأبدان، كما يعين على صحة الأديان، فهو يعين على صحة الأبدان. والصحة والصحة مبناها على أصلين اثنين، أحدهما: تخلية الجسد من الآفات، وإبعاد الآفات منها، أي بعد دخولها. والصوم من هذا الأصل، فمنه ما هو وقاية، ومنه ما هو إزالة. فمن الإزالة ما يكون بالصيام يزيل سموم الجسم مما قد دخل فيه، فيكون فيه هذا الأصل. وفيه كذلك الحمية، فهو وقاية، وهو كذلك إزالة. فبصيامه يزيل بذلك ما علق به من سموم في خلال ما كان في وقت فطره، وبفترة امتناعه عن الطعام والشراب يكون، له كذلك وقاية. وغير ذلك من المصالح والفوائد والحكم الكثيرة التي ذكرها العلماء في ثنايا كتبهم مختصرة ومطولة. ومن حكمة الله عز وجل ولطفه بعباده ورحمته بهم، أنه درج هذا الفرض على الناس، فأول ما بدأ على التخيير، ثم ألزم به حكمة ورحمة من الله سبحانه وتعالى. فكان من أول ما أنزل: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، ثم نزل بعد ذلك، فكان من لم يستطع الصيام ولم يطقه رخص له أن يطعم عن كل يوم مسكين. ثم بعد ذلك صار عزيمة إلا على أهل الأعذار. فنزل بعد ذلك قوله سبحانه: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، فصار عزيمة، وفرض على كل من حضره الشهر أن يصوم شهر رمضان، كما جاء معناه في البخاري من حديث ابن عمر، وفي الصحيحين من حديث سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنهم جميعًا وأرضاهم. وبه نعرف حكمة الله عز وجل ولطفه بعباده، حيث صار هذا الحكم ليس هو على الجميع دون تفريق لأحوالهم ومصالحهم، ففرق بين الصحيح والمريض، وبين المقيم والمسافر، وبين الصغير والكبير. ولهذا كان الصيام واجبًا على كل مسلم عاقل بالغ قادر مقيم سالم من الموانع، هذه كما ترون ستة قيود ذكرها العلماء، بها يجب الصيام، فهي تجب على المسلم، ولا تصح من غيره. فالكافر لا يقبل منه، والمشرك لا يقبل منه. فالله عز وجل أخبر أن أعمال الكافرين يجعلها الله هباء منثورًا: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾. وقال الله عز وجل: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. وهكذا المشرك عمله مردود عليه، ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وبه يعلم أن أناسًا أشركوا مع الله غيره، وربما أكثر من الطاعات، ومنه الصيام، وزعموا أن ذلك ينفع ويقرب. وما علموا أن ذلك محبط بسبب شركهم. وهكذا كذلك البالغ هو الذي يجب عليه الصيام، ومن ليس ببالغ، إن كان مميزًا فيستحب تعليمه على الصيام، كما فعل الصحابة رضي الله عنهم. وهكذا هو على العاقل والمجنون، لا يجب ولا يصح. «رفع القلم عن ثلاثة: ومنهم المجنون والمعتوه»، حديث علي وغيره. والقادر، فخرج بذلك غير القادر، كمن به مرض مزمن، أو كذلك الكبير في السن، فهو لا يستطيع الصيام، فيطعم عن كل يوم مسكين. والمريض يقضي يومًا مكانه، فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر. والمقيم، رخص له في الفطر وإن كان مشقة، فيجب عليه. «ليس من البر الصيام في السفر». وسالم من الموانع، أراد به العلماء المرأة التي قد تبتل بالحيض والنفاس، فإذا ابتليت بذلك وجب عليها الفطر، وتقضي عن كل يوم يومًا آخر. وهذا الموضع كغيره من المواضع في هذا الكتاب يتكلم عن اختيارات هذا الإمام، شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فهو لا يسرد مسائل هذا الكتاب مستوعبًا لمسائله ومعتنيًا بأهم مباحثه، بقدر ما يعتني بالمسائل الخلافية وذكر اختيار هذا الإمام فيه. قال رحمه الله تعالى: قال: تختلف المطالع باتفاق أهل المعرفة بهذا. فإن اتفقت لزمه الصوم، وإلا فلا. وهو الأصح عند الشافعية، وقول في مذهب أحمد. هذه المسألة الأولى من مسائل هذا الكتاب. فاختيار شيخ الإسلام فيها هو ما سمعنا، فالمطالع تختلف باتفاق أهل المعرفة. فإذا كان كذلك، فإن اتفقت لزم الصوم. ومعنى إذا اختلفت: كما قال: وإلا فلا، أي إذا اختلفت المطالع فلا يلزم على القول الصحيح من أقوال أهل العلم، وهو المروي رواية عن الإمام أحمد، وهو الصحيح المروي عند الشافعية، وهو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وهكذا تلميذه ابن القيم، وكثير من المحققين من أهل العلم. وهذا هو الصواب الذي تدل عليه الأدلة من الكتاب والسنة. فمن أدلة الكتاب قول الله عز وجل: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، فعلق حكم الصيام بشهود الشهر، والمراد بالشهر ها هنا دخول الشهر، ورؤية الهلال. والهلال يسمى شهرًا، ولا يزال في عرف الناس إلى يومنا هذا يسمون الهلال شهرًا. فإذا كان كذلك، فالهلال باتفاق أهل المعرفة ليس مطلعه واحد، بل يرى بواقع عرف الناس وحسهم بوصف مختلف من موضع إلى آخر، بحسب اختلاف بلادهم. وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله في مواضع من كتبه أن دار الإسلام أقاليم. وبين الشيخ محمد إبراهيم رحمه الله أن المراد بالأقاليم ليس كما يظنه بعض الناس من الخطوط التي يكون بها اختلاف مواضع البلاد باختلاف الزمان، نحن نسميه اليوم بخطوط الطول، ليس هذا المراد. ولكن المراد بالأقاليم ما عرفه الناس في ذاك الزمان، وهو كذلك إلى يومنا هذا، أن هناك جهات يغلب عليها توقيت واحد. فقسمت جزيرة العرب -وهذا شيء أغلبي ولا يلزم أن يكون دائمًا متفقًا أو دائمًا مختلفًا- إلى أربعة أقسام: فشمالها إقليم، وجنوبها إقليم، وشرقها إقليم، وغربها إقليم. فلا يلزم إذا رأى أهل شرق الجزيرة الهلال أنه يلزم أهل الغرب أن يصوموا برؤية أهل الشرق، لا يلزم. وفرق بين أن نقول: لا يلزم، وبين أن نقول: أنه قد تحصل الموافقة. كذلك يقال في أهل الشمال وأهل الجنوب. فمن كان في شمال الجزيرة، مثل أهل العراق، وسوريا من بلاد الشام، ليس كأهل اليمن وأهل عمان. فلا يلزم إذا رؤي الهلال في الشام أن يصوم أهل اليمن وعمان، لأن المطالع تختلف. لكن لا يعني ذلك أنه لا يمكن أن يصوم الجميع، لأنه قد يتحد المطلع بتوافق رؤية الهلال. والأصل في هذا رؤية الهلال. فهذا من دليل الكتاب. ومن دليل السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم، كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يومًا». وهذا الحديث هو العمدة في هذا الباب. فقول النبي عليه الصلاة والسلام: «صوموا لرؤيته، وأفطر لرؤيته»، طبقه الصحابة في قصة ابن عباس، وجاء معنا عن غيره، حين جاء من الشام وقد صام الناس، فأفطر، فأخبرهم أنهم لم يروا الهلال، فدل ذلك أنهم كانوا يعتبرون بمطلعهم وباختلاف بظهوره وباختلاف مطالعه. والقصة معروفة مشهورة. وهكذا كذلك أحاديث أخرى تدل على هذا المعنى. وهنا تنبيه بالنسبة لما جاء في حديث ابن عمر في الصحيحين، قوله: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا رأيتموه فصوموا، إذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فقدروا له». فقد فهم بعض أهل العلم هذا الحديث أن معنى إذا غم على الناس فإنهم يقدرون ويجتهدون، فإذا لهم أن يفطروا بمعنى إذا كانوا في رمضان، أو يصوموا إذا كانوا في شعبان. والصحيح أن حديث ابن عمر هذا مفسر بحديث أبي هريرة، بل ومفسر بحديث ابن عمر الآخر الذي جاء كذلك في الصحيحين: «فإن غم فقدروا له ثلاثين، فإن غم فقدروا له ثلاثين». وهذا جاء من حديث ابن عمر. فإذا قوله عليه الصلاة والسلام: «فقدروا له»، ليس معنى أن يلغوا إتمام الثلاثين، ولكن معنى أن يقدروا له بأن يتموا الثلاثين. ولكن فائدة هذه اللفظة كما قال العلماء: أي اجتهدوا في معرفة الهلال، فإن لم يكن وتأكدتم من أنه قد غم عليكم، فإذا أتم ثلاثين. فهذه الأدلة تدل على تأكيد اعتبار المطالع والرؤية. وهكذا القياس الصحيح، فإنه كما أن الناس يختلفون في صومهم وفطرهم اليوم، فمن باب أولى أن يختلفوا في صومهم وفطرهم الشهري. أليس أهل البلد الواحد يختلفون في صيامهم وفطرهم؟ الجواب: بلى. فهل مثلًا أهل مدينة صنعاء صومهم وفطرهم مثل أهل مدينة عدن؟ الجواب: لا. وهل أهل مكة مثل أهل المدينة؟ الجواب: لا. بل وحتى ليس أهل مدينتين متقاربتين مثل بعض. فتجد مثلًا بين المدينة والمدينة أحيانًا فرق دقيقتين أو ثلاث دقائق، فهؤلاء أفطروا وهؤلاء لم يفطروا، لماذا؟ لأن هؤلاء لم يروا غروب الشمس، فهم ينتظرون غروب الشمس حتى يفطروا. وكذلك يقال في الهلال، وهذا من باب أولى. وهذا من القياس الصحيح الذي يجب أن يعتبر به. ولهذا كان القول الصحيح هو ما ذكره هاهنا شيخ الإسلام، ونقله أنه قول في مذهب الإمام أحمد، والأصح من قول الشافعية: أن المطالع إذا اتفقت لزم الصيام، وأن المطالع إذا اختلفت لا يلزم الصيام. فلكل مطلع ما له في الصيام، حتى ولو كان الأمير واحد، والدولة واحدة، على القول الصحيح. فلو كان الدولة كبيرة، رؤية الهلال في شرقها، ولم يرى في غربها، فالصحيح أن الواجب على ولي الأمر أن يفرق، ما دام قد علم أن المطالع تختلف، فلا ينبغي أن يجعل جهة الشرق مثل جهة الغرب، وهي بلاد كبيرة قد تحقق عند من علم من أهل العلم في هذا الباب، وأهل الاختصاص: أن مطلع الشرق ليس كمطلع الغرب. فلا يجب أن يلزم الناس بالصيام أي جميعًا. وهنا تأتي مسألة، وهي: إذا ألزم ولي الأمر بالصيام، فهل يصوم الناس أم لا يصوم؟ الصحيح أنهم يصومون، لما جاء في حديث أبي هريرة عند الترمذي وأبي داود والدارقطني وغيرهم: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الصوم يوم يصوم الناس، والفطر يوم يفطرون، والأضحى يوم يضحون». فدل ذلك أن الواجب على المسلم أن يكون صومه مع صيام الناس، وفطره مع فطرهم، وكذلك الأضحى حيث يضح الناس. وبه تعرف خطأ من يخرج عن هذا، قد يقول قائل: كيف إذا صار هناك خطأ، وكان هناك اختلاف مطالع؟ الجواب: الواجب أن تصوم مع الناس، إلا إن تبين لك. وهذا ما سيأتي إن شاء الله، تنبيه عليه خلاف ذلك. فأنت تعمل مع الناس ما لزم، ثم بينك وبين الله تعمل ما يبرئ ذمتك. وفي هذا خلاف سيأتي التنبيه عليه إن شاء الله. فإذا مثلًا رؤي الهلال في جهة المشرق، ولم ير في جهة المغرب، وقرر ولي أمر هذه البلاد الكبيرة أن يكون الصيام مثل بلاد السعودية، فجهة الشمال عندهم بعيدة جدًا، مطلع خاص، فهي على حدود الشام، وإلى جهة الجنوب على حدود اليمن. فإذا رؤي الهلال في الشام، هل يلزم أن يصوم أهل الجنوب ممن هم في حدود اليمن؟ الصحيح: لا. لكن مع ذلك لو قرر إعلان الهلال لأجل مشقة ذلك مثلًا، أو لأي مصلحة أخرى، فأعلن الصيام، لا يجوز للمسلمين أن يتخلفوا، بل الجميع يصومون، لأن «الصوم يوم يصوم الناس، والفطر يوم يفطر الناس». في الصيام وفي الفطر يجب على الجميع أن يصوموا ما دام قد أعلن ولي الأمر بالصيام. فإذا تبين الإنسان بعينه أن الهلال قد ظهر، ولم يقبل قوله، أو تأخر تبليغه، فلم يعتمد، فهنا هل يلزمه الصيام؟ سيأتي معنا أن الصحيح: لا يلزمه الصيام، ما دام مثلًا يوم السبت رأى هذا الرجل الهلال في الليل، إذن يلزمه الصيام يوم الأحد، فتأخر تبليغه أو لم يقبل تبليغه، فأتم الناس صيام شعبان، فأفطروا يوم ثلاثين، وأعلنوا رمضان يوم الاثنين، هل يصوم يوم الأحد؟ الصحيح أنه لا يصوم يوم الأحد، لأن الصوم: يوم يصوم الناس، ما دام أنه لم يعلن بالصيام، فلا يصوم، وليس عليه إثم، بل كما سيأتي إن شاء الله له وجه. بقي: إذا تم الصيام مع الناس، هل يلزمه قضاء هذا اليوم؟ في هذا خلاف بين أهل العلم، والصحيح أنه لا يلزمه القضاء، إلا إذا حصل خطأ في الصيام، يعني كأن يكون صام الناس ثمانية وعشرين يومًا، فرؤي الهلال من ثمانية وعشرين، تأكد أنه على صواب. قد يقول قائل: لماذا لا يكون الشهر عند أهل الشمال على ثلاثين، والشهر عند أهل الجنوب على تسعة وعشرين؟ فإذا يلزم أهل الشمال يزيد يومًا صيام ثلاثين؟ الجواب: الشرع ألغى مثل هذا المعنى، طمعًا في الاجتماع، وتحذيرًا من الفرقة. فالذي قال: «الصوم يوم يصومون عليه الصلاة والسلام، والفطر يوم يفطرون»، لم يخف عليه مثل هذا الأمر، وهو يعلم عليه الصلاة والسلام أن أمر الناس بالاجتماع في الصوم والفطر قد يعارضه مثل هذا المعنى، لكن هذا ملغي لمصلحة أعظم، وهو أمر الاجتماع فينتبه لهذا ويعتبر به. وأعظم من ذلك ما يبتلى به بعض إخواننا في بعض بلاد الكفر، أو في بعض البلاد الإسلامية التي هي بعيدة، ويضعف فيها معرفة الناس واعتناؤهم بمسائل الشرع، فتجد أنهم يختلفون اختلافًا كثيرًا، ربما في المدينة الواحدة يصلون العيد ثلاثة أيام، المسجد الفلاني يصلي العيد يوم السبت، والمسجد الثاني يصلي العيد يوم الأحد، والمسجد الثالث يصلي العيد يوم الاثنين، هذا خطأ، وهو خلاف سنة النبي عليه الصلاة والسلام. بل الواجب إن كانت الدولة دولة مسلمة، ولو أخطأت في طريقة إعلان الشهر، كأن تعتمد مثلًا على الحساب، أو على الفلك، أو على الأجهزة، فأعلنت الشهر ولم ير الهلال، فهنا الواجب متابعة الدولة في هذا، ما دام أن أكثر المسلمين سيصومون، إذن يصومون معهم. «الصوم يوم يصوم الناس». وإن حصل خطأ كما قلنا، يجبر هذا الخطأ، وإن حصل الصيام تسعة عشر يومًا أو ثلاثين يومًا، فيكتفون بذلك، ولا مانع أن يراجعوا. إن تبين لهم مثلًا رأى بعض الإخوة الهلال، ولم تعلن الدولة الشهر، يذهبون يبلغون، يقول: عندنا شهود عيان ثقات رأوا الهلال، فإن شاء الله سيقبلون منهم، إذا لم يقبلوا، فليس عليهم حرج في ذلك، إن كان إثم، فالإثم على من لم يقبل هذه الشهادة التي يجب قبولها. فمثل هذه المسائل ينبغي أن تراعى، وأن كذلك يتتبع كلام أهل العلم فيها، بما يكون به حصول الخير في المجتمع، وكذلك قلة الفوضى والشر والخلاف الذي يكون بسبب قلة العلم، وعدم معرفة دقة ما نقله أهل العلم في مثل هذه المسائل. ثم قال رحمه الله تعالى: ومن رأى هلال رمضان وحده، وردت شهادته، لم يلزمه الصوم، ولا غيره. يعني يلزمه كذلك. قال: ونقله حنبل عن أحمد في الصوم، وكما لا يعرّف ولا يضحي وحده. ومعنى يعرّف: يعني لا يدخل في يوم عرفة وحده كذلك، ولا يضحي يوم الأضحى وحده، بل مع الناس. فكذلك الصيام. وهذا مبني على الحديث الذي تقدم، والحديث الصحيح أنه حديث حسن، وإن كان بعض أهل العلم طعن فيه. فبعض أهل العلم ضعف هذا الحديث، لأنه جاء عند أبي داود والبيهقي من طريق ابن المنكدر عن أبي هريرة، ولم يسمع منه، كما ذكر ابن معين وأبو زرعة رحمهم الله: أنه لم يسمع منه. وهو الصحيح أنه حديث حسن، لأنه له شاهد، فقد روي هذا الحديث كذلك من طريق عبد الله بن جعفر المحرمي -أو يقال: المخرمي- عن عثمان -وهو الأخنسي- عن سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه. وهذا الإسناد على الصحيح أنه إسناد حسن. ولو طعن في عثمان الأخنسي، إلا أنه يصلح للشواهد، على أقل أحواله، فيشهد هذا لما قبله، فيكون في ذلك متابع لهذا، فيصح. لأن بعضهم نقل عن ابن حبان أن رواية عثمان الأخنسي تصلح للشواهد، ما لم تكن من طريق عبد الله بن جعفر المخرمي. وهذا الحديث جاء من طريق عبد الله بن جعفر المخرمي عن عثمان الأخنسي، فدل ذلك أنه على قول ابن حبان لا يصح. وهو معلول. وبهذا ضعف بعض أهل العلم هذا الحديث. والصحيح ليس كذلك، فالإمام البخاري رحمه الله أخرج لعثمان في جزء القراءة، وفي مواضع مما يظن أنه لم ير أنه ممن لا يصح حديثه. وهكذا الإمام مسلم كذلك. وزيادة على ذلك أن له شاهد، أو له متابعة، فالحديث صحيح. فإذن قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في هذا الموضع: ومن رأى هلال رمضان وحده، وردت شهادته، لم يلزمه الصوم، لماذا؟ لهذا الحديث: «الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون». وهذا هو قوله: كما لا يعرّف ولا يضحي وحده. ومثله كذلك لو لم ترد الشهادة، ولكنها لم تبلغ، يعني تأخر إبلاغ هذه الشهادة، فهل يلزمه الصوم؟ الصحيح أنه لا يلزمه الصوم، لهذا الحديث. وقل مثل ذلك كذلك في إعلان الفطر في هلال شوال. على أنه على الصحيح من أقوال أهل العلم: يكتفى في هلال رمضان برؤية واحد، لحديث ابن عمر عند أبي داود وغيره: «تراءى الناس الهلال، فرأيته، فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم، فصامه وأمر الناس بصيامه». وأما رؤية هلال شوال، فبشاهدين، للأحاديث الأخرى. وهي الأصل في هذا الباب، ولكن شهر رمضان استثني بذلك بحديث ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه. فإذا لم يلزم الرائي فمن باب أولى غير الرائي، من باب أولى غير الرائي أنه لا يلزمه أن يصوم. نكتفي بهذا القدر، وإلى هنا والله تعالى أعلم.