الدرس في كتاب الصيام من الاختيارات الفقهية 11، الدرس الحادي عشر:من( ولا يكره إفراد يوم السبت بصوم ... ولا يجوز لأحد أن يعتقده عيداً ولا يحدث فيه شيئاً من شعائر الأعياد ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
لا يكره إفراد يوم السبت بالصوم إذا كان ضمن صيام معتاد، والحديث الوارد في النهي عن صيامه ضعيف لاضطرابه.
لا يجوز تخصيص يوم الجمعة بصيام أو قيام إلا إذا وافق صوما معتادا، ودليل ذلك حديث أبي هريرة في صحيح مسلم.
ينهى عن تخصيص يوم معين بالعبادة بدون دليل شرعي، وتخصيص يوم الثامن من شوال بعيدا باطل ومخالف للسنة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «ولا يكره إفراد يوم السبت بالصوم». قوله: «ولا يكره إفراد يوم السبت بالصوم»، هذه مسألة أخرى من المسائل التي اختلف فيها أهل العلم، وهي تتعلق بصوم التطوع، فذكر رحمه الله تعالى هنا هذه المسألة ليشير بها إلى أنه ليس مما ينهى عنه صيام يوم السبت، خصوصا إذا كان ليس على وجه التخصيص. وقد روي في هذا الباب حديث اختلف في صحته، فمن أهل العلم من حسنه، ومنهم من لم يحسنه بل ضعفه، وهو ما رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة وغيرهم من حديث عبد الله بن بسر، عن أخته الصماء بنت بسر، عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «لا تصوم يوم السبت إلا فيما افترض عليكم، فإن لم يجد أحدكم إلا عود عنب أو لحاء شجر فليمضغه». يعني تأكيدا في النهي عن صيامه. وهذا الحديث حسنه بعض أهل العلم على ظاهره، وضعفه جماعة من الحفاظ، فقد شارك الدارقطني رحمه الله في العلل إلى أنه حديث معل، إذ فيه شيء من الاضطراب، وهو معارض كذلك لعمومات أدلة أخرى صحيحة صريحة تدل على جواز إفراد السبت بالصيام، خصوصا إذا كان في وفق صوم يصومه الإنسان. فمثلا في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر، الحديث الطويل الذي فيه ما أمره به النبي عليه الصلاة والسلام من الاقتصار في العبادة والتخفيف فيها، فكان آخر ما قال له: «صم يوما وأفطر يومين»، قال: «يا رسول الله، أطيق أفضل من ذلك»، قال: «صم يوما وأفطر يوما، فإنه صيام عبد الله داود، وكان أعبد الناس»، قال: «يا رسول الله، أطيق أفضل من ذلك»، قال: «لا أفضل من ذلك». في قوله: «صم يوما وأفطر يومين»، وهكذا «صم يوما وأفطر يوما»، فإنه سيوافق صيام السبت، وقبله مفطر وبعده مفطر، وهذا يدل على جواز ذلك إذا كان في سياق صوم يصومه الإنسان. وأما أن يخص السبت أو غير السبت بصيام من سائر الأيام، فهذا قد ورد معنى النهي عنه، فإذا ورد في الجمعة، ففي غير الجمعة من باب أولى، أي أن يخص يوما دون سائر الأيام بصيام، ولم يرد دليل على تخصيصه، فالخلاصة يقال في صيام يوم السبت: الصحيح أنه لا بأس بصيامه إذا كان في سياق صيام يصومه الإنسان، سواء جاء أحد الأيام البيض أو صامه أحد ثلاثة أيام من كل شهر، أو صامه كذلك في سياق صيامه الذي يصومه كصيام داود عليه الصلاة والسلام أو غيره. ولا يجوز أن يخص من دون سائر الأيام بصيام؛ لأنه لم يرد شيء صحيح صريح يدل على جواز تخصيصه بذلك. وبهذا يعلم أن هذا هو القول الفصل الذي تجتمع به الأدلة، والله تعالى أعلم. وبالنسبة لتحسين الحديث، فقد حسنه من حسنه نظرا إلى ظاهر إسناده، والحديث كما سمعتم: الصحيح فيه الإعلال، وقد أشار الزيلعي رحمه الله في نصب الراية إلى بعض ذلك، فليرجع إليه. وهكذا الحافظ بن حجر في التلخيص، قال رحمه الله: «ولا يجوز تخصيص صوم أعياد المشركين، ولا صوم يوم الجمعة، ولا قيام ليلتها». قال أبو العباس في رده على الرافضي -يعني في كتاب منهاج السنة-: «جاءت السنة بثوابه على ما فعله، وعقابه على ما تركه، ولو كان باطلا كعدمه لم يجبر بالنوافل». والباطل في عرف الفقهاء ضد الصحيح، في عرفهم: هو ما أبرأ الذمة. فقولهم: «بطلت صلاته وصومه» لمن ترك ركنا، بمعنى: وجب القضاء، لا بمعنى أنه لا يثاب عليه بشيء بالآخرة. وقال تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾، وهو بطلان الثواب، ولا يسلم بطلان جميعه، بل قد يثاب على ما فعله، فلا يكون مبطلا لعمله. وهذا جعله رحمه الله في الكلام على صوم يوم العيد، سواء أعياد المسلمين أو أعياد المشركين. فأما أعياد المسلمين، فقد تقدم في حديث أبي سعيد وعمر وجماعة: نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن صيامها: يوم الفطر ويوم الأضحى، وتقدم أنه نهى عليه الصلاة والسلام عن صيام ستة أيام، ومنها أيام العيد. وأما أعياد المشركين؛ فلأنها لو كانت مما يفرح بها لم يجز أن تصام؛ لأنها أشد من أعياد المسلمين، فكيف وقد جاء النهي عن التشبه بهم، وعن الاحتفاء بأعيادهم؟ وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من تشبه بقوم فهو منهم»، كما جاء عند أحمد من حديث ابن عمر بإسناد صحيح. بل جاء بتفسير قول الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾، أي: لا يشهدون أعياد المشركين، جاء معنا عن ابن عباس وابن عمر وجماعة من الصحابة والتابعين. فلا يجوز شهود أعياد المشركين ومشاركتهم فيها؛ لأن في هذا إقرارا لهم على أعيادهم الشركية والبدعية. وهكذا جاء في حديث ثابت بن الضحاك عند الترمذي بإسناد صحيح، حين نذر رجل أن ينحر إبلا ببوانه، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم: «هل فيه عيد من أعياد المشركين؟». استدل العلماء بهذا السؤال من النبي عليه الصلاة والسلام: أنه لا يجوز التعبد لله بعبادة، ولا التقرب إلى الله بقربة في موضع تقام فيه أعياد المشركين؛ حتى لا يكون فيه إقرار لتلك الأعياد. فمن باب أولى هذه المسألة، وهي صيام يوم عيد المشركين. فلهذين الأمرين لا يجوز تخصيص أيام أعياد المشركين بالصيام. وقوله: «تخصيص» معناه: يجوز إذا كان على غير التخصيص، مثلا وافق يوم المشركين -مثلا الأول من يناير الذي هو رأس السنة الميلادية- هذا عيد من أعياد المشركين، فإذا وافق هذا اليوم مثلا يوم الاثنين والخميس، فهل نقول للإنسان الذي تعود صيام الاثنين والخميس: لا تصمه لأنه وافق في هذا اليوم عيد المشركين؟ الجواب: لا يجوز له أن يصومه؛ لأنه لم يصمه لأجل تخصيص كونه عيدا من أعياد المشركين، وإنما صامه لموافقة كونه يوم اثنين أو خميس. وقوله: «ولا صوم يوم الجمعة»، كذلك لا يجوز تخصيص يوم الجمعة بصيام، ولا قيام، ولا شيء من العبادات، ما لم يرد به الدليل الصحيح الصريح عن النبي عليه الصلاة والسلام. ودليل ذلك ما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا، لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تختصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام؛ إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم». فلا بأس إلا أن يكون في صوم يصوم أحدكم، فإذا كان موافقة لصوم يصومه الإنسان فلا بأس، مثلا وافق أحد الأيام البيض، أو وافق كونه اليوم الذي يصومه حين يفطر يوما ويصوم يوما فيصومه، ولو فردا. وبهذا يعلم أن قول النبي عليه الصلاة والسلام بالحديث الآخر الذي جاء بالصحيحين كذلك من حديث أبي هريرة: «لا تصوم يوم الجمعة إلا وبعده يوم أو قبله يوم»، فهذا يحمل لمن أراد أن يتطوع بصيامه صيامه، فلا ينبغي أن يفرده بصيام. كما صح أنه رأى بعض نسائه صائمة يوم الجمعة، قال: «أصمت قبله؟» قالت: «لا»، «أتصومين بعده؟» قالت: «لا»، فأمرها بالفطر. وأما إذا وافق صوما يصومه الإنسان فلا بأس، مثل صاحب صيام داود، فإنه يصوم يوم الجمعة: أسبوع سيصوم يوم الجمعة، وقبله مفطر وبعده مفطر، والأسبوع الثاني سيصوم الخميس، وقبله مفطر وبعده مفطر، وهكذا أسبوعا بأسبوع سيمر عليه صيام يوم الجمعة مفردا، فلا بأس في ذلك. وقول النبي عليه الصلاة والسلام لعبد الله بن عمر بهذا الصيام يتضمن إقرار هذه الكيفية. وهكذا ما جاء في الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله، وجاء كذلك معناه عن غيره: أنه نهى عن صوم أو صيام يوم الجمعة، فهو يحمل على هذا التفصيل. وجاء خارج الصحيح في رواية من حديث جناد الأزدي وغيره: «نهى أن يفرد يوم الجمعة بصوم»، وهو كذلك يحمل على هذا التفصيل. ثم ذكر الناقل عن شيخ الإسلام هذه الاختيارات عن شيخ الإسلام رحمه الله: عبارة هي مذكورة في كتابه منهاج السنة، والعبارة ليس لها تعلق بالصيام، وإنما ذكرها شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله في سياق رده على الرافضة، ومن وافقهم في قضايا تتعلق بالإيمان، وبعض تفاصيل العبادات. وكما تعرفون: بعض أهل البدع من مرجئة ووعيدية يرون أن الإيمان شيء واحد، إذا ذهب بعضه ذهب كله، فلزم على هذا: أن الوعيدية من معتزل وخوارج يرون أن فاعل الكبيرة إذا فعلها زال بذلك إيمانه؛ لأن الإيمان عندهم لا يتبعض. وبالمقابل: المرجئة زعموا أنه إذا فعل ذلك لم يضره إيمانه. فبين شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بما دلت عليه الأدلة: أن الصحيح الذي دلت عليه أدلة الكتاب والسنة: أن الإيمان يتبعض، فقد يقع خدش للإيمان، فلا يذهب بالكلية، يبقى أصله، فيكون صاحبه مؤمنا ناقص الإيمان. كما أنه لا يصح أن نجعل إيمان الذي نقص إيمانه بهذه المعصية كإيمان من لم ينقص إيمانه. وبهذا يكون رد على المرجئة الذين زعموا أنه لا يضر مع الإيمان معصية، ورد على الوعيدية الذين ذهبوا أنه لا يبقى إيمان مع المعصية، والوسط: أن الإيمان تزيد بالطاعات وتنقص بالمعاصي. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن». أن ينقص إيمانه، كما جاء في صحيح مسلم حديث أبي هريرة، وجاء عن غيره. وهكذا تدرجا واستطرادا انتقل شيخ الإسلام رحمه الله إلى بعض القضايا في الصلاة وغيرها. فالصلاة قد يلحقها شيء مما يبطلها، ومع ذلك لا يعني أن صاحبها لم يؤجر، فهو يؤجر على قدر عمله الذي عمله، وظنه صحيحا. وبطلت الصلاة؛ لأنها تخلف فيها سبب الصحة، فمثلا: الرجل المسيء في صلاته -كما في الصحيحين في حديث أبي هريرة-: صلى صلاة ليس فيها اطمئنان، قال له النبي عليه الصلاة والسلام: «ارجع فصلي؛ فإنك لم تصلي». فهل يعني أنه لا يكتب له أجر أبدا؛ لأن صلاته بطلت؟ الجواب: يؤجر على قدر نيته، وعلى قدر حرصه على الخير، فهو مأجور، لكن الصلاة لم تصح؛ لأجل ماذا؟ لأجل نقصان هذا الركن، وهو الاطمئنان. فلا يلزم كون العمل باطلا أن يكون الأجر كذلك باطلا. وهنا فصل شيخ الإسلام فقال: «جاءت السنة بثوابه على ما فعله، وعقابه على ما تركه، ولو كان باطلا كعدمه لم يجبر بالنوافل». وهذا في سياق كلامه على ما كان من الصلاة فيها نقص، فإنه يجبرها -يجبرها النفل الذي يكمل هذا النقص الذي في الصلاة-. فقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه ذكر أول ما يحاسب عليه العبد الصلاة، وأن مما يكون من أمر حسابه: إذا نقص منها شيء أكمل له من نوافله. فدل على أن بعض النقصان يجبره النفل، ومع ذلك قد يكون النقصان عن عمد، وفيه إثم، وهو تخلف كذلك لبعض الواجبات، ومع ذلك يجبر بالنفل. أراد أن يبين شيخ الإسلام: أن الأمر ليس على إطلاقه. وهذا فيما يتعلق بالأعمال التي لا تبطل بالمرة، فمن الأعمال من تبطل لسبب، ومن الأعمال من تبطل بمرة؛ لأنها أصلا ليست مشروعة، فرق بين الأمرين. فمثلا: أصل الصلاة مشروعة، لكن تخلف فيها ركن أو واجب فبطلت الصلاة، فهو مأجور على ما أدى، ومأمور بالإعادة؛ لأنه لم يؤدها على الوجه الشرعي. بينما لو أن إنسان صلى صلاة ليست مشروعة أصلا، فهو لا يؤجر عليها أبدا؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»، أي: مردود عليه العمل. وهكذا هو محروم من الثواب. وهناك عبارة في هذا المقام يناسب الإشارة إليها: يستدل بها بعض المتصوفة، ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتاب اقتضاء الصراط المستقيم، في أثناء ذكره لبعض ما يفعله أمثال هؤلاء في قضية الموالد، ثم ذكر أنهم قد يثابون على نيتهم. فقالوا: هذا فيه إقرار من شيخ الإسلام لعمل هؤلاء. وهذا غير صحيح؛ فهو قد بين في هذا الموضع، وفي مواضع أخرى كثيرة: أن هذا من البدع المنكرة، ومن المحدثات في الدين. وإنما مراده ها هنا: أن بعض الناس لجهله، ولاغتراره بأهل السوء وعلماء السوء، فيظن أن هذا الفعل مما يحبه الله، ومما يثبت به حب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهو قد يؤجر على هذه النية التي فيها معنى الحب المأذون فيه، والتقرب إلى الله المأذون فيه. وأما نفس العمل: لا يؤجر عليه، وإنما يؤجر على النية الحسنة التي يؤجر على أصلها، لا على العمل الذي هو ليس بمشروع. وبهذا يعلم أن ما استدل به هو من الكذب عليه، وما أكثر كذبهم على أهل العلم. فالخلاصة: هذه العبارة ذكرت هنا كأنه فيها بيان أنه إذا وقع مثل ذلك فالعمل باطل، لكنه قد يؤجر الإنسان على العمل هكذا. كأنه يريد من كتب هذه الاختيارات. والصحيح أنه في هذا التفصيل: فإن أراد أنه يؤجر على نفس العمل، فهذا غير صحيح؛ لأن هذا العمل بهذا الوصف هو صيام يوم العيد، أو تخصيص يوم من الأيام بصيام كيوم الجمعة: عمل ليس عليه أمر النبي عليه الصلاة والسلام، بل ومخالف لصحيح أمر النبي عليه الصلاة والسلام. وقد قال: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»، فهو لا يؤجر عليه، حتى ولو كانت له نية حسنة ومقصد حسن، فهو لا يؤجر على عين هذا العمل، بل العكس: إذا كان جاهلا عذر، وإذا بين له بعد الجهل فإنه يأثم. ويدل عليه ما جاء في الصحيحين من حديث عائشة، ومعناه من حديث أنس، في قصة الثلاثة الذين جاءوا يسألون عن عبادة النبي عليه الصلاة والسلام، ثم كأنهم تقالوها، فقالوا: «هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر»، يعني كأنهم قالوا: هذه قليلة، نحن نحتاج إلى شيء أكثر. فقال أحدهم: «أما أنا أصوم ولا أفطر»، وقال الآخر: «أما أنا لا أتزوج النساء»، وقال الآخر: «أما أنا فأقوم ولا أنام». وفي رواية قال أحدهم: «أما أنا فلا أكل اللحم». فبلغ ذلك النبي عليه الصلاة والسلام، فبين أن هذا خطأ. فقال: «ما بال أقوام يقولون كذا وكذا؟ أما إني أخشاكم لله وأتقاكم له، ولكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء». وفي رواية: «وأكل اللحم». «فمن رغب عن سنتي فليس مني». وعلى هذا فيعلم أن هذا الكلام الذي ذكر هنا ليس على إطلاقه، الصحيح: التفصيل. فإن كان أصل العمل مشروعا، وكان النهي لجزئية منه، فهنا يقال: أنه يؤجر على ما فعل وما فيه الثواب، ويعاقب ويذهب عنه الثواب فيما خالف ووقع في النهي. أما إذا كان العمل من أصله غير مشروع، فكيف يمكن أن يقال: أنه يؤجر عليه؟ لا يمكن أن يؤجر على شيء منهي عنه. فليس من المناسب ذكر هذا الكلام على إطلاقه بعد هذا السياق. ولم يذكر شيخ الإسلام رحمه الله هذا الكلام بهذا السياق في كلام له، وإنما هو مما جمع، فجمع من جمع هذه الاختيارات كلامه من هنا ومن هنا، فضمه مع بعض، وليس هو كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى. وهكذا هذه العبارة بعينها منقولة في الفتاوى المصرية -أو ما يسمى بالفتاوى الكبرى- وهو مأخوذ من هذا كتاب الاختيارات الذي جمع لشيخ الإسلام، ولم يجمعه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، فينتبه لهذا. فالصحيح في هذا التفصيل كما سمعنا. ثم قال رحمه الله: «وأما ثامن شوال فليس عيدا لا للأبرار ولا للفجار، ولا يجوز لأحد أن يعتقد أن يعتقده عيدا، ولا يحدث فيه شيئا من شعائر الأعياد». ونبه على ذلك -كما أشار المعلق- لأن بعض الدهماء -والمراد بالدهماء: الجهال من أهل البادية والقرى الذين يكثر فيهم الغوغاء والجهل وعدم العلم- فأمثال هؤلاء يحصل منهم هذا الفعل. وقيل: أن أصل لفظ الدهماء كان يطلق على بعض نصارى مصر ممن يسكن القرى والأرياف، فهم ليسوا أهل كتابة ولا قراءة، وزادوا مع ذلك جهلا بالعلم، فكانت منكراتهم وظلالاتهم كبيرة وعظيمة. ولهذا قالوا: أنهم كانوا يجعلون أعيادا على معبودات من الموتى -كما أشار إليه المعلق- فهم طائفة من النصارى، ومن غيرهم، عندهم جهالات وشركيات وظلالات كبيرة. فالحاصل: هو لفظ يطلق على أهل الجهل والغوغاء، فيوجد من هؤلاء ناس من المسلمين؛ بسبب جهلهم يحتفلون بيوم الثامن من شوال، وذلك لأنهم يصومون الست بعد يومي العيد، فيوافق أو بعد يوم العيد -يعني يصير كم سبعة أيام: ستة بعد يوم العيد سبعة- فيوافق يوم الثامن يوم انتهائهم من الست من شوال، فيحتفلون بذلك. وهذا باطل، وقد نهينا أن نجعل عيدا إلا فيما جعل لنا عيدا، وهو الفطر والأضحى، كما جاء في حديث أنس وغيره: فقد كان أهل المدينة لهم أعياد، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عنها، وأخبرهم أن الله أبدلهم عنها بعيد الفطر وعيد الأضحى. ولهذا قال: «ولا يحدث فيها شيئا من شعائر الأعياد»، يعني: لا ينبغي أن يجعل في يوم الثامن شيء من شعائر الأعياد، مثل: مثلا بعض الناس -وهذا يقع وللأسف حتى عند بعض العام- ما عندنا إذا كان يوم أول العيد ما كأنه يوم عيد، لماذا؟ لأنه يريد أن يجعل عيده بعد إكمال الست. فلا يزور أحد، ولا يزوره أحد، ولا يعاود أحد. ثم إذا كان يوم الثامن بدأ بالدخول في الست، فإذا انتهى من يوم الثامن من الست في يوم السابع، جعل يوم الثامن هو يوم العيد، فيحتفي به ويحتفل به، ويجتمع بالناس، ويفعل كل ما يفعله الناس في يوم العيد. فهذا الذي حول عيده من يوم العيد الذي هو أول يوم من أيام شوال إلى يوم الثامن: فعل ما نص العلماء على النهي عنه من فعل أهل الدهماء، وهم الجهلة. ومع ما فيه من مخالفة سنة النبي عليه الصلاة والسلام في جعل العيد في غير وقته الشرعي. وهذا ليس خاصا بيوم الثامن، بل هو في أي يوم من الأيام، حتى ما يسمى بالأعياد الوطنية، أو كذلك الأعياد الإنسانية، أو الأعياد الأسرية، أو غير ذلك من المسميات الكثيرة التي لا تعد ولا تحصى على كثرتها في بلاد الناس وفي هذه الدنيا الواسعة. فكلها مما لا يجوز الاحتفاء بها، فتشبه بأعياد أو بعيدي المسلمين، بل ينبغي أن يكون ذلك خاصا بهذين اليومين؛ حتى لا يشوب الإسلام ويخالطه ما ينافيه. وإنما خص يوم الثامن؛ لأن بعض الجهال يفعل ذلك، فلهذا نبه عليه. وهكذا كذلك تخصيصه بالصيام -كما سبق- يدخل في عموم النهي في هذا الباب: أن لا يخصص يوم من الأيام بشيء من العبادات والطاعات، ولم يرد الدليل الصحيح الصريح على ذلك. نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.