الدرس في شرح سلم الوصول للشيخ حافظ الحكمي رحمه الله 81، الدرس الحادي والثمانون : (لا نوء ولا عدوى ولا طير ولا ... كما بذا أخبر سيد البشر ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش المقطع مفهوم الطيرة والتشاؤم ويبين أنها من أعمال الجاهلية، حيث نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم ونفاها. النفي هنا أبلغ من النهي لأنه ينفي وجود الشيء في الواقع.
يفرق المقطع بين التشاؤم المذموم والتفاؤل الجائز، حيث يبين أن التشاؤم دون دليل شرعي أو سبب كوني مذموم، بينما التفاؤل بالأمور الحسنة جائز. يجب عدم تعليق الأسباب بغير مسبباتها الشرعية والكونية.
يناقش المقطع نفي النبي صلى الله عليه وسلم لوجود بعض المعتقدات الجاهلية مثل الغول والهامة وصفر، موضحا أنها من معتقدات الجاهلية التي لا أساس لها. كما يشير إلى قدرة الله المطلقة على كل شيء حتى على شفاء الإنسان رغم وجود أسباب الهلاك.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: صفرا صوابهن صفرا ولا صفر كما بذا أخبر سيد البشر. أورد المؤلف رحمه الله هذين البيتين، كما قلنا تتمة لما يتعلق بالإيمان والأقدار، ودخلنا في ذلك المسألتين والأمرين الأولين، وهو النوء والعدوى. فقلنا أن خلاصة ما يجب أن يكون اعتقاده في الأنواع ما هو؟ هيّا يا إسلام، الأنواع أنها ما تؤثر بنفسها، أنها لا تؤثر بنفسها، بل إن الله جل وعلا جعلها أشياء علامات، وكذلك جعلها ليهتدى بها، ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾. والعدوى مر معنا كذلك، أنه قد وردت فيها أدلة بإثباتها وأدلة بنفيها، فكيف الجمع بينها؟ هات يا جمال. أتى أن العدوى يعني أنها لا تؤثر بذلك وحدها، وحديث «فر من المجوم كما تفر من الأسد»، يعني أولا نريد أن نفسّر «رأسل»، يعني أنها أمجأ لها الجهيم. نعم، وهو يعني أنه يعني أن العدوى تضر بذلك. طيب والثاني، ها الثاني يا محمد، سد للذريعة أمر بمثل هذا حفاظا على عقيدة المسلم. طيب، قال رحمه الله: «ولا طير ولا عَمى». قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾. كذلك لا طير، أي لا طيرة، كما ورد بحديث أبي هريرة، حديث ابن عمر. والطيرة هو التشاؤم بكل مسموع أو مرئي أو معلوم، فالتشاؤم بها من أعمال أهل الجاهلية، نهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عنه ونفاه. وقلنا أن النفي أبلغ من النهي، لماذا النفي أبلغ من النهي؟ ها لماذا النفي يا أحمد أبلغ من النهي؟ ها لأن النفي فيه معنى النهي وزيادة، أيش هو الزيادة؟ نفي وجود الشيء، نفي وجود الشيء. ولهذا سئل النبي عليه الصلاة والسلام في حديث معاوية بن الحكم لما سأله: «ومنّا أناس يتطيرون؟ قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ذلكم شيء يجد أحدكم في نفسه، فلا يصدنكم». شيء يجد أحدكم في نفسه يعني ليس له وجود في الواقع، وإنما شيء له وجود في النفس فقط، وأما في الواقع فليس له وجود. «ذلكم شيء يجد أحدكم في نفسه فلا يصدنكم». وفي حديث عبد الله بن مسعود يقول عليه الصلاة والسلام: «الطيرة شرك، الطيرة شرك». قرأها ثلاثا عليه الصلاة والسلام، فبين أن الطيرة من الشرك، وهو قد يكون شرك أكبر، وقد يكون شرك أصغر. مثال الشرك الأكبر أن يتشاءم تشاؤما يمنعه من العمل، فيظن أن ذلكم الشيء يأتي بالخير أو يأتي بالشر، فذلك هو اعتقاد أهل الجاهلية، فلا يجوز للإنسان أن يكون كذلك، بل هذا من معاني العبادة التي صرفت لغير الله عز وجل، فليس أحد ينفع ولا يضر إلا الله عز وجل. فإذا اعتقد أن الشيء ينفع ويضر بذاته، فإن هذا من اعتقاد أهل الجاهلية. ومثله كان بعض العرب يتشاؤمون من بعض المسموعات والمرئيات والمعلومات، ربما يتشاؤمون من رؤية بعض الحيوانات أو الطيور، أو كذلك يتشاؤمون من سماع بعض الأصوات، أو يتشاؤمون من بعض المعلومات مثل الأيام معينة أو أشهر معلومة، هذه المعلومات فبعض الناس يتشاءم من يوم الأربعاء أو يتشاءم من يوم كذا، أو من شهر صفر أو نحو ذلك، فهذا كله من فعل أهل الجاهلية الذي لا يجوز للمسلم أن يقع فيه. وعلاج ذلك أن يقطع مادة هذه الطيرة من قلبه، فليس شيء ينفع ويضر بذاته أبدا. والطيرة ليست فقط في التشاؤم، بل حتى في اعتقاد الخير، لا تظن أن شيئا يأتي بالخير بنفسه أو يأتي بالشر بنفسه. ولهذا روى عن جماعة من السلف هذا المعنى، أن أحدهم أراد أن يسافر مع طاووس رحمه الله، وقال: وتسمع صوته خير خير خير. فقال: أي خير أو شر عند هذا؟ قال: اذهب ولا تصحبني. فنهاه ورفض صحبته معه، لأنه أراد أن يسجره في هذه العقيدة الفاسدة، فإنه ليس بصوت الطيور خير ولا شر. فإن قال قائل: كيف يجمع بين هذا وبين قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا عدوى ولا طيرة، وأحب الفأل». فبعضهم فسر ذلك بأن معناه لا بأس أن يحصل عندك استبشار بالخير، وأما التشاؤم بالشر فلا يجوز. الجواب عن ذلك: ليس الأمر كذلك، بل الاستبشار بالخير مع وجود سببه وعدم الجزم به هذا جائز، لكن بدون أن تعلق الأسباب بغير مسبباتها. وأما إذا علقت الأشياء بغير مسبباتها الشرعية والكونية، فهذا كذلك من المذموم. ومعنى ذلك: تعلق الخير بصوت الطير، أو بدخول النحلة، أو كذلك برنة الأذن، أو بهزة رمش العين، هذا ليس من الأسباب الشرعية ولا من الأسباب الكونية التي جعلها الله عز وجل أسبابا للخير أو أسبابا للشر، فاعتقاد ذلك مما نهى عنه شرعا. لكن إذا كان ذلك بإنسان فيه صفات طيبة أو له اسم حسن، فإن ذلك من الأسباب الحسية والعادية المجربة التي يستبشر فيها بالخير. فأنت مثلا قد يحصل لك أن تدخل بيتا طيبا فترى فيه سعة ومنظر طيب، فتقول: هذا إن شاء الله بشارة خير، لأن هذا البيت سيكون به بركة. وهكذا كذلك حسن خلق في دابة اشتريتها، أو سيارة اشتريتها، أو كذلك حسن خلق في امرأة تزوجتها، فهذا إن شاء الله تقول: بشارة خير وعلامة خير. فهذه من الأسباب الكونية والعادية التي جعلها الله عز وجل سببا لحصول الخير. ولهذا صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «يمن المرأة في حسن خلقها، وجعل شؤمها في سوء خلقها». وجعل كذلك بركة الخير في استسهاله وعدم صعوبته، وشؤمه في صعوبته وكذلك امتناعه. وجعل بركة البيت بسعته، وجعل شؤمه في ضيقه. فهذا كله يدل ويصحح هذا المعنى، أنه التشاؤم والتطير، ولو كان في اعتقاد الخير في غير ما لم يجعله الله عز وجل سببا شرعا وكونا، هذا من المنهي عنه. وأما ما جعله سببا لحصول الخير، فهذا مما يستفشر به. وعلى هذا يفسر قول النبي عليه الصلاة والسلام: «الشؤم في ثلاثة، وذكر المرأة والدابة وكذلك المسكن». فهذا يدل على أن هذه الأشياء مضان الشؤم، وقد فسر ذلك بتفسيرين، ذكر ابن القيم رحمه الله تفسيرين بذلك. التفسير الأول: بأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أراد بهذا الحديث أن يقطع مادة الشؤم بإتيان الأسباب التي تدخل الشؤم على الناس، ومعنى أحسن الاختيار في هذا حتى لا تقعوا في الشؤم أو فيما تتشاؤمون مما ليس به تشاؤم. والمعنى الثاني: أنه كذلك يحصل في هذا ما هو من معنى الشؤم بسبب سوء الاختيار، وبذلك عدم الوصول إلى الصفات الطيبة التي ينبغي أن يحرص عليها. ومنه كذلك الرجل الذي جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقال: «إنا كنا في بيت كثير عياله، فانتقلنا إليه بيت فقل عيالنا». فقال: «إنها دار مشؤومة» أو كما قال عليه الصلاة والسلام، وأمره بالانتقال إلى دار أخرى. فهذا يفسر كذلك بهذا التفسير، وهو أنه أراد أن يحفظ عقيدة هذا الرجل بأن يترك ما قد يظن أن منه الشؤم، مع أن الشؤم بالحقيقة ليس بشيء. أو الثاني يفسر بأنه أراد بذلك أن يختار الصفات الطيبة التي بها تأتي البركة والخير للإنسان. هذا خلاصة ما يذكر في مسألة الطيرة. قال: «ولا غول ولا هامة ولا صفر». يعني لا غول، والغول هو شيء كان يعتقد أهل الجاهلية يقولون أن هناك شيء يكون في الصحاري وفي الليالي المظلمة يضيع الناس، فيكون بذلك يتيهون في الصحاري وفي القفار البعيدة فيهلكون. وهذا ليس بصحيح، بل هو من اعتقاد أهل الجاهلية، فنفى النبي عليه الصلاة والسلام وجود الغيلان، أي الذي تضيع الناس وتهلكهم. ولا زالت هذه العقيدة وللأسف موجودة إلى اليوم، وبعض الناس يسمي ذلك بالمتوه أو المغوي، أي الذي يغوي الناس، يزعمون أنه إذا مشى الإنسان في الليل يرى ظلمة في ظلمة ضعيف تأتي إليه وتظن أنه سبب للوصول إلى بلد أو مدينة، فتتيه وتضيع وهكذا. وهذا كله من تشاؤم أهل الجاهلية، فلا وجود للغيلان، نفى النبي عليه الصلاة والسلام وجودها. ولا هامة كذلك، فسرت الهامة بأنها البومة، وما كان بمعناها مما لها صوت تشاؤم منه، فنفى النبي عليه الصلاة والسلام كذلك وجودها وأنها لها تأثير، فليس لهذه تأثير، بل الأمر كله لله عز وجل. ولا صفر، أي ولا اعتقاد في صفر. وفسر صفر بأنه شهر صفر الذي كان يتشاءم منه أهل الجاهلية، حتى سمي صفر لأن البيوت تصفر عن أهلها، يعني تكون خالية، وذلك للتشاؤم من هذا الشهر، فلا يتزوجون ولا يبيعون ولا يشترون ولا يسافرون، ويتركون كل شيء خشية أن يصيبهم الشر والضر في هذا الشهر. وهذا من اعتقاد أهل الجاهلية، وإلى الأسف لا زال ذلك إلى يومنا هذا، بعض الناس يتشاءم من شهر صفر، ولا يريد أن يتزوج أو يسافر أو كذلك يحصل له شيء في شهر صفر. أو كذلك يفسر ثانيا: أي لا صفر، أي لا اعتقاد في داء الصفار، وهو داء يصيب الإنسان ويصيب الدواب، فإنهم كانوا يعتقدون أن هذا الداء إذا أصاب إنسان لا بد أن يموت، وأنه لا يمكن أن يشفى أبدا. وليس الأمر كذلك، بل الله عز وجل على كل شيء قدير، فإنه سبحانه قادر على أن يشفي الإنسان ولو وقع فيه سبب الهلاك. وهذا الذي يجب أن يعتقده المسلم. هذا خلاصة ما يذكر في هذين البيتين باختصار، وقد ذكر وبسط القول فيها الشارح رحمه الله، فمن أراد الاستزادة فليرجع إليه. وإلى هنا والحمد لله رب العالمين.