شرح سلم الوصول للشيخ حافظ الحكمي رحمه الله 65

شرح سلم الوصول للشيخ حافظ الحكمي رحمه الله 65

الدرس في شرح سلم الوصول للشيخ حافظ الحكمي رحمه الله 65، الدرس الخامس والستون : (فصل:في بيان حقيقة السحر وحد السحر ... في الكون لا في الشرعة المطهرة). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في بيان حقيقة السحر

يناقش تعريف السحر وبيان حقيقته وتأثيره، ويرد على من أنكر وجوده. السحر له وجود وتأثير حقيقي كما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة.

أدلة وجود السحر وتأثيره في الكون

السحر له وجود وتأثير حقيقي، كما دلت على ذلك أدلة الكتاب والسنة والواقع والعقل. تأثير السحر لا يخرج عن تقدير الله عز وجل.

التعامل الشرعي مع السحر والتوكل على الله

يتحدث عن أهمية التوكل على الله في مواجهة السحر والأخذ بالأسباب الشرعية مثل الرقى الشرعية وذكر آية الكرسي. كما يوضح الفرق بين التقدير الكوني والشرعي.

ختام الحديث ومتابعة الأبيات

يختتم المتحدث حديثه ويشكر الله على ما أفاده، ويعد بمتابعة الأبيات الأخرى في وقت لاحق. هذا يدل على استمرارية الدرس في جلسات أخرى.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. وأن منه علم التنجيم، وذكر عقوبة من صدق كاهنا. أورد المؤلف -رحمه الله تعالى- هذا الفصل في بياني هذا النوع من أنواع وسائل الشرك، وكذلك أعمال الشرك، فإن السحر من وسائل وذرائع الشرك، وربما كان شركا. ومناسب الذكر هذا الفصل في هذا الموضع هو ما كان قبله من ذكر بعض الأعمال التي أعملها العامة، وهي من الشرك، فناسب أن يذكر هذا. ولم يذكره في الأعمال التي قبله؛ لأنه عمل منفصل، وفيه تفاصيل وتقاسيم يحتاج للتنبيه إليها في موضع خاص. فلهذا قال: فصل. وكما مر معنا أن الفصل في الغالب يكون كالاستثناء والتنبيه في الباب، يعني هذا من مما قبله، يعني مما يدخل في الذي قبله، لكن لكونه فيه شيء من الأحكام والتفاصيل ما يحتاج إلى الاعتناء والتنبيه، جعل في فصل خاص. ثم قال -رحمه الله- في بيان السحر، يعني في إيضاح معنى السحر أولا، ثم قال: وحد السحر. وسيأتي معنا -إن شاء الله- يعني تعريف هذا السحر، وأن منه علم التنجيم. ويريد بذلك أن السحر ينقسم إلى قسمين: منه ما يكون الشرك وكفر، ومنه ما لا يكون شركا وكفرا، لكنه ذريعة إليه، ووسيلة من وسائله، كما سيأتي -إن شاء الله- بيانه وتفصيله. قال: وذكر عقوبة من صدق كاهنا. ولم يذكر ذكر عقوبة من أتى الساحر، أو كذلك من فعل السحر، ولكنه سيذكر ضمنا. ويريد أنه إذا ذكر الأدنى فالأعلى من باب أولى أن يذكر. قال -رحمه الله تعالى-: والسحر حق، وله تأثير، لكن بما قدره القدير. أعني بالتقرير ما قد قدره في الكون، لا في الشرعة المطهرة. أورد -رحمه الله- هذين البيتين، وابتدأ بهما هذا الفصل أولا بقوله: والسحر حق، وله تأثير. وألف السحر للعهد، للعهد الذهني أو الذكر بالنسبة للفصل الذي قبله. ومعنى العهد الذهني: أي ما استقر في الذهن مما عهد معناه وعرفه. ومعنى الذكر: أي الذي ذكر قبل هذا الموضع. وكل المعنيين صحيح. فكأنه يقول: السحر هذا هو الذي في ذهنك، وقد علمت عنه، أو الذي ذكرته لك في الباب، أو في الفصل الذي سميت به. قال: والسحر حق، وله تأثير. أولا ابتدأ هذا البيت بهذه المسألة: بأن السحر حق، وله تأثير، له وجود. وذلك لأن بعض أهل الأهواء قديما وحديثا أنكروا وجود السحر، فاعتبروا أن السحر ليس له وجود وحقيقة. وهذا إنما هو من مذهب أهل الباطل، ومن مذاهب وطريقة أهل الأهواء الذين ينظرون إلى المعقول، ولا ينظرون إلى المنقول. فالسحر له أدلة بأدلة الكتاب والسنة، وكذلك الوجود. فإن السحر له وجود، دل عليه دليل الكتاب، كقول الله عز وجل في ذكر سحرة فرعون: ﴿فَسَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾. وليس معنى هذا أنه تخييل كما زعم بعض العقلانيين من المعتزلة وأفراطهم، بل سحروها بمعنى أنهم أوقعوا هذا السحر الذي له وجود في الحقيقة، حتى حصل هذا النظر في الأعين. وليس معنى ذلك أنه يحصل تخييل من دون واقع، لا، بل تخييل مع وجود وابع السحر. وبهذا إشارة إلى أن السحر يكون من خصلتين: الخصلة الأولى ما يكون من وجود الحقائق التي تقع بأعمال خاصة، وصفات، وكيفيات يفعلها أهل الاختصاص بهذا الباب، مما يكون فيه كفر بالله جل وعلا، واستعانة بالجن. ونوع آخر: وهو ما يكون من الحركات الخفية والطرق كذلك الخاصة التي فيها المكر والاحتيال. والساحر يجمع بين هذا وهذا، غالبا يجمع بين هذا وهذا، فيحتال ويمكر بقوله وفعله، وكذلك يستعين بالجن، ويفعل الكفر للوصول لبعض الأعمال التي لها حقيقة في الواقع، كالإضرار بالآخرين، كما سيأتي -إن شاء الله- تفصيله، من مثل حصول الجنون، أو التفريق بين الزوج والزوجين، أو غير ذلك. وهكذا آيات الكتاب في هذا الباب كثيرة كذلك، كما قبر الله عز وجل قصة هاروت وماروت: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾. وهكذا كذلك قول الله جل وعلا: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾. وذكر أنهم السواحر الذين يستخدمون النفث والعقد في سحرهم. وهكذا في السنة، في الصحيحين من حديث عائشة -رضي الله عنها- ثبت أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سحره رجل يهودي في مشط ومشاطة، وأنه فك هذا السحر، فكه جبريل -عليه الصلاة والسلام-. وهكذا كذلك في الواقع له وجود، وما أكثر وجود ذلك في واقع الناس، فلا ينكره إلا مكابر. فما أكثر ما يقع بين الناس من وقوع السحر الكثيرة التي تدل أنه له وجود. وهكذا الرقى الشرعية التي دلت الأدلة على وجود السحر، وأن هذه الرقى ترفعه. وواقع الناس يدل على ذلك. فقول: والسحر حق، أي: له وجود. وله تأثير، أي: يؤثر تأثيرا حقيقيا لا تخيليا، تأثيرا حقيقيا. فربما يجد الرجل أنه يأتي أهله وهو لا يأتي، وربما يجد الرجل كراهية وبغضا لمن كان يحب، أو حبا لمن كان يبغض، أو كذلك كراهية لطعام، أو كذلك شيء من الجنون، أو الأرق، أو غير ذلك مما يصيب الناس. هذا من جهة الدليل من الكتاب، ومن السنة، ومن الواقع. وأما الدليل من العقل، فإن السحر في الحقيقة سبب من الأسباب الكونية التي جعلها الله جل وعلا سببا لوجود مؤثراتها. فكما أن العقاقير والأدوية تؤثر في الناس إيجابا وسلبا، ونفعا وضرا، فكذلك آثار السحر تؤثر في الناس إيجابا وسلبا، ونفعا وضرا؛ لأن الغالب أن هذا السحر يكون بشرب بعض الأشياء، أو كذلك بأخذ فضلات هذا المسحور، أو غير ذلك مما هو من الأسباب الحسية التي تؤثر آثارا حسية لا تخيلية. فكما أنه مستقر عندنا أن من تناول شيئا وجد آثاره نفعا أو ضرا، فكذلك السحر، فإن من يتناوله يجد آثاره نفعا أو ضرا. دل على ذلك دليل الكتاب، والسنة، والواقع، والمعقول. قال: لكن بما قدره القدير. ويريد بهذا الاستثناء: أي لا يظن الظان أن السحر إذ كان له وجود وتأثير أنه ممكن أن يقع على غير تقدير الله عز وجل، بل إن الأمة لو اجتمعت على أن يضروك بشيء، فلن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله لك أو عليه. ولهذا ثبت عن بعض الصحابة -رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم- أنهم تناولوا بعض ما يقع به الضرر، ولم يتضرروا. وهذا له نظير في أدلة الكتاب والسنة، فإن الله جل وعلا قادر على إبطال مؤثرات الأسباب. فهو الذي جعل النار بردا وسلاما على إبراهيم -عليه الصلاة والسلام-. وهو الذي جعل الماء سببا لنجاة موسى، مع أن من صفاته أنه يكون مغرقا، فجعلها يبسا لموسى -عليه الصلاة والسلام-. وهكذا فهو جل وعلا على كل شيء قدير. فإذا لم يقدر على العبد الضرر، فهو بإذن الله لن يضر. وبهذا يعتمد العبد على الله، لا على غيره، ويلتجئ إليه، لا إلى من سواه. وهكذا يتوكل عليه، ولا يتوكل من غيره جل وعلا. يعني أنه إذا كان للسحر أثر ووجود في الواقع، فلا يعني ذلك أن تكون جبانا من السحرة، ومن يذهب إلى السحرة، بل أنت متوكل على الله، مع أخذك بالأسباب. تأخذ بالأسباب من الالتزام بدين الله جل وعلا، وطاعته، والأخذ بالرقى الشرعية التي بإذن الله لا يقربك شيء من أثر السحرة. كما بحديث النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أن من ذكر آية الكرسي من ذكر آية الكرسي دبر كل صلاة لم يضره شيء». قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: «ما أعلم نفسي أني تركت هذا الذكر منذ علمت به، إلا أن أكون ناسيا، إلا أن أكون ناسيا». وهذا هو من الأخذ بالأسباب التي بإذن الله تحمي الإنسان. قال: أعني بالتقرير ما قد قدره في الكون، لا في شرعة المطهرة. يقول: أعني بالتقرير، أي الذي ذكرته في البيت الذي قبل: التقدير الكوني، لا التقدير الشرعي. لأن التقدير تقديران: تقدير شرعي، وهو ما قدره في الشرع مما يحبه الله جل وعلا ويرضاه، وهو قد يقع وقد لا يقع. وتقدير كوني، وهو الذي أراده الله عز وجل كونا، فشاءه، فلابد أن يكون. وهو من علمه السابق، ومن تقديره ومشيئته. فما كان كذلك لا بد أن يكون. ويريد بذلك التنبيه على المسألتين: المسألة الأولى أن يعلم من أصيب بهذا: أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. وهذه من أعظم مسائل القضاء والقدر. فإن الإنسان إذا علم ذلك لم يجزع، بل يعلم أن الله جل وعلا قد اختار له ذلك، فليصبر وليحتسب، وأن ذلك خيرا له، إما أن يرفع درجته، أو يكفر سيئته، أو يكون له غير ذلك من خير الدنيا والآخرة. والمسألة الثانية التي أراد أن ينبه عليها -رحمه الله- أنه ليس في تقدير الله جل وعلا الشر على العباد، ولا يحبه الله جل وعلا لعباده. فالشر ليس إليه سبحانه، الشر ليس في فعله سبحانه، وإن كان قد يقع في التقدير العام، التقدير الكوني. وإلا فهو لا يحب الشر، ولا يرضاه، كما قال الله عز وجل: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾، ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾. فهذا لأجله لا يقول قائل: إذا كان الله قدر ذلك، فهذا يدل على جواز هذا الأمر. كما وقع لبعض من لم يفهم أمر القدر من الجبرية أو القدرية، فجعلوا لازم الوجود الإذن بالفعل. جعلوا لازم الوجود الإذن بالفعل. وليس الأمر كذلك. فإن لازم الوجود ليس الإذن بالفعل، بل إن وجود الأشياء كانت بإرادته الكونية، لا بإرادته الشرعية. فنحن مأمورون بالإرادة الشرعية، والتقدير الشرعي، فيجب علينا أن نمتثل ذلك فعلا وتركا. ومع ذلك قد يقع بالكون من تقدير الله عز وجل ما ينافي ذلك التقدير الشرعي. لا يعني ذلك جوازه، ولكن يعني أن الله جل وعلا أراده لحكمة، يبتل به عباده سبحانه وتعالى. فلا يلتبس الأمر في هذا المقام. وإن شاء الله نترك الأبيات الأخرى إلى وقت لاحق. وإلى هنا والحمد لله رب العالمين.