الدرس في القول السديد في مقاصد التوحيد 21، الدرس الحادي والعشرون:من( التاسعة:أن نفى هذا من معنى لا إله إلا الله ... كالفرق بين الدعاء لله الذي هو إخلاص وتوحيد والدعاء للمخلوق الذي هو شرك وتنديد ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
التبرك هو طلب البركة وقد يكون مشروعًا أو ممنوعًا، ويجب التمييز بينهما وفقًا للشرع. التبرك الممنوع قد يكون شركًا أكبر أو أصغر.
يستعرض المقطع فوائد حديث طلب بني إسرائيل جعل إله لهم، ويشدد على أهمية سد الذرائع المفضية إلى الشرك وتحقيق التوحيد. كما يبين أهمية التوقيف في العبادات وعدم التشبه بأهل الجاهلية.
يناقش المقطع مسألة التبرك بالأشجار والأحجار وعبادة القبور، ويبين أنها من الشرك. كما يفرق بين التعظيم لله تعالى والتعظيم للمخلوق، ويوضح أن الأعمال الظاهرة قد تكون شركًا أكبر أو أصغر.
تم الانتهاء من الدرس وتأجيل الإجابة عن الأسئلة لوقت لاحق. تم التأكيد على أن الله تعالى أعلم بكل شيء.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: «التاسعة: أن نفي هذا من معنى لا إله إلا الله، مع دقته وخفائه على أولئك. ومعنى نفي هذا: أي نفي التبرك أو اعتقاد التبرك بهذه الشجرة وهكذا ما كان بمعناها. فالتبرك بما لم يأذن الشرع بالتبرك به يعد مما ينافي لا إله إلا الله. ثم هذا التبرك منه ما هو شرك أكبر، ومنه ما هو شرك أصغر. والتبرك قد يكون بالمكان، أو يكون بالزمان، أو يكون بالذوات، أو يكون بالأقوال، أو يكون بالأفعال. فكل تبرك تبرك به العبد بغير ما إذن من الشرع، فهو من المحظور لا من المشروع. ثم هذا التبرك قد يكون بدعة، وقد يكون - وهو في قوله - بعض أهل العلم وسيلته إلى الشرك الأكبر، فهو شرك أصغر، ومنه ما هو شرك أكبر». فمثال التبرك المأذون، مثلا المشروع بالمكان، التبرك بالمسجد الحرام، فهو مكان مبارك كما دلت عليه النصوص الشرعية، ولذلك تضاعف فيه الحسنات، يعني الصلاة فيه بمئة ألف صلاة. ومثال التبرك الممنوع، تخصيص بعض المزارات بأنه موضع مبارك، سواء مساجد لأن فيها قبور أو مقابر أو بقعة معينة، نهر أو غير ذلك. ثم بعد ذلك، هذا قد يكون شرك أصغر، وقد يكون شرك أكبر بحسب حال صاحبه. فإذا اعتقد النفع والضر بذات هذا المتبرك به، فهو شرك أكبر، كحال أهل الأوثان مع أوثانهم: اللات والعزة ومنات الثالثة الأخرى، وهكذا كذلك ذات أنواب. وقد يكون مع التبرك بهذا المكان أقوال وأفعال، أقوال مثلا المشروع طرآن وأدعية، والممنوع أوراد بدعية وألفاظ منكرة وأدعية شركية. فهذه تبركات ممنوعة. فمثلا قول القبور: «بركتك يا ابن علوان»، وهو يريد الشفاء أو النفع أو دفع الضر، هذا تبرك شركي، هذا تبرك شركي؛ لأنه يسأل الميت ما لا يجوز أن يسأل به إلا الله سبحانه وتعالى. وهكذا قد تكون تبركات بأفعال، مثل أن يذبح أو ينذر عند هذا القبر، يذبح وينذر عند هذا القبر، أو يتمسح ويعتقد أن هذا التمسح يكون به الشفاء. ربما يأخذ الواحد منهم طفله ويبدأ يمسح من التابوت أو من القبر بكفه، ويمسح على طفله من رأسه إلى أطراف قدمه مسحة بمسحة، مسحة من التابوت ومسحة إلى رأس الطفل، هذا تبرك شركي، وهو شرك أكبر؛ لأنه يعتقد أن هذا ينفع ويضر. وقد يكون بدعيًا، مثل تبرك بعض الناس بأركان الكعبة الأربعة، فهو بدعي خلاف السنة. وقد قال عمر رضي الله عنه - ما في البخاري - حين مس الحجر الأسود وقبله: «لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك». وقال قبلها: «أما أني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك»، إشارة إلى هذا المعنى الذي قد يقع في قلوب بعض الجهال. وهكذا كذلك قد يكون التبرك بالزمان، فمن المشروع التبرك مثلا بشهر رمضان وأيام الحج، فهي أيام مباركة شرعًا. لكن لو جعل أيام الزيارات أو شهر ربيع أنه أيام بركة لأجل الموالد أو لأجل الزيارات أو نحو ذلك، فهذا تبرك ممنوع، وقد يكون شركًا أكبر، وقد يكون شركًا أصغر بحسب حال صاحبه. فالحاصل أن نفي التبرك والاعتقاد فيه هو مما ينافي لا إله إلا الله، وهي مسألة دقيقة خفية، وخفيت على بعض الصحابة ممن هم حدثاء عهد بإسلام، فخفى مثل ذلك، وأكبر منه على بعض الناس في هذا الزمان من باب أولى. قال رحمه الله: «العاشرة: أنه حلف على الفتية، وهو لا يحلف إلا لمصلحة». ومعناه أن المسألة عظيمة، ولأجل ذلك حلف عليها النبي عليه الصلاة والسلام. والحلف - كما تعرفون - يورد لتأكيد المتكلم به نفيًا أو إثباتًا. قال: «الحادي عشر: أن الشرك فيه أكبر وأصغر؛ لأنهم لم يرتدوا بهذا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سماه شركًا وكفرًا؛ لأنه كقول بني إسرائيل». ففيه أن منهما هو أكبر، ومنهما هو أصغر؛ لكونهم طلبوا ولم يفعلوا، ولكونهم حدثاء عهد بإسلام، دل ذلك على أنه يفرق بين الأكبر والأصغر. وهكذا كذلك يفرق بين الشرك والمشرك؛ لأنهم لو أصروا وفعلوا لكفروا، ولو فعلوا بجهل لم يكفروا، صار فعلهم كفرًا وهم ليسوا بكفار ولا مشركين حتى تقوم عليه بالحجة ويعلموا أنه من الشرك والكفر. وبه نعلم خطأ من قال: أن مسائل العقيدة ليس فيها عذر بالجهل، فإن هذا خطأ، بل مسائل العقيدة فيها عذر بالجهل كغيرها. لكن صحيح يفرق بين ما هو معلوم من الدين بالضرورة، قد لا يُعذر صاحبه، وأن من بلغه القرآن فقد قامت عليه الحجة، ومن عرض الإسلام قامت عليه الحجة، يعني المسائل الكبار التي تُعلم من الدين بالضرورة. وأما المسائل الخفية فلابد من بيانها وإيضاحها، وهذا دليل لهذا المعنى. وقال: «الثاني عشر: قولهم: ونحن حدثاء عهد بكفر، فيه أن غيرهم لا يجهل ذلك». يعني أن من كان ليس حديث عهد بكفر، فهو يعلم ذلك. فأفاد ذلك عذر حدثاء العهد بالكفر، ومثله حديث العهد بالإسلام. وتضمن ذلك كذلك أنه لا يُعذر من لم يكن كذلك. وتضمن كذلك فضل العلم وتعلم التوحيد، وأنه كيف أثمر السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار السلامة في القول وفي العمل، فضلا عن الاعتقاد. وقوله: «الثالث عشر: التكبير عند التعجب، خلافًا لمن كرهه». يعني قول النبي عليه الصلاة والسلام: «الله أكبر». وهذا ظاهر. وبعضها للعلم كرهه، يعني ظن أنه لا يقال إلا على وجه التعبد، كتكبير العيد ونحوه، أو التكبير أدبار الصلوات وما كان ضمن الذكر. ولكن هذا الحديث يدل على مشروعيته عند التعجب. وقوله: «الرابع عشر: سد الذرائع المفضية إلى الشرك». وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن اتباع سنن من قبلنا، مع أن اتباع السنن منه ما هو شرك، ومنه ما هو ليس بشرك. فالنهي عن اتباع السنن من قبلنا سدًا لذريعة الشرك والكفر، سدًا لذريعة الشرك والكفر، ليس أن هذا الفعل بعينه ليس بشرك ولا كفر، لا. ولكن النهي عن اتباع سنن من قبلنا هو الذي به تنسد ذرائع الشرك. وقوله: «الخامس عشر: النهي عن التشبه بأهل الجاهلية». يعني في قوله عليه الصلاة والسلام: «لقد قلتم كما قال أصحاب موسى لموسى». لأنهم طلبوا ذات أنواب، كما أن أهل الجاهلية ذات أنواب. فيكون النهي عن التشبه بالمشركين والكافرين ليس خاصًا بصنف خاص من الكفار، بل جميع أنواع الكفار ولو كانوا أهل الجاهلية. وقوله: «السادس عشر: الغضب عند التعليم، أي لا ينافي أدب التعليم». الغضب عند التعليم لا ينافي أدب التعليم إذا كان لذلك عذر، إذا كان لذلك عذر. وليس شيء يعدر به مثل الغضب لله سبحانه وتعالى وعلى دينه وأمر التوحيد. ولكنه إذا كان بغير تكلف، واضح فرق بين من يتكلف الغضب ويستجمعه، وبين من ينفلت عليه الغضب من دون شعور، هذا الثاني يعدر، والأول لا يعدر ولا يؤذن له. ليس لأن المسألة في العقيدة إذن يتكلف الغضب، لا. إذا جاء عليه الغضب فهو معذور، وإلا فالأصل أن التعليم يكون بغير غضب، هذا هو الأصل. لكن إذا جاء الغضب غيرة لدين الله عز وجل - كما قالت عائشة رضي الله عنها عن النبي عليه الصلاة والسلام - معناه: بل هو عن الأنبياء من قبل. «فلما أخبر الله عز وجل موسى بما صنع قومه لم يلقي الألواح، فلما أقبل عليهم ورآهم - أي وقد عبدوا العجل - ألقى الألواح غضبًا وغيرة لدين الله سبحانه وتعالى». قوله: «السابع عشر: القاعدة الكلية لقوله: إنها سنن». أي أنه لا يجوز اتباع طرق هؤلاء القوم الكافرين، وأن من اتبعهم فإنه يلحقه بعض ما يلحقهم، أو قد يكون له كل ما يكون لهم. وقول: «الثامن عشر: أن هذا علم من أعلام النبوة؛ لكونه وقع كما أخبر». يعني في الأحاديث الأخرى: «لتتبعن سنن من كان قبلكم»، حديث أبي هريرة، ومسعود، وجماعة من الصحابة. وهذا الحديث يدل أنه كان قد حذرهم من قبل، ولهذا قال: «الله أكبر، إنها السنن - أو السنن - يعني: وقع ما حذرتكم منه». وهذا علم من أعلام نبوته. وقوله: «التاسع عشر: أن كل ما ذم الله به اليهود والنصارى في القرآن، أنه لنا». يريد بذلك أن حكاية قصة بني إسرائيل ليس هو خبر مجرد، بل هو خبر متضمن لاجتناب مثله. وما كان بمعناه فهو ليس خبرًا مجردًا. وهكذا ما أخبر الله عن النصارى، فهي ليست أخبار مجردة. كما أنه لا يجوز الغلو في عيسى عليه الصلاة والسلام، كذلك لا يجوز الغلو في محمد عليه الصلاة والسلام. ومن غلا في محمد صلى الله عليه وسلم كغلو النصارى، كان كافرًا ومشركًا. فليس فرق بين فعل النصارى وغلوهم في عيسى، وفعل كذلك من يغلو في نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. فمن غلا كغلو النصارى كان كافرًا، كما أن النصارى كفار. وهكذا يقال في كل مسألة وقع ذمها في القرآن. قال: «وقوله العشرون: أنه مقرر عندهم أن العبادات مبناها على الأمر». يريد رحمه الله: أي التوقيف. لماذا؟ لأنهم سألوا ولم يباشروا العمل، فدل على أن الواجب على المسلم السؤال قبل أي عمل، وأن هذا كان متقررًا عندهم حتى عند حدثاء العهد بالإسلام، تعلموا أنه لا يجوز لهم أن يصنعوا شيئًا إلا بعد سؤال، خصوصًا في العبادات. وهذا هو قوله: «أنه مقرر عندهم؛ لأن هذا علمه المبتدئ، فضلا عن المنتهي». وقوله: «وصار فيه التنبيه على مسائل القبر». يريد رحمه الله تعالى: أن هذه القضية صار فيها التنبيه على أسئلة القبر التي يسأل عنها كل مسلم. ثم قال: «وأما من ربك فواضح». يعني: لا يكفي أن يثبت الربوبية دون معاني الألوهية. فإذا كان الالتفات لغير الله بمسألة التبرك سماه النبي صلى الله عليه وسلم شركًا وكفرًا، وهو ينافي أصل الإيمان أي بالله، فما هو أعلى من التبرك من الالتفات لغير الله، كالذبح والنذر والطواف والخوف والرجاء والحب وغير ذلك، هو من باب أولى أنه ينافي، لا إله إلا الله، وينافي الجواب بأن ربك الله. فإنك لو سئلت: «من ربك»، وقلت: «ربي الله»، أي في الدنيا، وكنت قد عبدت غير الله، والتفت قلبك إلى غير الله، فإنك لم تكن صادقًا. وبهذا لن تعان على الجواب في قبرك. وقوله: «أما من نبيك؟ فمن إخباره بأنباء الغيب». يعني فيما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من اتباع السنن، وذلك موجب كمال المتابعة له عليه الصلاة والسلام بامتثال أمره. وقوله: «أما ما دينك؟ فمن قولهم: اجعل لنا إلها إلى آخره». أي أن الدين الصحيح إنما هو بما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام. فإن كان كذلك وإلا فلا. «ادخلوا في السلم كافة». فعلم بهذا أن من أهم مقاصدها: تحقيق التوحيد، والمتابعة، والاستسلام الصحيح. وبه يعرف خطأ دعوة عباد القبور. وقوله: «الحادي والعشرون: أن سنة أهل الكتاب مذمومة كسنة المشركين». يريد بذلك أن الله عز وجل ذم فعل أهل الكتاب في هذه، فلا يجوز اتباعهم. فكذلك في سائر ما عندهم، لا يجوز متابعتهم سدًا للذرائع. فليس لكونهم أهل الكتاب وأتباع نبي، معناه أنه يجوز متابعتهم، لا. بل لا يجوز متابعتهم كذلك. ولهذا جاء مفسرًا في حديث أبي هريرة، ومسعود: «قالوا: آل يهود والنصارى؟ قال: فمن القوم لهم؟». وفي رواية: «فارس والروم، قال: نعم». وقوله: «الثاني والعشرون: أن المنتق من الباطل الذي اعتاده قلبه، لا يؤمن أن يكون في قلبه بقية من تلك العادة إلى آخره». يريد أن يبين رحمه الله: أن من كان حديث عهد بباطل، فعليه أن يجتنب كل الوسائل الحسية والمعنوية المفضية للوقوع في ذاك الباطل، وأن يفعل بالضد. ومن ذلك تعلم العلم، ومن ذلك عدم مخالطة أهل ذاك الباطل، سواء كان شركًا أو كفرًا أو نفاقًا أو كان بدعة أو كبيرة. وهذا الحديث دليل عليه. فسلامة هؤلاء كان بماذا؟ بمخالطتهم أهل التوحيد. كذلك سلامة صاحب البدعة بمخالطة أهل السنة. وسلامة صاحب المعصية بمخالطة ماذا؟ أهل التقوى. وهكذا يقال في غيرها. قال الشارح رحمه الله تعالى: «باب من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما». قال: «أي: فإن ذلك من الشرك، ومن أعمال المشركين». فإن العلماء اتفقوا على أنه لا يشرع التبرك بشيء من الأشجار والأحجار والبقع والمشاهد وغيرها. فإن هذا التبرك غلو فيها، وذلك يتدرج به إلى دعائها وعبادتها. وهذا الغلو قد يكون شركًا، ولو لم يفعل الشرك، يعني: يكفي الاعتقاد أن يجعله من المشركين إذا اعتقد أن بقعة من البقاع، شجرة من الأشجار، أو حجر من الأحجار، أو مشهد من المشاهد، أو قبر من القبور، أنه مبارك وينفع ويضر مع الله ومن دون الله، فهذا شرك، ولو لم يأتي ويذبح عنده، يكفي العقيدة، هذا الاعتقاد كفر وشرك. فإذا ذبح، جمع مع عقيدته الشركية فعله الشركي. ولو دعا، جمع القول. قال رحمه الله: «فإن هذا التبرك ولون فيها، وذلك تدرج به إلى دعائها وعبادتها». وهذا هو الواقع، لا يغلو أحد فيها إلا ويقع في الثمرة، وهو عبادتها. قال: «وهذا شرك أكبر، كما تقدم انطباق الحد عليه». يعني: التعريف الذي سبق. قال: «وهذا عام في كل شيء، حتى مقام إبراهيم، وحجرة النبي صلى الله عليه وسلم، وصخرة بيت المقدس، وغيرها من البقع الفاضلة». يعني: لا فرق في ذلك، حتى المأذون به بعض العبادات عنده وحوله، مقام إبراهيم شرع الصلاة إليه في الحج والعمرة، أن تجعله بينك وبين الكعبة. لكن لا يعني ذلك أنك تعبده من دون الله ومع الله. فمن فعل ذلك وقع في الشرك. ومنه - أي من الشرك - ولو كان ليس بأكبر، ولكنه أصغر. وقد يكون بدعة ما يفعله بعض العامة من تمسحهم بمقام إبراهيم، فهذا من الشرك الأصغر، أو من البدعة بحسب اعتقاد صاحبه ومراده من فعله. وهكذا كذلك حجرة النبي صلى الله عليه وسلم يقال مثل ذلك. وهكذا صخرة بيت المقدس. قال: «وأما استلام الحجر الأسود وتقبيله، واستلام الركن اليماني من الكعبة المشرفة، فهذا عبودية لله، وتعظيم لله، وخضوع لعظمته، فهو روح التعبد، وليس هذا بوثنية وشرك كما زعم ذلك أعداء الإسلام، وكما استدل به - وبلازمه - عباد القبور». فهما طرفان في هذه القضية. فعباد القبور زعموا أنه إذا لم يكن هذا من الوثنيات ومن الشرك، فإذا مس القبور والتوابيت والتمسح بها ليس من الشرك. وهذا قياس فاسد؛ لأن هذا مأذون فيه، وذاك غير مأذون. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في قصة زيد بن حارثة، حين طاف النبي صلى الله عليه وسلم بالبيت، فنهاه أن يمس الأصنام، فكان من فعل المشركين أنهم يمسون الأصنام مسًا. لكن نهاه النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن هذا من فعل المشركين. فهذا المس قد يكون شركًا أكبر، وقد يكون شركًا أصغر، إذا كان يعتقد أن مسه هذا يدفع عنه البلاء ويحفظه ويجلب له النفع، فهذا شرك أكبر. وإذا كان يمس ليس لذلك، وإنما يظن أن الله جعله سببًا، فهو شرك أصغر، وذريعة للشرك الأكبر. ثم إن الذي يمس هذا المأذون فيه، يمسه طاعة لله، وليس لأنه ينفع ويضر، بل في قلبه أنه لا ينفع ولا يضر. ولهذا قال عمر - كما سمعنا - ما قال في ذلك الحديث: «أما إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك». قال رحمه الله: «وهكذا بالمقابل يكون الجواب لأولئك الكفار الذين يزعمون أن دين الإسلام فيه وثنيات». والحقيقة أنه إنما فيه الابتلاء والامتحان في طاعة الله عز وجل. فعبادة أهل الإسلام وتوجههم في القبلة إلى الكعبة، ليس لأن الكعبة تضر وتنفع، ولكن طاعة لله؛ لأن الله ابتلاهم بذلك، ولأن فيه توحيد جهة. وكذلك كلمة المسلمين بتوحد القبلة. قال رحمه الله: «فهذا تعظيم للخالق، وتعبد له. وذلك تعظيم للمخلوق، وتأله له». وفرق بين التفات القلب إلى المخلوق حسًا ومعنى، وبين التفات القلب لله سبحانه وتعالى. قال: «فالفرق بين الأمرين كالفرق بين الدعاء لله الذي هو إخلاص وتوحيد، والدعاء للمخلوق الذي هو شرك وتنديد». وهذا واضح. وعلى قاعدة أولئك المشركين، وهؤلاء كذلك عباد القبور: أنه لا حاجة للدعاء، إذن كيف تثبت أنك عبد لله وأنت لا تدعو؟ إذا كنت ما تدعو الله، كيف تثبت أنك عبد لله؟ العبودية تكون بامتثال الأمر، واجتناب النهي، وحصول الخضوع والتدلل لله سبحانه وتعالى مع المحبة والتعظيم. فإذا لم يثبت هذا، لم يثبت أنك عبد لله سبحانه وتعالى. وهو يقتضي أن يفرد الرب جل وعلا بذلك، ويتخلى عما سواه. وبه تعرف حقيقة العبودية. وهذه الأعمال إلى هنا والله تعالى أعلم. والأسئلة إلى وقت لاحق لانتهاء الوقت. والله تعالى أعلم.