القول السديد في مقاصد التوحيد  74

القول السديد في مقاصد التوحيد 74

الدرس في القول السديد في مقاصد التوحيد 74، الدرس الرابع والسبعون:من( باب من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله ... واغتناماً لأفضل الأخلاق فأطمان قلبه وقوي إيمانه وتوحيده ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أهمية الصبر على أقدار الله

يتناول المقطع أهمية الصبر على أقدار الله كجزء من الإيمان، مستدلا بآية التغابن وتفسير علقمة لها، وبأحاديث نبوية تحذر من السخط على الأقدار وتدعو إلى الرضا والتسليم. الصبر على أقدار الله يدخل في التصديق باليقين وامتثال أمر الله ورسوله.

معنى النياحة وعدم الصبر على أقدار الله ومراتب الناس عند البلاء

النياحة على الميت تنافي الإيمان وتقدح في التوحيد وتعبر عن عدم الصبر على أقدار الله. يصنف الناس عند نزول البلاء إلى أربعة أصناف: الساخط، الصابر، الراضي، والشاكر، ويبين أجر كل صنف.

تحقيق الصبر على أقدار الله

يتضمن الصبر على أقدار الله إلزام النفس بالرضاء أو الشكر أو الصبر واجتناب التسخط. يتحقق ذلك بامتثال الأوامر واجتناب النواهي قولا وفعلا، ويعتبر جزءا من الإيمان بالله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في كتابه "كتاب التوحيد": باب من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله. وقول الله تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾، قال علقمة: هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله، فيرضى ويسلم. وفي صحيح مسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في الأنساب والنياحة على الميت». ولهما عن ابن مسعود مرفوعا: «ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوة الجاهلية». وعن أنس رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أراد الله بعبده الخير عجل له بالعقوبة، وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافى به يوم القيامة». وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط»، حسنه الترمذي. قال رحمه الله: فيه مسائل: الأولى تفسير آية التغابن، الثانية أن هذا من الإيمان بالله، الثالثة الطعن في النسب، الرابعة شدة الوعيد فيمن ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوة الجاهلية، الخامسة علامة إرادة الله بعبده الخير، السادسة إرادة الله به الشر، السابعة علامة حب الله للعبد، الثامنة تحريم السخط، التاسعة ثواب الرضا بالبلاء. أورد رحمه الله تعالى هذا الباب في سياق ذكره للمسائل التي تنافي التوحيد أو تهدمه وتنفيه. وناسب ذكر هذا الباب في هذا الموضع، بعد أن ذكر ما مر معنا قريبا من أبواب تتعلق بالتعلق بالله عز وجل والتوجه إليه رغبة ورهبة، وحبا وخوفا ورجاء، وهكذا كذلك وخوفا وطمعا. فناسب أن يذكر في هذا الموضع الصبر على أقدار الله؛ لأن العبد ربما يبتلى بشيء من الأقدار، فلا يدفعه ذلك أن يلتجئ إلى غير الله؛ لأن التجاءه إلى غير الله مما يهدم توحيده أو ينقصه بحسب هذا الالتجاء، قلبي أو قولي أو فعلي، وكذلك أكبر أو أصغر، بحسب ما مر معنا من مسائل في هذا الباب. فلهذا ناسب أن يذكر رحمه الله أن من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله. ومفهومه أن مما ينافي الإيمان بالله السخط على أقدار الله. فالسخط على أقدار الله من نواقص، وربما يكون من نواقض الإيمان، وهو كذلك من قوادح التوحيد والعقيدة، وربما يكون من نواقض التوحيد والعقيدة بحسب حال صاحبه مع هذا السخط. ثم ذكر رحمه الله هذه الآية والأثر والأحاديث. وهذه الأحاديث التي أشار إليها، أولها في صحيح مسلم، وثانيها في الصحيحين، وثالثها في السنن، ورابعها كذلك، وكلها أحاديث صحيحة وحسنة. أما الآية، فأوردها رحمه الله تعالى لبيان معنى الإيمان الذي ينبغي أن يحرص عليه العبد، ومنه الصبر على أقدار الله. ومن يؤمن بالله يهد قلبه، قال علقمة: والرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله، فيرضى ويسلم. فصار الرضا والتسليم من الإيمان بالله، ومن هداية الله عز وجل لعبده. وأما الحديث، فالشاهد منه في قوله عليه الصلاة والسلام: «والنياحة على الميت»، سماه النبي صلى الله عليه وسلم كفرا. «إثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في الأنساب والنياحة على الميت». فالطعن في الأنساب من الكفر، وهو كفر دون كفر، والنياحة على الميت من الكفر، وهو كفر دون كفر. فهو ينافي الإيمان ويقدح في التوحيد. والنياحة معنى من معاني عدم الصبر على أقدار الله؛ لأن عدم الصبر على أقدار الله قد يكون بالقلب، وقد يكون باللسان، وقد يكون بالجوارح، وقد تجتمع هذه الثلاث. والغالب إذا وجد في الجوارح فإنه يكون معه كذلك عدم الصبر في اللسان وفي القلب غالبا. فأما عدم صبر القلب، فذلك بما يكون من عدم تسليمه لقضاء الله، وتسخطه بما يحدثه قلبه به، وربما تلفظ به بلسانه. ربما يقول بعضهم جهلا: لماذا أنا؟ لماذا أبي؟ لماذا ابني؟ لماذا كذا وكذا؟ اعتراض على قدر الله سبحانه وتعالى في هذا البلاء. وإذا لم يتلفظ بلسانه، وحدث قلبه بهذا، وصار متسخطا على قدر الله، فهو كذلك تسخط بقلبه. وإذا وافق ذلك شيء من الأصوات التي فيها معنى التسخط، سواء الصراخ التي من معانيها، أو هي من معاني النياحة كما يفعله بعض النساء، أو كذلك حتى رفع الصوت بالدعاء على النفس والثبور، أو الدعاء على الأموال والأولاد، أو غير ذلك من معاني الاعتراض على قدر الله سبحانه وتعالى. وقد يكون بغير ذلك. ولهذا أتبعه بحديث ابن مسعود: «ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوة الجاهلية». وهذا من معنى النياحة المحرمة، وهو من عدم الصبر على قدر الله، ومن التسخط لقدر الله جل وعلا. ضرب الخدود ليس المقصود منه حصر هذا الفعل، بل كل ما كان بمعناه فهو يدخل فيه، حتى لو ضرب على فخذه، أو مزقت المرأة شيئا من شعرها، أو نتف الرجل شيئا من لحيته، أو جرح شيئا من جسده، أو غير ذلك. فكل ذلك يدخل في معنى ضرب الخدود، بل ربما يكون أشد. وشق الجيوب: لأنه هو الغالب المراد بالجيب فتحة الصدر. فإذا شق أي جزءا من ثوبه، أو حتى من ماله، كسر كأسة، كسر نافذة بيته، أو زجاج سيارته، أو غير ذلك، اعتراضا على قضاء الله وقدره، وتسخطا وعدم تسليم، فهو يدخل في معنى النياحة المحرمة، وعدم الصبر على أقدار الله. ودعا بدعوة الجاهلية، أيا كانت هذه الدعوة، دعوة بهلاك نفسه، أو ماله، أو ولده، أو بالثبور، أو غير ذلك، فهو يدخل بهذا المعنى. وكله من معاني عدم الصبر على أقدار الله. وحديث أنس كذلك، فيه معنى آخر فيما يتعلق بالصبر على أقدار الله. قوله عليه الصلاة والسلام: «إذا أراد الله بعبده الخير عجل له بالعقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يواف به يوم القيامة». والمطلوب إذن ماذا؟ الصبر على قدر الله؛ لأن الله عز وجل قد يريد بعبده الخير، فيطهره في الدنيا. فما يصيب الإنسان من بلاء قد يكون رفعا لدرجة، وقد يكون تكفيرا لسيئاته، تطهيرا لذنبه. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة، فيما رواه أحمد وغيره، بإسناد حسن: «إن الله ليرفع العبد المنزلة بغير عمل يعمله، ولكن ببلاء يبتليه»، وهو حديث حسن، حسنه جماعة من أهل العلم. وفي المقابل هذا الحديث، وما بمعناه من أحاديث كثيرة، فإن من الناس من تكفر سيئاتهم بتعجيل العقوبات. إذن ينبغي للعبد أن يقابل ذلك بالرضا وبالصبر. ولهذا ذكر العلماء أن الناس مع قضاء الله وبلائه على أربعة مراتب. أولهم وهو الآثم: الساخط، المتصخط على قدر الله. وقد مر معنا أنه قد يكون بقول، أو فعل، أو قلب. والثاني وهو الصابر: الذي حجز ما قد تدفعه نفسه لأجل هذا المصاب، فحجز قلبه عن الأحاديث الآثمة، ولسانه وجوارحه، فهو مأجور على هذا، وله أجر الصابرين. إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب. والثالث هو الذي رضي بهذا القضاء، من عظيم إيمانه بربه، وتفويض أمره إليه جل وعلا، لم يصبر فحسب، بل حصلت له طمأنينة، فعنده رضا بقضاء الله وقدره، فنال أجر الصابرين وزيادة. زاد مع أجر الصابرين أجر الراضين. ولا يحصل ذلك إلا لمن كمل إيمانه، وازداد يقينه، وعظم توكله بربه؛ لأنه يعلم أن الخير فيما يختاره الله له. والرابع هو الشاكر: الذي يقابل القضاء بالشكر، يقابل القضاء بالشكر، حتى لو كان مصابا وبلاءا، فيقابله بالشكر، لعلمه أن الخير فيما يختاره الله له. فجمع ثلاثة أجور: أجر الصابرين، وأجر الراضين، بل وأجر الشاكرين. ثم ذكر الحديث الرابع، وهو فيه معنى الحديث الذي قبله: «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط». ففيه معنى ما تقدم: أن الجزاء يكون بعظم البلاء، فقد يكون البلاء فيه رفع درجة، وقد يكون فيه تكفير سيئة. قال الشارح رحمه الله: باب من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله. أما الصبر على طاعة الله، والصبر عن معصية الله، فهو ظاهر لكل أحد أنهما من الإيمان، بل هما أساسه وفرعه. فمثلا الصبر على الطاعات كإسباغ الوضوء على المكاره، بشدة البرد أو شدة الحر، والخروج إلى صلاة الجماعة، بشر المشائين في الظلمات بالنور التام يوم القيامة، وغير ذلك مما قد يبتل العبد في أثناء أدائه للطاعات. والصبر عن معصية الله بمجاهدة نفسه على عدم الوقوع فيها. وهذا كما قال ظاهر؛ فإن الإيمان كله صبر على ما يحبه الله ويرضاه ويقرب إليه، وصبر عن محارم الله. فإن الدين يدور على ثلاثة أصول: تصديق خبر الله ورسوله، وامتثال أمر الله ورسوله، واجتناب نهيهما. فالصبر على أقدار الله المؤلمة داخل في هذا العموم، ولكن خص بالذكر لشدة الحاجة إلى معرفته والعمل به. فإن العبد متاع علم أن المصيبة بإذن الله، وأن الله تم الحكمة في تقديرها، وله النعمة السابغة في تقديرها على العبد، رضي بقضاء الله وسلم لأمره، وصبر على المكاره تقربا إلى الله، ورجاء لثوابه، وخوفا من عقابه، واغتناما لأفضل الأخلاق، فاطمأن قلبه، وقوي إيمانه وتوحيده. فالنوع الثاني من الصبر: الصبر على أقدار الله. ثم بين رحمه الله أن مدار هذا الدين قبل ذلك على هذه الأصول الثلاثة: تصديق خبر الله ورسوله، وامتثال أمر الله ورسوله، واجتناب نهيهما. فالصبر على أقدار الله داخل في هذا العموم؛ فهو يدخل في التصديق بما يكون من يقين القلب، ويدخل في امتثال أمر الله ورسوله من إلزام النفس بالرضاء أو الشكر أو الصبر، وعدم التسخط، واجتناب نهيهما بعدم الوقوع فيما ينافي ذلك قولا وفعلا وظاهرا وباطنا.