كتاب اللقطة  1

كتاب اللقطة 1

الدرس في كتاب اللقطة 1، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تعريف اللقطة وأحكامها العامة

يناقش تعريف اللقطة وكيفية التعامل مع الأشياء المفقودة وفقًا للشريعة الإسلامية، مع التركيز على أهمية إبلاغ صاحبها عند حضوره. يشرح الإمام الشوكاني هذه الأحكام مستندًا إلى أحاديث نبوية وأقوال الصحابة.

آداب التعامل مع اللقطة في الإسلام

يتناول شرح معنى اللقطة وآدابها، ويوضح كيفية حفظها وتعريفها حتى تعود إلى صاحبها، مع التركيز على أحكام اللقطة في مكة والمدينة.

حكم أخذ الضائعات والانتفاع بها

يفصل في حكم التقاط الضائعات والانتفاع بها، مشيرًا إلى جواز أخذ الأشياء الحقيرة التي لا تتشوف لها النفوس، مع تفصيل خاص في حكم ضالة الدواب.

أهمية العلة في الأحكام الشرعية

يبرز أهمية العلة في الحكم الشرعي، حيث يدور الحكم مع علته وجودًا وعدمًا كما ورد في الأحاديث النبوية، ويستشهد بالأحاديث التي ذكرها النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا السياق.

  • 17 جمادى الأولى 1434هـ - 28/03/2013مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام الشوكاني -رحمه الله تعالى- كتاب اللقطة: قال: من وجد لقطة فليعرف عفاصها ووكاءها، فإن جاء صاحبها دفعها إليه، وإلا عرف بها حولا، وبعد ذلك يجوز له صرفها ولو في نفسه، ويضمن مع مجيء صاحبها. ولقطة مكة أشد تعريفا من غيرها، ولا بأس أن ينتفع الملتقط بالشيء الحقير كالعصى والصوت ونحوهما بعد التعريف به ثلاثا. وتلتقط ضالة الدواب إلا الإبل. أورد -رحمه الله- هذا الكتاب في سياق ذكره، كما رأينا، لعدد من الكتب التي تتعلق بعدد من الأحكام مما يكون به خلطة الناس، وما هو مظنة المقاضاة والخصومة. وإن كانت أقرب ما تكون هذه الأبواب في كتاب البيوع، لكن لما فيها من هذا المعنى ذكرت قريبا من كتاب القضاء والخصومات. قوله: كتاب اللقطة، أي: هذا مكتوب يتعلق بأحكام اللقطة. واللقطة لفظ مأخوذ من معناها، أي: اللقط ما يلتقط مما يؤخذ من الأرض. واختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى، فهو لقط، فهو أخذ وزيادة. المعنى الزائد في اللقطة هو الأخذ للشيء الذي لا يعرف مالكه. وفيه معنى آخر وهو الخلوة والتفرق. ولهذا تقول: التقط التمر إذا كان متفرقا، وتقول: أخذه إذا كان مجتمعا. فهذان معنيان يظهر بهما الفرق بين الأخذ واللقط. فلهذا سميت لقطة، وصارت لفظة تطلق على ما يوجد مما هو مجهول المالك. ثم ذكر -رحمه الله- مجموعة من المسائل فيما يتعلق بهذا اللفظ، وهذا الكتاب ابتدأها بقوله: من وجد لقطة فليعرف عفاصها ووكاءها، وهو ما يسمى بالتعريف، تعريف اللقطة. وأشار بالشرح إلى عدة أحاديث تدل على هذا المعنى، منها ما جاء بالصحيحين في حديث زيد بن خالد -رضي الله عنه- سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن لقطة الذهب والورق، والمراد بالورق الفضة، فقال: اعرف وكاءها وعفاصها. هذا لفظ الصحيحين. وفي لفظ لمسلم زاد: وعددها، ثم عرفها سنة، فإن لم تعرف فاستنفقها. ولتكن وديعة عندك. ومعنى قوله: وديعة، يعني: إن جاء صاحبها ترد إليه كما ترد الوديعة. قال: فإن جاء طالبها يوما من الدهر فأدها إليه. وهذا يؤكد المعنى السابق. وسيأتي معنا أن يوما من الدهر يتناول أكثر من السنة، يتناول أكثر من السنة على الصحيح. فإن بعض أهل العلم حمل الدهر على السنة. قال: وسأله عن ضالة الإبل، فقال: ما لك ولها؟ دعها، فإن معها حذاءها وسقاءها، ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها. ومعناه: أنها لا تأخذ، وليست هي مما يلتقط، فهي من جهة اللغة، ومن جهة الشرع، ومن جهة العرف لا تعتبر لقطة. قال: وسأله عن الشاه، فقال: خذها، فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب. وفي لفظ لمسلم -رحمه الله تعالى-: فإن جاء صاحبها فعرف عفاصها وعددها وكاءها فأعطها إياه، وإلا فهي لك. وأشار إلى حديث عياض بن حمار -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: من وجد لقطة فليشهد ذوي عدل وليحفظ عفاصها وكاءها، فإن جاء صاحبها فلا يكتم، فهو أحق بها. وإن لم يأت صاحبها فهو مال الله يؤتيه من يشاء. وقد أشار إلى أن أحمد وابن ماجة وأبا داود والنسائي وجماعة أخرجوه، وهو صحيح. وهكذا أيضا حديث أبي بن كعب أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: عرفها، فإن جاء أحد يخبرك بعدتها وعائها وكائها فأعطها إياه، وإلا فاستمتع بها. والحديث الصحيح: مسلم. وهكذا أيضا جاء في لفظ عند البخاري أن أبا بن كعب وجد صرة فيها مئة دينار، والمئة دينار مال كثير، إذا كان نصاب الذهب كم نصاب الذهب؟ عشرون دينارا. عشرون دينار يعادل اليوم ما قيمته خمسة وثمانون جراما من الذهب، يعني أكثر من نصف مليون. قيمته اليوم أكثر من نصف مليون، فما بالكم بمئة دينار؟ يعني أربعمائة وخمسة وعشرين جراما من الذهب، ما يعادل أكثر من خمسة ملايين. وجده في صرة، قال: فأتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: عرفها حولا. قال: فعرفتها، فلم أجد من يعرفها. ثم أتيته، فقال: عرفها حولا، فلم أجد. ثم أتيته ثالثا، فقال: احفظ وعاءها وعددها ووكاءها، فإن جاء صاحبها وإلا فاستمتع بها. قال: فاستمتعت بها. فلقيته بعد بمكة، والقائل لقيته بعد بمكة هو شعبة، راوي هذا الحديث عن سلمة، لأنه لقي سلمة بن كهيل، قال: فلقيته -يعني سلمة بن كهيل- بعد عشر سنين بمكة، فسمعته يقول: عرفها عاما واحدا. ولهذا رجح أكثر الحفاظ أن هذا وهم، وهم به سلمة بن كهيل. ولهذا رجع إلى الصواب بعد عشر سنوات. وفي لفظ عند الإمام مسلم رواية عن سلمة بن كهيل بالشك يقول: عامين أو ثلاثة. وجاءت في روايات أخرى بذكر العام جزما. ولهذا رجح الحفاظ أن زيادة ذكر السنتين والثلاث وهم من سلمة بن كهيل -رحمه الله تعالى-. ويؤيده أنه جاء معناه عن عدد من الصحابة، فأفتوا بنحو ما جاء في أكثر الأحاديث أنها تعرف حولا واحدا فقط. فقد صح عن عمر -رضي الله عنه- في رجل وجد ثمانين دينارا في طريق الشام، فسأله عنها، فأمره أن يعرفها حولا، وإلا فسبيله معها. لكن يستفاد من هذا الحديث، كما أشار غير واحد من أهل العلم، على أن المال كلما كثر اقتضى زيادة التعريف. اقتضى زيادة التعريف. ولكن لا يعني ذلك زيادة التعريف من جهة طول المدة، ولكن من جهة كثرة وتنوع التعريف، بما يحصل به تأدية الأمانة مع هذه اللقطة، في شدة الحرص في البحث عن صاحبها. فهذه الأحاديث كما نرى بألفاظها تناولت أحكاما كثيرة. وسيأتي -إن شاء الله- ذكر هذه الأحكام. وسنستفيد من هذه الألفاظ التي مرت بنا، وأشار إليها المؤلف في الشرح، وما يتعلق بأول مسائل هذا الكتاب، وهو التعريف. كما أشار بالشرح أخذ من أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يعرف عفاصها ووكاءها. والعفاص هو الوعاء الذي يوضعه ويحفظ فيه المال. وكان غالبا ما يكون من الجلد. وأيا كان هذا الوعاء، فالمقصود معرفة الوعاء الذي يوضع فيه المال. وسمي عفاصا لوصفه، لأنه يعفص، يُعفص. والعفص معروف، هو بمعنى العطف والثني. فالجلد يثنى بعد وضع المال فيه. وأما قوله: وهو الجلد الذي يكون على رأس القارورة، ليس معناه أن المال يوضع في القارورة لا، فالمال لا يوضع في القارورة، ولكن معناه كالجلد الذي تغلق به القارورة، لأن القارورة في زمانهم تغلق بكيفيتين: إما تغلق من الخارج، فإذا أغلقت من الخارج فتغلق بالعفاص، وهي قطعة من الجلد ترمى على رأس القارورة، ثم يؤتى بالوكاء، وهو الخيط من الجلد أو ما كان بمعناه، فيربط حول القارورة. وهكذا أيضا بالنسبة لحفظ المال، يأتون بقطعة من الجلد فيضعون المال في الوسط، ثم يلفونه ويثنونه، ويربطون عليه من حوله بماذا؟ بالوكاء. ومما تغطى به القارورة إذا غطيت في وسطها، فهذا يسمى الصمام والسداد، الصمام وسداد. فإذا كان في الوسط فلا يكون من الجلد، ولكن يكون من الخشب أو ما كان بمعناه. والوكاء كما تقدم، وأشار أنه الخيط الذي يشد به هذا العفاص. واليوم الناس صاروا لا يحصلون بمثل هذا، فالمقصود هو تعريف الشيء الذي كان المال محفوظا فيه، مثل المحفظة. يصف هذه المحفظة. أكثر الناس اليوم يضعون أموالهم في المحافظ، سواء من جلد أو غير ذلك. وفي رواية مسلم، وفي حديث أبي، ذكر العدد. ولهذا قال: من قال: المقصود ليس هو التقيد بهذا المذكور، ولكن المقصود ضبط الوصف وتثبيته، بما أولا يختلط بماله، وثانيا لأجل أن يعرفه صاحبه، فيعلم أنه صادق، ليس بكاذب ولا مخطئ. فكل ما كان يحصل به التعريف، فيأخذ مثلا اليوم العملات الورقية فئات، فيحفظ فئات هذه العملة: هل من فئة خمسمئة أو من فئة مئة أو دون ذلك؟ وكذلك إذا كان مما يوزن، فبوزنه. إن كان وجد ذهبا فيعرف وزن الذهب، يعرف وزن الذهب، حتى يحفظه على نفسه، لأنه قد ينكسر منه شيء مع مرور الزمن، وهو لا يدري، فينقص. لكن إذا ضبط وزنه وكتبه: كتب: وجدت هذه اللقطة يوم كذا، في مكان كذا، وكان وزنه كذا، وعدده كذا، ووصفه كذا وكذا وكذا. ويحفظ هذه الورقة مع اللقطة. ويعرف اللقطة حول المكان الذي وجد اللقطة، فكما قال العلماء: فيما يغلب على الظن أنه يحصل إبراء الذمة في التعريف، إبراء الذمة في التعريف. فمثلا كما قال العلماء: عند أبواب المساجد، ومداخل الأسواق، وما هو قريب من مكان اللقطة، في أماكن اجتماع الناس وكثرتهم. وقوله -رحمه الله-: فإن جاء صاحبها دفعها إليه. لما سمعنا في ألفاظ هذه الأحاديث، فإنه قال -عليه الصلاة والسلام-: فإن جاء طالبها يوما من الدهر فأدها إليه. والصحيح أن قوله: يوما من الدهر، يعني: في أي يوم كان. ولكن يحل له أن ينتفع بها بعد مرور العام. فإذا مر العام وانتفع بها من وجدها، فجاء بعد العام، هل يردها له؟ الجواب: إن كان يستطيع يردها له، لهذا الحديث، ولغيره مما يدل على معنى. لكن إذا كان غير مستطيع، فهو ليس عليه شيء، لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها. وقد أدى الذي عليه: انتظر سنة، وعرف سنة، وبعد السنة انتفع بها، فليس عليه لوم في ذلك. ولكن متى ما تيسر ردها لصاحبها إن استطاع. وكذلك قوله -رحمه الله-: وإلا عرف بها حولا، يعني: إذا لم يأت قبل الحول. قال: وبعد ذلك يجوز له صرفها ولو في نفسه، يعني: بعد الحول يجوز أن ينتفع بها ولو في نفسه. وقوله: ويضمن مع مجيء صاحبها، يعني: يبقى في ذمته، لأنها سميت وديعة، كما في حديث زيد بن خالد: ولتكن وديعة عندك. ولكن كما تقدم: لا يمنع ذلك من انتفاعه بها بعد انتهاء الحول والسنة. وهنا يأتي سؤال: إذا كان كذلك، فهل الأفضل أن ينتفع بها أو الأفضل أن يحفظها؟ الجواب: هو مخير في هذا، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- خيره. فقد قال له كما في بعض الألفاظ: فإن شئت. وهذا يدل على أنه ليس في هذا الباب ما هو أفضل، فهو مخير. ولهذا قال العلماء: هو مخير. ويراعي في هذا ما تقتضي به المصلحة. ومثله يقال في التقاط اللقطة إذا وجدها: هل الأفضل أن يأخذها أو الأفضل أن يتركها؟ كذلك هو مخير. وإن كان هناك ما يرجح هذا التخيير. فعل به مثل أن يغلب على الظن وجود من يأخذها ولا يعرفها، فهنا يستحب في حقه، بل قد يجب أن يأخذها؛ لأجل أن يعين صاحبها للوصول إليها. أو كذلك قد يكون هي مظنة أن تلتقط ممن ولو لم يكن صاحبها، ممن لا يحتاجها. وهو قد يأخذها ويعطيها من يحتاجها. فمثلا بعض اللقطة -تمسيات- إن شاء الله الحقير منها قد لا يلتفت إليه الكثير من الناس. فإذا علم أنها قد تذهب بدون الانتفاع بها، فليأخذها وليعطها إلى من ينتفع بها، حتى ولو لم يردها هو. فإذا يراعي الأصلح في هذا الباب. ثم قال -رحمه الله تعالى-: ولقطة مكة أشد تعريفا من غيرها. وذلك لما مر معنا في كتاب الحج، في قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: لا تحل لقطة مكة إلا لمعرف. لا تحل إلا لمعرف. ومعناه: هو يذكر الحديث في المعنى. وجاء فيها ألفاظ، وجاء كما تقدم معنا من حديث ابن عباس، ومن حديث أبي هريرة، وجماعة من الصحابة -رضي الله تعالى عنهم أرضاهم-. ويدخل في معنى لقطة مكة لقطة الحاج، لما جاء في حديث عبد الرحمن بن عثمان التيمي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نها عن لقطة الحاج، وهو حديث صحيح. وبه يعلم أن لقطة الحاج، ومن كان بمعناه، من من له نسك، عمرته مثلا، المعتمر بالحاج. لا تلتقط لقطته إلا لمنشد، ولو وجدت خارج مكة، ولو وجدت خارج مكة. ولهذا قال بعض المشايخ من أهل العلم: يلحق بذلك لقطة المدينة إذا غلب على الظن أنها لقطة حاج. إذا غلب على الظن أنها لقطة حاج. فمثلا حول الحرم المكي قد تجد عملة أجنبية، حول عفوا حول الحرم المدني قد تجد لقطة من مال لعملة أجنبية، فهذا يرجح أنها لقطة ماذا؟ لقطة حاج أو معتمر من زوار المسجد النبوي. فلا تلتقط إلا لمنشد. فإذا لا يمتلكها من وجدها بهذا أفتى جماعة من أهل العلم. وقوله -رحمه الله-: أشد تعريفا، لم يذكره في المتن، لكن أشار بالشرح معنى هذا التشديد، وهو أنه لا يمتلكها أبدا، لا يمكن أن تمتلك، وإنما تأخذ لأجل أن تعرف فقط. واليوم الحمد لله توجد أماكن لاستقبال الضائعات، ووضع الأمانات حول الحرمين، يمكن أن تضعها فيها، فيبرئ ذمتك، وتحفظها لصاحبها، فتكون معينا له على إيجاد لقطته. وقوله: ولا بأس بأن ينتفع الملتقط بالشيء الحقير كالعصى والصوت ونحوهما بعد التعريف به ثلاثا. أشار بالشرح -رحمه الله- إلى دليل ذلك. فدليله ما جاء في الصحيحين في حديث أنس -رضي الله عنه- في قول النبي -صلى الله عليه وسلم- حين وجد التمر في طريقه: لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها. وهذا يدل أن التمر، وما كان بمعناه، من الشيء اليسير الذي لا تتشوف له ولا تستشرفه النفوس، لا بأس أن يؤخذ ويمتلك. قال العلماء: التمر، وعود الأراك -المسواك- وهكذا كل شيء يستصغر، ولا تشح النفوس به. وذكر حديث جابر بن عبد الله، وهو فيه ضعف، لكن معناه صحيح، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رخص في العصى والصوت والحبل، وأشباه أن يلتقطه الرجل فينتفع به. هذا الحديث ضعيف لا يصح، لكن معناه صحيح. فهو يدخل بمعنى حديث أنس. وكذلك حديث يعلى بن مرة الذي أشار إليه. وهكذا أيضا حديث أبي سعيد الذي أشار إليه. فهي تدور حول هذا المعنى: أن الشيء الذي لا تتشوف له النفوس يكون هذا حكمه. وأما التقييد بالتعريف ثلاثا، فأشار -رحمه الله- إلى الحديث، ولكن كما قد أشار إليه: فيه ضعف، في حديث أبي سعيد، حين أمره أن يعرف ثلاثا. وهو كذلك ليس فيه ذكر شيء يسير، بل كثير. ولكن الحديث ضعيف. وإنما يقال: الشيء اليسير يأخذ من دون حاجة إلى تعريف. فإن جاء صاحبها فيعطها إياها. ومما يلحق بهذا المعنى: الشيء الذي إذا ترك فسد، ولو كانت له قيمة. إذا كان مظنة الفساد، وليس حوله من يظن أنه له. ويستأنس له بما مر معنا في كتاب الجهاد، في الكلام على المغنم، وما يجوز أن يؤخذ منه مما هو مظنة الفساد والخراب، يخرب ويفسد إذا لم يؤخذ. فكذلك يقال ها هنا: مثلا وجد طعاما، قيمته أكثر من تمرة، لكن الغالب الطعام مثل هذا إذا ترك فسد، فلا بأس أن يأخذه، ما دام غلب على ظنه، أو استيقن أنه إذا ترك يفسد. وألحق به بعض أهل العلم كذلك ما كان من الدواب مسيبا، يعني: في وقت الفقر مثلا والفاقة، تسيب بعض الدواب لمعنى من المعاني، إما لعجز أهلها عن القيام بها، مع ما يلحقها من شدة جوع. فتترك. فهنا إذا أخذها إنسان وقام بها، أو كانت مريضة مرضا تركها لأجلها أهلها، فـعالجها. وقد صح ذلك عن الشعب مرسلا. وهكذا متصلا عن بعض الصحابة، وحسنه جماعة من أهل العلم، أي: عن بعض الصحابة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-. وقد حسنه العلامة الألباني -رحمه الله- في صحيح أبي داود وغيره. وبه يعلم أن هذا الباب لا ينحصر، بل يدخل فيه صور وكيفيات كثيرة مما هو بمعنى الشيء الحقير الذي يهمل ولا يؤخذ. فكل ما يترك ولا يؤخذ، كبيرا كان أو صغيرا، فأخذه لأجل حفظه جائز. فمثلا في بعض البلاد التي أهلها ابتلوا بالترف، ربما تمشي ببعض الشوارع فتجد غرفة نوم كاملة، ما شاء الله، ما بقى إلا أن تأخذها وتضعها وتأتي بعروسة تتزوج على طول. وهذا موجود. يوجد في بعض الدول يرمون غرفة نوم كاملة، مجلس كامل، فرش. بل في أحد المرات أحد الإخوة قال لي: وجدت حاسوبين رمي عند باب بيت في الشارع. قال: مررت، ثم رجعت، قلت: يمكن هذه كأن شكلها شكل رمي، ليس شكل من يريد أن يأخذها ويصلحها. قال: فطرقت الباب، هذا لكم؟ قالوا: نحن لا نريده، تريده خذه. فحملها. هل يمكن أن يقع هذا في اليمن؟ ما يمكن. ويقول: أخذها وشغلها، والإثنين يشتغلون. حاسوبين يشتغلون، كل منهما يعمل، ليس به شيء، لكن قديم. فالمهم: ما كان بهذا المعنى فهو مما يؤخذ مما يؤخذ، فلا ينحصر أمره بوصف معين. ثم قال -رحمه الله تعالى-: قال: وتلتقط ضالة الدواب إلا الإبل. وضابط ذلك: أن العلماء فرقوا في الدواب بفرق، وقسموها إلى قسمين: قسم من الدواب يحمي نفسه من صغار السباع، كالإبل والجاموس والبقر، وما كان بمعناه. فمثل هذا لا يؤخذ، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ما لك ولها؟ وقد مر معنا الحديث. وأشار إلى ألفاظ في الشرح أخرى. ومن الدواب ما هو ضعيف، لا يحمي نفسه من صغار السباع، فهو ما ظنك اعتداء السباع عليه؟ سواء السباع الحسية أو المعنوية من البشر. فمثل هذه تلتقط. نعم تأخذ. وإذا وجد صاحبها ردها له. ويأخذها لماذا؟ لحفظها. وهذا على هذا الأصل. لكن إذا تغير الأصل، مثل أن تكون منطقة ما ليس فيها سباع لا حسية، ما في ذئاب ولا كلاب متوحشة ولا شيء، ولا كذلك من البشر من يكون مثلها. فهنا لا تلتقط. لا أحد يأخذها. مثل جزيرة سقطرة، ليس فيها ذئب ولا ثعلب ولا شيء يؤذي الغنم، تعيش الغنم في الجبال وهي آمنة. والناس يذهبون ويأتون من الشهر إلى الشهرين إلى الثلاثة، وغنمهم محفوظة في الجبال. بل بعض الغنم يتوحش، يلد في الجبال ويصير مستوحشا، ما يألف الإنس. فهنا لا يأتي أحد ويقول: ما شاء الله، هذا الغنم كله يلفه كله، لا. بل هي على وصف آخر. تغير العرف فيتغير الحكم. إذا تغير العرف تغير الحكم، لأن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما. قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: هي لك أو لأخيك أو للذئب. فإذا لا شيء يضرها. وقد تعارف الناس أنها تحفظ بهذه الجبال، وكل واحد يضع لأغنامه علامة. فهنا لا يجوز أن تؤخذ. وكذلك العكس: لو كانت بعض البلاد الدواب الكبيرة كذلك، إذا لم تؤخذ فهي في خطر ومضرة؛ لكثرة السباع الكبيرة التي تعتدي عليها. فهنا يكون حكمها كحكم الدواب الصغيرة. الدواب الصغيرة لماذا؟ هي لك أو لأخيك أو لهذا النمر أو ذاك الأسد. مثل بعض بلاد أفريقيا. فإذا جاء الليل لا يمكن أن تترك البقر، لأنها إذا تركت اعتدت عليها الوحوش. فهنا يأخذها، لكن ليس بنية السرقة والإخفاء. ولهذا جاء في الأحاديث المتقدمة نهي الملتقط أن يخفيها، بل يجب عليه ماذا؟ أن يحفظها، وأن يشهد عليها إذا استطاع أن يشهد. انظروا: وجدنا في هذا اليوم هذه الناقة، وانظروا علامتها، هذه علامتها؛ لأجل غدا إذا ماتت، وجاء إنسان ادعى أنها له، فيقال: لم تكن هذه علامتها، بل علامتها شيء آخر. وعندنا شهود على هذا: فلان وفلان، ونحو ذلك. فالمهم: الحكم يدور مع علته وجودا وعدما، هذا هو الذي يفهم من هذه الأحاديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم-. طيب، هذا خلاصة ما يذكر مما أشار إليه المؤلف -رحمه الله- في أهم الأحكام المتعلقة باللقطة. وبه نكتفي. والله تعالى أعلم.