القول السديد في مقاصد التوحيد  90

القول السديد في مقاصد التوحيد 90

الدرس في القول السديد في مقاصد التوحيد 90، الدرس التسعون:من( باب قول ما شاء الله وشئت ... فلا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد ولكن قولوا ما شاء الله وحده ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في شرح كتاب التوحيد

يبدأ الشرح ببيان أهمية كتاب التوحيد لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، حيث يتناول الأحاديث النبوية التي تنهى عن قول 'ما شاء الله وشئت'. يبين المقطع كيفية الصياغة الصحيحة لهذا القول وتوضيح منافاته لكمال التوحيد وكونه ذريعة للشرك.

الفرق بين الشرك الأكبر والأصغر والعذر بالجهل

يتناول هذا الفصل شرح الفرق بين الشرك الأكبر والأصغر، ويبين أن بعض الألفاظ قد تكون شركًا أكبر إذا كانت مقرونة باعتقاد معين. كما يشير إلى العذر بالجهل في العقيدة ومقارنة بين دين الإسلام وديانات أهل الكتاب.

تأخير بعض العلم لتحقيق مصلحة أعظم وترتيب الأولويات

يجمع هذا الفصل بين شرح تأخير النبي صلى الله عليه وسلم في نهي بعض الألفاظ التي تنافي التوحيد لتحقيق مصلحة أعظم، وكيفية تقديم المعلومات حسب الأهمية. يُظهر أن العلم يدرج على الناس بحسب ما تقتضيه المصلحة، ويُناقش ترتيب الأولويات في العرض.

  • 24 جمادى الأولى 1432هـ - 27/04/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم. قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في كتابه "كتاب التوحيد"، باب قول: ما شاء الله وشئت. قال: عن قتيل أن يهوديًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إنكم تشركون، تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة. فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: رب الكعبة، وأن يقولوا: ما شاء الله ثم شئت. رواه النسائي وصححه. وله أيضًا عن ابن عباس أن رجلًا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ما شاء الله وشئت. فقال: «أجعلتني لله ندًا؟ قل: ما شاء الله وحده». ولابن ماجه عن الطفيل، أخي عائشة لأمها، قال: رأيت كأني أتيت على نفر من اليهود، قلت: إنكم لأنتم القوم لو لأنكم تقولون: عزير بن الله. قالوا: وإنكم لأنتم القوم لو لأنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد. ثم مررت بنفر من النصارى، فقلت: إنكم لأنتم القوم لو لأنكم تقولون: المسيح بن الله. قالوا: وإنكم لأنتم القوم لو لأنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد. فلما أصبحت أخبرت بها من أخبرت، ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته. قال: «هل أخبرت بها أحدًا؟» قلت: نعم. قال: «فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإن طفيلًا رأى رؤيا أخبر بها من أخبر منكم، وإنكم قلتم كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها، فلا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله وحده». أورد المؤلف -رحمه الله تعالى- هذا الباب وما فيه من أحاديث في سياق ذكره لما ينافي التوحيد، فهو يذكر في هذه الأبواب المسائل التي تنقض أو تنقص التوحيد، ومن ذلك هذا القول: قول القائل "ما شاء الله وشئت". وذكر هذه الأحاديث الثلاثة، وفيها معنى هذا النهي وما فيه من منافاة لكمال التوحيد. والحديث الأول وهو حديث صحيح، ذكره شيخنا في "الصحيح المسند"، وهو كذلك ذكره العلامة الألباني في "الصحيحة"، كما أشير حديث ستة وثلاثين ومئة. والشاهد منه قول النبي عليه الصلاة والسلام حين بلغه قول ذلك اليهودي، نهى أصحابه أن يقولوا: "ما شاء الله وشئت"، فقال: قولوا: "ما شاء الله ثم شئت". وهكذا كذلك فيه نهيه عن قول: "والكعبة"، ولكن ليقولوا: "ورب الكعبة". وهذا يتبع الباب الذي قبله: باب ما جاء فيمن لم يقنع بالحلف بالله. ويتضمن عدم الحلف بغير الله، فالحلف بالكعبة وهي معظمة من الحلف بغير الله، ولكن ليقول: "ورب الكعبة". وهكذا الحديث الثاني: حديث ابن عباس، وهو كذلك حديث صحيح، وقد صححه غير واحد، ومنهم العلامة الألباني في "الصحيحة"، كما أشير عندكم في التعليق. فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى ذلك الرجل وقد قال: "ما شاء الله وشئت". فقال: «أجعلتني لله ندًا؟ قل: ما شاء الله وحده». وكذلك الحديث الثالث: حديث صحيح، وأشير عندكم في التعليق تصحيح العلامة الألباني له، وصححه غيره. والشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب في الناس فنهاهم عن ما كانوا يقولون، وما قد أراه الطفيل في منامه. وهذه اللفظة كما سبقت الإشارة إليه في الأبواب السابقة، الأصل أنها تنافي كمال التوحيد، فهي من العبارات التي يكون فيها ذريعة للشرك، فلذلك عدها بعض أهل العلم أنها من الشرك الأصغر، على قول من يقول: إن كل ما يفضي إلى الشرك الأكبر فهو شرك أصغر. وعلى من قيد ذلك بالمعدود مما سمي شركًا أصغر، فيكون ذلك مما ينافي كمال التوحيد وليس بشرك أصغر، ولكنه معصية بعد العلم به. وعلى هذا فوقوعه من الصحابة رضي الله عنهم ما عدم علمهم بحكمه يُعذرون، سواء سمي معصية أو سمي شركًا أصغر، لأن الجهل عذر. الجهل عذر. وتضمنت هذه الأحاديث كذلك العذر بالجهل حتى في العقيدة لمن جهله، وهو كذلك خصوصًا حديث ابن عباس يتضمن أنه قد يصل إلى الشرك الأكبر. وتقدمت معنا في دروس سابقة كيفيات وصور يكون مثل هذه الألفاظ شركًا أكبر. فرق بين من قال ذلك خطأ في اللسان والتعبير وعدم كمال في تعظيم الرب، وبين من يقع في ذلك عن اعتقاد وعن وصف المخلوق بما هو من صفة الخالق، كما يقع عند الوثنيين قديمًا وعند بعض عباد القبور إلى يومنا هذا. فهم يعتقدون أن لبعض المخلوقين من التصرفات في الكون ما هو يزاحم مشيئة الله. ومن ذلك تسميتهم الأقطاب والأوتاد لرؤوس أوليائهم المزعومين أنهم يسيرون هذا الكون ويدبرونه. فأمثال هؤلاء قولهم: "ما شاء الله وشاء الولي الفلاني" شرك أكبر. لماذا؟ لأنهم يجعلون لهذا المخلوق الضعيف ما هو لله عز وجل، فجعلوا بعض صفات الرب جل وعلا وأفعاله للمخلوق. وهذا من الشرك الأكبر. بل أعظم من ذلك ربما يرون أن لمعبودهم الذي يعبدونه من الأولياء المزعومين تصرفًا أعظم من تصرف الخالق. ولهذا فهم يلتجئون إليهم في الشدائد ما لا يلتجئون إلى الله، ويذكرون في ثنايا كتبهم من القصص والأخبار ما فيها معنى يؤكد أنهم قد وقعوا في الشرك الأكبر. فيذكرون أن السفينة كادت أن تغرق فاستغاثوا بالشيخ فلان فأغاثهم، وكذلك أن السفينة كادت أن تغرق فلما قال فلان: يا حبيب فلان، أنا هنا أغاثهم الحبيب. إذن صارت مشيئة الحبيب أعظم من مشيئة الله وتزاحم مشيئة الله. فقولهم إذا قالوا: "ما شاء الله وشاء الولي الفلاني" في مثل هذا السياق شرك أكبر، وليس شركًا أصغر. حتى لا يستدل أحد أن مثل هذا من الشرك الأصغر على أشد الأحوال، بل يقال: إنه قد يصل إلى الشرك الأكبر بحسب ما يكون من كلام صاحبه. وكذلك في هذه الأحاديث إنصاف أهل الإسلام، فدين الإسلام دين العدل والفضل. دين الإسلام دين العدل والفضل. فما يزعمه أهل الكتابين من اليهود والنصارى أنهم يستغنون بدينهم عن دين الإسلام، إذ أن دين اليهود فيه العدل كما يزعمون، ودين النصارى فيه الفضل. مفهوم خاطئ جائر مخالف للصواب، وذلك من أوجه كثيرة. وقد جعل شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في كتاب "الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح" فصلًا عظيمًا رد هذه الشبهة من أكثر من اثني عشر وجهًا. وبيّنا أن دين اليهود والنصارى دين محرف مبدل، فلم يبق لهم فيه عدل ولا فضل. وأعظم من ذلك أنه خُلط بوثنيات أهل الشرك، فدخل عليهم من دين المشركين ما حرف ذلك الدين الذي جاء به أنبياء الله. وأن كل ما زعموه من فضل وعدل في الإسلام مثله وأعظم منه. فهم لا يستغنون عن دين الإسلام، خصوصًا أنهم يعلمون أن في دينهم من التحريف ومن النسخ ما لا يعلمه علماؤهم فضلًا عن عامتهم. فهم لا يستغنون عن شيء يبين لهم ذلك، وهذا في دين الإسلام. ولهذا بعث الله عز وجل رسوله ونبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم ليبين لهم ما كانوا يختلفون فيه. فما جاء عند اليهود من عدل، ومنه مثلًا هذه المسألة من مسائل العقيدة، قد جاء في دين الإسلام مثله أعظم منه. وأما كون هذا اليهودي قال هذه المقولة فقال النبي صلى الله عليه وسلم، لا يعني أن النبي عليه الصلاة والسلام قال ذلك بعد قول اليهود، بل النبي عليه الصلاة والسلام قال ذلك قبل هذا. وقوله ذلك بعد قول اليهود لأن المسلمين الكثير منهم حديث عهد بإسلام، فقد تقع منهم بعض العبارات التي تنافي التوحيد وكماله، وهم في طور التعليم والتربية. والنبي صلى الله عليه وسلم يدرج عليهم العلم. وأحاديث هذا الباب تدل على هذا المعنى. فالنبي صلى الله عليه وسلم قد صحت عنه أحاديث كثيرة في نهي عن الحلف بغير الله. بل كما تقدم معنا في صحيح مسلم: إذا قال الرجل: "واللات والعزة"، قد يقول: لا. لك سبق لسان عن غير عقيدة، أمر النبي صلى الله عليه السلام أن يقول بعده كلمة التوحيد وكفارة له. وكذلك يقال في هذه المسألة: "ما شاء الله وشئت" أو ما كان بمعناه من العبارات، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد نهاهم عن ذلك. فكون اليهود قال ما قال ليس أن النبي صلى الله عليه وسلم تعلم ذلك من اليهود، بل هذا من إنصاف أهل الإسلام أنه إذا وقع خطأ عند أحد المسلمين فإنه يرد الخطأ ولو جاء ذلك من غير المسلم. وكذلك كما ترون في بعض الأحاديث: "ولكن قولوا ما شاء الله ثم شئت". وفي بعضها: "قولوا ما شاء الله وحده". وليس في هذا منافاة. فالأفضل والأكمل أن يقول: "ما شاء الله وحده"، حتى ولو كان إثبات المشيئة للمخلوق فيما يقدر عليه المخلوق، هذا هو الأفضل والأكمل. وما جاء فيه: "ما شاء الله ثم شئت"، هذا فيما كان فيه إثبات المشيئة فيما يقدر عليه المخلوق، فهو يجوز. يجوز أن يكون كذلك ما دام فيما يقدر عليه المخلوق وفي حدود ذلك. وتضمن كذلك حديث الطفيل أن بعض الرؤيا يكون حقًا وتفسيرها على ظاهرها، ولكن ليس كل أحد يعرف ذلك. والنبي صلى الله عليه وسلم بيّن في هذا الحديث أنه كذلك. وكذلك تضمن الحديث الأخير أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد منعه مانع أن ينهاهم عن ذلك. وقد اختلف أهل العلم في ذكر المانع والسبب، فمنهم من قال: إنه تدرج في التعليم، ومنهم من قال غير ذلك. والمهم فيه جواز تأخير بعض العلم لما قد يقتضيه المقام من مصلحة أعظم. وقد قال الإمام البخاري: بَوَّبَ الإمام البخاري في "صحيحه" بابًا: باب ما يجوز أن يكتم من العلم، أو بمعناه. ثم ذكر أثر علي وحديث معاذ. قال: «أفلا أبشرهم؟» قال: «لا، إذن يتكلوا». فيجوز أن يؤخر بعض العلم، فضلًا أن يكتم إذا اقتضته المصلحة. فليس كل العلم يبث، بل يدرج العلم على الناس بحسب ما تقتضيه المصلحة. فربما يكون المقام اقتضى أن يوجه الناس لما هو أعظم من مثل هذه الألفاظ. فإذا رسخوا في عقيدتهم وتوحيدهم فإنه يشدد عليهم في مثل هذه الألفاظ. فمثلًا أنت مع رجل حديث عهد بإسلام، عنده أشياء كثيرة يحتاج أن يتعلمها. فكونك تبث له العلم كله جملة واحدة تشوش عليه. لكن درج عليه العلم حتى يستطيع أن يعمل به، وكذلك يدخل في قلبه ويعقد القلب عليه. وأما أن تبث عليه العلم من أول إلى آخره، يمل العلم ولا يدخل ولا يعمل. ما أكثر مسائل الدين والعلم من واجبات ومن محرمات ومن مستحبات ومكروهات؟ هل ستبثها عليه في جلسة وجلستين؟ لو أردت أن تقرأ عليه قراءة ما استطعت قراءة، فقط تقرأ عليه كم في صحيح البخاري من علم، وكم في كتب السنة، وكم في كتب التفسير، وكم في كتب الفقه؟ هل كله ستبث عليه؟ لا. وإنما ستقدم له ماذا؟ الأهم فالأهم، وما يرد عليه مما يحتاجه، بتقديم الأهم على الأهم. طيب لهنا والله تعالى أعلم.