المحاضرة بعنوان فضل العلم ومجالس الذكر، والتي كانت بمخيم عنة الخير بمنطقة المزروعة بمدينة الدوحة بدولة قطر يوم الجمعة 5 جمادى الآخر 1446هـ الموافق 6 ديسمبر 2024م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تُعد مجالس الذكر والعلم حيوية لإصلاح الفرد والمجتمع، حيث تُعين على تحصين النفس والأسرة والمجتمع من الفتن وتسهم في التمسك بالإسلام الصحيح. هذه المجالس سبب لنزول السكينة والرحمة وحفّ الملائكة.
الناس مع مجالس الذكر والعلم ثلاثة أصناف: حريص، وزاهد، ومعرض، ولكل صنف عاقبة مختلفة. الحريص يزداد رغبة وإقبالًا على الخير، بينما يكون الزاهد ومعرض عن هذه المجالس.
القرآن والعلم نور يُميّز الأحياء من الأموات، وقد كان الصحابة حريصين على العلم والعمل الصالح. تعلم القرآن وتعليمه يُعد من أفضل الأعمال في الإسلام.
اعْمِ صُورَةٌ بَيْنَ الْأُسْرَةِ جَعَلَتْ لِلْقُرْآنِ شَأْنًا فِي دَاخِلِ الْبَيْتِ، الْأَبُ وَالْأُمُ وَالْأَبْنَاءُ وَالْبَنَاتُ، الْكُلُ مُعْظِمٌ لِلْقُرْآنِ، مُعْتَنٍ بِهِ، الْأَبُ إِمَّا مُدَرِّسٌ وَإِمَّا مُتَعَلِّمٌ، الْأُمُ إِمَّا مُدَرِّسَةٌ وَإِمَّا مُتَعَلِّمَةٌ، الْأَبْنَاءُ يَتَعَلَّمُونَ وَالْبَنَاتُ يَتَعَلَّمْنَ الْقُرْآنَ. كَيْفَ سَيُؤَثِّرُ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى هَذِهِ الْأُسْرَةِ؟ وَأُسْرَةٌ أُخْرَى فِي غَفْلَةٍ وَبُعْدٍ عَنْ الْقُرْآنِ، كَيْفَ سَيَكُونُ حَالُهَا؟ وَقِسْ عَلَى ذَلِكَ فِي جَوَانِبَ كَثِيرَةٍ مِنْ حَيَاتِنَا، لِأَجْلِ أَنْ نَعْرِفَ أَنَّ مَجَالِسَ الذِّكْرِ وَالْحِرْصَ عَلَى الْعِلْمِ لَهُ شَأْنٌ عَظِيمٌ بِإِصْلَاحِ الْفَرْدِ وَإِصْلَاحِ الْأُسْرَةِ وَإِصْلَاحِ الْمُجْتَمَعِ. حِينَ يَسْمَعُ الْإِنْسَانُ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، مَعْنَاهُ: إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَتَكَلَّمَ، لَيْسَ فَقَطْ أَنْ تَتَكَلَّمَ بِالْحَسَنِ، بَلْ بِالْأَحْسَنِ. فَانْظُرْ مَا هُوَ الْأَحْسَنُ، ثُمَّ أَخْرِجْهُ. هَلْ سَتُخْرِجُ السَّيِّئَ؟ أَبَدًا. إِذَا تَعَلَّمْتَ فِي مَجَالِسِ الذِّكْرِ وَالْعِلْمِ أَنَّ كَمَالَ الْإِيمَانِ أَنْ تُخْرِجَ الْأَحْسَنَ، وَلَا تَتَكَلَّمَ إِلَّا بِالْأَحْسَنِ، فَأَنْتَ تَتَّبِعُ أَفْضَلَ الْكَلِمَاتِ، وَتَتَرَفَّعُ عَنْ أَنْ تُسِيءَ إِلَى أَحَدٍ، حَتَّى وَلَوْ أَسَاءَ إِلَيْكَ أَحَدٌ، فَلَا تَرُدُّ الْإِسَاءَةَ بِالْإِسَاءَةِ. مَحَاضِرَةٌ لِفَضِيلَةِ شَيْخِنَا الْعَلَّامَةِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مُرَعِيٍّ، حَفِظَهُ اللَّهُ، كَانَتْ بِتَارِيخِ الْخَامِسِ مِنْ شَهْرِ جُمَادَى الْآخِرَةِ عَامَ 1446 مِنْ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَةِ عَلَى صَاحِبِهَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. سُجِلَتْ هَذِهِ الْمَادَةُ فِي مَنْطَقَةِ الْمَزْرُوعَةِ بِمَدِينَةِ الدَّوْحَةِ، دَوْلَةِ قَطَرِ، حَرَسَهَا اللَّهُ، وَلِيِّ الصَّالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. أَمَّا بَعْدُ، فَنَحْمَدُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، الَّذِي أَنْعَمَ عَلَيْنَا بِنِعَمٍ كَثِيرَةٍ لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى. وَنُخَصِّصُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِالْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، عَلَى مَا خَصَّنَا مِنْ نِعْمَةِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَالتَّوْفِيقِ لِسُنَّةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَذَلِكَ عَظِيمٌ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ. كَمَا نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ الَّذِي يَسَّرَ لَنَا فِي هَذِهِ الزِّيَارَةِ الْمُبَارَكَةِ -إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى- إِلَى هَذِهِ الْبِلَادِ الطَّيِّبَةِ الْمُبَارَكَةِ، طَيِّبٌ أَهْلُهَا. وَالسَّابِقُ بِفَضْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إِلَى بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ خَيْرُهَا. وَأَنْ نَجْتَمِعَ كَذَلِكَ فِي مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ الذِّكْرِ، كَهَذَا الْمَجْلِسِ الطَّيِّبِ الْمُبَارَكِ، لَا لِأَحْسَابٍ وَلَا لِأَنْسَابٍ وَلَا لِأَعْرَاضٍ وَلَا لِأَغْرَاضٍ، وَلَكِنَّا نَرْجُو مَا عِنْدَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَهَذِهِ نِعْمَةٌ أُخْرَى. وَبَادِئًا لِبَدْءٍ، نَشْكُرُ كُلَّ مَنْ كَانَ سَبَبًا فِي مِثْلِ هَذَا الْخَيْرِ، وَفِي مِثْلِ هَذِهِ الِاجْتِمَاعَاتِ وَالْمَجَالِسِ الطَّيِّبَةِ الْمُبَارَكَةِ، مَجَالِسِ مُذَاكَرَةِ الْعِلْمِ النَّافِعِ الَّذِي يُعِينُ -بِإِذْنِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ. وَسَمِعْنَا بِكَلِمَةِ أَخِينَا الشَّيْخِ أَمِينٍ -حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، هَذِهِ الْكَلِمَاتِ النَّافِعَاتِ، وَهَذِهِ النَّصَائِحَ الْمُبَارَكَاتِ، وَهَذِهِ الْأَحَادِيثَ الْعَظِيمَةَ بِفَضْلِ مَجَالِسِ الذِّكْرِ وَخُلُقِ الْعِلْمِ، وَالْحَثِّ عَلَى أَنْ نَسْتَفِيدَ مِنْ هَذِهِ الْمَجَالِسِ. وَلَا شَكَّ أَنَّنَا فِي مِثْلِ هَذَا الزَّمَانِ الَّذِي كَثُرَتْ فِيهِ الْفِتَنُ، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، سَوَاءٌ فِتَنُ الشَّهَوَاتِ أَوْ فِتَنُ الشُّبُهَاتِ. فَنَحْنُ بِحَاجَةٍ مَاسَّةٍ وَشَدِيدَةٍ أَنْ يُعِينَ بَعْضُنَا بَعْضًا لِمِثْلِ هَذِهِ الْمَجَالِسِ الطَّيِّبَةِ الْمُبَارَكَةِ الَّتِي تُعِينُنَا عَلَى إِصْلَاحِ أَنْفُسِنَا، وَإِصْلَاحِ أُسَرِنَا، وَإِصْلَاحِ مُجْتَمَعَاتِنَا. الَّتِي تُعِينُنَا عَلَى تَحْصِينِ أَنْفُسِنَا، وَتَحْصِينِ أُسَرِنَا، وَتَحْصِينِ مُجْتَمَعَاتِنَا، مَعَ كَثْرَةِ مَا نَرَى مِنْ الْفِتَنِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي ابْتُلِيَتْ بِهَا الْمُجْتَمَعَاتُ، سَوَاءٌ فِي بَابِ الشُّبُهَاتِ أَوْ بَابِ الشَّهَوَاتِ. وَلَا عَاصِمَ بَعْدَ عِصْمَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، مِثْلَ الْعِصْمَةِ فِي مَجَالِسِ الذِّكْرِ وَمَجَالِسِ الْعِلْمِ. وَلِهَذَا جَاءَتِ الْأَدِلَّةُ الْكَثِيرَةُ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَفِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِالْحَثِّ عَلَى مَجَالِسِ الذِّكْرِ وَمَجَالِسِ الْعِلْمِ. وَمِنْ هَذَا الْكَثِيرِ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، وَقَوْلُهُ: ﴿وَذكر فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. أَهْلُ الْإِيمَانِ يَنْتَفِعُونَ بِالتَّذْكِيرِ. فَرُبَّ شَيْءٍ جَهِلُوهُ، يَتَعَلَّمُونَهُ. أَوْ عِلْمُوهُ، قَدْ نَسُوهُ، فَيَتَذَكَّرُونَهُ. أَوْ كَذَلِكَ عِلْمُوهُ وَذَكَرُوهُ، فَيَحْتَاجُونَ إِلَى تَأْكِيدِهِ، فَيُؤَكِّدُونَهُ. كَقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾، فَالْمَطْلُوبُ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ تَأْكِيدُ هَذَا الْإِيمَانِ، وَتَوْثِيقُهُ، وَتَثْبِيتُهُ، حَتَّى نَلْقَى اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَنَحْنُ عَلَى أَكْمَلِ وُجُوهِهِ. كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، أَيْ: لَا يَدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ إِلَّا وَأَنْتُمْ آخِذُونَ بِهَذَا الْإِسْلَامِ مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهِ وَأَبْوَابِهِ. فَلَا يَدْرِي أَحَدُنَا مَتَى يُدْرِكُهُ الْمَوْتُ. فَلِذَلِكَ نَحْنُ بِحَاجَةٍ بَيْنَ الْحِينِ وَالْآخَرِ أَنْ يُذَكِّرَ بَعْضُنَا بَعْضًا بِمَا يُعِينُنَا عَلَى التَّمَسُّكِ بِالْإِسْلَامِ الصَّحِيحِ الصَّافِي النَّقِيِّ، كَمَا بَعَثَ بِهِ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ. وَيُصِيبُنَا فِي هَذِهِ الْحَالَاتِ الدُّنْيَا مِنْ الْجَهْلِ وَالنِّسْيَانِ وَالْخَطَأِ، وَبِمُخَالَطَتِنَا لِمَنْ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا فِي دُخُولِ النَّقْصِ عَلَيْنَا. مَا نَحْتَاجُ مَعَهُ أَنْ نُصْلِحَ ذَلِكَ الْجَهْلَ بِالْعِلْمِ، وَذَلِكَ النِّسْيَانَ بِالتَّذْكِيرِ وَالتَّذَكُّرِ، وَذَلِكَ الْخَطَأَ بِالتَّصْوِيبِ، وَتِلْكَ الْغَفْلَةَ بِالْمُرَاجَعَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ التَّصْحِيحِ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ، وَلَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ هَذَا الْإِنْسَانُ. وَلِهَذَا جَاءَتْ كَذَلِكَ الْأَدِلَّةُ الْكَثِيرَةُ فِي سُنَّةِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِالْحَثِّ عَلَى مَجَالِسِ الذِّكْرِ وَمَجَالِسِ الْعِلْمِ. فَفِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ-، حَدِيثٌ مُشْهَوْرٌ: «مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ». هَذِهِ أَرْبَعُ جَوَائِزَ جَعَلَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِمَنْ وُفِّقَ لِمَجَالِسِ الذِّكْرِ وَمَجَالِسِ الْعِلْمِ. كُلُّ جَائِزَةٍ أَفْضَلُ مِنْ أُخْتِهَا. وَهَذَا قَلِيلٌ مِنْ كَثِيرٍ مِمَّا يَجْعَلُهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِمَنْ وُفِّقَ لِمِثْلِ هَذِهِ الْمَجَالِسِ الطَّيِّبَةِ الْمُبَارَكَةِ. وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ بِالصَّحِيحِ كَذَلِكَ، فِي قِصَّةِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ جَاءُوا إِلَى مَجْلِسِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَبَرِ الثَّلَاثَةِ؟ أَمَّا الْأَوَّلُ فَآوَى فَآوَاهُ اللَّهُ، وَأَمَّا الثَّانِي فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ». تَأَمَّلْ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ النَّبِيِّ الْكَرِيمِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيمِ، وَقَارِنْ مَعَهُ حَالَ النَّاسِ الْيَوْمَ فِي إِقْبَالِهِمْ وَزُهْدِهِمْ وَغَفْلَتِهِمْ، أَوْ إِعْرَاضِهِمْ عَنْ مَجَالِسِ الذِّكْرِ وَمَجَالِسِ الْعِلْمِ. مَنْ وَجَدْتَهُ مُقْبِلًا عَلَى مَجَالِسِ الْعِلْمِ، فَإِنَّهُ يَتَحَقَّقُ فِيهِ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمَّا الْأَوَّلُ فَآوَى فَآوَاهُ اللَّهُ». أَقْبَلَ عَلَى الْخَيْرِ، فَأَخَذَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِيَدِهِ، وَأَعَانَهُ عَلَى الطَّرِيقِ الْخَيْرِ. كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾. خُذْ بِأَسْبَابِ الْهُدَى، سَيَهْدِيكَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَلَكِنْ إِذَا كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ، أَوْ كُنْتَ فِي زُهْدٍ وَبُعْدٍ، فَالْمُقَابِلُ هُوَ الْمِثْلُ. كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾، وَقَالَ: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾. انْظُرْ إِلَى حَالِ النَّاسِ، فَإِنَّ النَّاسَ مَعَ مَجَالِسِ الذِّكْرِ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ: صِنْفٌ حَرِيصٌ يَتَتَبَّعُهَا وَيَحْرِصُ عَلَى الْأَخْذِ وَالرَّتْعِ مِنْهَا. فَهِيَ رِيَاضٌ كَرِيَاضِ الْجِنَانِ الْحِسِّيَةِ الْمَلِيئَةِ بِالْأَشْجَارِ وَالثِّمَارِ وَالْأَزْهَارِ. يَقْطِفُ مِنْهَا كُلَّ طَيِّبٍ وَجَمِيلٍ. فَكَذَلِكَ الَّذِي وَفَّقَهُ اللَّهُ لِمَجَالِسِ الذِّكْرِ، فَهُوَ فِي رِيَاضِ الْجَنَّةِ، لَا يَزَالُ يَقْطِفُ مِنْهَا مِنْ ثِمَارِهَا وَأَزْهَارِهَا وَجَمِيلِ مَا فِيهَا، مَا يَنْتَفِعُ بِهِ فِي عَاجِلِ أَمْرِهِ وَآجِلِهِ. وَهُوَ بِهَذَا يَرْتَقِي فِي سُلَّمِ الْإِيمَانِ، وَيَثْبُتُ نَفْسَهُ فِي مَنَازِلِ الْإِسْلَامِ، حَتَّى يَرْفَعَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى أَعْلَى الدَّرَجَةِ. مَصْدَاقًا لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾. لَا يَزْدَادُ الْإِنْسَانُ عِلْمًا إِلَّا وَازْدَادَ -بِإِذْنِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- دَرَجَةً فِي إِيمَانِهِ. الْعِلْمُ قَرِينُ الْإِيمَانِ. الْعِلْمُ قَرِينُ الْإِيمَانِ. وَكُلَّمَا ازْدَادَ عِلْمًا، ازْدَادَ -بِإِذْنِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- دَرَجَةً فِي إِيمَانِهِ. لِأَنَّ الْعِلْمَ نُورٌ، وَهَذَا النُّورُ سَبَبٌ لِحَيَاةِ الْقَلْبِ، وَسَبَبٌ كَذَلِكَ لِصَلَاحِ الْجَوَارِحِ. قَسَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ النَّاسَ إِلَى قِسْمَيْنِ اثْنَيْنِ: أَحْيَاءٌ وَأَمْوَاتٌ. الْأَحْيَاءُ هُمْ الَّذِينَ وُفِّقُوا لِنُورِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ. وَنُورُ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ أَوَّلُهُ مَجَالِسُ الذِّكْرِ. وَالْأَمْوَاتُ الَّذِينَ حُرِمُوا نُورَ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾. قَسَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ النَّاسَ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْعَظِيمَةِ إِلَى قِسْمَيْنِ: أَحْيَاءٌ وَأَمْوَاتٌ. أَمَّا الْأَحْيَاءُ، فَهُمْ الَّذِينَ وُفِّقُوا لِنُورِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ. وَأَمَّا الْأَمْوَاتُ، فَهُمْ الَّذِينَ حُرِمُوا نُورَ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ. وَالنَّاسُ مَعَهُ عَلَى ثَلَاثِ دَرَجَاتٍ، كَمَا أَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْأَوَّلُ فَآوَى فَآوَاهُ اللَّهُ، وَالثَّانِي فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ، وَالثَّالِثُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ». فَلِذَلِكَ، إِذَا أَقْبَلَ الْإِنْسَانُ عَلَى طَرِيقِ الْعِلْمِ وَمَجَالِسِ الذِّكْرِ، وَحَرَصَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ سَيَزْدَادُ رَغْبَةً وَإِقْبَالًا. وَنَنْتَبِهُ هَا هُنَا: طَرِيقُ الْعِلْمِ وَمَجَالِسُ الذِّكْرِ لَيْسَ لَهَا خُصُوصِيَّةُ سِنٍّ وَلَا جِنْسٍ. لِمَا بُعِثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ بِالْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ وَالْقُرْآنِ، بُعِثَ فِي أُمَّةٍ فِيهَا الصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ، وَالذَّكَرُ وَالْأُنْثَى، وَالْعَبْدُ وَالْحُرُّ. الْكُلُّ أَقْبَلَ يَتَعَلَّمُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ. تَعَلَّمَ الْكِبَارُ كَمَا تَعَلَّمَ الصِّغَارُ، تَعَلَّمَ الرِّجَالُ كَمَا تَعَلَّمَ النِّسَاءُ. الْكُلُّ تَعَلَّمَ وَأَخَذَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ. وَكُلَّمَا كَانَ الْأَخْذُ أَكْثَرَ وَأَقْوَى، كَانَ سَبَبًا فِي صَلَاحِ صَاحِبِهِ، وَقُوَّةِ إِيمَانِهِ، وَرِفْعَةِ دَرَجَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. انْظُرْ إِلَى الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرِينَ بِالْجَنَّةِ، خَيْرِ الصَّحَابَةِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ-. إِذَا قَرَأْتَ فِي تَارِيخِهِمْ وَسِيَرِهِمْ، تَجِدُ سِيرَةً حَافِلَةً مَلِيئَةً بِالْجِدِّ وَالِاجْتِهَادِ بِتَعَلُّمِ الْعِلْمِ النَّافِعِ، وَتَصْدِيقِهِ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ. فَهَذَا أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ-، أَوَّلُ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرِينَ فِي الْجَنَّةِ. مَاذَا كَانَ حَالُهُ؟ سِيرَتُهُ حَافِلَةٌ مَلِيئَةٌ بِالْحِرْصِ عَلَى الْعِلْمِ النَّافِعِ، وَتَصْدِيقِهِ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ. لَازَمَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، حَتَّى لُقِبَ بِالصِّدِّيقِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ-. وَأَخَذَ الْعِلْمَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَوَّلِ مَا نَزَلَ الْوَحْيُ بِهِ. وَهُوَ يُلَازِمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَأْخُذُ مِنْ الْعِلْمِ الَّذِي مَعَهُ. وَكَانَ مَعَهُ كَمَا يُقَالُ: فِي الْحُلْوَةِ وَالْمُرَّةِ، حَتَّى فِي الْهِجْرَةِ وَمَا أَصَابَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا مِنْ الْمَصَابِ. وَمِنْ كَذَلِكَ السَّاعَاتِ وَالْأَيَّامِ الْعِصَابَةِ، كَانَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ. تَعْرِفُونَ قِصَّةَ الْهِجْرَةِ وَدُخُولِهِ الْغَارَ، وَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ فِي كِتَابِهِ. وَمَا وَقَعَ لَهُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ- مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى وَصَلَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَبَعْدَ ذَلِكَ كَذَلِكَ. وَيَكْفِينَا ذَلِكَ مِنْ حَدِيثٍ عَظِيمٍ، كَمَا يُقَالُ: يَوْمٌ مِنْ أَيَّامِ أَبِي بَكْرٍ. سَأَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَصْبَحَ الْيَوْمَ مِنْكُمْ صَائِمًا؟» قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا. «مَنْ تَصَدَّقَ الْيَوْمَ مِنْكُمْ؟» قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا. «مَنْ عَادَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ مَرِيضًا؟» قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا. مَا سَأَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا إِلَّا قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا. فَهَذَا يَوْمٌ وَاحِدٌ مِنْ أَيَّامِ أَبِي بَكْرٍ. لِأَجْلِ أَنْ نَعْرِفَ مَا هُوَ أَثَرُ الْعِلْمِ وَمَجَالِسِ الذِّكْرِ عَلَى صَاحِبِهَا. حَتَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَلَى الصَّدَقَةِ أَرَادَ عُمَرُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ- أَنْ يَسْبِقَ أَبَا بَكْرٍ. قَالَ: «الْيَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ، أَفْعَلُ شَيْئًا أَسْبِقُ بِهِ أَبَا بَكْرٍ فِي الْخَيْرِ». لَنْ تَعْرِفَ أَنَّ الْعَشَرَةَ الْمُبَشَّرِينَ مَا بُشِّرُوا إِلَّا بِعِلْمٍ وَعَمَلٍ. فَأَتَى بِنِصْفِ مَالِهِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَوَجَدَ أَبَا بَكْرٍ قَدْ سَبَقَهُ بِكُلِّ مَالِهِ، تَصَدَّقَ بِكُلِّ مَالِهِ. قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا تَرَكْتَ لِأَهْلِكَ يَا أَبَا بَكْرٍ؟» قَالَ: «تَرَكْتُ لَهُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ». وَعُمَرُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ-، قَبْلَهُ لَمَّا سُئِلَ، قَالَ: «تَرَكْتُ لَهُمْ شَطْرَ مَالِي». فَإِذَا بِأَبِي بَكْرٍ قَدْ تَصَدَّقَ بِمَالِهِ كُلِّهِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ-. وَعُمَرُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ-، فَضَائِلُهُ كَثِيرَةٌ وَمَعْرُوفَةٌ، لَكِنْ لَمْ يَسْبِقْ أَبَا بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ-. وَهَكَذَا سَائِرُ الْعَشَرَةِ، وَهَكَذَا بَقِيَّةُ الصَّحَابَةِ الْأَخْيَارِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ-. وَإِذَا تَأَمَّلْتَ كَذَلِكَ بِحَالِ مَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ، مِنَ التَّابِعِينَ وَاتِّبَاعِ التَّابِعِينَ، وَالصَّالِحِينَ مِنْ أَئِمَّةِ الدِّينِ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا. تَجِدُ أَنَّ الْإِنْسَانَ كُلَّمَا أَقْبَلَ عَلَى مَجَالِسِ الذِّكْرِ وَالْعِلْمِ، أَثَّرَ فِيهِ ذَلِكَ حَتَّى أَصْلَحَهُ، وَأَصْلَحَ أُسْرَتَهُ، وَأَصْلَحَ مُجْتَمَعَهُ -بِإِذْنِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-. تَأَمَّلْ حَدِيثَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ، مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ-: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ». انْظُرْ حِينَ يَسْمَعُ الْإِنْسَانُ مِثْلَ هَذَا الْحَد