الوسطية في التعامل مع الحكام

الوسطية في التعامل مع الحكام

المحاضرة بعنوان الوسطية في التعامل مع الحكام، والتي كانت بمسجد الإمام البخاري بمدينة نيروبي بدولة كينيا يوم الثلاثاء 14 رجب 1446هـ الموافق 14 يناير 2025م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مفهوم الوسطية في الإسلام

دين الإسلام دين وسطي، يجمع بين العدل والإحسان والإصلاح الشخصي والمجتمعي، ويتجنب الغلو والتساهل في عقيدته وعبادته ومعاملته وأخلاقه. يُعد الوسطية منهجًا شاملاً يرشد الناس إلى الصراط المستقيم.

تطبيق الوسطية في مختلف جوانب الحياة

الوسطية الإسلامية تظهر في عبادة الله وحده واتباع أوامره، والعدل في المعاملات، والتوازن بين الإصلاح الشخصي والمجتمعي. كما أنها تقتضي تجنب الفحشاء والمنكر والسير على نهج الأنبياء والصحابة والتابعين.

أهمية الطاعة والمناصحة ورفض التمرد

يجب طاعة أولي الأمر ما لم يأمروا بمعصية، مع مناصحتهم سرًا لتصحيح أخطائهم، ورفض التمرد والخروج عليهم لتجنب الفتنة وسفك الدماء. هذه المبادئ تعتبر جزءًا من منهج الوسطية الإسلامية.

ختام بالدعاء والصلاة على النبي

المقطع الأخير يتضمن دعاء بالتوفيق على الدين القويم والصراط المستقيم، ويطلب من الله أن يجعل الداعي ومن يستمع له من خاصة أهل السنة والمرحومين، ويُختتم بالصلاة على النبي محمد.

التفريغ النصي الكامل

الوسطية في التعامل مع الحكام، فإن هذا الدين العظيم دين العدل، إن الله يأمر بالعدل والإحسان ويتأذى القربة وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. وسطٌ بعقائده، فيأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، فهو بين أهل الشرك والوثنيات لأنواعهم ممن عملوا الأحجار والأشجار وغير ذلك مما في الأرض مما عُمد من دون الله ومع الله، وبين من لم يعرف العبادة من الملحدين والدهريين ومن كان على طريقتهم من اللادينيين كأهل المادية والاشتراكية وأنواع الإلحاد، ولكن يدعو إلى عبادة الله عز وجل وحده. فالواجب المناصحة لهم بالسر والأخذ بأيديهم إلى الخير، وحفظ المجتمع باجتماعه وعدم تفرقه وتمزقه، حفظ هذا المجتمع بسلامته وسلامة أمنه، ألا تكون الثورات وألا تكون المظاهرات وألا تكون الفتن التي تكون بها سفك الدماء وانتهاك الأعراض وانتهاب الأموال وذهاب الأمن، كما نرى مما يكرهه العلماء العارفون. كلمة لفضيلة شيخنا العلامة أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي حفظه الله، كانت بتاريخ الرابع عشر من شهر رجب لعام ألف وأربعمائة وستة وأربعين من الهجرة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام. سجلت هذه المادة في مسجد الإمام البخاري بمدينة نيروبي، بلاد كينيا. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، الصادق الأمين. أما بعد، فنحمد الله سبحانه وتعالى حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى. نحمده سبحانه الذي أنعم علينا بنعم كثيرة لا تُعَد ولا تحصى، ونخصه سبحانه وتعالى بالحمد والثناء عليه بما هو أهله، على ما خصنا وأنعم علينا من نعمة الإيمان والإسلام والتوفيق لسنة النبي عليه الصلاة والسلام. وذلك عظيم ما أنعم الله عز وجل به علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. كما نحمده سبحانه الذي يسر لنا أداء هذه الفريضة في بيت من بيوت الله، ولا يخفى علينا عظيم فضل أداء صلاة الفجر في جماعة، فإن الله عز وجل قد ذكر فضلها في كتابه، ونبينا صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة في سنته. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾، فهذه الصلاة صلاة مشهودة، تشهدها الملائكة وحفظة الرب سبحانه وتعالى، وصاحبها بذمة الله كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم. فلا ينبغي لأحد أن يخفر ذمته من الله عز وجل بشيء، ولا يزال العبد في حفظ الله عز وجل ورعايته ما دام أدى هذه الصلاة في جماعة، وهي برهان الإيمان ومصداق وتصديق الإسلام. كما نحمد سبحانه الذي يسر هذه الزيارة الطيبة المباركة لآبائنا وإخواننا وأبنائنا في هذه البلدة والمدينة، وهكذا هذا المسجد الطيب المبارك، مسجد الإمام البخاري. فنقول لكل من كان سببًا في هذا الخير جزاه الله عز وجل خيرًا، واجعلنا الله وإياه وإياكم مفاتيح خير، وأن يجعل ذلك في ميزان حسنات الجميع. أيها الأحبة، نعرف أن هذا الوقت وقت محرج لبعض الناس لما يترتب عليه من حوائج الناس وغيرها، ولكن درس مختصر وكلمة مقتصرة، لحظات يسيرات ودقائق معدودات، نتذاكر فيها شيئًا من العلم النافع الذي يعيننا بإذن الله سبحانه وتعالى على العمل الصالح. أيها الأحبة، أنعم الله عز وجل علينا بهذا الدين العظيم، دين الإسلام الذي أخرج الله عز وجل به الناس من الظلمات إلى النور، ومن طرق العوجاج إلى طريق الاستقامة. هذا الدين العظيم الذي جعل الله عز وجل فيه من المحاسن والمكملات ومن الكمال والجمال ما كان سببًا في خيرية هذا الإنسان، ولا خير لهذا الإنسان إلا بهذا الدين العظيم. دين الإسلام الذي يخرج الله عز وجل به الناس من ظلمات الجهل والشرك والكفر والنفاق والبدعة والمعصية إلى نور الإيمان والإسلام، نور الاستقامة والطاعة، نور القرب من الله سبحانه وتعالى، والسير بسير الأنبياء والمرسلين والصديقين والشهداء والصالحين. هذا الطريق الذي لا يمكن الوصول إليه إلا بهذا الدين العظيم، بأحكامه المحكمة وتشريعاته المتقنة، الكفيلة بإصلاح هذا الإنسان في ظاهره وباطنه، وفي مظهره ومخبره، وفي روحه وجسده. الكفيل بإصلاح هذا الإنسان في نفسه وفي أسرته وفي ذريته وفي مجتمعه، لما أنزل الله عز وجل في هذا الدين العظيم من التشريعات المحكمة والأحكام المتقنة، الكفيلة بأخذ هذا الإنسان إلى الصراط المستقيم والدين القويم الذي به سعادته في هذه الدنيا وكذلك في الدار الآخرة. كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. هذا الدين العظيم الذي اعتنى بإصلاح حال الإنسان في نفسه وفي أسرته وفي مجتمعه، الذي اعتنى بإصلاح حال الراعي وحال الرعية، الذي اعتنى بإصلاح الأديان وإصلاح الأبدان، الذي اعتنى بإصلاح الدين وإصلاح الدنيا. والأمر كما قال الله عز وجل: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾. فما من شيء صغير أو كبير، قليل أو كثير يحتاج إليه الإنسان إلا وجعل الله عز وجل له علمًا يوصله إليه ويرقيه في هذه الدرجات، وهذا السلم الذي يرتقي به الإسلام، يرتقي به المسلم في هذا الدين العظيم درجة درجة، وسلّمًا وخطوة خطوة، حتى يرتقي بنفسه إلى أعلى الدرجات وأرفع المنازل التي يكون بها خيريته في هذه الدنيا وكذلك في الدار الآخرة. ولذلك أيها الأحبة، كان هذا الدين العظيم دينًا وسطًا، لأنه وسط بين ضلالتين، ونور بين ظلمتين، واستقامة بين عوجاجتين. جاء في مسند الإمام أحمد من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما بإسناد صحيح، أن النبي صلى الله عليه وسلم خط خطًا مستقيمًا، وقال: «هذا صراط الله»، وهذه سبل الشيطان، خط خطوطًا عن يمينه وعن شماله، تأمل خطًا مستقيمًا في الوسط، وخطوطًا عن يمينه وعن شماله، وقال: «هذا صراط الله وهذه سبل الشيطان»، أشار إلى اليمين وأشار إلى الشمال، قال: «هذا صراط الله وهذه سبل الشيطان، على كل سبيل شيطان يدعو إليه»، ثم تلا قوله عز وجل: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾. أيها المسلمون، أيها الأحبة، في هذا الحديث العظيم مثال عملي من نبينا الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم، في بيان أن هذا الدين العظيم دين وسط، وسط في عقيدته، في عبادته، في معاملته، وفي أخلاقه، وفي سلوكه، وسط بهدايته، وهو هداية بين ضلالتين، وهو نور بين ظلمتين، وهو استقامة بين عوجاجتين. أما العوجاجة الأولى فهي عوجاجة الغلو، وأما العوجاجة الثانية فهي عوجاجة، عوجاجة التساهل والتمييع. فدين الإسلام دين وسط، وسط بأحكامه وتشريعاته، وفي عقائده وعباداته ومعاملاته وأخلاقه وسلوكه. وهو وسط بكل ما في هذا الدين مما فيه حياة هذا الإنسان الحقيقية، باتباع أحكام الله الشرعية مما في كتاب الله، ومما في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. كما قال الله عز وجل: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾. جاء في صحيح البخاري عن أبي سعيد، ومعناه من حديث جابر: «الوسط العدل الخيار». هذا الدين العظيم، وسطيته باتباع العدل، وباتباع الخير، فهو خير بين شرين، وعدل بين ظلمين، وهو وسط في هداية الناس إلى ما فيه استقامتهم وخيريتهم في هذه الدنيا، بين طريق الغلو المذموم، وطريق التساهل والتمييع كذلك المذموم. فإن هذا الدين العظيم دين العدل، إن الله يأمر بالعدل والإحسان، ويتأذى القربة، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. وسط في عقائده، فيأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، فهو بين أهل الشرك والوثنيات بأنواعهم ممن عبدوا الأحجار والأشجار وغير ذلك مما في الأرض مما عُمد من دون الله ومع الله، وبين من لم يعرف العبادة من الملحدين والدهريين ومن كان على طريقتهم من اللادينيين كأهل المادية والاشتراكية وأنواع الإلحاد. ولكن يدعو إلى عبادة الله عز وجل وحده، وبذلك نعرف أن كلمة التوحيد كانت كلمة وسط بين أهل الشرك والوثنيات، وبين أهل الإلحاد والكفريات، فيدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له سبحانه وتعالى. فلا تصح العبادة إلا بالوحدانية، كما لا يصح التوحيد إلا بنفي الألوهية عما سوى الله، وإثباتها لله عز وجل وحده. ولذلك كانت كلمة التوحيد نفي وإثبات، نفي للألوهية عما سوى الله، وإثباتها لله سبحانه وتعالى وحده. وهكذا بالعبادة، بأن يعبد الله عز وجل وحده، لا يشرك معه أحدًا، لا ملكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلًا ولا صالحًا من الصالحين. أن يتوجه لله عز وجل بالمحبة والخضوع والذل، لا يعبد إلا هو سبحانه وتعالى، وكل ما يحب في هذه الدنيا فإنه يحب لله سبحانه وتعالى، حتى الأنبياء والأصفياء والصديقين والصالحين والأولياء، فإنما يحبون لله سبحانه وتعالى. فمن كان أكثرهم حبًا وطاعة لله أحببناه أكثر، لا لذاته ولكن لله سبحانه وتعالى. وهذا الحب ينبغي أن يكون منزهًا بعيدًا عن كل معاني الشركيات والوثنيات التي تفضي إلى عبادة غير الله سبحانه وتعالى مع عبادة الله سبحانه وتعالى. ولذلك جاء في هذا الدين العظيم مما فيه حماية التوحيد وسد ذرائع الشرك، الأحكام الشرعية الكثيرة التي تفضي وتقضي بإفراد الله عز وجل بالعبادة وحده، لا يشرك معه أحدًا، لا ملكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلًا ولا صالحًا من الصالحين، فضلًا عن الأشجار والأحجار وغير ذلك مما عليه أهل الوثنيات والشركيات والخرافات والخزعبلات. وهذا من فضل الله، وهو من معنى الوسطية الحق العادلة التي دعا الله عز وجل إليها. وهكذا كذلك في المعاملة، فإن ديننا يأمرنا بحسن المعاملة، المعاملة العادلة التي تقضي بحفظ حقك وحفظ حقوق الآخرين، لا تبخس الناس حقوقهم، كذلك لا تبخس نفسك حقك، في أمرك بالعدل مع نفسك والعدل مع الآخرين. أمرنا الله بأن نزن بالقسطاس، وبالميزان الحق المستقيم الذي يكون في الأمور الحسية وفي الأمور المعنوية. ولذلك وضع لنا القواعد العظيمة التي بها يكون هذا العدل في المعاملات، في الأخلاق والسلوك والأخذ والعطاء والجوار وغير ذلك. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». هذا هو عدل الإسلام، وهذا إحسانه، وهذا جماله، وهذا كماله، وهذا وسطيته في المعاملة، لا تبخس نفسك ولا تبخس الناس حقوقهم. وهكذا كذلك إن كان هذا في باب المعاملات الحسية، فإنه أمرنا بهذا العدل وهذا الوسط الذي هو تمام أداء الحقوق لأربابها. قال الله عز وجل: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾. كما لا تحب أن يخسرك أحد في ميزانه، فلا تخسر الناس في موازينهم، بل أحسن كما أحسن الله عز وجل إليك. في حديث جابر الصحيح، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يدعو إلى السماحة في خلقي ومسلك أهل الإسلام، أن المسلم سمحًا إذا أعطى سمحًا إذا أخذ سمحًا في كل شيء، في أخلاقه وسلوكه وأخذه وعطائه وبيعه وشرائه وجواره وكل شيء». والنبي صلى الله عليه وسلم لم يزل يوصي ويوصي بالجار حتى ظن أن الله عز وجل سيورثه، من شدة ما جاء من حقوقه. وهذا من الأحكام العظيمة التي أمر بها هذا الدين العظيم، أمر بأداء الحقوق إلى الأقرب الأقرب، بدأ بالوالدين الذي قرن حقهما بحقه، كما قال الله عز وجل: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. ومع ذلك نهى أن تكون هذه المحبة على حساب عبودية الله وطاعة الله، بل لا تطعهما إلا بالمعروف. فإن أمراك بما فيه معصية لله، ومن باب أولى الشرك والكفر، فلا تطعهما، ولكن أطع ربك وخالقك الذي يجب أن تعبده ولا تشرك معه أحدًا، ولو كان هذا الشرك في شرك الطاعة في طاعة الوالدين. وهكذا كذلك أمر الله عز وجل بأداء الحقوق إلى من له الحقوق، ومنهم ولاة الأمر، ولاة الأمر الذين لهم حق بكتاب الله وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. أولي الأمر: الأمراء والعلماء، لهم حق عظيم في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي الإسلام. وجاءت الأحاديث الكثيرة بالأمر بطاعتهم، طاعة لله وطاعة لرسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومع ذلك فإنه من العدل ألا تكون الطاعة على حساب معصية الله سبحانه وتعالى. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الطاعة بالمعروف». فأنت تحضر حقوق أولي الأمر بطاعتهم، ديانة لله عز وجل، وحفظًا لكرامتهم، ديانة لله عز وجل. ولكن إذا أمروك بمعصية، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ولا يعني ذلك أن تتمرد المجتمعات على أولي الأمر، بل هذا كذلك مسلك مذموم ومرفوض بدين الإسلام، لأنه من مسلك المنحرفين بالغلو، وهم الخوارج الذين خرجوا عن الدين القويم والصراط المستقيم الذي كان عليه نبينا عليه أفضل الصلاة والتسليم، وصحابة الكرام من بعده، ومن تبعهم بإحسان من التابعين وأتباع التابعين وأئمة الدين. فالواجب هو المناصحة لهم بالسر، والأخذ بأيديهم إلى الخير، وحفظ المجتمع باجتماعه وعدم تفرقه وتمزقه، حفظ هذا المجتمع بسلامته وسلامة أمنه، ألا تكون الثورات وألا تكون المظاهرات وألا تكون الفتن التي تكون بها سفك الدماء وانتهاك الأعراض وانتهاب الأموال وذهاب الأمن، كما نرى. وكذلك الأئمة الصادقون، أنه ما خرجت أمة على ولي أمرها إلا وكان عاقبة أمرها أشد مما كانت عليه من قبل. وهذا تاريخ البشرية وتاريخ أهل الإسلام خاصة، مليء بالعبر والعظات التي تبرهن وتدلل على خطورة هذا المسلك المنحرف، أن تجعل المخالفات والمعاصي والسيئات سببًا للخروج على الحكام، سواء بالخطب المثيرة أو بالاجتماعات والمظاهرات أو كذلك بغيرها من الأساليب الكثيرة المتنوعة التي كان عاقبتها الدمار والضرر العظيم والشر المستطير الذي ابتليت به المجتمعات. وها نحن نرى في عالمنا الإسلامي اليوم، كيف كانت تلك المظاهرات وتلك الانتفاضات التي حصلت سببًا في حصول الدمار، بشرد الشعوب وسفك الدماء وانتهاب الأموال والأعراض، بما نرى كثرة النازحين واللاجئين وكثرة الحروب بسبب ذلك، من المسلك المنحرف الذي كان عاقبته شر أعظم من الشر الذي كان عليه أولئك الناس والقوم. فلذلك كان من وسطية أهل الإسلام أن تعالج مثل هذه الثغرات بالعلاج الشرعي الصحيح، بالمناصحة التي يكون بها الإصلاح، لا بالفوضى والثورة التي تكون سواء بالكلمات النارية بالخطب أو المحاضرات أو أنواع الجماهير أو غير ذلك، ولا بالفروج بالسلاح والسيف وغير ذلك مما يكون عاقبته الشر الكبير والضرر المستطير. حصل في زمن الإمام أحمد رحمه الله تعالى فتنة ومحنة القول بخلق القرآن، أُتلف لأجلها العلماء وسُفكت فيها الدماء، وحصل ما حصل من الابتلاء لكثير من العلماء، ومنهم الإمام أحمد رحمه الله، سجن وجلد وضرب حتى كاد أن يقتل رحمه الله تعالى رحمة واسعة. وفي أثناء تلك المحنة يأتي إليه قوم من المتحمسين ومن كذلك المتأثرين، فيقولون: يا أبا عبد الله، ألا ترى ما نحن فيه من المحنة؟ فإنا نستأذنك أن نخرج على هؤلاء. فقال: «لا، لا تفعلوا، إياكم والسيوف». قالوا: فإنها الفتنة الكبرى. قالوا: ألا ترى ما نحن فيه من الفتنة؟ قال: «إنما هذه الفتنة الخاصة، وأما إذا رُبع السيف فإنها فتنة العامة، بها تسفك الدماء وبها يكون الشر المستطير»، أو كما قال رحمه الله تعالى. فنهاهم ولم يوافقهم، مع أنه سُجن وجلد وضرب وقتل من إخوانه من العلماء ما قتل. ومع ذلك لم يأذن رحمه الله تعالى بذلك، ونهاهم وثبطهم وزجرهم وحذرهم حتى لا تكون الفتنة الأكبر والمحنة الأعظم، بما يكون من سفك الدماء وحصول ما لا تحسن عقباه. وهذا من عدل أهل الإسلام، ومن عدل العلماء الأخيار والعلماء الربانيين الذين عينوا من نور الله عز وجل، كيف يعالجون الأخطاء، وكيف يعالجون ما يكون بالمجتمع. وبفضل الله سبحانه وتعالى، ثم بحكمة أهل العلم وبالمناصحة وبكذلك الصبر، ذهبت تلك الفتنة، وجاءت بعدها نشر السنة، وانتشرت السنة. وكان هذه الفتنة سببًا في معرفة الناس الخير من الشر، ومعرفة الحق من الباطل، فظهر بذلك بفضل الله سبحانه وتعالى قول السلف الصالح، قول العلماء في مسألة القرآن وما يلحقها من مسائل، فظهرت عقيدة أهل السنة والجماعة، مسطرة في كتب الاعتقاد، واضحة بينة جلية، تبين عقيدة أهل السنة والجماعة في هذا الباب. وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى، أيها الأحبة. وهكذا بجوانب كثيرة من جوانب هذا الدين، هذه الوسطية العظيمة التي تقضي بالسير المستقيم، ولزوم الدين القويم، بين غلو الغالين وتساهل المتساهلين. وهنا من يجرنا ويريد أن يحرفنا إلى طريق الغلو، وهناك من يريد أن يجرنا ويحرفنا إلى طريق التمييع والتساهل، وهذا خطأ وضلال، وذاك خطأ وضلال. والوسط هو أن نسير بسير الأنبياء والمرسلين والأصفياء والصديقين والشهداء والصالحين، بلزوم الدين القويم والصراط المستقيم الذي عليه نبينا عليه أفضل الصلاة والتسليم. وهو هذا الدين الصافي النقي، دين الإسلام، كما قال عليه الصلاة والسلام في حديث العرباض بن سارية المشهور الصحيح في السنن: «وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب»، قالوا: فقلنا يا رسول الله كأنها موعظة موذع، فأوصنا، قال: «أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد حبشي، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار». وجاء في السنة لابن أبي عاصم بسند صحيح، ومسند الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «افترقت اليهود إلى إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى إلى اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة»، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: «ما أنا عليه وأصحابي». فالدين القويم والصراط المستقيم، باللزوم غرز نبينا عليه أفضل الصلاة والتسليم، ومن تبعه من الصحابة والتابعين وأتباع التابعين وأئمة الدين، كما قال الله عز وجل: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾. فتمام الهداية بلزوم إيمان الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يوفقنا وإياكم لهذا الدين القويم والصراط المستقيم الذي عليه نبينا عليه أفضل الصلاة والتسليم، وصحابة الكرام، ومن تبعهم بإحسان من التابعين وأتباع التابعين وأئمة الدين، وأن يجعلنا وإياكم وذريتنا وأهلنا وجميع المسلمين على هذا الصراط المستقيم والدين القويم، وأن يجعلنا وإياكم من خاصة أهل السنة في الدنيا وفي الآخرة، وأن يجعلنا وإياكم من المرحومين، اللهم آمين. وبهذا القدر نكتفي، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.