تربية الأبناء وتداعيات الأعداء

تربية الأبناء وتداعيات الأعداء

المحاضرة بعنوان تربية الأبناء وتداعيات الأعداء، والتي كانت بمسجد السلام بمدينة نيروبي بدولة كينيا يوم الأربعاء 15 رجب 1446هـ الموافق 15 يناير 2025م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أهمية تربية الأبناء ورعايتهم

يؤكد الشيخ على أهمية تربية الأبناء ورعايتهم، ويحذر من إهمالهم حيث يصبحون عرضة للانحراف. يستشهد بآيات القرآن وأحاديث النبي لتوضيح مسؤولية الآباء.

خطورة الإهمال وضرورة الرعاية

يُنبه الخطيب إلى خطورة إهمال تربية الأبناء وتأثير رفقاء السوء، ويشدد على أهمية رعايتهم وحمايتهم من الفتن. جزاء الإحسان في التربية هو الإحسان من الله.

أثر البيئة والأصدقاء على الأبناء

يجب على الآباء اختيار البيئة الصالحة وانتقاء الأصدقاء الصالحين لأبنائهم، لأن رفقاء السوء يؤثرون سلبا. البيئة الصالحة تعين على تربية الأبناء بشكل صحيح.

تأثير مخالطة الصالحين والأشرار

المخالطة لها تأثير كبير، فمخالطة الصالحين تورث الألفة والمحبة، بينما مخالطة الأشرار تورث الضرر. الشريعة تحذر من مخالطة الأشرار وتأمر بالابتعاد عنهم.

التفريغ النصي الكامل

تربية الأبناء وتداعيات الأعداء إهمال بعض الآباء للرعاية والتربية بأن يرمي الأبناء في الشوارع، فلا يحفظهم ولا يكلأهم ولا يراقبهم، فيكونون عرضة لبئاب البشر الذين يسرقون منهم الفضيلة ويرمونهم في طريق الرذيلة، فيكونون بعد ذلك -بعد أن كانوا على الفطرة السليمة- صاروا من أهل الطرقات والشوارع والمستنقعات، بما كان من حال المجرمين ورفقاء السوء وغير ذلك، الذين يسرقون براءة الأطفال والأبناء، فيخوذونهم إلى الطرق المعوجة والخاتمة السيئة، والعياذ بالله. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يغزو جيش الكعبة حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض، خصف بأولهم وآخرهم». قالت عائشة: «يا رسول الله، يخصف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم» -يعني ما ذا الذي في السوق والذي في الشارع، وهؤلاء ما كانوا مع هذا الجيش- «كيف تصيبهم العقوبة؟» فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يخصف بأولهم وآخرهم، ثم يبعثون على نياتهم» -يعني في الدنيا العقوبة للجميع واحدة، وأما بالآخرة فكل إنسان بحسب نيته وبحسب ماذا عمله-. حاضرة لفضيلة شيخنا العلامة أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي حفظه الله كانت بتاريخ الخامس عشر من شهر رجب لعام ألف وأربعمائة وستة وأربعين من الهجرة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام. سجلت هذه المادة في مسجد السلام بمدينة نيروبي، دولة كينيا. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم الصادق الأمين. أما بعد، فنحمد الله عز وجل حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، كما يحب ربنا ويرضى. نحمده سبحانه الذي أنعم علينا بنعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، ونفصه سبحانه وتعالى بالحمد والثناء عليه بما هو أهله، على ما خصنا من نعمة الإيمان والإسلام، والتوفيق لسنة النبي عليه الصلاة والسلام، وذلك عظيم ما أنعم الله عز وجل به علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. كما نحمده سبحانه الذي يسر لنا بهذه الزيارة بهذه البلدة الطيبة، وهذا المسجد الطيب المبارك، أهله طيبون، أن نجتمع فيه بعد فريضة من فرائض الله، لا لأحساب ولا لأنساب ولا لأعراض ولا لأغراض، ولكن نرجو ما عند الله سبحانه وتعالى. وبادئ ذي بدء، أشكر إدارة ولجنة هذا المسجد الطيب، مسجد السلام، على حسن الضيافة، وكذلك تهيئة مثل هذه الفرصة المباركة التي بإذن الله سبحانه وتعالى هي من أعظم أبواب الحسنات، وأكبر طرق الخيرات التي نتعاون فيها فيما يكون به النفع للإسلام والمسلمين. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجزي كل من كان سببا في هذا الخير خير الجزاء، وأن يجعلنا وإياكم والسامعين مفاتيح خير، مغالق شر. وأقول كذلك بهذه البداية وهذه المقدمة: شرفا لي أن أكون بين أحبتي، بين إخواني في مسجد السلام، شرفا شرفا لي أن أكون بين إخوتي ضيفا عند أحبة كرام. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من المتحابين والمتعاونين والمتناصرين بنصرة دينه، وكتابه، وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أيها الأحبة، سمعتم اختار إخوانكم أن تكون كلمتنا ومجلسنا بهذه الليلة بموضوع هام من المواضيع التي لا يستغني عنها أهل الإسلام، وهو ما يتعلق بتربية الأبناء وتداعيات الأعداء. تربية الأبناء لها منزلة عظيمة في دين الله عز وجل، فالله عز وجل أمرنا في كتابه في آيات كثيرة بالاعتناء بالأبناء، وحسن تربيتهم، والحرص على حفظهم ورعايتهم. ومن أعظم ما أمر الله عز وجل به في هذا الشأن قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾. أيها الأحبة، الأبناء فلدات الأكباد، الأبناء هم صفوة ما يملكه الإنسان في هذه الدنيا، فإذا فاته أن يحسن تربيتهم، كانوا خسارة عليه بالدنيا، وحملا وثقلا ووزرا يوم القيامة. وجاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يولد المولود على الفطرة، فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه» -ومعناه بمن يكون من حال الآباء والأمهات من التربية والاعتناء والرعاية، أو الإهمال والتفريط أو الضلال، ومن يكونون عليه، فإن ثمرة ذلك تنتقل إلى الأبناء-. فكم من الأبناء من يحسن إسلامهم ويحسن إيمانهم، بما كان من حرص آبائهم وأمهاتهم على رعايتهم وتربيتهم وحفظهم وكلاءتهم، فوجدوا بذلك -بإذن الله سبحانه وتعالى- ما تقر به أعينهم في الدنيا، وكذلك -بإذن الله سبحانه وتعالى- في الدار الآخرة. وكم من الآباء والأمهات من كان عندهم من الضلال، من الكفر أو الفجور أو غير ذلك، فانتقل ذلك إلى الأبناء، وكان شؤم الآباء سببا في ضلال الأبناء. وكما قال القائل: «إن كان رب البيت للذف ضاربا فشيمة أهل البيت الرقص». فهكذا يتأثر الأبناء بما يكون من حال الآباء، وهكذا ربما يكون. فذلك إهمال بعض الآباء للرعاية والتربية بأن يرمي الأبناء في الشوارع، فلا يحفظهم ولا يكلأهم ولا يراقبهم، فيكونون عرضة لبئاب البشر الذين يسرقون منهم الفضيلة ويرمونهم في طريق الرذيلة، فيكونون بعد ذلك -بعد أن كانوا على الفطرة السليمة- صاروا من أهل الطرقات والشوارع والمستنقعات، بما كان من حال المجرمين ورفقاء السوء وغير ذلك، الذين يسرقون براءة الأطفال والأبناء، فيخوذونهم إلى الطرق المعوجة والخاتمة السيئة، والعياذ بالله. ولهذا جاء في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث عبد الله بن عمر أنه قال عليه الصلاة والسلام: «كلكم راعن، وكلكم مسؤول عن رعيته». ثم ذكر ولي الأمر أنه راعن مسؤول عن رعيته، ثم قال: «والرجل راعن في أهل بيته، مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها، ومسؤولة عن رعيتها، ألا كلكم راعن، وكلكم مسؤول عن رعيته». تأملوا أيها الآباء، تأملوا أيها الأمهات، إذا كان هناك راعي غنم قد أعطي أمانة برعاية هذه الأغنام -وهي بهائم- ثم ذهب ينام تحت شجرة، وترك هذه الأغنام دون حراسة ودون رعاية، في أرض موحشة، فيها من الذئاب والوحوش، وفيها من الأخطار، وكذلك سيء الأشجار، ما قد يكون به ضرر بعض تلك الأغنام، ربما تذهب في مكان فيأكلها الذئاب، أو تغيب في مكان فتسقط في حفرة، أو من طرف الجبل، أو تأكل من بعض الأشجار السامة أو الضارة. فهل أدى هذا الراعي الأمانة التي اجتمنى بها بهذه البهائم؟ الجواب: لا. الجواب: لا. فإن الله سائله، وأهل الحقوق سيسألونه، ويحاسبونه؛ لأجل تفريطه بعدم قيامه بالرعاية اللازمة، والحراسة الكافية، لحماية هذه البهائم، لتلك الأخطار وتلك الأضرار. فكيف بفلذات كبدك، وأرة عينك من أبنائك، أن تتركهم في هذه الدنيا الواسعة، المليئة بالأخطار، والمليئة بالشرور والآفات والأضرار؟ أن تتركهم تتخطبهم أنواع الشرور والأخطار والأضرار، وأنت ترى بعينك كيف رفقاء السوء أزاحوا الناس -أزاحوا الكثير من الناس- من طريق الخير إلى طريق الضير، وكم أخذوا من الناس -كذلك- من طريق الاستقامة إلى طريق الانحراف. فأنت لا تأمن أنك إذا أهملت، وإذا غفلت، فإنه ربما يخترق قلب ابنك أو ابنتك، فينحرف عن الدين القويم والصراط المستقيم الذي أحبه الله عز وجل لك ولأبنائك. فلهذا كانت رعاية الأبناء أعظم وأكبر أمانة ومسؤولية من رعاية البهائم. إذا كنت تظن أن البهيمة يفرط فيها، فالله سائلك، وأهل الحقوق سيسألونك. فكيف بالأبناء؟ فإنهم سيسألونك يوم القيامة، حين يقولون: «قد فرط في تربيتنا هذا الأب، وفرط في تربيتنا هذه الأم، وكان ما كان بسبب رفقاء السوء، وتركنا في الشوارع والطرقات، وكنا ضحية المجرمين، وضحية المفسدين، فعند ذلك حصل لنا ما حصل». ماذا سيكون جوابه حين يأتي؟ حقيق قول النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم: «ما من عبد يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته، إلا دخل النار» -والعياذ بالله-، وفي رواية: «لم يجد رائحة الجنة». كان شيخنا محمد بن صالح الرثيمين رحمه الله تعالى يكرر في كلماته وخطبه -حين انتشرت الدشوش في أول أمرها- قال: «والله لا أأمن على رجل أدخل هذا الجهاز في بيته من هذا الحديث؛ لأنه فتن، ويفتن أهل بيته بهذه الأجهزة». فكذبنا ونحن بهذا الزمان، وقد دخلت هذه الشبكات في هذه الجوالات، وفي هذه الأجهزة، إلى بيوتنا، فاخترقت الجدران والأبواب بغير استئذان، فسرقت قلوب أبنائنا، وقلوب بناتنا. فما ندري إلا من أبنائنا، ومن بناتنا من اختطفته تلك البرامج -برامج التواصل- التي هي في الحقيقة تقاطع، تقطع عن طريق الخير والبر، وتأخذ وتسرق قلب الكثير من الناس إلى ما به الشر والضير، والعياذ بالله. فلذلك نحن في هذا الزمان بحاجة -أيها الأحبة- أن نتعاون بحب أبنائنا، وفلذات أكبادنا، بأن يكونوا في الطريق الصحيح، الطريق القويم، والصراط المستقيم الذي أحبه الله سبحانه وتعالى لنا ولأبنائنا ولأمتنا. ويزداد الأمر، ويزداد الأمر خطورة إذا علمنا تكاتب بعض أعداء هذا الدين في إفساد أبناء المسلمين، حسدا وغيظا وكمدا لما يرون من تلك الخيرية التي أكرم الله عز وجل بها أهل الإسلام. أنتم ربما لا تعرفون قدر النعمة التي أنعم الله عز وجل بها علينا معاشر المسلمين، حين يرون أبنائنا وهم في طريق الخبر والكلاءة والرعاية، وحين يرون الأسرة المسلمة وبينها من الترابط والتحاب والتعاون. قارن هذا بما عليه حال الكافرين من تمزق الأسرة، وتمزق كذلك العلاقات، ومن كذلك ضياع التربية، وحصول ما لا يخفى عليكم من الانحلال الأخلاقي، وكذلك السلوك الذي ابتليت به المجتمعات الكافرة والفاجرة؛ بسبب بعدها عن دين الله عز وجل. والأمر كما قال الله عز وجل عنهم: ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾. وكما قال الله عز وجل عنهم: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾. فإنهم يودون أن نكون نحن وهم سواسية في الكفر وفي البجور وفي الفساد. ولذلك فهم يصدرون لنا من خلال أنواع ووسائل النقل الكثيرة بهذا الزمان -سواء وسائل الإعلام المقروءة أو المسموعة أو المرئية، أو كذلك الوسائل المعاصرة من جميع وسائل التواصل وغيرها- ما يكون سببا في فتنتنا، وفتنة أبنائنا، وفتنة كذلك مجتمعاتنا. فالواجب علينا معاشر المسلمين، ومعاشر الآباء والأمهات على وجه الخصوص، أن نكون على غاية الحذر، والحفظ، والكلاءة، والرعاية بأبنائنا؛ لأن تتخطفهم تلك الطرق الغوية، وتلك كذلك الوسائل المتنوعة الضارة التي تضر بنا ومجتمعاتنا، وبأبنائنا، وفلذات أكبادنا. أيها المسلمون، عباد الله، إننا نرى البون الشاسع والفرق الواسع حين تربي ابنك على طريق القرآن، وعلى طريق سنة النبي عليه الصلاة والسلام، كيف يكون أثر ذلك في أخلاقه، وفي سلوكه، وفي هديه، وبسمته. نصدق قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام البخاري وصححه من حديث عثمان رضي الله عنه وأرضاه: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». فخيرية هذه الأمة بارتباطها بكتاب ربها، بارتباطها بسنة رسولها صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأن منها تأتي الرحمات، والهدايات، والكرامات، والفضائل. وكذلك الحفظ والكلاءة مصداق قول النبي صلى الله عليه وسلم بحديث ابن عباس المشهور الصحيح: «احفظ الله، احفظ الله تجد تجاهك، احفظ الله بنفسك، احفظ الله بأبنائك، احفظ الله بأسرتك». فستجد -بإذن الله سبحانه وتعالى- أثر هذا الحب، وهذه الكلاءة في تربيتهم، واستقامتهم، وسيرهم على ما تحب وترضى. فالجزاء من جنس العمل. وكما قال الله عز وجل: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ﴾. أحسن في نفسك، واحسن في أبنائك، واحسن في أسرتك، واحسن كذلك في طريق تربيتهم. وبإذن الله سبحانه وتعالى سيكرمك ربنا الكريم الرحمن المنان بأعظم مما أنت فعلت. فإن جزاء الإحسان الإحسان، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ وكذلك يكرم الله عز وجل المؤمنين بكرامة منه سبحانه وتعالى -وهو رب العالمين- أن يلحق الأتقياء أبنائهم في ذلك الطريق، بما كان من إيمان الآباء. وتأملوا قول الله عز وجل في كتابه الكريم، حين ذكر لنا في سورة الكهف قصة الغلامين اليتيمين، كيف حبر الله عز وجل لهما ما لهما، وما اقتنزه لهما من تركة أبويهما؛ بما كان من صراح الآباء. قال الله عز وجل: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ -يعني الأب والأم كانوا أهل صلاح- فماتوا، ومع موتهم لم يضيع الله عز وجل الأبناء، بل حبر الأبناء بما كان من حفظ الآباء لله سبحانه وتعالى. فحفظك لحقوق الله، ولحق الله -بإذن الله سبحانه وتعالى- سيحفظ الله لك نفسك، وذريتك من بعدك. حتى لو توفاك الله سبحانه وتعالى. والأمر كما قال الله عز وجل في ذلك في الآية الأخرى في أهل الإيمان: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ﴾ -يلحق الله كما ذكر أهل التأويل الأبناء بالآباء- مع أن أعمال الأبناء لا تلحق الآباء، أعمالهم ضعيفة، لكن إكراما للآباء يلحق الله عز وجل الأبناء بالآباء؛ بحفظهم، وإعانتهم، وكلاءتهم، ورعايتهم، إكراما للآباء، بما يكون به -بإذن الله- إلحاقهم بهم. وهكذا كذلك هذا يدعونا أن نعتني بالأسباب التي تجير على حفظ الأبناء، وحسن تربيتهم. وأول ذلك يبدأ بحسن اختيار المرأة الصالحة التي تكون لبنة أولى لوجود الأبناء الصالحين. وأن تختار -يا أيها الأب- الزوج الصالح الذي يكون لبنة أولى للأبناء الصالحين. ولهذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: «تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولجمالها، ولحسبها، ولدينها». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فاضخر ذات الدين، تربت يدك» -يعني احرص على صاحبة الدين- وهو الأهم، وهو الأعظم الذي ينبغي أن يعتن به؛ لأنها إذا كانت صاحبة دين حفظتك في حضورك، وفي غيابك، وحفظت لك أبناءك في حضورك، وفي غيابك. وكانت أمينة في كل شيء: بعرضها، بتعاملاتها، بأخلاقها، بسلوكياتها، بتربيتها بأبنائها. وهكذا بالمثل، فإن صاحب البنت ينبغي أن يختار لابنته الرجل الصالح. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم بالحديث الصحيح: «من جاءكم ترضون خلقه ودينه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة بالأرض وفساد عريض». لا ينبغي أن تحرص على المال، ولا على النسب، ولا على الجمال، ولا على غير ذلك. فكل هذا يذهب، والذي يبقى هو الدين؛ فإنه إن أحبها أكرمها، وإن كرهها فارقها بمعروف، كما قال الله عز وجل: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾. ولا يكون هذا إلا لمن كان عنده من الدين، والأمانة، والديانة ما يؤدي به مثل هذه الحقوق العظيمة. وهكذا من ذلك أن يحرص كذلك الأهل، الأسرة من الآباء والأمهات، وكل من له حرص على أن يكون هناك ذرية صالحة، أن يحرصوا على إيجاد البيئة الصالحة التي تعين على تربية هذه الأبناء. ولهذا أمر الله عز وجل بالهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، ومن بلاد البدعة إلى بلاد السنة، ومن بلاد المعصية إلى بلاد الطاعة. فأنت تحرص على أن تأخذ أسرتك، وتسكن في بيئة تعينك على حفظ هذه الأسرة، وهؤلاء الأبناء، أن يتربوا تربية صحيحة. حتى في البلد الواحد، ربما هناك جزء من المدينة فيه أهل شر وفساد، ورفقاء سوء، وطرف آخر فيه مساجد، ومدارس تحفيظ قرآن، وجيران من أهل الإسلام. فأنت تنتقل من هذا الحي إلى هذا الحي، ومن هذا المكان إلى هذا المكان؛ لأنك تعين نفسك على البيئة الصالحة الذي تحفظ لك أسرتك، وتحفظ لك أبناءك. فكما تنتقي أطايب الأشجار والثمار، فكذلك تنتقي أطايب المكان الذي به -بإذن الله- تعان على تربية الأبناء على ما فيه الخير والصلاح. وتعرفون قصة الرجل في حديث أبي هريرة في الصحيحين الذي قتل تسعة وتسعين نفسا؛ بسبب رفقاء السوء، ومكثه بين أهل السوء. فلما جاء سأل عابدا: «هل له من توبة؟» قال له العابد: «وهل لك أن تتوب؟ وقد قتلت تسعة وتسعين نفسا؟» فقتل العابد، وكمل به المئة. فسأل، فدل على أعلم أهل الأرض. فجاء إلى العالم فسأله، فقال: «ومن يحول بينك وبين التوبة؟ ولكنك بأرض قوم سوء، اذهب إلى الأرض الفلانية، فإن فيها قوما صالحين يعبدون الله». فذهب، فاعبد الله عز وجل معهم. انظر إلى هذا العالم -بل هذا الرجل لتحسن توبته، وليصبح حاله- أن ينتقل من البلاد السيئة التي فيها رفقاء سوء إلى البلاد التي فيها أهل صلاح، وأهل خير؛ حتى يعان على هذا الخير، وعلى هذا الصلاح، وهذه الطاعة. وهكذا كذلك نحن معاشر الآباء، ومعاشر الأمهات، وأرباب الأسر، ينبغي أن ننتقي البيئة النظيفة الطيبة في جميع معالمها، التي تعين على تربية الأبناء على الخير. أن تكون من أهل المساجد، وأن تكون بجانب مدارس تحفيظ القرآن، أن تكون بين الجيران الصالحين، وأن يكون أبناؤك مع أبناء أناس صالحين، ينهضون ويرجعون، ويلعبون بين أناس أهل خير، وأهل صلاح. ولا شك أن هذا يعينك على تربيتهم معانة كبيرة. ومن هذه الأسباب -أيها الأحبة- كذلك أن تنتقي الأصدقاء، أن تنتقي الأصدقاء لأبنائك، ولبناتك، كما تنتقي أطايب الطعام؛ فإنه ينبغي أن تنتقي لهم كذلك الرفقاء؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء بالحديث الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «المرء على دين خليله، فلينظروا رحمكم من يخالل» -أي من يصاحب-. فالإنسان يتأثر بالصديق، وبالمصاحبة التأثرا عظيما. ولهذا قال القائل: «عن المرء لا تسل، وسل عن قرينه، وكل قرين بالمقارن يقتدي». وجاء في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مثل الجليس الصالح، وجليس السوء كحامل المسك، ونافخ الكير». فأنت اسأل نفسك: هل تريد أن تضع ولدك بجانب حامل المسك، أو تريد أن تضع ولدك بجانب نافخ الكير؟ فنافخ الكير إما يحرق ثيابه، وإما يأتيه من شرره، وإما يأتيه من الدخان. والمقصود بذلك أن رفقاء السوء لابد أن يأتي منهم الضرر، قليل أو كثير. وأنت إذا وضعت تفاحة سليمة بين تفاحات فاسدة، فماذا سيكون ثمرة ونتيجة هذا الإهمال؟ سيكون ثمرته خراب هذه التفاحة السليمة؛ بسبب مجاورتها لذاك الفاسد، وكذلك الخلطة. فالطباع يسرق بعضها من بعض. الطباع يسرق بعضها من بعض. يتأثر الناس. ولهذا حتى الإسلام على صحبة الأخيار، وحتى على الأعمال الصالحة التي يجتمع فيها أهل الخير بعضهم ببعض. حتى ذكر بعض الأطباء في عصرنا هذا أن الأجساد تتأثر بتلامسها، وتقاربها -ليس فقط في الأمور الحسية- حتى في الأمور المعنوية. وهناك بصمات تنتقل، وسلوكيات تنتقل بهذه الخلطة من دون أن يشعر الإنسان. أن تتأمل إنسانا مصابا، وآخر غير مصاب، إذا جلس هذا بجنب هذا، في الغالب ينتقل المرض من هذا إلى هذا. ولهذا جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: «لا يوردن ممرض على مصح» -لماذا؟- لأجل الحمية؛ حتى لا ينتقل المرض. وفي البخاري معلقا، وجاء في المستخرج موصولا بإسناد صحيح قال: «فر من المجذوم فرارك من الأسد». فهنا أمر بأكبر حيطة. ومع ذلك إذا ابتلينا، فينبغي أن نعلم أنه لا يقع شيء إلا بإذن الله سبحانه وتعالى، إلا بإذن الله سبحانه وتعالى. حتى يكون التوكل قوي، ومتعلق بالله سبحانه وتعالى. وبهذا نفهم أنه لا تعارض بين هذه الأحاديث، وبين ما جاء في حديث عبد الله بن مسعود في مسند الإمام أحمد بإسناد صحيح، قال النبي صلى الله عليه وسلم -وهو يخطب مرة-: «لا يعدي شيء شيئا، لا يعدي شيء شيئا، لا يعدي شيء شيئا». فقام رجل فقال: «يا رسول الله، إن نضع الإبل وفيها من الجرب فيعدي بعضها بعضا؟» فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فمن أجرب الأول؟» -يعني إذا كان الأول جاءه الجرب من غير سبب ظاهر- فكذلك قادر ربنا سبحانه وتعالى أن لا ينتقل الجرب من المجرب إلى غيره إذا أراده. فهو أمر أن لا تخلط الجرباء مع غير الجرباء، لكن إذا حصل أن وقع التقاء، فلا ينبغي أن يكون عند الإنسان إحباط، وتشاؤم، وسوء ظن بالله سبحانه وتعالى. بل يفرق بينها، ويقول: «توقن على الله، والله إن شاء الله سيحفظ لي ما لي، وسيحفظ لي ما عندي». وهكذا كذلك نحن مأمورون بالتفريق بين الطيب من غير الطيب؛ حتى لا يحصل التأثير. الشاهد من هذا أن الله عز وجل جعل أسبابا يجتمع فيها أهل الخير والصلاح؛ لأجل أن يحصل التأثير. فأمرنا بالصلوات الخمس؛ لماذا؟ ليس فقط لأجل الصلاة لله عز وجل، فالصلاة مقصد عظيم. ولكن هناك من محاسن صلاة الجماعة، وفوائدها: أن أهل الصلاح يلتقون مع بعضهم خمس مرات. وهذه المرات الخمس التي يلتقون فيما بعضهم يكون بينهم من أخوة، ومحبة، وتعاون، وارتباط، وتأثر بعضهم ببعض ما منفعته أكثر من مضرته، ما منفعته أكبر من مضرته. وهكذا اجتماع الناس يوم الجمعة في الأسبوع، واجتماع الناس يومين في السنة في العيدين، واجتماع الناس في الصيام، واجتماع الناس بالحج، وغير ذلك من مواضع الاجتماع التي تكون بين أهل الإسلام، لها مقاصد عظيمة. ومن مقاصدها، ومن أهدافها: أن يكون فيه تأثر أهل الصلاح، واستفادة أهل الصلاح بعضهم من بعض، بمن يكون من الأخلاق الكريمة، وانتقال الصفات الجميلة التي لها أثرها، ولها لمساتها، وبصماتها في سير الإنسان، وصلاحه. حتى المصافحة لها مع الآثار المعنوية آثارا حسية. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا تصافح المسلمان، فطارت ذنوبهما» -فطارت الذنوب- هذا أمر معنوي، وفيه أمر حسي، وهو أن هذا التصافح يورث قربا، وألفة، ومحبة. وكذلك يعني ماذا؟ انجدادا، ويورث انجدادا. قال بعض الأقوام المعاصرون في هذا الزمان: «أن تلامس الأجساد معها بمعنى يورث تقاربا في مكونات، وذرات الجسم، فيكون بذلك نوع من الألفة في الجسم، والقلب». فلا يحصل التأثير مثل الإنسان الذي يمرض بالمرض مرة واحدة، يحصل له ماذا؟ مثل الفاكسين -يعني يحصل له حماية من هذا المرض مرة أخرى-. فأنت إذا صافحت مرة، ومرتين، وثلاث، ينتقل فيما بينك وبينه من المشاعر. وكذلك أسباب المحبة ما يورث الألفة بينك وبينه. هذا إذا كان صالحا، ستستفيد من صلاحه. لكن إذا كان سيئا، فماذا ستكون النتيجة؟ النتيجة ستكون الضرر من رفقة، ومخالطة، وملامسة هذا السيء. ولذلك مخالطة الأشرار يكون لها أثرها؛ بقدر القرب، والملامسة، والمصاحبة، والمخالطة. فمن صاحب الأشرار فترة طويلة يحتاج إلى وقت -مثل المدمن الذي يدمن المسكرات، والمخدرات يحتاج إلى وقت حتى ينفصل، ويبتعد من آثار تلك المسكرات، والمخدرات- فهو يحتاج كذلك إلى وقت حتى تبدد تلك العلاقة، والرابطة بينه وبين أولئك الأشرار؛ لأن قلبه، وأخلاقه قد سرقت من أخلاق الأشرار ما جعله ماذا؟ ينجذب إليهم. فإذا يحتاج إلى وقت حتى تكون هناك العزلة، والحمية التي يحمى بها هذا الإنسان عن خطط هؤلاء الأشرار. وهذا من الحكم التي لأجلها حذرنا شريعتنا بالأدلة الكثيرة من كتاب الله، ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم أن لا نخالط الأشرار. قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾. قال العلماء: «الركون إلى الظالمين يكون بثلاثة أشياء: الركون إليهم بمخالطتهم، ومجالستهم، والركون إليهم بالأخذ من صفاتهم، واتباعهم في أفعالهم، والركون إليهم في الجلوس في أوقات شرورهم، ومعاصيهم». فكل هذه الثلاثة نهينا عنها. ومن أعظم آثارها: أنه إذا جاءت عقوبة لهؤلاء الظالمين -حتى وإن كنت لم تفعل فعلهم- ما دمت في مكانهم، فإن العقوبة تعم ماذا؟ تعم الجميع. تعم الجميع. ولذلك أمرنا الله عز وجل بالابتعاد عن الظالمين، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالابتعاد عن الكافرين، وعن الفاجرين. فقد جاء بالحديث الصحيح عند ابن ماجة بإسناد صحيح قال عليه الصلاة والسلام: «المسلم والمشرك لا ترى أمارهما، بريء من مسلم يعيش بين ظهراني المشركين» -يعني ينبغي للمسلم أن لا يساكن، ولا يقترب من المشركين-. لماذا؟ أولا: لأجل أن يحمي نفسه، ودينه، وأسرته، وأبناءه. وثانيا: لأجل أن لا يأخذ، ويتأثر من أفعالهم، وأخلاقهم، وسلوكياتهم. وثالثا: وهو الأهم: أنه ربما يعاقبهم الله عز وجل، فتصيبك العقوبة، وأنت معهم، مع أنك لم تفعل فعلهم، ولكن الخطأ أنك بقيت في المكان الذي هم فيه. جاء في الصحيحين في حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أنه يكون في آخر الزمان جيش يغزو الكعبة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يغزو جيش الكعبة حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض، خصف بأولهم وآخرهم». قالت عائشة: «يا رسول الله، يخصف بأولهم وآخرهم، وفيهم أسواقهم، ومن ليس منهم» -يعني ما ذا الذي في السوق، والذي في الشارع، وهؤلاء ما كانوا مع هذا الجيش- «كيف تصيبهم العقوبة؟» فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يخصف بأولهم وآخرهم، ثم يبعثون على نياتهم» -يعني في الدنيا العقوبة للجميع واحدة، وأما بالآخرة فكل إنسان بحسب نيته، وبحسب ماذا عمله-. وفي الصحيح من حديث زينب رضي الله عنها في البخاري وغيره: قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيبا، وهو يقول: «ويل للعرب من شر قد اقترب، ويل للعرب من شر قد اقترب». ترى ثلاثا عليه الصلاة والسلام. فقالت له زوجة زينب: «يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟» قال: «نعم، إذا كثر الخبث». فإذا كثر الخبث يعم الجميع عقوبة الله سبحانه وتعالى. كما قال الله عز وجل: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي