الخطبة بعنوان وقفات مع العام الهجري الجديد، والتي كانت بدار الحديث بالفيوش بتاريخ 2 محرم 1447هـ الموافق 27 يونيو 2025م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يستقبل المسلمون عام هجري جديد ويجب عليهم استغلال مرور الأيام والسنين في الاتعاظ والاعتبار. يجب على المسلم مراجعة نفسه في التزامه بدين الله وتقديم ما يرضيه سبحانه وتعالى.
يجب على المسلمين أن يتعظوا بالتاريخ الهجري ويعتبرون بما كان من نصر الله تعالى لأنبيائه وأوليائه. يجب عليهم أن يثبتوا على دينهم مع كثرة الفتن وأن يبلغوا دين الله تعالى.
يجب على المسلمين أن يأخذوا العبرة والعظة من الأحداث التاريخية والمعاصرة مثل هزيمة اليهود ونصر المسلمين. يجب عليهم أن يفرقوا بين الظالم والمظلوم وأن ينصروا دين الله عز وجل.
يتحدث عن أهمية دور أهل السنة وطلبة العلم في توجيه الداخلين الجدد إلى الإسلام وحمايتهم من الانحرافات. يشدد على ضرورة تكاثف الجميع لنصرة هذا الدين وإبلاغ رسالته.
الموقع الرسمي لدار الحديث بالفيوش والشحر يقدم لكم هذه المادة: وقفات مع العام الهجري الجديد. عام هجري جديد نستقبله، وندخل فيه لنطوي ما مضى في عامنا الماضي، ونستقبل ما يأتي في عامنا الحاضر. ولله سنة في خلقه، في تكور الليل والنهار، يكور الله الليل والنهار، إن في ذلك العبرة لولي الأبصار. جاء لشعريون من أهلنا، يا أهل اليمن، ومكثوا بأطراف المدينة، ليس عندهم أرض ولا دار، وليس عندهم بيت ولا قصور، اجتمعوا يواسي بعضهم بعضًا، حتى أثنى عليهم النبي صلى الله عليه وسلم في صبرهم ومؤاخاتهم وتعاونهم وتكاثفهم ومؤاساتهم ومناصرة ومؤازرة بعضهم لبعض، جلسوا يتعلمون من النبي صلى الله عليه وسلم ويصبرون لله عز وجل، ثم لما علمهم الله رجعوا معلمين وموجهين. ثارت الأرض بأكملها في مشارقها ومغاربها، ثار الناس يتظاهرون ويتسخطون على فعل اليهود الظالمين، وعلى ما فعلوه بالمؤمنين المستضعفين، قتلوا النساء ولم يرحموا الأطفال، قتلوا الفقراء ولم يرحموا الجائعين واللاجئين، يضربونهم بالرصاص الحي والمدفعيات والقنابل والصواريخ، وهم يطلبون الغذاء والدواء، وهم يطلبون الماء وما يدفع الجوع واللأواء، لم يرحموا صغيرًا ولا كبيرًا، فكان لهذا آية وعضة وعبرة. خطبة لفضيلة شيخنا العلامة أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي، حفظه الله تعالى، كانت بتاريخ الثاني من شهر محرم لعام ألف وأربعمائة وسبعة وأربعين من الهجرة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام. سجلت هذه المادة في دار الحديث بالفيوش، حرسها الله. إن الحمد لله، نحمد الله تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾. أيها المسلمون، عباد الله، أكرمنا الله عز وجل بهذا الدين العظيم الذي تكفل فيه بإصلاح الدنيا والدين، وإصلاح الأولى والآخرة، فأنزل علينا من تشريعاته المحكمة وأحكامه المتقنة ما هي كفيلة بإصلاح هذا الإنسان في دنياه وفي آخرته، وفي نفسه وأسرته وأهله، وفي مجتمعه. بل دخلنا في عام هجري جديد، عام هجري جديد نستقبله وندخل فيه لنطوي ما مضى في عامنا الماضي، ونستقبل ما يأتي في عامنا الحاضر. ولله سنة في خلقه، في تكور الليل والنهار، يكور الله الليل والنهار، إن في ذلك لعبرة لولي الأبصار. أيها المسلمون، عباد الله، ومضي الأيام والأسابيع والأشهر والأعوام هي عضات وعبر بحد ذاتها، فكيف وقد جعل الله عز وجل مما يجريه في هذا الكون في كل يوم وحين، وفي كل أسبوع وشهر، وفي كل عام وآخر، ما هي كفيلة بردع هذا الإنسان، ووضع معاني الاتعاظ والاعتبار. والله سبحانه وتعالى هو الحكيم الخبير. أيها المسلمون، عباد الله، العام الهجري عند أهل الإسلام شأنه عظيم، وله معهم ذكريات تذكرهم بماضي يعيدهم إلى عزهم ومجدهم، وحاضر يذكرهم بإصلاح أنفسهم، ومستقبل يأمرهم بإصلاح حالهم للوصول إلى ما أمرهم به ربهم. أيها المسلمون، عباد الله، المسلم ما دام مستسلمًا بدين الله عز وجل، متبعًا لأوامره، مقتديًا بشرعه ودينه، فإنه يسير بإذن الله سبحانه وتعالى على الدين القويم والصراط المستقيم الذي يحبه رب العالمين، والذي سار عليه نبينا الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم. ولنا العبر والعظات فيما يجريه الله عز وجل من الآيات، فيما أجراه الله عز وجل في كونه بمرور الشهور والأعوام والقرون، وكذلك ذهاب الأجيال جيلًا خلف جيل، يذهبون. ولله سبحانه وتعالى العضات والعبر فيما يجريه في هذا الكون. فليكن لنا أيها المسلمون، عباد الله، عضات وعبر فيما يجريه الله عز وجل في مرور هذه الأعوام، وما ينبغي أن يكون منا في حاضرنا وفي مستقبلنا. وهذا من أول الوقفات التي يجب أن يقف فيها المسلم مع نفسه، فيراجع نفسه: أين هو من دين الله عز وجل في نفسه وفي أهله وأسرته، وفيما يحبه ربه سبحانه وتعالى؟ ماذا قدمنا لهذا الدين العظيم الذي جعله الله عز وجل أمانة في أعناقنا، ومسؤولية عظيمة يسألنا عنها يوم القيامة؟ ماذا قدمت لهذا الدين، أيها المسلم، حين بذل نبينا صلى الله عليه وسلم نفسه فمات شهيدًا عليه الصلاة والسلام، بعد أن أدى رسالته وأوصل أمانته عليه الصلاة والسلام؟ وهكذا الصحابة الأخيار من السابقين والمهاجرين والأنصار، فإنهم قدموا أنفسهم رخيصة لله سبحانه وتعالى لنصرة هذا الدين، لتكون كلمة الله العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلى. جاهدوا في الله حق جهاده، فبذلوا أعمارهم وأوقاتهم وأموالهم لله سبحانه وتعالى. يأتي أبو بكر فيهب ماله كله لله، ويأتي عمر رضي الله عنه وأرضاه فيهب نصف ماله لله، ويأتي عثمان رضي الله عنه وأرضاه، وما أدراك ما عثمان، حين يقف ويجهز جيش العسرة، وحين يشتري البئر للمسلمين، وغير ذلك من المواقف العظيمة. وهكذا علي رضي الله عنه وأرضاه، في يوم الهجرة، وهو يوم يكون فيه الانتقال من عام إلى عام، ومن حال إلى حال، به يفتخر أهل الإسلام بهذا التاريخ الهجري الذي هو فرق بين أهل التوحيد وأهل الأوثان، الذي هو فرق بين أهل الإيمان وأهل الكفران، الذي هو فرق بين أهل الطاعة وأهل العصيان. علي رضي الله عنه وأرضاه، في يوم الهجرة، يهب نفسه رخيصة أن ينام مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحميه في هجرته، فيتنكر أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويجتمع كفار قريش متأهبون لضربه بضربة واحدة بسيوف متعددة، ويخرج النبي صلى الله عليه وسلم في قصة الهجرة المعروفة المشهورة، ذكرها الله عز وجل في كتابه، ونبينا صلى الله عليه وسلم في سنته، وفيها من الآيات والعضات والعبر ما هي كفيلة بإدخال العظة لهذا الإنسان وللمسلم خاصة، ولصاحب السنة على وجه أخص. لنا في هذا عظة ولنا في هذا عبرة، أن نتعظ به حين يدخل عام هجري جديد، ويذهب عام هجري قديم، فيكون فيه مراجعة نفسك: ماذا قدمت لدين الله، يا أيها المسلم، حين قدم رسولك ونبيك وهو من هو عليه الصلاة والسلام نفسه رخيصة لله في إبلاغ هذا الدين وإقامة التوحيد بين الناس لرب العالمين؟ حين قدم الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم رؤوسهم وأنفسهم رخيصة لله سبحانه وتعالى؟ ماذا قدمت لله حين هاجر المهاجرون، وحين أتى المسلمون إلى النبي صلى الله عليه وسلم من بقاع الأرض ليتعلموا دين الله ويرجعوا إلى قومهم معلمين وموجهين ومربين، وكذلك مأخذين بسنة النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم. الأمر كما قال الله عز وجل: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾. نفر طوائف كثيرة، جاء أهل اليمن من اليمن، وأهل الحبشة من الحبشة، وجاء ذاك صهيب الرومي، وذاك سلمان الفارسي، وذاك بلال الحبشي، كلهم من كل بلد ومن كل قطر ومن كل أرض، يأتون يتعلمون من النبي صلى الله عليه وسلم. جاء لشعريون من أهلنا، يا أهل اليمن، ومكثوا بأطراف المدينة، ليس عندهم أرض ولا دار، وليس عندهم بيت ولا قصور، اجتمعوا يواسي بعضهم بعضًا، حتى أثنى عليهم النبي صلى الله عليه وسلم في صبرهم ومؤاخاتهم وتعاونهم وتكاثفهم ومؤاساتهم ومناصرة ومؤازرة بعضهم لبعض، جلسوا يتعلمون من النبي صلى الله عليه وسلم ويصبرون لله عز وجل، ثم لما علمهم الله رجعوا معلمين وموجهين. ففي حديث ابن عباس في الصحيحين: «أرسل النبي صلى الله عليه وسلم معاذًا وأبا موسى معلمين إلى أهل اليمن». فكان فيه أنه قال عليه الصلاة والسلام: «إنكم تأتون قومًا أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم شهادة أن لا إله إلا الله». وفي رواية للبخاري: «أن يوحدوا الله، فإن أجابوكم لذلك، فأخبروهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم». بقي أبو موسى رضي الله عنه في اليمن معلمًا وقاضيًا، وهكذا معاذ بن جبل، حتى أسلم أهل اليمن جميعًا ودخلوا في دين الله عز وجل. وأرسل علي رضي الله عنه وأرضاه كذلك إلى اليمن، ولاقى النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، ولاقى النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، وهو قد حمل بخير كثير مما يسر الله عز وجل به. الإيمان يمان، والحكمة يمانية. وتأمل كيف بعث النبي صلى الله عليه وسلم لليمن أناسًا كثرًا، ومن خيار وكبار الصحابة رضي الله عنهم وعلمائهم، ولم يبعث لبلد مثل ما بعث لأهل اليمن، لعلمه أن الله عز وجل جعل فيهم من الرقة والليين وقبول الحق ما ليس في غيرهم من الأمم. فهذه نعمة عظيمة أنعم الله عز وجل عليكم يا أهل اليمن. ولا تزال كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة: «فإن الإيمان يمان، والفقه يمان، وإن الرحمة والإيمان في أهل الغنم»، وأشار إلى أهل اليمن. «يخرج من عدن أبيا اثنا عشر ألفًا ينصرون الله ورسوله، هم خير ما بيني وبينهم». أيها المسلمون، عباد الله، أليس هذا يذكرنا ويحملنا مسؤولية عظيمة في تبليغ دين الله، والقيام بما يجب من الدعوة إلى الله، وتعليم المسلمين، وإعانتهم في الثبات على هذا الدين، مع كثرة الفتن التي نراها: فتن الشهوات، وفتن الشبهات التي كثرت في المجتمعات. المسلم من سلمه الله سبحانه وتعالى. أيها المسلمون، عباد الله، وإن من العظات والعبر ما كان في تاريخ أهل الإسلام بالتاريخ الهجري. ثبت أن أبا موسى أرسل إلى عمر رضي الله عنه وأرضاه، فقال له: يا أمير المؤمنين، إنا يأتينا منك الكتاب، فلا ندري ما المتقدم من المتأخر منه. فجمع عمر رضي الله عنه الصحابة، وشاورهم بماذا يؤرخون، فوضع كل منهم رأيه، حتى اجتمعت كلمة الصحابة أن يؤرخوا بالهجرة النبوية، فهي الفاصلة بين الحق والباطل، والتي بها كان نصر الإسلام وأهله. وعند ذلك أرخ المسلمون بالهجرة النبوية، فكان عام الهجرة هو أول عام لأهل الإسلام، لأنه فيه أقيمت دولة الإسلام. أما الأشهر، فهي موجودة من لدن إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وقبل ذلك، كما أخبرنا الله عز وجل في آيات مكية كثيرة. وهكذا أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم. وبهذا نعرف أيها المسلمون أن سنة أهل الإسلام وشريعة أهل الإسلام أن يؤرخوا بالتاريخ الهجري، وليس بالتاريخ الميلادي. وفي ذلك أولًا: موافقة الشريعة، والاستنان بسنة الصحابة الذين قال الله عز وجل عنهم: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾، والذين قال الله عنهم: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾. فالإيمان الكامل والسنة الصحيحة في اتباع سيرهم، والأخذ بسنتهم. والذي قال عنهم النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث العرباض المشهور: «فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي». فإذا كان كذلك، فالواجب على أهل الإسلام: راعيًا ورعية، ودولةً وحكومةً، وشعوبًا، أن ترجع إلى التاريخ الهجري. وفيه من موافقة الشريعة، والانتفاع بمصالح ذلك، فإن الأشهر القمرية فيها من المنافع للناس في معرفة الحساب التي يحتاجونها. فالحمل يعرف بالشهر الهجري، لا بالشهر الميلادي. والزرع وهكذا أشياء كثيرة تعرف بالشهر الهجري دون الشهر الميلادي. ومع ذلك لا مانع من الانتفاع بحساب الأشهر الميلادية على وجهه الصحيح الذي لا ينافي الشرع. فإذا احتاج الإنسان أن يستخدم التقويم الميلادي، فليقرنه بالتقويم الهجري، مفاصلة ومفارقة بين طريق أهل الإسلام وطريق أهل الكفران، مع ما لا ينافيه من الانتفاع بكل ما فيه منفعة. نسأل الله أن يفقهنا بموجب شرعنا، وأن يبصرنا بموجب ديننا، وأن يجعلنا هداة مهتدين. والحمد لله رب العالمين. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وصفيه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أيها المسلمون، عباد الله، بعد أن سمعنا ما سمعنا، فإن من الوقفات والعضات والعبر أننا كذلك نعتبر بما يكون من سنة الله عز وجل في نصر المؤمنين وإذلال الكافرين والمجرمين. ففيما يمضي بمرور السنون والأعوام، العضات والعبر الكثيرة، فيما يجريه الله عز وجل على الأمم والمجتمعات والأفراد. ومن ذلك سنة الله عز وجل في الصراع بين أهل الحق والباطل. فقد أخبرنا الله عز وجل في قصص الأنبياء من العضات والعبر فيما كان من الاقتتال والجهاد بين المؤمنين والكافرين. فهذا موسى عليه الصلاة والسلام، مرت السنون الكثيرة وهو في صراع مع فرعون وقومه، وكانت العاقبة للمتقين. ولا تزال سنة الله عز وجل في الصراع بين أهل الحق والباطل، بل وكذلك قد يكون الصراع بين أهل الباطل أنفسهم. ففي قوله سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾. وللمسلم العبرة والعظة، وكذلك أن يقف المواقف الشرعية الصحيحة. أخبرنا الله عز وجل ببعض ذلك فيما أخبرنا به، وكان موضع محنة بين المؤمنين والكافرين، فيما أنزل الله عز وجل في أول سورة الروم، في قوله سبحانه: ﴿أَلَمْ غَلَبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾. فكان مرور السنين محل رقبة بين المؤمنين والكافرين، بما أخبر الله عز وجل به المؤمنين: أن النصر سيكون لهؤلاء الكافرين من أهل الكتاب، لما حصل لهم من البغي والظلم من غيرهم من الكافرين من عبدة النار والظلمة. كانت مملكتان عظيمتان: مملكة الفرس وعبدة النيران في المشرق وأقصى الشمال المشرقي، وكانت مملكة أخرى: مملكة الوثنيين ومن معهم من أهل الكتاب الكافرين في الغرب والشمال الغربي. وكان أهل الإسلام يرون أن أهل الكتاب أقرب إليهم من الوثنيين عبدة النار. فأخبر الله عز وجل بما أخبر، بما يكون به فرح المؤمنين، فرحهم لأمرين: لكون المنتصر سيكون ممن يعرف الله، والمهزوم ممن لا يعرف الله. فإن الشر يتفاوت درجة ويتفاوت قدرًا، فكذلك الإسلام لا يسوي بين الشر، وكذلك لأمر آخر: فهناك ظالم ومظلوم، فيفرق الإسلام بين الظالم والمظلوم، ولو كان المظلوم أقرب قريب. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾. ما أشبه الليلة بالبارحة، فما أخبرنا الله عز وجل به في هذه الآيات وقع معناه في هذه الأيام. فهاتان طائفتان فيهما من الكفر والطغيان ما فيه، فهؤلاء اليهود أرجسوا الناس وأحقرهم وأخبثهم، وهؤلاء الرافضة الذين هم كذلك ليسوا من أهل الإسلام، وإن انتسبوا إلى الإسلام. طائفتان اختلفتا، ولكن أهل الإسلام يزنون بالموازين الشرعية، لا يمدحون الطائفتين، ولا يفرحون بالطائفتين. وإن كان فرح المسلمين بهزيمة اليهود وما يكون من التنكيل بهم، وشفاء صدور قوم المؤمنين على ما كان من أذيتهم للمستضعفين من المؤمنين، فرح يفرح به أعظم من فرح المسلمين بما كان من نصر أهل الكتاب فيما أخبرنا الله عز وجل في سورة الروم. وذلك لأمرين: لأن هناك ظالمًا ومظلومًا، وأهل الحق من أهل الإسلام الصحيح، وأهل السنة يقفون مع المظلوم، ولو كان هذا المظلوم من العدو، كما أخبر الله عز وجل بذلك في قوله: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾. ولنا فيما أخبرنا الله عز وجل به مما جرى في السنين الماضية من العظة والعبرة، مما يكون لنا عظة وعبرة في حاضرنا، فنستفيد من ماضينا ما ننتفع به في حاضرنا وفي مستقبلنا. وهذه هي طريقة أهل الإسلام. وفي قصة الهجرة أمر عجيب وخبر غريب يخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، حين يعترض سراقة بن مالك النبي صلى الله عليه وسلم في طريق هجرته، والنبي صلى الله عليه وسلم على الإيمان وسراقة على الكفر، والنبي صلى الله عليه وسلم يفر هاربًا من الكافرين، يريد النجاة بدينه ونفسه وصاحبه رضي الله عنه وأرضاه. ويقف لهم سراقة ومعه السيف والسلاح، ويريد النبي صلى الله عليه وسلم ما وعد به من الجائزة والهدية من المشركين. فكلما أقبل على النبي صلى الله عليه وسلم غرست قدماه الفرس بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، يكرر ذلك مرات، حتى علم أن ذلك ليس أمرًا عاديًا، بل هو أمر من الله سبحانه وتعالى. وفي هذا المقام يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كيف بك يا سراقة، وأن تسور بسواريك كسرى؟». وكسرى كان ملك أكبر مملكة في ذلك الزمان، وهو ملك فارس وعبدة النيران. وسراقة بن مالك حسبه أن يكون فارسًا من فرسان أهل العرب في البادية، فقير ضعيف. أن له أن يصل إلى بلاد فارس، وأن له أن يصل إلى ملك كسرى، وأن له أن يتسور بسواري كسرى. فرجع سراقة بوعد النبي صلى الله عليه وسلم، وأسلم بعد ذلك. وأنظروا كيف مرت السنون، وإذا بعمر رضي الله عنه يؤتى إليه بسواري كسرى، وقد فتح الله عز وجل على المسلمين. فيأتي سراقة ويطالب بوعد النبي صلى الله عليه وسلم، فيؤتى له ويعطيه عمر رضي الله عنه ما وعد به رسول الله صلى الله عليه وسلم. انظر إلى هذه العبرة، وكيف أن في هذا آية عظيمة لأهل الإسلام: أن معايير القوة إنما هي بالله رب العالمين، وليست بالأمور الحسية. ومع ذلك فنحن نأخذ من الأسباب ما يعيننا على النصر، كما قال الله عز وجل: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾. فنعد ما استطعنا من القوة. ومن القوة الرمي، كما قال عليه الصلاة والسلام: «ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي». ومن يرى حروب الناس في وقتنا المعاصر، يرى أن القوة الحقيقية بالرمي. وانظروا ما يقع في زماننا، واعرضوا هذا على ما في تاريخ أمتنا، وما أخبر به نبينا، نعرف أيها المسلمون، عباد الله، أن الله قد أكرمنا بدين عظيم، فيه من الأخبار الصحيحة، وكذلك الوعود الصادقة، ما قد ظهر منها الكثير، وننتظر الآخر الذي وعدنا به رسوله صلى الله عليه وسلم. بل ربنا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من هذا الدين لا يترك بيت حجر ولا مدر إلا يدخله بإذن الله، بعز عزيز وذل ذليل». فالعاقبة يا أيها المسلمون بإذن الله تعالى للمسلمين الصادقين، لأهل السنة الموحدين. وها نحن نرى بشائر ذلك. فرب ضراء نافعة، والأمر كما قال الله عز وجل: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾. انظروا ما وقع لإخواننا في غزة وفلسطين، كيف كان سببًا في حصول النصر للمسلمين والمؤمنين. ثارت الأرض بأكملها في مشارقها ومغاربها، ثار الناس يتظاهرون ويتسخطون على فعل اليهود الظالمين، وعلى ما فعلوه بالمؤمنين المستضعفين. قتلوا النساء ولم يرحموا الأطفال، قتلوا الفقراء ولم يرحموا الجائعين واللاجئين، يضربونهم بالرصاص الحي وبالمدفعيات والقنابل والصواريخ، وهم يطلبون الغذاء والدواء، وهم يطلبون الماء وما يدفع الجوع واللأواء، لم يرحموا صغيرًا ولا كبيرًا. فكان بهذا آية وعضة وعبرة، ثم لما وقع لهم ما وقع، فصاروا يقولون وينادون بالإنسانية، علم الشرق والغرب من الكافرين، فضلًا عن المنصفين والصادقين والمؤمنين: أن اليهود أخبثوا عباد الله. فكذرت المقاطع المتسخطه والمستهزئة باليهود، وما عليه من الخبث وما عليه من الذل والحقارة. أليس هذا قليلًا من كثير من آيات الله سبحانه وتعالى الكفيلة بجعلك أيها المؤمن أن تحتز بدين الله عز وجل، وأن تقدم وتشارك إخوانك في نصرة دين الله عز وجل؟ من استطاع أن ينصر هذا الدين بعلمه فليفعل، ومن استطاع أن ينصره بماله فليفعل، ومن استطاع أن ينصره بجاهه ومنصبه وحكومته فليفعل، ومن استطاع بكذلك أي وجه من أوجه الاستطاعة فليفعل. والأمر كما قال الله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾. ما أعطاك الله من علم أو قوة أو منصب وجهه في نصرة هذا الدين، فهو الذي ينفعك في الدنيا والآخرة بإذن الله سبحانه وتعالى رب العالمين. أيها المسلمون، عباد الله، أنتم ترون الإقبال العظيم من العالم على هذا الدين، وفي إحصائيات معاصرة يقولون: إن سنة أربع وعشرين وخمس وعشرين أكبر السنوات في تاريخنا المعاصر مما دخل فيه الناس في دين الله، في دين الإسلام، يدخلون بالمئات لا بالعشرات. واقرأوا التقارير التي تكتب، وتلك الأرقام التي ترصد، لتعلموا ولتستيقنوا أن العاقبة لأهل هذا الدين، للمسلمين. ولكن السؤال: من لهؤلاء الجدد الذين يدخلون في دين الله؟ من يعلمهم؟ من يوقظهم؟ من يوجههم، حتى لا يسرقهم أعداء هذا الدين فيرجعون إلى حياض الكفر مرة أخرى، أو يرجعون إلى أهل الضلال من أهل البدع والخرافات والشركيات والوثنيات، أو كذلك من أهل الحزبيات والانحرافات البكرية والدعوات التكفيرية وغيرهم؟ إن أحق الناس بهؤلاء هم أنتم يا أهل السنة، وأحق الناس بهؤلاء هم أنتم يا طلبة العلم، ممن عرفتم الكتاب والسنة، وسلكتم سير سلف الأمة. فالله الله أن يتكاثف الجميع في نصرة هذه القضية العظيمة، وأن يقف الجميع في قِداء هذه الرسالة الجليلة. ومن ذلك أن نتكاثف مع دور العلم ومراكزها، بمدارسها وجامعاتها، ذكورها وإناثها، أن نكون صفًا واحدًا في نصرة هذا الدين، وإبلاغ ما يجب مما أجمع علينا رب العالمين. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يصلح أحوالنا وأحوال المسلمين، وأن يجعل العاقبة للمؤمنين المتقين. اللهم أصلح أحوالنا وأحوال المسلمين بكل مكان، اللهم أصلح أحوالنا وأحوال المسلمين في فلسطين وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين. اللهم ولي علينا خيارنا، ولا تولي علينا شرارنا، واجعل ولايتك في من خافك واتقاك واتبع رضاك، وأصلح أمتنا ولاة أمورنا يا رب العالمين، واجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين. والحمد لله رب العالمين. آمين.