الدرس في أخلاق العلماء للإمام الآجري 8، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول المقطع آداب التعامل مع العلماء، حيث يشدد على أهمية التواضع وخفض الصوت عند التحدث معهم، وسؤالهم باحترام وعدم المجادلة. كما يشير إلى ضرورة شكرهم على ما يقدمونه من علم.
يُناقش أهمية التعلم من المشايخ وليس فقط من الكتب، حيث يوفر المشايخ الوقت والجهد بتقديم العلم الجاهز والمهذب. كما يشدد على ضرورة التأني وتوقير العلماء وعدم مجادلتهم.
يبرز أهمية وجود شيخ سني يوجه طالب العلم ويختصر له الطريق في فهم العقيدة والفقه والمنهج، ويحميه من التخبط والانحراف. يُظهر كيف أن البدء بقواعد مختصرة مدعمة بالأدلة يساعد الطالب على فهم المنهجية الصحيحة.
الجلوس بين يدي العلماء يسهل الطريق للطلبة ويفهمهم الدين بشكل صحيح. من لم يجلس بين يدي العلماء يجد صعوبة في الفهم الصحيح للدين.
يصر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم التعليق على كتاب أخلاق العلماء للإمام الآجُرِّي رحمه الله تعالى، تعليق فضيلة الشيخ عبد الله بن مرعي العدني حفظه الله تعالى، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الثامن. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام الآجُرِّي رحمه الله تعالى في كتاب أخلاق العلماء: صفة مجالسته للعلماء. قال: فإذا أحب مجالسة العلماء، جالسهم بأدب وتواضع، في نفسه خفض صوته عند صوتهم، وسألهم بخضوع. وسألهم في نسخة، واضح. وسألهم من المساءلة، وهو كثرة السؤال. قال: ويكون أكثر سؤاله عن علم ما يعبد الله به، ويخبرهم أنه فقير لعلم ما يسأل عنه. والمعنى أن أسئلته تدل على عدم تطاوله وتعاليه أو مجادلته، فهو سؤال متعلم، ليس سؤال مجادل ومختبر، فهو سؤال محتاج. فالأول يستفيد، والثاني يحرم الاستفادة من الشيخ. والشيخ إذا رأى من الطالب الجرأة والمجادلة والاعتراض، وكما يقال إظهار العضلات، استنكف أن يعطي الطالب العلم، فحرم الطالب العلم. حتى إن أجاب، أجاب جواب من يريد أن يرفع عن نفسه الإثم، لا جواب من أراد أن يفيد؛ لأنه علم أن السائل لا يريد الفائدة، وإنما يريد الاعتراض وإظهار أن عنده ما ليس عند الشيخ. ولا شك أن من كان هذا حاله يحرم نفسه الفائدة. قال رحمه الله: فإذا استفاد منهم علمًا، أعلمهم أني قد أفدت خيرًا كثيرًا، ثم شكرهم على ذلك؛ لأن من لم يشكر الناس لم يشكر الله، هذا أولًا، وثانيًا لأنه أدعى أن يظهر أنه ممتن، فيعطي ذلك الشيخ أن يزيد في إعطاء الطالب، وهو من الخلق الحسن الذي ينبغي أن يتخلق به. بل كما ذكر العلماء: أنه ولو كانت عنده الفائدة، فمن باب الأدب والإفادة يظهر الشكر والامتنان؛ ليعين الشيخ على أن يعطيه ما عنده، فهو أحوج ما يحتاج إلى أن يأخذ ما عند الشيخ. فهو يأخذ من الشيخ الفائدة التي قد يحتاج لزمن طويل للأصول إليها. قال رحمه الله تعالى: وإن غضبوا عليه لم يغضب عليهم، ونظر إلى السبب الذي من أجله غضبوا عليه، فرجع عنه واعتذر إليهم. وهذا كذلك لا يرد الخطأ بالخطأ، حتى ولو أخطأوا عليه، ربما هو يظن أنهم أخطأوا عليه، والحقيقة ليس كذلك. فرب تصرف لا يليق بالطالب يكون سببًا في غضب الشيخ وحرمان الطالب علم الشيخ. فكونه يعلم السبب فيمتنع عنه يعينه على الاستمرار مع الشيخ والإفادة منه. ولأنه يحتاج إلى علم الشيخ، فهو أكبر منه سنًا وأكثر منه علمًا وأوسع منه خبرة، فهو إن أراد أن يبحث عن مسألة يحتاج أن يبحث في الكتب، فيأخذ منه الوقت الكثير. وربما هذا الوقت الذي يبحث فيه يفيده الشيخ بجواب واحد قد تعب فيه الشيخ ربما أشهر، وربما أفاده من شيخ أو مشايخ أكبر وأعلى منه فيعطيه علمًا جاهزًا مهذبًا تعب فيه أناس كثير، يصل إليه بغير تعب. وهذا فائدة أخذ العلم عن المشايخ، بخلاف أخذ العلم مباشرة عن الكتب. ولهذا قيل: من كان شيخه كتابه، كان خطؤه أكثر من صوابه. قال رحمه الله تعالى: واعتذر إليهم، لا يفجرهم في السؤال، رفيق في جميع أموره، لا يناظرهم مناظرة من يريهم أني أعلم منكم. وإنما همته البحث لطلب الفائدة منهم. ما أحسن التلطف لهم، لا يجادل العلماء ولا يمارى فقهاء. حتى ولو ظهر للطالب أنه أعلم، فالغالب أنه يكون عنده بعض فهم لمسألة، ظن أنه أعلم بها، وهو ليس كذلك. وما أكثر المسائل المركبة التي لها أكثر من وجه، ولها كذلك تفاصيل لا تخطر ببال المتعلم، بخلاف الشيخ. فرب مسألة مثلًا يكون ظاهرها المنع، ولكن بهذا الوصف هي ليست كذلك. أو يكون كذلك ظاهرها عدم المنع، وهي بهذا الوصف ليست كذلك. فلا يعلم هذا من علمه قليل، لكن من توسع علمه يعلم ذلك. وأضرب لكم مثالًا، فمن أخذ مثلًا علم النحو في أول أمره، فهو يعلم من مبادئ العلوم أن هناك مرفوع ومنصوب ومجرور، وكل واحد وله علامة. لكن من توسع في العلم يعلم أن هذا الذي ذكر فيه استثناء، فقد يأتي ما هو منصوب ومرفوع ومجرور وهو على هيئة واحدة. يوجد أو لا يوجد، لكن هل يعلم هذا الطالب في بداية الطلب؟ لا، ما يعلم هذا في بداية الطلب. فإذا سمع الشيخ يذكر شيئًا على خلاف ما علم، ربما ظن أنه ماذا أخطأ؟ هو ليس كذلك، وهو ليس كذلك. فإذا كان هذا في مثل هذا العلم الذي ليس فيه من التشعب ما في العلوم الأخرى، فمن باب أولى العلوم الأخرى. وهكذا قل. قال رحمه الله تعالى: لا يجادل العلماء ولا يمارى فقهاء، يحسن التأني للعلماء مع توقيره لهم، حتى يتعلم ما يزداد به عن الله فهمًا في دينه. وهذا هو العلم الحقيقي، أن تصل إلى الفهم الصحيح للدين، ليس العلم هو المعلومات. فالمعلومات قد يصل إليها الإنسان، لكن كيف تصل إلى الفهم الصحيح للدين؟ هذا يحتاج إلى وقت. ويختصر لك الوقت من؟ الشيخ. الشيخ يختصر لك هذا الوقت. فأنت بما عند الشيخ الذي قد أخذ هذا العلم عن من هو أعلم منه وأكبر منه وأخبر وأكثر، يختصر عليك الوقت في فهم هذا الدين. وأضرب لكم مثالًا: يأتي طالب العلم عند الشيخ، فيقول له الشيخ بكل اختصار: عقيدة أهل السنة في باب الأسماء والصفات أن تمر كما جاءت. ومعنى تمر كما جاءت هو هكذا. والقاعدة ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. والقاعدة في باب توحيد الربوبية كذا، وفي باب توحيد الألوهية كذا، وفي باب الفقه كذا، وفي المنهاج والسلوك كذا. اختصار جمل مختصرة يفهم منها طالب العلم منهجية هذه المباحث. هو عنده الآن ماذا؟ كلام مختصر يفهم، ثم مع الأمثلة التي يضربها الشيخ يفهم أن من قال في الرحمة أنها إرادة الإحسان فهو ماذا؟ تحريف. من قال أن الاستواء هو الاستيلاء، فهم أن هذا تحريف. ما دخل في تفاصيل؛ لأنه أخذ قواعد مختصرة بموجب أدلة من الكتاب والسنة، اختصرت له منهجية العلم في هذه المباحث. ولكن إذا دخل في كتب هذه العلوم سيجد مباحث كثيرة وتشعبات عديدة، كلما ازداد قراءة ازداد ماذا؟ معرفة وفهمًا. لكن كونه أخذ هذا في بداية الأمر على وجه الاختصار، هذا صار كالحصن الحصين، يحصن هذا الطالب من ماذا؟ من أن ينحرف. ما استطاع أن يجره أهل البدع والأهواء وينحرف معهم في باب الاعتقاد. كيف في تلك النصائح المدعمة بالأدلة على وجه الاختصار؟ ما استطاع المتمذهب أن يجره، لم يستطع المتحزب أن يجره. كيف تلك الأدلة والمنهجية على وجه الاختصار؟ فاختصر له الشيخ السني الطريق. إذن من نعمة الله عز وجل على هذا الطالب أن وفق بشيخ سني اختصر له الطريق، وعطاه المنهجية الصحيحة في العلم لباب الاعتقاد والفقه والمنهج وغيرها من الأبواب الأخرى. بينما لو ترك الطالب مع الكتب، طالب مبتدئ، قيل له ابحث عن الحال، هل سيصل إلى هذه المنهجية بسرعة؟ ها ما يستطيع. سيجد أمامه الكتب الشافعية، كتب المالكية، كتب الحنابلة، حنفية، ويبدأ ما يدري ماذا يبدأ. يحق رأسه، أي كتاب سيبدأ؟ مكتبة فيها آلاف الكتب في الفقه، هل سيعرف في أي كتاب يبدأ؟ ما يدري. يأخذ الصغير الكبير، يبدأ يتخبط. مرة يقرأ هذا الإمام الشافعي، ما شاء الله إمام الشافعي، نسمع عنه إنه إمام الشافعية، يمسك كتاب الأم ويقرأ فيه كثير أشياء ما يفهمها. ثم يرى بجانبه يقول: لا سأبدأ بكتاب مختصر. وما يدري إلا وقع على مثلًا كتب من كتب المتمذهبة في الفقه الشافعي، ويدخل فيها. وهكذا يتخبط، لا يدري بأي شيء يبدأ. لكن الشيخ يختصر له الطريق: ابدأ بهذا الصغير وتنتهي بهذا الكبير في العقيدة، في الفقه، في المنهج، في أخلاق والسلوك. وهكذا كذلك في كل علم: اللغة، مصطلح، أصول ونحوه، فيمشي بمنهجية وسلم يرتقي شيئًا فشيئًا فيستفيد. لكن إذا كان وحده تخبط. ولذلك يتخبط الكثير من طلبة العلم إذا لم يوفقوا لمشايخ موفقين درسوا على أيدي العلماء يختصرون لهم الطريق. وهذا هو الفرق. ولا يمكن أن يصل إلى ذلك والفهم الصحيح في الدين لمن حرم الجلوس بين يدي العلماء.