الدرس في أخلاق العلماء للإمام الآجري 6، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تناول الشيخ حديث أبي أمامة ووضح ضعف إسناده بسبب ابن لهيعة والرجل الذي لم يسم، وأشار إلى أهمية التفصيل في أمر ابن لهيعة. ثم شرح قول عبد الله بن مسعود في معاذ بن جبل وإبراهيم عليه السلام.
أثنى المقطع على فضل العلماء وورثتهم من الأنبياء، وأبرز دور معاذ بن جبل في نشر العلم، وفسر معنى كونه "أمة" مثل إبراهيم عليه السلام، وشدد على أهمية الإقبال على الله في الصلاة.
تناول المقطع ضعف إسناد حديث «أفضل الصدقة أن يتعلم المرء علمًا ثم يعلمه أخاه المسلم»، وأوضح أن معنى الحديث صحيح وتدعمه أدلة أخرى في فضل العلم وتعليمه، وشدد على أهمية الاتصاف بالأخلاق الصحيحة لمن يطلب العلم.
اختتم المؤلف التوطئة بالدعاء لله تعالى أن يرزقه علمًا نافعًا وعملًا صالحًا، وأعرب عن انتهاء التوطئة واستعداده للدخول في الموضوع الرئيسي.
يصر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم التعليق على كتاب «أخلاق العلماء» للإمام الآجُرِّي رحمه الله تعالى، تعليق فضيلة الشيخ عبد الله بن مرعي العدني حفظه الله تعالى، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس السادس. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد. تنبيه: بالنسبة لما مر معنا في حديث يومامة بالدرس الماضي: أربعة تجري عليهم أجورهم بعد الموت، في هذه الرواية رواها الأجري رحمه الله من طريق شيخه البُرَيْقِيّ عن قتيبة بن سعيد عن ابن لهيعة عن خالد بن أبي عمران، أن أبا أمامة، ليس بين خالد بن أبي عمران وأبي أمامة أحد. وهكذا هي رواية الإمام أحمد. وجاء عند الطبراني في الكبير من رواية خالد بن أبي عمران عن رجل لم يسمه عن أبي أمامة. وبهذا الهيثمي رحمه الله ضعف الحديث، فضعفه بسبب ابن لهيعة والرجل الذي لم يسم. وعلى هذا فبعضهم ضعف الحديث لهذا، ورأى أن رواية خالد بن أبي عمران من دون ذكر الواسطة خطأ. والظاهر والله أعلم أن خالد بن أبي عمران روى هذا الحديث بواسطة وبغير واسطة. يبقى الكلام على ابن لهيعة، وتقدم معنا أن ابن لهيعة اختلف العلماء فيه، فمنهم من ضعفه مطلقًا دون تفصيل، ومنهم من وثقه مطلقًا، ومنهم من فصل فيه. والصحيح التفصيل. ورواية قتيبة بن سعيد عن ابن لهيعة في صحيح مسلم، فهو ممن روى عنه قبل احتراق كتبه؛ لأنه كان يعرض روايته على رواية ابن وهب، وابن وهب أحد العباد للثلاثة، كما يعرف الكثير من طلاب العلم الذين رووا عن ابن لهيعة قبل احتراق كتبه، ومنهم شعبة وجماعة. والشيخ الألباني رحمه الله استثنى تسعة من الرجال ممن تصح روايتهم عن ابن لهيعة إذا رووا. قال رحمه الله تعالى: أخبرنا أبو بكر - وهو الأجري نفسه رحمه الله - قال: أنبأنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي، وهو أحد الثقات، قد تقدم معنا في أول الكتاب، ترجم له الخطيب البغدادي رحمه الله وغيره. قال: أنبأنا زياد بن أيوب، وهو أحد الحفاظ، كذلك زياد بن أيوب البغدادي حافظ، وانتقد وترجمته بالتهذيب. قال: أنبأنا هشام - وهشام لا يعرف عن زياد بن أيوب - هشام كما ذكر، كذلك في التعليق، فلعله هو شيء والله أعلم ويحتاج لزيادة بحث. قال: أنبأنا سيار، وسيار بن حاتم أحد الثقات الأثبات، وهو من رجال التهذيب. قال: عن الشعبي، وهو الإمام الحافظ عامر بن شراحيل، أبو عمرو، أحد أئمة المعروفين المشهورين. قال: قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه - الصحابي معروف -: «إن معاذًا كان أمة قانتًا»، قيل له: «إن إبراهيم كان أمة قانتًا»، قال: «فإن كنا نشبه معاذًا بإبراهيم». قال: قيل له: فما القانت؟ قال: المطيع لله ولرسوله. والمعنى أن معاذًا كان من علماء الصحابة رضي الله عنهم ورضاهم، وكان لإمامته رحمه الله ورضي الله عنه يشبه بإبراهيم، أمة يعني وإن كان وحده، كما قال الله عز وجل في إبراهيم: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾، ولو هو وحده عليه الصلاة والسلام فهو أمة. وهكذا معاذ، فعاش في بلاد كثيرة ونثر علمًا عظيمًا كثيرًا في الناس، فكان أمة أحيا الله عز وجل به بلدًا كثيرة وعبادًا كثر، فنفع الله عز وجل به بحلّه وترحاله. ذهب إلى اليمن فأحيا الله به أممًا في اليمن، وذهب إلى الشام فأحيا الله به أممًا في الشام، فكان أمة. فكما قيل: هو ممن تعلم الناس منهم وهو واحد، لكن أحيا الله به أممًا، فلا يزال أهل اليمن فضل معاذ رضي الله عنه أرضاه عليهم إلى يومنا هذا، وهكذا كذلك أهل الشام وأهل العراق وغيرهم ممن رحل إليهم معاذ رضي الله عنه أرضاه. ولهذا شبه معاذ بإبراهيم عليه الصلاة والسلام أنه كان أمة قانتًا، فأمة أي واحد كأنه فئة وجماعة كبيرة. وقانتًا كما قال هو السراء بن مسعود المطيع لله ورسوله. والقانت عند أهل اللغة والتفسير هو المقبل على الله غير ملتفت عما سواه، فهو أعرض عما سوى الله والتفت إلى الله سبحانه وتعالى وحده. ولهذا قيل: إن هذا له فيه تخلية وتحلية، تخلي كل ما سوى الله وتحل نفسك بالتوجه لله عز وجل وحده. ولهذا أمر الله عز وجل فيها في الصلاة: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ أي مقبلين على الله هم متفردين به ومعرضين عن كل ما سواه. فالذي يدخل في الصلاة ينبغي أن يتحلى بهذا الوصف وأن يستحضر هذا الوصف حتى يحققه، وهو الذي أمر الله عز وجل به. فمن لم يكن قانتًا في صلاته لم يستطع أن يقيم صلاته كما يحبه الله سبحانه وتعالى ويرضاه. والشاهد: هذا من فضل العلماء أن العلماء ورثة الأنبياء. قال رحمه الله: أخبرنا أبو بكر - وهو الأجري رحمه الله - قال: أنبأنا أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد، وهو أحد الثقات، تقدم معنا وقد ترجم له الخطيب وغيره. قال: أنبأنا الحسين بن حسن المروزي، وهو أبو عبد الله، حدث عن ابن المبارك وغيره، وأحد كذلك رجال التهذيب وهو صدوق. قال: أنبأنا ابن المبارك، وهو الإمام المعروف والمشهور عبد الله بن المبارك، كان يشبه بالصحابة رضي الله عنهم أرضاهم في علمه وعمله، كان يجاهد عامًا ويحج عامًا آخر، ويطلب العلم ويتاجر ويكفل العلماء وينفق عليهم ويفرغهم للعلم والتعليم، رحمه الله رحمة واسعة. قال: أنبأنا الحسن بن ذكوان عن الحسن. والحسن بن ذكوان أبو سلمة البصري من رجال التهذيب وهو صدوق يخطئ، ولهذا هو في الشواهد. قال: عن الحسن - وهو ابن أبي الحسن البصري الإمام المشهور - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من الصدقة أن تتعلم ثم تعلّمها ابتغاء وجه الله عز وجل». وهذا إسناد ضعيف؛ أولًا للحسن بن ذكوان، وثانيًا أن الحسن مرسل، وهو من مراسيل الحسن، ومراسيل الحسن ضعيفة. وليس بصحيح أن مراسيل الحسن وكبار التابعين صحيحة، ولكن كثير منها له شواهد ومتابعات، فلا يصح إطلاق الحكم بقبول مراسيل كبار التابعين. وهذا هو الصحيح من أقوال المحققين من أهل هذا العلم. والحديث روي كما أشار في التعليق عند ابن ماجة بلفظ آخر، ولكنه كذلك روي بإسناد ضعيف. قد جاء عند ابن ماجة بلفظ: «أفضل الصدقة أن يتعلم المرء علمًا ثم يعلمه أخاه المسلم»، وهو عند ابن ماجة، لكنه كذلك ضعيف؛ فهو من طريق إسحاق بن إبراهيم - هو ضعيف - وكذلك من رواية الحسن عن أبي هريرة، ولم يسمع الحسن من أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، ففيه علتان فلا يصح كذلك. لكن معناه صحيح؛ فتعلم العلم وتعليمه من أفضل الصدقات ومن أفضل كذلك القربات، وحمومات الأدلة في فضل العلم تدل على هذا. وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم بالنظارة لمن بلغه شيء من العلم فبلغه وأداه كما سمع. وهذا يدخل في هذا المعنى؛ أي أخذ العلم وتبليغه لغيرك. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بلِّغوا عني ولو آية». ومعناه: بلِّغوا عني ما صح من العلم. وغير ذلك من الأحاديث الحاثة على تبليغ العلم، وسيأتي معنا إن شاء الله شيء من ذلك في الفصول الآتية. قال رحمه الله تعالى: قال محمد بن الحسين - هو الأجري نفسه رحمه الله - وقد تقدم معنا لماذا بعض الأئمة يفعلون مثل هذا؟ قال: قد اختصرت من فضل العلماء وما خصهم الله عز وجل على سائر المؤمنين ما فيه بلاغ لمن تدبره، فألزم نفسه الطلب للعلم ليكون معهم. وبذلك - وذلك بتوفيق الله عز وجل - فإن قال قائل: من علم العلم وحفظه وناظر فيه ينال بهذا الفضل الذي ذكرت؟ قيل له: أرجو ألا يخل الله كل مسلم طلب الخير والعلم من خيره الذي وعد به العلماء. ولكن قد ذكرت له أوصافًا وأخلاقًا، فنحن نذكرها. فمن تدبرها من أهل العلم رجع إلى نفسه، فإن كان منهم شكر الله عز وجل على ما خصه به، وإن لم تكن أوصاف منهم وكان ممن علمه حجة عليه استغفر الله عز وجل ورجع إلى الحق من قريب. والله ولي التوفيق. ومعنى كلامه رحمه الله: أنه ذكر في هذا الفصل الذي انتهينا منه الآن عدة أحاديث، وقبلها آيات وكذلك آثار عن الصحابة والتابعين في فضل العلم، ثم أورد سؤالًا وجوابه في الفصول أو الأبواب الآتية. وهو من توجه في طريق العلم وناظر ودخل فيه، فهل يلحق هذا الفضل؟ فأجاب رحمه الله: أنه يرجو أن لا يفوت هذا الفضل أحدًا طلب الخير والعلم، ولكن ليس الشأن كل الشأن أن تكون ممن طلب العلم، لكن الشأن كل الشأن أن تكون ممن اتصف بالأوصاف الصحيحة التي تليق بحملة العلم، وإلا صار العلم حجة عليك لا لك. وبهذا يكون توطئة للدخول فيما سيأتي - إن شاء الله تعالى - نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا علمًا نافعًا وعملًا صالحًا. إلى هنا والله تعالى أعلم.