الدفاع عن القرآن

الخطبة بعنوان الدفاع عن القرآن، والتي كانت بدار الحديث بالفيوش 26 ذو الحجة 1444هـ الموافق 14 يوليو 2023م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في فضل القرآن وأهميته

القرآن الكريم هو كتاب الله العظيم لهداية الناس، ويجب على المسلمين الدفاع عنه. يُبين أهمية تعظيم القرآن واحترامه.

مكانة القرآن ووجوب تعظيمه وتحذير من إهانته

يُبين مكانة القرآن وأهمية تعظيمه، ويحذر من إهانته مستشهدًا بالأحاديث النبوية. يشير إلى عظيم حقْد الكافرين على المسلمين.

التحذير من الدعوات الكاذبة والظلم وتأكيد على التمسك بالقرآن

ينتقد الدعوات الكاذبة إلى الدين الإبراهيمي، ويشير إلى الظلم الذي يتعرض له المسلمون. يؤكد على أهمية التمسك بالقرآن والسنة لتحقيق السعادة.

دعاء لإصلاح الأمة وفق قيم الإسلام

يتضمن دعاءً لإصلاح الأمة بأن يعز الله أهل الطاعة ويذل أهل المعصية. يُظهر الرغبة في إصلاح المجتمع وفقًا لقيم الإسلام.

التفريغ النصي الكامل

الدفاع عن القرآن الدفاع عن القرآن، الله عز وجل أكرمنا معاشر المسلمين بهذا القرآن العظيم الذي جعله سبحانه وتعالى سببًا لهداية الناس من طرق الضلال والغواية، من ظلمات الجهل والشرك والوثنية والخرافة، ليخرج الناس من ظلمات البدع والمعاصي والسيئات إلى نور العلم والإيمان والتوحيد والسنة والطاعة والاستقامة. هذا القرآن العظيم الذي جعله الله عز وجل سببًا لإصلاح حال هذا الإنسان في نفسه وفي أهله وفي ذريته ومجتمعه، أنزله الله عز وجل ليأخذ بأيدي الناس إلى طريق الاستقامة، إلى طريق الخير والبر والتقوى. فلنعلم أن ما يفعله اليوم بعض أعداء هذا الدين من امتهان هذا القرآن وتدنيسه وإهانته هو قليل من كثير من كفرهم وعظيم بغضهم وعداوتهم لأهل هذا الدين. والله عز وجل قد أخبرنا عنهم بالشيء الكثير، بل هذا قليل من كثير مما تخفي صدورهم، كما أخبر الله عز وجل عن ذلك بقوله: ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾. بل قال الله عز وجل: ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ﴾. فإن الهدى الحقيقة هو في دين الله عز وجل، وهؤلاء المشركون والكافرون واليهود والنصارى ومن معهم من الملحدين هم أعداء هذا الدين. وهذه المواقف لا تزيدنا إلا بصيرة ومعرفة بأن هؤلاء من أشد الناس حنقًا وحقدًا وعداوة لأهل الإسلام. فنحن على يقين أن هؤلاء القوم الذين امتهنوا كتاب الله سيعاجلهم الله عز وجل بالعقوبة العاجلة فضلًا عن الآجلة، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾. فسنة الله أنه إذا أراد أن يعاجل قومًا بالعقوبة استدرجهم بظلمهم وبغيهم وعدوانهم وتعديهم لحرمات الله ومقدساته، فعند ذلك ينتقم الله ويأخذ أخذ عزيز مقتدر سبحانه وتعالى. خطبة لفضيلة شيخنا العلامة أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي، حافظه الله، كانت بتاريخ السادس والعشرين من شهر ذي الحجة لعام ألف وأربعمائة وأربعة وأربعين من الهجرة النبوية. سجلت هذه المادة في دار الحديث بالفيوش، حرسها الله. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وصفيه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾. ويقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾. ويقول سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾. الله عز وجل أكرمنا معاشر المسلمين بهذا القرآن العظيم الذي جعله سبحانه وتعالى سببًا لهداية الناس من طرق الضلال والغواية، من ظلمات الجهل والشرك والوثنية والخرافة، ليخرج الناس من ظلمات البدع والمعاصي والسيئات إلى نور العلم والإيمان والتوحيد والسنة والطاعة والاستقامة. هذا القرآن العظيم الذي أنزله الله عز وجل ليأخذ بأيدي الناس إلى طريق الاستقامة، إلى طريق الخير والبر والتقوى. أنزله الله سبحانه وتعالى سببًا لإصلاح هذا الإنسان في ظاهره وباطنه، لإصلاح هذا الإنسان في جوارحه وفي قلبه وفي عقولهم، لإصلاح هذا الإنسان في أخلاقه وآدابه وسيره ومنهج حياته. أنزل الله عز وجل هذا القرآن ليرتقي به هذا الإنسان في مراتب الإسلام وسلم الإيمان حتى يرتفع إلى أعلى الدرجات. فيزكي هذا القرآن بما فيه من المواعظ العظيمة وما فيه من الأخبار الصادقة وما فيه من قصص الأنبياء وسير الصالحين والأصفياء وغيرهم من الصديقين والشهداء. أنزل الله عز وجل هذا القرآن ليصلح هذا الإنسان في نفسه وفي أهله وفي ذريته وفي مجتمعه. أنزله الله عز وجل لأجل أن يصلح أحوال الناس في سائر شؤون حياتهم، فيكون دستورًا للحياة يحتكمون إليه بكل صغيرة وكبيرة، يرجعون إلى هذا القرآن لأن فيه خبر من قبلنا، وفيه نبأ من بعدنا، وفيه ما يصلح أحوالنا. أنزل الله عز وجل هذا القرآن ليكون ميزانًا يزن الناس به أقوالهم وأفعالهم وأخلاقهم وسلوكياتهم. فالميزان هو هذا القرآن العظيم الذي أنزله الله سبحانه وتعالى لهداية الناس، بل لهداية الجن والإنس. فلما نزل هذا القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم، شهدت الجن بنزول قرآن عظيم فيه من الرشد وفيه من الهداية ما هو سبب لإصلاح الجن والإنس. أنزل الله عز وجل هذا القرآن لترق به القلوب وتصلح به أحوال الناس، فيكون سببًا في أن يرتقي هذا الإنسان بنفسه، ليُرقق قلبه ويصلح حاله ويقيم أحواله وجوارحه على ما فيه الخير له في هذه الدنيا وكذلك في الدار الآخرة. ولهذا، جاءت الفضائل الكثيرة في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بذكر فضائل ومحاسن هذا القرآن، وذكر كذلك عظيم منزلته عند الله سبحانه وتعالى. وما ذلك إلا لعظيم أثره في إصلاح هذا الإنسان. ولذلك، جاءت الآيات الكثيرة والأحاديث الأكثر التي تدل أن سعادة هذا الإنسان تكمُن بأخذه بهذا الكتاب العظيم، وهذا الذكر الحكيم، وهذا القرآن الكريم المنزل من رب العالمين. كما قال الله عز وجل: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾. وكما قال الله عز وجل: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ﴾. فالله عز وجل جعله سببًا لإبعاد الشقاء، وسببًا لجلب الخشية من الله سبحانه وتعالى، وإصلاح الناس في هذه الدنيا. وكما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ﴾. أي كذلك أتتك آياتنا فتركتَها، فكذلك اليوم تُترك بما كان من الإعراض عن هذا الكتاب العظيم، وبما كان من البعد عن هذا القرآن العظيم. ولذلك، معاشر المسلمين والمسلمات، الناس يتفاوتون في هذا القرآن بقدر قربهم وبعدهم من هذا القرآن العظيم. ولهذا، جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وجاء عن الصحابة أن الله عز وجل يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين. يرفعهم رفعة حسية بما يكون من صلاح ظاهرهم وصلاح باطنهم، وشفاء ظاهرهم وشفاء باطنهم. ورفعة معنوية بما يكون من الرقي في درجات الإيمان وسلم الإسلام حتى يرتقوا إلى أعلى الدرجات. وهذا بفضل هذا القرآن العظيم. ولهذا، جاء في فضله أشياء كثيرة من أحاديث النبي الكريم. ففي صحيح البخاري من حديث عثمان رضي الله عنه وأرضاه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». فخيرية هذا الإنسان بتعلم هذا القرآن وتعليمه. فكلما اقترب من هذا القرآن تعلمًا بحفظه وتلاوته، وكذلك تدبره، فإنه يرتقي إلى أعلى درجات الخيرية. وكلما ابتعد عن هذا الكتاب العظيم بعدم تعلمه والإعراض عن حفظه والبعد عن تدبره والعمل به، فإنه يزداد بعدًا وحرمانًا بقدر بعده من هذا الكتاب العظيم. وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم بالصحيح كذلك أن الذي يقرأ القرآن وهو ماهر فيه فهو مع الكرام السفرة البررة، وأن الذي يقرأه وهو عليه شاق ويتتعتع فيه فله أجران. فانظر لم يحرُم كلا الرجلين بما كان من أخذهم لهذا القرآن واعتنائهم به. فكان الأول ماهرًا فكان مع الكرام السفرة البررة، أي مع الملائكة المكرمين. وكان الثاني فيما يشق عليه ويتتعتع فيه له أجران، أجر قراءته وأجر معالجته في مشقته لقراءة هذا القرآن. وهكذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يزال العبد القارئ للقرآن يقال له يوم القيامة: «اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا»، حتى يرتقي إلى أعلى الدرجات بما كان من أخذه لكتاب الله وحفظه وتعلمه. وهكذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن أبوي متعلم القرآن ومعلمه يكسيان بحلة لا تقوم لهم الدنيا. إكرامًا لهما لما تعلم ابنهما القرآن. فيقولان: «بماذا كسينا هذا يا رب؟ أي أعطيتنا شيئًا عظيمًا وكافأتنا بشيء كبير لا نستحقه». قال: «بما أخذ ابنكم القرآن». وهكذا كذلك صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذكر محاسن وفضائل هذا القرآن أحاديث كثيرة، كلها تدل على هذا الأصل العظيم الذي هو من عظيم أصول ديننا، والذي هو من عظيم ثوابت شرعنا. ففي هذا القرآن العظيم الخير الكثير لهذا الإنسان في إصلاح حاله في دنياه وكذلك في آخرته، إن هو أخذه وتعلمه وتدبره وحفظه أو حفظ ما تيسر منه وعمل بما فيه، فإنه بإذن الله له به الرفعة في هذه الدنيا وفي الدار الآخرة. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبصرنا بمور شرعنا، وأن يفقهنا بمور ديننا، وأن يجعلنا هداة مهتدين. والحمد لله رب العالمين. أما بعد، عباد الله، بعد إذ سمعنا ما سمعنا، فلنعلم أن للقرآن منزلة عظيمة عند الله وعند المؤمنين، وفي دين الله سبحانه وتعالى. ولذلك جاءت الأدلة الكثيرة في تعظيم كلام الله عز وجل وذكره والاعتناء بحفظه، لعظيم منزلة هذا الكتاب العظيم. فإن القرآن العظيم كلام رب العالمين الذي نزل به جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم، ليتلوه ويعلم المؤمنين هذا القرآن العظيم. له منزلة عظيمة. ولذلك كان الصحابة رضي الله عنهم يقتدون بالنبي صلى الله عليه وسلم في تعظيمه وفي إجلاله وفي احترامه وفي صيانته. وأول ذلك بحفظه في صدورهم ووضعه في قلوبهم وتعظيمه في سائر أحوالهم. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتلو هذا القرآن ويعظمه، ويحفظه أصحابه رضي الله عنهم، ويأمرهم بتعظيمه. وهكذا كذلك، الصحابة فعلوا مع من بعدهم. بل صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اعتنى بتربية الصحابة على تعظيم كلام الله حتى فيما كان مختلطًا بغيره مما ليس منه. فجاء في السنن أنه لما أتي بالتوراة بين يديه، أتى بوسادة فرفع التوراة فوق الوسادة، ولم يضعه على الأرض، مع أن التوراة فيها من الدخيل المحرف. ولكن لأن فيها بعض ما هو من كلام الله، وهو صحيح. فإن النبي صلى الله عليه وسلم جعل له هذا الاحترام والاحتفاء. وهكذا كذلك، كلام الله وكتابه سبحانه وتعالى، أو ما كان في بعض الكتب، سواء كانت كتب العلم والتعليم أو كانت كذلك الكتب المدرسية أو الصحف والمجلات، إذا احتوت على شيء من ذكر الله سبحانه وتعالى، فإنه يجب احترامها، فلا ترمى ولا تمتهن ولا توضع في القمائم وغير ذلك. بل ينبغي أن يكون لها المكان المخصص والمواضع المحترمة التي يليق بتعظيمها وتعظيم ذكر الله عز وجل الذي فيها. وقد أجمع المسلمون كما ذكر غير واحد من أهل العلم، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، أن من امتهن القرآن وأهانه ولم يحترمه، فدنسه أو داسه أو ركله برجله أو غير ذلك، أنه كافر بإجماع المسلمين، وأنه حربي حلال الدم في حكم المسلمين عامة، لعظيم منزلة هذا القرآن العظيم في دين الله سبحانه وتعالى. فإذا كان كذلك، فلنعلم أن ما يفعله اليوم بعض أعداء هذا الدين من امتهان هذا القرآن وتدنيسه وإهانته هو قليل من كثير من كفرهم وعظيم بغضهم وعداوتهم لأهل هذا الدين. والله عز وجل قد أخبرنا عنهم بالشيء الكثير، بل هذا قليل من كثير مما تخفي صدورهم، كما أخبر الله عز وجل عن ذلك بقوله: ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾. بل قال الله عز وجل: ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ﴾. فإن الهدى الحقيقة هو في دين الله عز وجل، وهؤلاء المشركون والكافرون واليهود والنصارى ومن معهم من الملحدين هم أعداء هذا الدين. وهذه المواقف لا تزيدنا إلا بصيرة ومعرفة بأن هؤلاء من أشد الناس حنقًا وحقدًا وعداوة لأهل الإسلام. وفي هذا دروس وعظات وعبر. فمن أول هذه الدروس والعظات والعبر أن نعرف عظيم عداوة هؤلاء للإسلام وأهله، وعظيم حقدهم، وكذلك عظيم عداوتهم لأهل الإسلام ولثوابت وحرمات هذا الدين العظيم. فإذا فعلوا هذا بالقرآن، فإنهم يفعلون أعظم منه بأهل القرآن. وتاريخ البشرية مليء بما يدلك بالبراهين الواضحة البينة على عظيم حقد هؤلاء الكافرين على أهل الإسلام. ولا أدل على ذلك تلك الجرائم العظيمة التي فعلها أعداء هذا الدين، ومن ذلك ما وقع في بلاد الأندلس. وليس أمرها ببعيد، فتلك مدارس التفتيش وما جرى معها من التعذيب بأصناف وأنواع التعذيب للمسلمين، لا لشيء إلا لأنهم من المسلمين. مع ما كان عليه حال المسلمين في اعتنائهم بسائر الناس وإعطائهم حقوقهم ورحمتهم وإعانتهم، بما يشهد به كل منصف عظيم أهل الإسلام منزلتهم، وأثر الإسلام على أهله. وبه يكون في هذا درس لمن يأتي وينادي بتلك النداءات الكاذبة والشعارات الزائفة إلى الدين الإبراهيمي وإلى غير ذلك من النداءات، أو من ينادي إلى معاني الإنسانية. وهؤلاء محرومون من معاني الإنسانية. أو من ينادي إلى معاني العدل وعدم العنصرية وعدم البغضاء وإحياء النعرات التي يكون بها الشحناء. وحقيقة الأمر أن هؤلاء هم من يحيي النعرات ومعاني الشحناء، وهم من يعيد أسباب العداوة والبغضاء. وأن هؤلاء هم من ينادي بالنداءات العنصرية. ولذلك فإنهم يكيلون بالمكاييل المختلفة. فإذا كان الأمر في دينهم ودين حلفائهم، فإنهم لا يرضون أن يمس فلا يذكر اليهود ويمنع أن يذكر اليهود بأي منقصة، ولو في كتاب أو صحيفة أو غير ذلك، فضلًا عن كتبهم المقدسة. وأما أهل الإسلام فيجترئون على مقدساتهم ويجترئون على ثوابت دينهم. فأين العدل والإنصاف؟ وأين الإنسانية؟ وأين معاني المحبة والوئام والدين الإبراهيمي الذي ينادون به؟ لأجل أن يعرف القاصي والداني حقيقة تلك الشعارات الزائفة والدعوات الكاذبة التي يدعو بها هؤلاء. وحقيقة الظلم والجور والموازين المختلفة التي يزن بها هؤلاء الكثير من المسائل. وأمر آخر ينبغي أن نعلم أن سنة الله سبحانه وتعالى في محارب هذا الدين هي الهوان، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه: «وجعل الذل والصغار على من خالف أمري». وكان المسلمون كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، إذا حاربوا قومًا من المشركين والكافرين أو اليهود والنصارى ولم يفتح لهم، قالوا: «فإذا رأيناهم أهانوا دين الله أو سبوا رسول الله أو كتاب الله استبشرنا بالنصر». فما هو إلا يوم أو يومين فيفتح الله عز وجل علينا. وهذا من حكمة الله سبحانه وتعالى، هذا من حكمة الله في وقوع مثل هذا الظلم والعدوان العظيم الذي به يتعجل هؤلاء العقوبات الربانية من رب العالمين. ولذلك، فنحن على يقين أن هؤلاء القوم الذين امتهنوا كتاب الله سيعاجلهم الله عز وجل بالعقوبة العاجلة فضلًا عن الآجلة، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾. فسنة الله أنه إذا أراد أن يعاجل قومًا بالعقوبة استدرجهم بظلمهم وبغيهم وعدوانهم وتعديهم لحرمات الله ومقدساته، فعند ذلك ينتقم الله ويأخذ أخذ عزيز مقتدر سبحانه وتعالى. وأمر آخر، أيها المسلمون، ينبغي أن نكون على يقين أن الله عز وجل الذي أنزل هذا القرآن العظيم تكفل بحفظه وتكفل كذلك بصيانته، كما قال الله سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. فالله حافظ لهذا الكتاب حسًا ومعنى. فما علينا إلا أن نبذل الأسباب الشرعية في حفظه وفي تعظيمه. ومن ذلك، أيها المسلمون، أن نعظمه بحفظه بقلوبنا وتعلمه وتدبره والعمل به، بتحفيظ أبناءنا بنشره في مساجدنا وفي مدارسنا، بالاعتناء به بإقامة دور القرآن وبإقامة مدارس التحفيظ وغير ذلك. فإن هذا من أعظم ما يكون به حفظ كتاب الله، وما يكون به تعظيم كتاب الله، وما يكون به محاربة أعداء الله. ولذلك، فهم يصرحون أنهم يحرقون القرآن ليزيلوه من الوجود، فيزيلوه من المساجد كما زعموا، ويحاربون به الإسلام كما زعموا. ثم يدعون زورًا وكذبًا وظلمًا وعدوانًا أنه مصدر الإرهاب. وما جاء الإرهاب إلا من أعداء هذا الدين. فقد علم العقلاء أن قصة الإرهاب حكاية معروفة مصطنعة، اصطنعها أعداء هذا الدين واستخدموا بها بعض المنافقين والجهلة من أبناء المسلمين. وإلا، فدين الله عز وجل بريء براءة الذئب من دم يوسف من أمر الإرهاب. فكل عاقل ومنصف من الكافرين فضلًا عن المسلمين علم أن الإرهاب صناعة غربية أو شرقية يستخدمها أعداء هذا الدين لتعلق عليه التهم على أهل هذا الدين. وإلا، دين الله سبحانه وتعالى هو دين العدل، دين الرحمة، دين الإحسان. وشواهد ذلك كثير في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي تاريخ المسلمين. وهكذا كذلك، من الدروس والعبر، عباد الله، أن نحرص على العمل بهذا القرآن في قلوبنا وبتعظيمه، وفي جوارحنا بامتثال أوامره، وبمجتمعاتنا بالاحتكام إليه، كما قال الله سبحانه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. وكما قال الله عز وجل: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. وفي الآية الأخرى: ﴿فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. ﴿فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. فمن لم يحتكم إلى كتاب الله فهو بين الفسوق والظلم والكفر، بقدر ما يكون من عمله. فينبغي أن نحذر، معاشر المسلمين، من عدم الاحتكام إلى كتاب الله في أنفسنا وفي مجتمعاتنا وفي محاكمنا وفي دساتيرنا. أن نرجع إلى كتاب الله ونحتكم إليه، وأن كذلك نطلب السعادة به. وأخيرًا، ينبغي أن نعلم، معاشر المسلمين، أن معيار سعادتنا في هذه الدنيا بقدر امتثالنا وأخذنا لكتاب الله وتعظيمه والعمل به، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما جاء في الصحيحين، فيما جاء عند الحاكم غيره، بإسناد صحيح، من حديث أبي هريرة ومعناه من حديث ابن عباس، أنه قال عليه الصلاة والسلام: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا: كتاب الله وسنتي». وكما قال الله عز وجل فيما تقدم في قولي سبحانه: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ﴾. وكما قال الله عز وجل: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يصلح أحوالنا وأحوال المسلمين بكل مكان، وأن يدفع عنا المحن والفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم أصلح أحوالنا وأحوال المسلمين في اليمن وفي العراق وسوريا وليبيا وسائر بلاد المسلمين، يا رب العالمين. اللهم أصلح أمتنا ولا تؤاخذنا، واجعل ولاية من خافك واتقاك واتبع رضاك، يا أرحم الراحمين. اللهم انصر جنودنا واحفظ حدودنا وانصرنا على من بغى علينا، يا رب العالمين. اللهم اجعل النصر والغلبة لأهل التوحيد والسنة، والظفر لأهل الإيمان والطاعة، واجعل الذل والصغار على من خالف هذا الدين من الكافرين والملحدين واليهود والنصارى والمشركين والمبتدعين. نسأل الله عز وجل أن يجعل في هذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل الطاعة ويذل فيه أهل المعصية. والحمد لله رب العالمين.