الدرس في نصائح وتوجيهات، وكانت يوم الجمعة 22 ربيع أول 1432هـ بمسجد الخير بالخزان بمدينة الشحر . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يؤكد الشيخ على أهمية العلم في تحقيق الحياة الطيبة والسعادة الحقيقية للإنسان، ويبين أن العلم النافع يجعل المؤمن قويًا ومتعلقًا بربه. العلم يشمل كل ما يحتاجه المسلم في حياته وليس مقتصرًا على مسائل معينة.
يُناقش المقطع أهمية دور الآباء في توجيه أبنائهم ومراقبة صحبتهم، ويحذر من عواقب إهمال هذه المسؤولية. يُشدد على ضرورة العناية بالعلم والعمل الصالح لتحقيق السعادة في الدنيا والآخرة.
يشرح المقطع حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يحذر من الغش لرعية الله، ويشمل هذا التحذير كل من ولي أمر أو مسؤول عن رعاية. يبين المقطع خطورة هذا الفعل ويحذر منه مستندا إلى فتوى الإمام محمد صالح العثيمين رحمه الله.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فنحمد الله جل وعلا حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى. نحمده سبحانه وتعالى على ما أنعم علينا من نعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، وهو القائل جل وعلا: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾. ونخصه سبحانه وتعالى بالحمد والثناء بما هو أهله، على ما خصنا من نعمة الإيمان والإسلام، والتوفيق لسنة النبي عليه الصلاة والسلام، وذلك من عظيم فضل الله عز وجل علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. ونحمد الله جل وعلا كذلك الذي وفقنا للاجتماع ببيت من بيوت الله، نتذاكر ما ينفعنا من العلم النافع، بما يعيننا على العمل الصالح. وهذا موضع آخر كذلك من مواضع نعم الله عز وجل على عباده، غفل عنها الكثير من الناس. واصطفى ربنا جل وعلا وهدى ووفق من وفق من عباده سبحانه وتعالى. ونسأل الله عز وجل أن يعيننا جميعًا والسامعين على ما فيه صلاح ديننا ودنيانا. ولا ننسى أن نشكر إخواننا وأباءنا في هذا المسجد الطيب المبارك على حسن ظنهم بإخوانهم، وحرصهم على إقامة مثل هذه المجالس الطيبة المباركة، التي أسأل الله عز وجل أن يجعل ذلك في ميزان حسناتهم وحسنات الجميع، وأن يزيد من أمثالها وأخواتها ونظائرها، ما يكون فيه وبه بإذن الله تعالى إصلاح أحوال العباد والبلاد. والعلم في الحقيقة كله فيه خير للعباد، ومفتاح النصح هو العلم. وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما في الصحيحين من حديث معاوية رضي الله تعالى عنه: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين». والفقه بالدين لا ينحصر، أيها الأحبة، بأن يكون ذلك بمسائل العبادات أو مسائل العقائد، أو أن يصل بصاحبه إلى أن يكون عالمًا من العلماء. ولكن المقصود بالفقه في الدين هو كل ما يحتاجه المسلم من العلم، وما ينتفع به من العلم في حياته، سواء أكان ذلك في أمور عقيدته وعبادته لربه، أو كان ذلك كذلك في إصلاح أحوال عباداته من طهارته وصلاته وصيامه وصدقته وسائر أعمال الخير والبر، أو كان كذلك في أمر إصلاح حال نفسه وأحوال كذلك أهل بيته. فإنه لا يصل إلى ذلك إلا بالعلم. ولهذا كان هذا الدين بأكمله بجميع أحكامه وحكمه من العلم الذي ينتفع به هذا الإنسان في هذه الدنيا، وكذلك في الدار الآخرة. والله جل وعلا يقول في كتابه الكريم، مبينًا هذا المعنى وموضحًا إياه، ليعلم الناس أن حقيقة صلاحهم وصلاح أحوالهم يكمن بالاستزادة من هذا الخير والهدى الذي جاء به نبينا عليه الصلاة والسلام. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْحُمِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾. فالناس بضلال مبين، إلا من وفقه الله جل وعلا إلى هذا الهدى والخير الذي جاء به نبينا عليه الصلاة والسلام، وهو دين الإسلام الذي يشمل ما لا يستغني عنه هذا الإنسان في عقيدته، وفي عبادته، وفي كذلك أخلاقه وسلوكه، وفي سائر ما يحتاجه هذا الإنسان، فضلًا عن المسلم في حياته اليومية. فأنت أخي المسلم تحتاج إلى علم وهدى تستنير به في حياتك، فتعيش في هدى بين ضلالتين، وبين كذلك غوايتين، تعيش في صراط مستقيم لا اعوجاج فيه يمنة ولا يسرة. هذا الصراط المستقيم الذي رسمه لك نبيك صلى الله عليه وسلم، وسار فيه قبلك، وهو إمامنا وقدوتنا عليه الصلاة والسلام، يتمثل بهذا الدين العظيم بأكمله بجميع أحكامه وحكمه. فأنت تحتاج إلى العلم لتسير على هذا الصراط المستقيم، وتسلم بسيرك فيه من سائر الشرور والآفات والضلالات والسيئات التي يبتل بها الإنسان، شعر أو لم يشعر، علم أو لم يعلم. لأن الإنسان قد يقع بالضلال بجهل، كما أنه قد يقع بالضلال بعلم، وكل الأمرين يضره ولا ينفعه، ويخسر به ولا يربح. ولكنه إذا استنار بنور العلم، واستفاد من هدى الإيمان والإسلام، وفقه الله عز وجل لأكمل حال وأطيب عيش في هذه الدنيا، وكذلك بإذن الله تعالى في الدار الآخرة. وصدق ربنا إذ يقول عز من قائل سبحانه وتعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. هذه الحياة الطيبة، يا ترى هل هي بكثرة الأموال، أو كذلك بالاستزادة من الدور والقصور، وبالتنافس بالمراكب الفاخرة والسيارات الفارهة، أو كذلك بطلب الجاه والمنصب والتنافس على الكراسي، أو بماذا؟ ربما ظن الكثير من الناس بقلة علمه وجهله وطول أمله وغفلته، أن هذه مواطن الحياة الطيبة ومواضعها. فجهل أعظم الجهل إذ ظن هذا الظن، وما علم أن حقيقة الحياة الطيبة تكمن بما يكون من الاستقامة الصحيحة الكاملة، بما جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم في هذا الدين العظيم، دين الإسلام. فكلما استوعب واستكمل خصال الإيمان والإسلام العبد، وجد من الراحة والطمأنينة والسعادة ما يكون له بإذن الله تعالى طيب حياته وعيشه في الدنيا قبل الآخرة، ولو كان من أفقر الناس، ولو كان كذلك من أثقل الناس، ما دام أنه على هذا الخير والهدى، فهو إن شاء الله في حياة طيبة. سعادة هذا الإنسان بانتفاعه بالعلم والهدى الذي جاء به نبينا عليه الصلاة والسلام. ولهذا فالناس يتفاوتون في هذه السعادة بتفاوت استفادتهم من هذا العلم والهدى الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام. ولو تفاوتت منازلهم ومراتبهم ودرجاتهم في هذه الدنيا، فليست السعادة كما تقدم بالغنى أو الفقر، ولا كذلك بالمنصب أو عدمه، ولا بالجاه ورفعته أو غير ذلك. فما أثر الأغنياء التعساء؟ صار الغنى لبعض الناس سببًا للهموم والغموم والنكد والحزن المستمر. وصارت بعض المناصب والكراسي كذلك سببًا لشؤم حياة بعض الناس، تكتر عليهم المصائب وتتتابع عليهم الضائقات، وتضيق عليهم الدنيا على سعتها. ورب إنسان، ورب إنسان في حياة يسيرة سهلة، على قلة ذات اليد، يجد من الراحة والطمأنينة وكذلك السعادة ما لا يجدها غيره ممن بسط له في هذه الدنيا. ورحم الله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى رحمة واسعة، إذ يقول وهو يؤكد لنا هذا المعنى: «ما يصنع أعدائي بي؟ إن سجني خلوة، وإن نفي سياحة». فبيّن أنه ما دام سعيدًا وطيبًا بالعلم والهدى الذي وفقه الله عز وجل إليه، فمهما ضيق عليه أعداؤه، فهو يجد في هذا التضييق سببًا آخر للراحة. فلو سجن استفاد من السجن خلوة بنفسه وربه سبحانه وتعالى. ولو نفي وأبعد من أرضه ووطنه وبلده، لجعل ذلك سياحة وبابًا آخر من أبواب الخير. وهكذا المؤمن، إن أصابته ضراء صبرًا فكان خيرًا له، وإن أصابته سراء شكرًا فكان خيرًا له. وليس ذلك كما قال النبي عليه الصلاة والسلام إلا للمؤمن. فالمؤمن هو الذي ينتفع بما أعطاه الله عز وجل من العلم بكل ما يدور به من أحداث وأحوال، فهو ينتفع من السراء ومن الضراء، وهو ينتفع من الرخاء ومن الشدة. لا تفتنه شدة كما لا يفتنه الرخاء، لأنه يعلم أن كل ذلك محل امتحان واختبار. ولكنه يستفيد مما يمر به، بما أعطاه الله عز وجل من العلم، ما يكون له ذخرًا عند الله جل وعلا. لا يغتر بخير أعطاه الله عز وجل، كما لا يبخل بهذا الخير. وهكذا كذلك لا يتعلق قلبه بشيء فات، لعلمه أن الخير فيما اختاره الله له. وقلبه متعلق بربه جل وعلا وحده، لا يتعلق بالمخلوقين الضعفاء. وهو بذلك قوي، مهما تكالب عليه الأعداء، مهما أقبلت الأسباب وأدبرت، قوي بربه جل وعلا. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء فلن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن يضروك بشيء فلن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك». فالمؤمن الموحد الذي تحقق معنى الإيمان والإسلام والتوحيد في قلبه وعمله، قوي بربه جل وعلا، ولو كان وحده، فهو بقوة يقينه وقوة إيمانه، يجب من الشجاعة والقوة ما لا يقوى معه أعداؤه. والمنافق والفاجر، مهما كان عنده من أسباب القوة، بسبب عدم إيمانه أو ضعفه بربه جل وعلا، يكون عنده من الضعف والخور، وتتلاعب به الأسباب بقلة يقينه وضعف توكله، ما يجعله يتعلق بأصناف من الأوهام والأسباب التي تأخذ به يمنة ويسرة، فيكون ضعيفًا رعديدًا جبانًا هزيلًا، بسبب عدم تحقق العلم الذي لو أخذه وانتفع به لكان سببًا لسعادته وقوته ومنفعته بالدنيا، فضلًا عن الآخرة. وانظروا إلى أحوال الكثير من الناس الذين قل علمهم أو أعرضوا عن العلم، تعلقوا بالمخلوقين، فصار ذلك سببًا لفتنتهم في هذه الدنيا. ربما يتعلق تارة بشجرة، وتارة بحجر، وتارة بقبر، وتارة بشيخ، وهكذا تلعب به الأوهام بضعف عقيدته وجهله وقلة علمه. ربما إذا قيل له: «هناك شجرة في البلدة الفلانية، قالوا: من ذهب إليها جاءه ما يطلب من الشفاء»، عنده ولد مريض مسكين، ذهب بولده إلى تلك الشجرة. وإذا قيل له: «هناك ماء في الأرض الفلانية يستشفى به، وهو من بركة الولي الفلاني»، أخذ ولده وسافر به إلى ذاك الماء. وإذا قيل له: «هناك قبة من جاءها في وقت الزيارة وسأل عندها أوتي سؤله»، كذلك أخذ رحله وذهب بولده إلى تلك القبة، لقلة علمه وجهله وضعف عقيدته، تلاعبت به الأوهام، فهو تارة خلف شجرة، وتارة عند حجر، وتارة عند قبة، تعلق بغير الله، ورجى غير الله بقلة علمه، فأورثه ذلك من الهموم والغموم والشك والريبة، وما لا يعلمه إلا الله من أسباب الضعف والخور. وكله الله عز وجل إلى نفسه، إذ لم يتعلق بربه وخالقه. وغير ذلك كثير، وهذا قليل من كثير مما يبين لك أخي المسلم أهمية العلم، وكيف أن المسلم إذا اعتنى بالعلم النافع وحققه في حياته، أورث وأدخل ذلك عليه من معاني السعادة واليقين والقوة، ما تطيب به حياته وعيشه بالدنيا، فضلًا عن الآخرة. قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾. فالأمن التام بالإيمان التام، كلما كمل إيمان العبد كمل أمنه، وكلما انخدش هذا الإيمان وانخرم، كذلك ينخرم أمن هذا الإنسان في هذه الدنيا. ألا ترى السارق إذا سرق تقطع يده، والزانى إلى زنة جلد أو رجم، هذه حدود شرعية. وكذلك جعل الله عز وجل عقوبات كونية، وهو العدل سبحانه وتعالى بذنوب الناس ومعاصيهم، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾. أتظن أيها المسلم، يا من تغش في بيعك وتجارتك وتكون في أمانتك، ولا تبر بوالديك، ولا تصل رحمك، ولا كذلك تبر بكل ذي بر، أتظن أن الله عز وجل يجعلك كحال المسلمين المتقين؟ كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾. ربنا جل وعلا الحكم العدل، لا يجعل حال المسلم التقي كحال الكافر أو الفاجر، وهو الحكم العدل جل وعلا، فهو سبحانه وتعالى بعدله وبعظيم علمه سبحانه وتعالى، يعاجل للمؤمن ما هو ثمرة إيمانه في الدنيا، ويعاجل للكافر والفاجر ما هو ثمرة كفره وفجوره في الدنيا قبل الآخرة، وهو الحكم العدل سبحانه وتعالى. أما ترى حال المؤمنين في الدنيا كيف يكرمهم الله سبحانه وتعالى؟ حتى إذا ابتلاهم الله، كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله: «بلاء المؤمنين فيه لطف، وبلاء الفاجرين فيه عبرة وعظة». ربما المؤمن يموت والكافر يموت، والمؤمن يمرض والكافر والفاجر يمرض، لكن موت المؤمن فيه كرامة، وموت الكافر والفاجر فيه إهانة. مرض المؤمن فيه كرامة، ومرض الكافر والفاجر فيه إهانة. وهكذا كذلك يصاب المؤمن بشيء من الضراء، يكفر الله به من سيئاته ويرفع له به من درجاته. والكافر والفاجر يصيبه الضراء، لكن يجعله الله عز وجل آيات وعبرة وعضة لغيره. والأمر كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم، مبينًا هذا المعنى لكل من أراد العبرة والعضة في أحوال الأمم، فضلًا عن الأفراد والجماعات: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. وإذا علمنا ذلك أيها الآباء والإخوة، فلنعلم أنه يلزمنا أن نعتني بالعلم النافع اعتناء خاصًا وجادًا، يظهر أثر هذا الاعتناء في حياتنا اليومية، في أنفسنا وفي أهلينا وذرياتنا. إن أردنا السعادة في هذه الدنيا وفي الدار الآخرة. فلكل شيء سبب، ومن أعظم أسباب السعادة الاعتناء بالعلم النافع الذي يكون به صلاح أحوال الناس في هذه الدنيا، وكذلك في الدار الآخرة. أنت لك أبناء ولك زوجات، تطمع أن يصلحهم الله عز وجل لك في الدنيا، وأن يكون وإياك في دار كرامته في الدار الآخرة. فهل هيأتم أسباب هذه الأمنية الطيبة؟ هل هيأتم الأسباب الحقيقية للوصول لهذه الأمنية الطيبة؟ سمعت قول النبي صلى الله عليه وسلم: «احفظ الله احفظك، احفظ الله تجده تجاهك». هل حفظت الله حتى يحفظك الله؟ هل علمت أبنائك وأهل بيتك أن يحفظوا الله جل وعلا بالسر والعلم، فيحفظهم الله جل وعلا؟ اليوم أنت أو الآن أنت في هذا المسجد الطيب المبارك، في مجلس من مجالس العلم. هل تساءلت: أين هم الذين أحببت لهم الخير في هذه اللحظات؟ في أي مكان هم؟ أنت تريد لهم الخير، وليس من الصدق والإنصاف في إرادة الخير أن تتركهم كالغنم السائمة يرتعون مما يضرهم وما لا ينفعهم. ربما بعض الناس يترك أبناءه كما تركت البهائم تأكل من القمائم أكلا حسيا، فكذلك ترك بعض الناس أولاده يرد على القمائم المعنوية، يتخذ له صحبة سيئة ورفقة سيئة. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم، كما في السنن من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل». فدين أبنائك على دين أصحابهم وأخلائهم. فهل سألت نفسك أيها الأب ويا ولي الأمر: من يرافق ولدك الذي تطمع أن يكون ولدًا صالحًا؟ من يرافق ابنتك إن كنت تطمع أن تكون ابنة صالحة؟ من يرافق زوجتك إن كنت تطمع أن تكون زوجة صالحة؟ والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «مثل جليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يهديك وإما أن يبتاع منه وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ومثل جليس السوء كنافخ الكير إما أن يحرق ثوبك وإما أن تجد منه ريحًا خبيثة». هل سألت يومًا من الظهر في هذه الأموال التي يأتي بها ولدك: من أين أتى بها؟ هل من طريق حلال أم حرام؟ هل من مباح أو من طريق من طرق الفحش والفساد؟ كذلك هذا الذي تجده مع ابنتك. ربما بعضنا يجد مع ابنته شيئًا جديدًا. هل سألت نفسك: من أين دخل عليها هذا؟ يغيب الولد عن البيت الساعات وربما الأيام، وربما كذلك بعض بنات المسلمين يغبن الساعات وربما في بعض المدن الأيام. هل سأل ولي الأمر: أين كان غيابه هذا؟ أو أين كان غيابها؟ لأنك راع ومسؤول عن هذه الرعية، فضلًا أنك تطمع أن يصل هؤلاء إلى ما فيه صلاحهم وسعادتهم في الدنيا وفي الدار الآخرة. فالسعادة لها أسباب، ومن أعظم أسبابها الاعتناء بالعلم والعمل به. ما أكثر ما نسمع من العلم، وما أقل ما نعمل بهذا الذي نسمع. وكلنا مقصر، نسأل الله عز وجل أن يصلحنا جميعًا. ولكن المطلوب أن نحرص قدر المستطاع على الازدياد والمقاربة. ولنكن كمن قال الله عز وجل فيه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. الدنيا قصيرة، وأقصر منها أن يضيعها المؤمن بالأماني. النبي صلى الله عليه وسلم جعل هذه الدنيا مثلها كمثل رجل استظل تحت شجرة ثم تركها. بالأمس القريب كنت شابًا صغيرًا تلعب مع الصغار، مرت الأيام وتتابعت السنون، وها أنت في نصف عمرك أو شيخًا كبيرًا في آخر عمرك. وكلنا يمضي إلى مهل، هذا السن انطوت تلك الأيام والسنون انطواء سريعا، واستودعنا ما استودعنا من أعمال، فنلقى الله جل وعلا في الغد القريب. وقد تعلقت في أعناقنا أمانات كثيرة، وتحملنا أحمالًا. ونسأل الله عز وجل أن يختم لنا جميعًا بحسن الختام، وأن يصلحنا ويصلح أحوالنا وأحوال ذرياتنا وأبنائنا. يطمع الواحد منا أن يخرج من هذه الدنيا كفافًا على أقل الأحوال. ولكن هل هذه الأمنية تتحقق؟ وقد تعلقت بنا أمانات كثيرة. نحن نسمع حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته». ونحن نسمع قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئًا». كلنا يحسن ويسيء، فنسأل الله عز وجل أن يتقبل منا الإحسان، ويغفر لنا الإساءة. وكلنا يصيب ويخطئ، ونسأل الله عز وجل أن يعيننا على الصواب، وأن يتجاوز عنا الخطأ. ولكن تأمل مع هذا أخي المسلم أن إصابة عن إصابة تختلف، وأن خطأ عن خطأ يختلف، وأن إحسان عن إحسان يختلف، وإساءة عن إساءة تختلف. إساءة تجاهر بها وتدعو الناس إليها، تكون سببًا لإضلال غيرك فيها، ليست كإساءة فيها سر وكتمان. فإنك لا تحمل وزرك فقط، بل تحمل وزرك وأوزارًا كثيرة، أوزار أناس كنت سببًا بإضلالهم وإغوائهم، بما كان من دلالتهم إلى طريق الضلال والسيئات والعياذ بالله. فأحيانًا لا يكفيك أن تتوب من ذنبك، لأنه لم يكن ذنبًا مستترًا، بل كنت مجاهرًا، فأضللت أناسًا كثر. تبرئ ذمتك أمام الله بأن تنصح لهؤلاء الذين أضللتهم. تبرئ ذمتك بأن تتبرأ من هذه الأوزار التي حملتها، بما كان من إغوائهم. فكيف إذا كان هذا لأقرب الناس إليك، من أبنائك وأهل بيتك؟ بعضنا ربما يكون يومًا من الأيام مدخنًا، فصار ابنه كأبيه مدخنًا. تاب الأب وعلم خطر التدخين، بقي الابن مدخنًا. هذا كمثال، وما أكثر ما يبتل به الناس في هذا المجتمع الواسع. والله عز وجل يقول في كتابه الكريم، مبينًا انتفاع المحسن بإحسانه، وكذلك تضرر المسيء بإساءته: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾. هذه المجازاة عدل من الله سبحانه وتعالى، بل تفضل على أهل الإحسان بمضاعفة الإحسان للذين أحسنوا الحسن وزيادة. وربنا جل وعلا لأهل الإحسان، إنهم صدقوا وأخلصوا وحرصوا أن يصلح لهم كذلك بحسن نيتهم وصدقهم ذريتهم من بعدهم. والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان، ألحق الله بهم ذريتهم، وما ألتناهم من عملهم من شيء. يلحق الله عز وجل الأبناء بالآباء، بما كان من صلاح الآباء، إذا صلح الآباء وصدقوا، أصلح الله عز وجل لهم الأبناء. وليس هذا فحسب، بل إذا قصرت درجة الأبناء عن درجة الآباء، تفضل ربنا الكريم المنان سبحانه، بأن رفع الأبناء المقصرين إلى منزلة الآباء المحسنين، تفضلًا وتكرمًا منه على عباده المحسنين المتقين سبحانه وتعالى. وليس هذا فحسب، بل يجمع الله عز وجل إكرامًا منه لعبده المؤمن التقي المحسن، يجمعه بأحبته في الحياة البرزخية، حياة ما قبل اليوم الآخر، وهم في القبور تتزاور أرواحهم، وتلتقي أرواح المؤمنين بأحبتها، وهذا أحد تفاسير هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾. صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في مسند الإمام أحمد وغيره، من حديث أبي هريرة بإسناد حسن، أن أرواح المؤمنين تتلاقى، أي بعد موتها، فيجمعها بعضها على بعض، حتى إنهم يتساءلون: «أين فلان؟» فإذا قيل: «قد مات ولم يلتقوا به»، حزنوا عليه، لعلمهم أنه ليس في صف أهل الإيمان. فانظر إلى الكرامات العظيمة، وفضل الله عز وجل وعظيم عطائه. واعلم أن لك سعة في هذه الدنيا، وأنت في حال الإمكان والاستطاعة، أن تصلح وأن تحسن وأن تسدد وتقارب في نفسك، وفيمن ولاك الله عز وجل مسؤوليته ورعايته. تخلي نفسك من المسؤولية والأمانة، وتبرئ ذمتك عند الله جل وعلا، ألا تلقى الله جل وعلا يوم القيامة وقد تعلقت بك حقوق وأمانات، فتندم حيث لا ينفع الندم. وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما جاء بصحيح مسلم، من حديث معقل بن يسار رضي الله تعالى عنه وارضاه، أنه قال عليه الصلاة والسلام: «ما من امرئ يسترعيه الله رعية يوم يموت وهو غاش لرعيته، إلا لم يجد رائحة الجنة». هذا يشمل ولي الأمر الذي يغش رعيته، ويشمل كل صاحب رعاية صغيرة أو كبيرة، مدير المدرسة مع المدرسة، وصاحب الدائرة الحكومية مع أهل دائرته، وهكذا كذلك الأب مع أبنائه، والأم مع أبنائها. فكل صاحب رعاية يدخل في هذا الحديث، لهذا العموم الذي فيه. كان شيخنا ووالدنا محمد صالح العثيمين رحمه الله تعالى، إذا ذكر هذا الحديث، قال: «أرى أن من أدخل الدش في بيته يتناوله هذا الحديث، وأخشى عليه من الوعيد الشديد في هذا الحديث». فكان يرى رحمه الله أن ولي الأمر الذي يدخل الدش إلى بيته، غش رعيته، غشهم لأنه أدخل عليهم ما يفسدهم وما يضرهم وما يذهب أخلاقهم ودينهم. وهذا هو الواقع، الدش دخلها في البيوت إفساد عظيم، إذهاب للأخلاق، نشر للرذيلة، تعطيل للشرائع، تعويد للناس للفساد الذي انتشر في هذه القنوات الفاسدة. فمن فعل ذلك، فقد فعل معنى من معاني الغش، فيتناوله هذا الحديث بفتوى وكلام هذا الإمام رحمه الله تعالى. نسأل الله عز وجل أن يلهمنا رشدنا، وأن يصلح أحوالنا وأحوال المسلمين، وأن يجعلنا ممن يستمع القول ويتبع أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. إلهنا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.