الدرس في شرح رحلة عام 1431هـ لجنوب شرق آسيا، وكانت بعد مغرب يوم الجمعة 2 جمادى الأول 1431هـ بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
قام الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك برحلة دعوية إلى أندونيسيا بناءً على طلب الدعاة هناك، زار خلالها عدة جزر والتقى بعدد كبير من الدعاة والأساتذة. كانت الرحلة ناجحة وأظهرت جهود الدعاة في نشر الدعوة.
زار الشيخ عدة مناطق في أندونيسيا مثل بروكرتو وشربون وآتشيه، ووجد مراكز كثيرة لأهل السنة وطلبة العلم، وأثنى على جهودهم في نشر الدعوة. كما لاحظ وجود مستشفى يديره دكتور مسلم يعد مركزا لدعوة أهل السنة.
يؤكد النص على أهمية وجود الدعاة إلى الله ونشر العلم في مجتمعات المسلمين، مشيراً إلى أن حاجة المجتمعات إلى الدعاة أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب. كما يشجع على إقامة مراكز العلم وتفريغ الدعاة إلى الله.
يؤكد النص على أهمية وجود دعاة أقوياء وطلبة علم أتقياء في المجتمع، ويشير إلى أن قلة هؤلاء الدعاة قد تؤدي إلى نشوء الفتن والمشاكل الدعوية. كما يسلط الضوء على ضرورة الاعتناء بجانبي العلم والتربية لطلبة العلم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، هذه لحظات نقضيها في التذاكر بما ينفعنا في هذا المجلس الذي أسأل الله عز وجل أن يجعله مجلسا نافعا مباركا ودخرا لنا في دنيانا وفي أخرانا. كما سمعتم، مجلسنا حول بعض الدروس والعبر من هذه الرحلة لهذا العام، عام 1431 للهجرة، لبعض بلاد جنوب شرق آسيا أو المسماة بالهند الشرقية. وفي الحقيقة، ما كنت أود أن يكون نظاما ولزاما لكل رحلة دعوية أن تقترن بشيء من الشرح والكلمة والمحاضرة أو ذكر بعض الدروس، إذ بعضها قد يكون مكررا، وربما يقع شيء من الحرج في تكرار ذلك. ولكن لكثرة إلحاح إخواننا في هذه البلاد وما حولها، بل وبعض إخواننا كذلك الذين زرناهم في تلك البلاد البعيدة، خصوصا وكان الإلحاح بما يكون به النفع والتذكير لجهات متعددة، لعل الله عز وجل ينفع بهذه النصائح والمذكرات التي تذكر ضمنا. فلذلك كان هذا المجلس، فأسأل الله عز وجل أن يجعله خالصا لوجهه نافعا لعباده. هذه الرحلة كانت بطلب بعض إخواننا الأفاضل الأساتذة والدعاة القائمين على الدعوة في جزر أندونيسيا، وهم كثر حفظهم الله ونفع الله بهم. ومن هؤلاء الأساتذة الأستاذ لقمان با عبده حفظه الله، وهكذا الأستاذ أسامة با مهري، وهكذا الأستاذ قمر والأستاذ عسكري والأستاذ ذو القرنين، وهكذا أخونا الأستاذ علي باسوكي، وكذلك أخونا عبد البر ومحمد جهي وغيرهم من الأساتذة والدعاة القائمين على الدعوة في تلك البلاد التي نفع الله عز وجل بهم وبجهودهم. فبالإلحاح من هؤلاء الأساتذة والدعاة كان الذهاب إلى تلك البلاد، وقد رتبوا جدولا يستوعب مناطق كثيرة من بلاد أندونيسيا. وكان أول هذا الجدول في جاوى الشرقية. وكان تأخري عن أول وأهم هذه اللقاءات والتي سبقني إليها الشيخ الدكتور محمد بن غالب العدني حفظه الله تعالى. ثم كانت بعدها زيارة لعدد من المراكز والبلاد الأندونيسية. وكان بالنسبة لي أولها إلى جزيرة بالي، ثم بعدها وبعد لقاءات بالإخوة هناك كان الانتقال. وأذكر ذلك على وجه الاختصار، ثم أذكر ما يتيسر من العبر والدروس التي أسأل الله عز وجل أن ينفعنا بها. ثم كان بعدها الانتقال إلى جزيرة كلمانتان في مركز أخينا الأستاذ عسكري حفظه الله تعالى، بعد أن خرجنا من عند إخواننا في جزيرة بالي وما حولها من الجزر. وفيهم الأستاذ سلمان وغيرهم من الدعاة في تلك الجزيرة وما حولها. وجزيرة بالي كما يعرفها الكثير من أشهر جزر أندنيسيا السياحية، بل بعض أهل الغرب ربما يذكر فيها الأمثال العجيبة. وعندهم عبارة مشهورة يقولون: «لا تمت قبل أن ترى جزيرة بالي»، بمعنى هذه الجملة بلغتهم. وقد ابتلي أهل هذه الجزيرة بالسياحة فيها، نسأل الله عز وجل أن يدفع الشر عن الإسلام والمسلمين. ثم قلنا: كانت الزيارة لإخواننا في جزيرة كلمانتان في مركز أخينا الأستاذ عسكري حبيذه الله، والإخوة من إخواننا أهل السنة في تلك البلاد. ثم كان بعدها الزيارة إلى ماكاسر عند أخينا في جزيرة سلاوسي عند أخينا الأستاذ ذو القرنين حبيذه الله تعالى. وقد كانت زيارة أو زيارات قبل ذلك في سنوات ماضية لهذه الجزيرة، وفوجئنا باعتناء المسؤولين في تلك الجزيرة باللقاءات وحضورها والدعوة بعدها، وغير ذلك مما يدل على قوة دعوة أهل السنة في تلك الجزيرة، وهي كذلك في سائر بلاد أندونيسيا. ثم كان بعدها الانتقال إلى جزر ملوك في جزيرة أنبون عند إخواننا أهل السنة في تلك الجزيرة وما حولها من الجزر التي تعد بأكثر من ألف جزيرة. فجاء أخوة كثر من الجزر التي حول هذه الجزيرة، وكانت مجالس مباركة نافعة. وبعدها كان الانتقال إلى جزيرة جاكرتا أو إلى مدينة جاكرتا في جزيرة جاوة. وكان قد أعد الإخوة فيه محاضرة عامة في جامع من أكبر الجوامع في المدينة. ثم كان الانتقال إلى جزيرة سمطرة عند إخواننا أهل السنة في مدينة ميدان. فكانت زيارة إخواننا أهل السنة، وأعد الإخوة جدولا في عدد من المساجد في المدينة وما حولها من مراكز أهل السنة عند أخينا الفاضل الأستاذ فيصل حفظه الله في مركزه، ثم كذلك بعده أخونا الأستاذ الفاضل علي في مركزه كذلك. والحمد لله، ما ننتقل من مكان إلى آخر إلا ونجد قد سبقنا إليها عدد من الدعاة وطلبة العلم في تلك المراكز من مراكز أهل السنة المتناثرة في مواضع شتى من بلاد أندونيسيا. والتي إن دل ذلك على شيء، دل على تلك الجهود المباركة المبذولة من قبل أولئك الدعاة والأساتذة وطلبة العلم، التي ظهر آثارها وثمارها مع صلتهم بأهل العلم في ذاك المجتمع وفي مواضع شتى. وبعدها كان الانتقال مرة أخرى إلى جاكرتا، ثم الدورة الخاصة بالأساتذة في بلدة باندون. وكانت دورة للدعاة والأساتذة قرابة الأسبوع، حضر فيها عدد كبير من الدعاة والأساتذة من عموم جزر أندونيسيا، وكانوا قرابة مئتي أستاذ وداعي من الدعاة والأساتذة من المراكز المتفرقة الكثيرة من جزر أندونيسيا، منها ما قد تيسر الوصول إليها في هذه الرحلة أو في سنوات ماضية، ومنها ما لم يتيسر زيارتها. فتبلغ جزر أندونيسيا أكثر من سبعة عشر ألف جزيرة، أكثر من سبعة عشر ألف جزيرة. وما من جزيرة من تلك الجزر إلا وفيها في الغالب بعض إخواننا من أهل السنة، يعني الجزر الكبار. حتى أن أهل السنة غطوا بلاد أندونيسيا من الطرف إلى الطرف، من الطرف إلى الطرف. وهذا فضل من الله عز وجل. وبعد هذه الدورة للأساتذة والدعاة، كان الانتقال إلى بعض المناطق المجاورة لهذه المنطقة، وهي باندونك. وكان اللقاء بعدد من الإخوة، ثم الانتقال إلى منطقة تقال. وفيها عدد كذلك من إخواننا أهل السنة، وقد قيم فيها مركز حديث جديد، نسأل الله عز وجل أن يكثر مراكز أهل السنة في عموم بلاد الدنيا وبلادنا وبلاد أندونيسيا خاصة. فكان اللقاء بإخواننا أهل السنة في تلك المدينة، ثم بعدها كانت زيارة خفيفة إلى منطقة شربون. وكان بعده لقاء مع بعض الأساتذة في بعض الأمور الدعوية، ثم الانتقال إلى بلدة بروكرتو. وهي تتناول مجموعة من المناطق، وفيها عدد من المراكز من مراكز أهل السنة. ومما يفرح كل سني أن يجد تلك الجموع العظيمة في تلك البلاد، فإنها مليئة بطلبة العلم والمراكز. فهي تعتبر من أعظم المناطق كثرة في عدد المراكز وطلبة العلم. فهي فيها مراكز كثيرة. وكانت زيارة لإخواننا في منطقة شيلة شاب. وفيها أخونا الأستاذ زين بحري، وهكذا في منطقة بروكرتو. وفيها الأستاذ زين الدين، وهكذا في منطقة سنبيو وأخرى منطقة أخرى بالقرب منها عند أخينا الأستاذ أحمد يزواكي، وغيرهم من الإخوة في تلك المناطق. وكلهم نفع الله عز وجل بهم. ويرى الإنسان أثر تلك المنفعة وأثر جهود الإخوة الدعاة ومن أعانهم من طلبة العلم وبعض المحسنين، ما يفرح كل سني من اجتماع طلبة العلم ذكورا وإناثا، صغارا وكبارا في تلك المراكز التي تضاهي وتناظر مراكز أهل السنة في اليمن. وترى المفارقات العجيبة حين تبتعد قليلا من تلك المراكز، فتدخل في بعض المدن وترى بعد الناس عن دين الله عز وجل إلا من رحم الله. فتعرف عظيم فضل نعمة الله عز وجل على أهل السنة، وعظيم أثر العلم على أهله. كيف حصلت تلك المفارقات العجيبة في ذاك المجتمع؟ وهذا فضل من الله عز وجل يهدي من يشاء ويوفق من يشاء سبحانه. وهكذا كذلك من عجيب ما يذكر في هذا المقام: مستشفى لأحد إخواننا أهل السنة، وهو أخونا الدكتور شفيق حفظه الله تعالى. الذي كان البقاء فيه لحاجة مدة. فرأيت فيه شيئا عجيبا، فإنه مستشفى يعد مركزا آخر من مراكز أهل السنة في تلك البلاد. وفق الله عز وجل هذا الدكتور الفاضل للتعرف على دعوة أهل السنة، وهو يملك عددا من المستشفيات ويديرها. فوفقه الله عز وجل مع خبرته وشهرته في مجاله في الطب، أن تكون تلك المستشفيات مراكز أخرى لتعريف الناس بدعوة أهل السنة ورحمتهم وحرصهم على الخير. وهذا من عظيم نعمة الله عز وجل على أهل السنة في تلك البلاد. فأقام فيه على أن المستشفى حديث عهد بإصلاحات، أقام فيه إصلاحات إدارية وأمورا دعوية. صار مثلا يضرب به في تلك البلاد. ومع ما لا يخف عليكم أن تلك البلاد لا تعرف شيئا اسمه التفريق بين الرجال والنساء، ومسألة كذلك أن يكون هناك أماكن خاصة للرجال وأماكن خاصة للنساء. فالمجتمع مليء بمعاني الاختلاط وعدم التفريق بين الرجال والنساء، وغير ذلك. ولكن الإخوة في ذلك المستشفى جزاهم الله خيرا، ضربوا مثلا عمليا في تطبيق الإسلام. ولا يزالون يسيرون، والأمر ليس بالسهل، خصوصا مع قلة المعين وعدم وجود كذلك ما يسهل ذلك، وربما فروض تفرض، وغير ذلك. لكن لهم جهود يشكرون عليها. فكم من امرأة دخلت فخرجت وهي تعرف الحجاب وتحبه، وكم من رجل دخل نصرانيا وخرج مسلما، وكم من رجل دخل لا يعرف السنة ويبغضها، وإذا به يخرج وهو يحب السنة وأهل السنة. ومع ما فيه كذلك من دروس مستمرة لمن يقوم على ذلك المستشفى، دروس دعوية أسبوعية لكل أفراد المستشفى. حتى أن الدكتور حفظه الله من حرصه، يلزم كل فرد من أفراد المستشفى بحضور الدروس. ومن لا يحضر يطرد. فسألني بعض الإخوان: وأنه سبب نفرة عند بعض العامة. فأشرت إليهم بأن يجعلوا ذلك على وجه آخر يكون فيه الترغيب والتحفيز، بإضافة نقاط لكل من يحضر مثل هذه الدروس، ومكافآت تشجيعية يكون بها حثهم على مثل هذه الدروس. فالحمد لله، بادروا بذلك مع أعمال أخرى كثيرة يبذلونها. أسأل الله عز وجل أن يبارك في جهودهم وجميع جهود إخواننا أهل السنة. وهكذا ينبغي أن يكون أهل السنة كلهم خير مثال في الدعوة إلى هذه السنة، هذا بعلمه، وهذا بأخلاقه وحسن معاملته، وهذا بماله، وهذا بمهنته. وكل فرد من أفراد أهل هذه الدعوة المباركة ينبغي أن يدعو إلى الله بما أعطاه الله عز وجل. ثم كان بعدها الانتقال مرة أخرى إلى جاكرتا. وكانت زيارة عدد من مراكز أهل السنة حولها، إخواننا في مركز الأساتذة الأفاضل، أخونا الأستاذ علي ومحمد وأيوب وغيرهم في دي بوك، وهكذا إخواننا أهل السنة في منطقة كذلك بوجور. وعندهم مركز جديد نفع الله عز وجل به. وهكذا إخوة آخرون في منطقة باكاسي. فالحمد لله، مساجد تقام فيها دعوة لإخواننا الأساتذة والدعاة في مناطق متفرقة من مناطق أهل بلاد أندونيسيا. دخلت فيها دعوة أهل السنة والجماعة بفضل الله عز وجل، سواء داخل المدن أو حول المدن في ضواحيها. وهذا خير كثير. ثم الانتقال بعد ذلك إلى جزيرة آتشيه. وهي الجزيرة التي تضررت بأحداث تسونامي الأخيرة التي ضرت ببلاد أندونيسيا وما حولها. وهناك عدد من إخواننا أهل السنة، وعندهم مراكز كثيرة في تلك البلاد. ومن أبرز الإخوة هناك أخونا الأستاذ الفاضل الأستاذ حارث حفظه الله تعالى، ومن معه من الإخوة والأساتذة في تلك البلاد الطيبة المباركة. وتلك البلاد على ما فيها من آثار التصوف الذي هو ظاهر بالنسبة للبلاد الأخرى، إلا أن آثار قوة الإسلام فيها أفضل من كثير من بلاد أندونيسيا. فالداخل فيها يرى أثر ذلك. وحين تسأل عن السبب في ذلك، فتجد الخبر أنها البلاد الأولى التي دخل إليها الإسلام، ومنها انتقل إلى سائر بلاد أندونيسيا. حتى أنك تجد الكثير من الأصول المسلمة في تلك البلاد، سواء من الأصول العربية أو كذلك من بعض الأصول الهندية وغيرها. فأصول الإسلام قديمة في تلك البلاد، حتى أنك ترى آثار المسلمين في مساجد ومواضع كثيرة لها تاريخ قديم جدا. ولهذا صار تعلق المسلمين في تلك البلاد بالإسلام أقوى من غيرهم في البلاد الأخرى. فالحجاب مثلا في تلك البلاد أقوى من غيره من البلاد الأخرى. وبه نعرف الفرق حين يصل الإسلام إلى المكان أولا، وحين ينتقل إلى غيره، فإنه يصل بقوة، وربما بشيء من الكمال، أفضل من غيره من المواضع الأخرى. ولعل هذا هو السبب في تخلف الكثير من الأحكام الإسلامية في كثير من البلاد التي دخلها الإسلام من البلاد النائية البعيدة عن بلاد المسلمين، بسبب ربما تأخر وصول بعض الأحكام، أو وصولها ناقصا، أو عدم اكتمال كذلك وصول العلم، وغير ذلك من الأسباب التي تكون هي السبب في ظهور تلك المظاهر التي تنافي ما يجب أن يكون عليه المسلم. فإنك تستشعر أن أناسا حرصوا على إيصال الإسلام، ولكنهم لم يستطيعوا إيصاله كاملا. وبعدها كان زيارة لإخوة لنا كذلك من أهل السنة في جزيرة سابان. وفيها إخوة من هؤلاء الإخوة، الأستاذ إقبال ومن معه من الإخوة. وكلما رأى الرأي أولئك الإخوة المجتهدون في الدعوة إلى الله في تلك البلاد الواسعة، علم فضل العلم وأهميته. فإن هذا من أوائل ما يذكر من الدروس والعبر: أهمية العلم النافع، وأهمية وجود حملته من الدعاة إلى الله. فإن الله عز وجل ينفع بهم نفعا أعظم من نفع القطر على الأرض الجافة التي كادت أن تموت أو ماتت إذا نزل فيها الماء. فحاجة المجتمعات إلى الدعاة إلى الله من الأساتذة الكبار، بل وحتى حملة العلم من صغار طلبة العلم، حاجتهم إليهم أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب. فإن الله عز وجل يحيي بهم العباد والبلاد. فمن رأى إقبال الناس على الخير، وكذلك رغبتهم فيه، وتمسكهم بدين الله عز وجل، ودخولهم فيه أفواجا، علم أن تلك المجتمعات تفتقر إلى أسباب عظيمة يكون بها الأخذ بأيدي الكثير من الناس من المسلمين وغيرهم إلى طريق الحق والهدى. فإن السبب الذي يؤخر الكثير من الناس هو قلة الدعاة إلى الله. ولذلك تجد أن المجتمع الذي يكثر فيه الدعاة إلى الله، ويكثر فيه طلبة العلم، وتقام فيه المراكز، وتتتابع فيه المواعظ والدروس، يكون فيه إقبال الناس أكثر، ورجوعهم إلى دين الله عز وجل أوسع. فإذا كان هذا في بعض تلك البلاد، فما بالكم بأرض الله الواسعة التي لا تعد كثرة، ولا يستصغر المرء لها حصرا؟ فهي تحتاج إلى دعاة كثر. وفي هذا لفتة أخرى إلى ما ينبغي أن يبذله المسلمون، سواء أكان ذلك بدول المسلمين، من حكام، وسع الله عز وجل عليهم، أن يبذل بعض ما يجب عليهم في خدمة الإسلام والمسلمين، بإقامة مراكز يكون بها نشر العلم وبثه، وتفريغ الدعاة إلى الله عز وجل في تلك المراكز. وأخص أهل السنة والجماعة، فإن أهل السنة والجماعة خير من يمثل الإسلام الحق، وينشره بعدل وإنصاف، بين تفريط المفرطين من المتصوفة ومن سلك مسلكهم، أو كذلك أولئك العلمانيين والعقلانيين الذين خلطوا الإسلام بمبادئ العلمانية والعقلانية. وفي الجانب الآخر، أولئك أهل الغلو والجفاء، وفيهم أهل التكفير ودعاة التفجير. فدعوة أهل السنة والجماعة وسط بين هؤلاء وهؤلاء. فما أحوج المجتمعات أن تقام فيها مراكز، وأن يقام ويفرغ فيها الدعاة إلى الله بما ينفع الله عز وجل بهم العباد والبلاد. فهذه كلمة أرجو أن يتعاون الجميع في إيصال معناها إلى كل من يمكن أن يحدث خيرا في عموم بلاد المسلمين، من أن يعين في إيجاد مسجد أو مركز، أو حتى تفريغ داعي إلى الله. فإن في هذا نفع عظيم، ينفع الله عز وجل به صاحبه، وكل من سعى فيه، بما تكون له الأجور التي لا تحصر، أجور متتابعة، بما يكون من خير في العباد والبلاد. وهكذا كذلك أولئك الذين أرادوا أبواب الإحسان، فإن من أعظم أبواب الإحسان والخير والبر، إقامة مراكز العلم، وإقامة المساجد التي ينشر منها العلم، وتفريغ الدعاة إلى الله. وبعض تلك المراكز التي ملئت بعشرات، بل وربما مئات من طلاب العلم، ذكورا وإناثا، صغارا وكبارا، ما هي إلا عريش من عريش جوز الهند، وبعض الجذوع من جذوع أشجار الغابة، يعني شيء يسير. لكن الفقر وقلة ذات اليد، تجعله شيء صعب عند إخواننا أهل السنة الذين ابتلوا بذاك المجتمع. فأكثرهم من أهل قلة ذات اليد. فإقامة مثل هذا المسجد المتواضع، يعتبر شيء عظيم، مع أنه لا يكلف شيء بالنسبة للمساجد التي تقام في بلادنا، أو ما جاورها من البلاد. فربما قيمة مسجد واحد في بلادنا، فضلا عن بعض البلاد المجاورة، تبني عشرات المساجد في تلك البلاد، ينفع الله عز وجل بها العباد والبلاد. المسجد الواحد يخرج العشرات من طلبة العلم، لو لم يكن إلا حظ القرآن. لو دخلت بعض تلك المراكز، ورأيت طلاب العلم الصغار، فضلا عن الكبار، من حفظة القرآن، أو ممن يحرص على حفظ القرآن، بالعشرات. أليس هذا خير وهذه حسنة، خصوصا في مثل تلك المجتمعات التي الأديان فيها كثيرة، فضلا عن المذاهب المنحرفة، فضلا عن انسلاخ الناس من الدين، فضلا عن معاني العلمنة، ودعاة الإباحية، وغير ذلك. ففي بلاد، إن فتحت انفتاحا واسعا، مع قلة العلم وكثرة الجهل، فوجود مثل تلك المراكز في الحقيقة نعمة عظيمة، ينبغي أن يتعاون الجميع، كل بحسب استطاعته، في تكثيرها. وهكذا كذلك كان بعدها الانتقال إلى بلاد ماليزيا، إذ هي الأخوة وألح أن تكون دورة في مملكة برليس. فنظام ماليزيا أشبه بما يسمى بالنظام الفدرالي، ولايات وإمارات، كل إمارة لها حكمها الخاص. وهذه الولاية تعتبر من أحسن ولايات بلاد ماليزيا في التوجه إلى السنة، ومعرفة دعوة أهل السنة. وطبعا لا يخفى عليكم التشويش الإعلامي حول الإرهاب والوهابية، وربط الإرهاب بالوهابية، حتى صار في بلاد ماليزيا وما حولها اسم وهابي، معناه إرهابي. ومن أعظم التهم أن تتهم بأنك وهابي، أو أنك تدعو إلى كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى. لكن فضل من الله عز وجل أن هذه البلاد تعتبر من أوائل بلاد الملايو عموما، حيث دخلتها دعوة أهل السنة. فكانت هناك مدارس قديمة في تلك البلاد، تمثل جهات، وكما يقال عند أولئك: فكر في معرفة وتطبيق الإسلام. ومن تلك المذاهب ما تسمى بمدارس الإرشاد. وهي التي كانت في فترة من الزمن تقابل المتصوفة. فهم أحسن حالا من المتصوفة الذين يسمون في بلاد أندونيسيا بالنهضة الإسلامية. وإن كان عند الإرشاد بعض الملاحظات، خصوصا المتأخرون منهم، إلا أنهم في بعض الجوانب العقدية أحسن من غيرهم. فلما كانت بلاد أندونيسيا تغلب عليها الدعوة الصوفية، والتي تمثلها النهضة. وفي تلك البلاد دعوة الإرشاد أو المحمدية، الذين هم ضد المتصوفة، مع بعض الملاحظات على جوانب أخرى، أثر ذلك مع وجود بعض الأفاضل من وزراء تلك البلاد. أثر عليه مجلس مع شيخنا الوالد العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله تعالى. فصار ذاك الوزير في تلك البلاد والولاية المسماة بولاية برليس، يحب أهل السنة حبا شديدا، ويحب علماء أهل السنة في المملكة، ودعاة التوحيد. وتعرف على دعوة التوحيد عن قرب، حتى صار يجهر بكل قوة ويقول: «أنا وهابي»، يعني إذا كنتم تقولون أن الوهابية فيها وفيها، فأنا وهابي. يريد أن دعوة الوهابية دعوة التوحيد، ودعوة السنة. وما أن منهج أهل السنة والجماعة عدم الانجساب للأشخاص، لكن أراد بذلك أن يبين أنه لا ضير في هذا. فكان هذا تيسير من الله، مقدمات يسرت لإخواننا أن يخرجوا إذنا. وهي أول مرة لأهل السنة تقام دورة لأهل السنة في بلاد ماليزيا. فيسر الله عز وجل بهذا الإذن من الملك، أي ملك الولاية، وتلك البلاد، ومن جهات متعددة في وزارة الأوقاف وغيرها. فأقيمت تلك الدورة في بلاد برليس، وحصل فيها خير كثير. وكانت باستضافة الدولة مباشرة، كانت باستضافة الدولة مباشرة. فبإشرافها واستضافتها، وحصل فيها خير كثير، حتى حضر بعض الإخوة من بلاد سنغافورة، وهكذا من مناطق شتى من بلاد ماليزيا، بل وفي أواخر الدورة حضر بعض الإخوة من تايلند. فهذا كذلك يدلنا على ما ينبغي أن يحرص عليه الدعاة إلى الله من الحكمة في دعوتهم، وكذلك مراعاة المصالح من المفاسد. فإن الناس إذا أبصروا طلبة العلم والدعاة الحكماء، الذين يحسنون التصرف والتعامل مع الخلق، مع الصغير والكبير، والحاكم والمحكوم، ويحسنون عرض دعوة أهل السنة والجماعة في المجتمع، يكون لها أثرها في قوة الدعوة إلى الله عز وجل. حتى أن إخواننا في أندونيسيا كذلك، بفضل الله عز وجل، ثم جهود الأساتذة والدعاة، وقبل ذلك اتصالهم بالعلماء، وزيارة العلماء بهم، أدخلت الثقة بدعوة أهل السنة، من إقبال الألوف عليها في المجتمع، بل وحتى عند الجهات المسؤولة. فما من منطقة من المناطق التي زرتها، وزارها غيري من الدعاة من خارج بلاد أندونيسيا، إلا ويجد الداعي إلى الله استقبال المسؤولين، وحرصهم على تولي تلك الدعوة، وكذلك تيسير سبلها. حتى أن بعض المستشارين في الدولة في آخر الرحلة في بلاد أندونيسيا، طلب المقابلة، ثم ذكر المتابعة لتلك المحاضرات التي كانت في بلاد متعددة، والخير الذي حصل فيها، وتأسف أن خبر ذلك وصل مؤخرا إليهم. وبين حرصه على أن تكون المرات الأخرى فيها شيء من التنسيق مع بعض الجهات مباشرة، حتى تتسع الجهود، وتكون الثمار أكثر. حتى طلب أن يكون شيء خصوصا، أنه في آخر الزيارة حصلت وللأسف بعض الأمور المشغبة من بعض دعاة التكفير، حصلت أمور في جاكرتا من بعض دعاة التكفير. فالشاهد: فهم يعرفون دعوة أهل السنة، فطلب أن يكون اجتماع مع بعض الضباط في أحد المعسكرات، تكون فيه كلمة توجيهية في التعريف بدعوة أهل السنة، وبيان الإسلام، وغير ذلك، مع ما فيه من التحذير من هذا الفكر ونحوه. فاعتذرت بأن الوقت ضيق، بل ألح على أن يكون هناك كلمة في أحد القنوات في التحذير من التكفير، ودعاة التكفير، وبيان منهج أهل السنة والإسلام في ذلك. وقلت له: الذي أذهب إليه عدم الظهور في هذه القنوات، وإن كان بعض الدعاة يرى ذلك، لكن لا أرى هذا. وحاول أنه إذا كان بعض المحاضرات يحضر عشرة آلاف، فالقنوات يراها بالملايين، وهذا فيه نفع أكثر. فبينت له واعتذرت أن هذا مما لا أستصيغه، وأرى أن الأفضل والأكمل اجتناب هذه الطريق. مع ما لا يخفى أن بعض المصالح المرجوة في سلوك هذا الطريق، ربما تدخل بعض الأشياء على الدعاة إلى الله من أهل السنة، ولو حرصوا قدر المستطاع على الاستقامة على الحق. فلذلك هذا تنبيه آخر إلى أن الإنسان والداعي إلى الله على وجه الخصوص، كما يحب أن تدخل هذه الدعوة في أوساط شتى، وأن تكون لها ثقة في جهات متعددة، إلا أنه ينبغي أن يكون عنده كذلك الحذر من التبعات التي قد تؤثر عليه في لزوم الثوابت التي ينبغي أن يثبت عليها الدعاة إلى الله من دعاة أهل السنة. أو كذلك بعض المؤثرات التي ربما تصرف أفرادا عن المقصود الذي ينبغي أن ينشغل به من أمر التعليم، والحرص على أسس وثوابت هذا الدين، من الدعوة إلى التوحيد، وتعليم الناس، ومحاربة البدع والخرافات، وغير ذلك مما ينبغي أن ينشغل به الدعاة، وله أولويات في ديننا أعظم من بعض الأمور التي ربما تبتدئ يسيرة، وربما مناسبة، ثم يكون دندنا لبعض الناس، حتى وكأنه هو كل الدين. ودين الله وسط بين الغالي والجافي، والمسائل العلمية والعملية ينبغي أن تنزل منازلها الشرعية، وأن تعطى بأولوياتها التي فهمها علماؤنا، وكان عليه سلفنا. فينبغي أن يعرف الدعاة إلى الله كذلك أولويات الأمور، ومراعاة المصالح من المفاسد في مثل هذا الباب. جاء وقت الأذان. بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد: تتمة لما سبق. فمن الدروس والعبر كذلك ما يذكر مناسبا في هذا المقام، من أن المجتمعات تحتاج إلى دعاة إلى الله، وطلبة علم أقوياء، أدقياء. فالدعوة إلى الله مهمة عظيمة، ويكفي بها ثقلا أنها تركة الأنبياء، وطريق المرسلين عليهم الصلاة والسلام. فما في المجتمع من مسائل لا تعد ولا تحصى، الداعي إلى الله يتحمل مسؤوليتها، ويبتلى بمعالجتها. فكيف يمكنه أن يعالجها وهو ليس عنده الكفاءة العلمية الكاملة؟ وأعظم من ذلك أن لا يكون عنده الوازع الديني الذي ينبغي. ولهذا قد تنشأ بعض الفتن، وتحصل بعض المشاكل الدعوية بين بعض الدعاة إلى الله، وفي عدد من المواضع. ومن أعظم أسبابها هو هذا الأمر العظيم: قلة الدعاة الأقوياء. فإن وجود أمثال هؤلاء عون، يصلح الله عز وجل بهم العباد والبلاد، وتقرب بهم الأمور، ويكون بهم الاجتماع، ويدفع بهم التفرق والشر. لأنهم بالعلم يعالجون الأمور بالميزان الشرعي الصحيح، فيعرفون الداء ويضعون الدواء. وبالتقوى تتساقط الشهوات، وتبتعد حظوظ النفس، وتزول كذلك غرر الدنيا وفتنها. فرب إنسان عنده علم، لكن إذا ابتلي بضعف الدين، ربما نشأت الفتن، وحصلت النزاعات، وربما كذلك نفر الناس عن دين الله عز وجل، لأنه لا يبالي إلا بمصلحة نفسه. فحب الرياسة قاتل، وحب المال والدنيا مضر، وحب السمعة والظهور قاصم. والحفاظ على حظوظ النفس، وعزم التواضع، من أعظم ما يفرق ويشتت. فلذلك ينبغي أن يحرص الدعاة إلى الله على تمكين الدعاة الأقوياء، والدعاة الأتقياء، وهم قليل، نسأل الله عز وجل أن يكثرهم. ونسأل الله عز وجل أن يعيننا جميعا على أنفسنا الأمارة بالسوء، وأن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن. وبه نعرف أهمية ما ينبغي أن يعتني به المربون، وكذلك العلماء ومراكز العلم، من الجدية في طلب العلم، والقوة فيه، حتى يتخرج طلبة العلم الأقوياء. فإن الأمر ليس بالسهل. أمامنا مجتمعات عطشة جدا لدعاة وطلبة علم أقوياء. وهكذا كذلك ينبغي الاعتناء بجانب آخر، كما يعتنى بالعلم وقوته، كذلك ينبغي أن يعتنى بجوانب التربية. فهو مهم جدا أن يعتنى بالجوانب التربوية التي تخرج طلبة العلم الذين حصلت لهم تزكية وتربية، ينفع الله عز وجل بها في المستقبل. وهذا يعتبر من أهم الأمور التي ينبغي أن يعتنى بها. وهكذا كذلك من الدروس والعبر: ينبغي أن نعلم كذلك في هذا المقام أهمية إعانة طلبة العلم. وجدت بعض طلبة العلم، ويختلف زيارتي للمراكز إذا كانت قصيرة، وإذا كانت طويلة. وهذه المرة كانت الزيارة أطول من غيرها لأسباب كثيرة. وفي أثناء تلك التنقلات، وجدت إخوة بعضهم من خريجي الججامعة الإسلامية، وبعضهم ممن درس عند عدد من العلماء. ولكن لقلة ذات اليد، وشدة الحاجة، إن شغلو