الخطبة بعنوان جريمة المسكرات والمخدرات، والتي كانت بدار الحديث بالفيوش 13 ذو القعدة 1444هـ الموافق 2 يونيو 2023م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
المسكرات والمخدرات تفسد المجتمع وتعتبر سلاحاً لأعداء الدين، والدين الإسلامي يحث على حفظ النفس والعقل والأعراض والأموال. تجارة المخدرات تحقق أرباحاً ضخمة وتبلغ أكثر من ألف وسبعمائة مليار دولار سنوياً.
الإسلام يحرم المسكرات والمخدرات بسبب تأثيرها السلبي على الأفراد والمجتمعات، وأعداء الإسلام يستغلونها في إفساد الشعوب. تطبيق أحكام الشريعة ضروري لمحاربة هذه الآفات.
يتضمن المقطع دعاء للمغفرة للمسلمين الأحياء والأموات، ويعبر عن الشكر لله رب العالمين. هذا الدعاء يعكس أهمية التضرع إلى الله في طلب المغفرة والشكر.
جريمة المسكرات والمخدرات معاجر المسلمين، إن المتأمل لحال البشرية يرى أن من أعظم ما أفسد أمنها وأمانها وأفسد استقرارها انتشار المسكرات والمخدرات التي أذهبت العقول وأسقطت المبادئ والقيم، وعند ذلك يقع الإنسان في فوضى لا يعلم بها إلا الله في نفسه وفي أسرته وفي أهله وبمجتمعه. ولهذا حرص أعداء هذا الدين من قديم الزمان على استخدام المسكرات والمخدرات في إفساد الشعوب قبل غزوها بالسلاح والسنان. أيها المسلمون عباد الله، إن المسكرات والمخدرات من أعظم أسلحة أعداء هذا الدين، ولذلك فهي ترتقي أعلى قمة التجارات العالمية؛ لأنهم يعلمون أنها من أعظم ما تفسد الشعوب والعباد والبلاد. فلذلك إذا تتبعت الأرقام فيما ذكر من أرقام التجارات العالمية في الشبكة، فستجد أعلى التجارات بالقمة تجارة المسكرات والمخدرات. فإن التجارة العالمية بالأرقام للمسكرات والمخدرات تبلغ أكثر من ألف وسبعمائة مليار دولار في السنة الواحدة. في كل سنة تبلغ تجارة المسكرات والمخدرات أكثر من ألف وسبعمائة مليار دولار، بينما تبلغ تجارة الذهب -وهو أعلى وأرفع أنواع التجارات المباحة النافعة- لا تبلغ مئة مليار دولار. انظروا هذه الأضعاف يجب أن تعلموا أن هناك حكومات تدير الفساد في العالم، ولذلك فإنهم يحرصون على نشر المسكرات وعلى نشر المخدرات. خطبة لفضيلة شيخنا العلامة أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي حفظه الله، كانت بتاريخ الثالث عشر من شهر ذي القعدة لعام ألف وأربعمائة وأربعة وأربعين من الهجرة النبوية. سجلت هذه المادة في دار الحديث بالفيوش حرسها الله. إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، أيها المسلمون، إن الله سبحانه وتعالى أكرمنا بهذا الدين العظيم دين الإسلام، الذي فيه من مواضع الجمال والكمال، وفيه من المحاسن ومعاني الإحسان ما كان سببا في إصلاح هذا الإنسان في هذه الدنيا، وكذلك بحسن العاقبة والجزاء في الآخرة. ومن ذلك، عباد الله، ما أنزل الله عز وجل في هذا الدين من أحكامه المحكمة وتشريعاته المتقنة الكفيلة بإدخال أبواب السعادة على هذا الإنسان، وإغلاق أبواب الشقاء في هذه الدنيا عن هذا الإنسان. وما ذلك إلا لأن الله عز وجل الذي خلق الخلق علم بماذا يصلحهم سبحانه وتعالى، فجعل لهم من أحكام شرعه ودينه ما هي كفيلة بإصلاح حاله في دنياه وأخرى. ولذلك، معاشر المسلمين، نجد أن الناس يتفاوتون في الشقاء في هذه الدنيا والعقوبة في الدار الآخرة بقدر بعدهم عن هذا الدين وإعراضهم عن أحكام هذا الشرع الحكيم، والجزاء من جنس العمل. فالناس يتفاوتون في هذا الشقاء كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾. قال ربي لما حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا؟ قال: ﴿كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾. أي تترك ويعرض عنك، فكذلك يكون حال الناس ممن أعرض وترك دين الله، ممن أهمل وتجاسر على حدود الله، ممن لم يبالي بأوامر الله. فعند ذلك تجد في حياة شقية ضنكة، وفي كذلك مرارة لا تنتهي، ودوامة لا تنقطع، كل ذلك بسبب بعده عن دين الله عز وجل. ومن مواضع جمال وكمال هذا الدين، ومن أماكن إحسانه ومحاسنه، أنه سبحانه وتعالى أمر الناس بحفظ أديانهم، وحفظ كذلك أبدانهم، وحفظ عقولهم، وأعراضهم، وأموالهم. هذه الأمور الخمسة التي تعتبر من أهم المهمات في هذا الدين، جاءت نصوص الكتاب والسنة بحفظها؛ لأن حفظها سبب في حفظ هذا الإنسان وكرامته. كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾. أكرم هذا الإنسان، أكرم بني آدم بهذا الشرع الحكيم في دينه، بأن يعبد الله جل وعلا وحده، فلا تكون عنده شركيات ووثنيات وخرافات وخزعبلات تسقطه في الحضيض وتجعله شبيها بالبهائم أو أشد. كحال من ترون من المشركين والوثنيين وعباد القبور وغيرهم من أهل الشركيات والخرافات، صاروا يعبدون الأشجار والأحجار، ويعبدون كذلك البهائم والحيوانات -أعزكم الله- حتى إن أحدهم ربما عنده الشهادات العالية والدرجات الراقية، ومع ذلك ينزل من سيارته ويتمسح بروث بقرة أو يتمسح ببولها، أو كذلك يسجد لحجر أو شجر، أو يأخذ خرقة بالية يرجو منها نفعا أو يدفع بها ضرا. وما ذلك إلا بسبب فساد عقيدته وحرمانه لدين ربه وخالقه. فعند ذلك أسقط نفسه من كرامة هذا الإنسان الذي أرادها الله له، حتى صار أشبه بالبهائم وأشد. أصبح أشبه بالبهائم وأشد، ذهب عقله وذهبت فطرته، فسقط في الحضيض. وهكذا كذلك، معاشر المسلمين، جاء هذا الدين بحفظ الأبدان، فجعل الأحكام الشرعية الشديدة الغليظة فيمن قتل نفسا، وجعل الأحكام الشرعية القضائية الغليظة فيمن اعتدى على جسد، كل ذلك حرمة لجسد هذا الإنسان. فالنفس بالنفس، والجروح قصاص، وهكذا كذلك العين بالعين، والأذن بالأذن، كل هذا حفاظا على أن يقوم الناس على ما فيه العدل في هذه الدنيا، وما فيه كذلك حسن العاقبة في الدار الآخرة، بالخير والبر والأمن والأمان الذي يعيش هذا الإنسان، إنه استقام على دين الله وفطرته. وهكذا أمر بحفظ الأعراض، الذي بحفظها تحفظ الأنساب، والذي بحفظها تحفظ الأمم والمجتمعات. وأما إذا أزهقت الأعراض بانتشار الرذيلة والفاحشة، اختلطت الأنساب وذهبت المرؤة، وأتت الدياثة، ويكون مجتمعا كاس، منخل، ضائع. وعند ذلك لا تسأل عن الشر الذي يكون بالمجتمعات. وهكذا كذلك أمر بحفظ العقول، فحرم المسكرات والمخدرات، وسائر ما يفسد هذه العقول، إكراما لهذا الإنسان حتى لا يسقط بنفسه بالحضيض بسبب هذه المسكرات والمخدرات. معاجر المسلمين، إن المتأمل لحال البشرية يرى أن من أعظم ما أفسد أمنها وأمانها وأفسد استقرارها انتشار المسكرات والمخدرات التي أذهبت العقول وأسقطت المبادئ والقيم، وعند ذلك يقع الإنسان في فوضى لا يعلم بها إلا الله في نفسه وفي أسرته وفي أهله وفي مجتمعه. ولهذا حرص أعداء هذا الدين من قديم الزمان على استخدام المسكرات والمخدرات في إفساد الشعوب قبل غزوها بالسلاح والسنان. ذكر غير واحد من العلماء أن لما أراد المغول أن يغزو بلاد الإسلام ابتدأوا بإدخال المخدرات إلى بلادهم. فعند ذلك تحرك وتحرّك العلماء بتحريم المخدرات لما رأوا من عظيم أثرها، فإنها أشد أثرا من أثر المسكرات. حتى قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "إن المخدر والحشيش أعظم حرمة وجرما وخطرا من المسكرات الخمور، فإنها تفوق ذلك بمئات المرات". وصدق رحمه الله تعالى بما قال؛ إذ المخدرات آثارها وعظيم إفسادها أعظم من إفساد المسكرات بمئات المرات. فإنها تفسد العقل والجسد، وتذهب الدين والمروءة، وتدخل الدياثة، وتذهب الرجولة. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: "لو لم يكن بمعنى كلامه من مفاسد المخدر والحشيشة إلا أنه يذهب الرجولة ويدخل الدياثة لكان هذا كافيا بحرمته والتحذير منه". وصدق رحمه الله تعالى؛ فإن المسكرات والمخدرات -على وجه الخصوص- لها أثر عظيم في إفساد العقول والأبدان، وإفساد كذلك البلاد والعباد، وإذهاب الرجولة والنخوة، ودخول الدياثة والمياعة. ولذلك تجد من ابتلي بها لا يبالي أن يبيع نفسه في نهاية أمره لأجل أن يصل إلى ما قد أدمنه، أو يبيع أسرته أو يبيع رجولته أو يبيع أي شيء لأجل أن يصل إلى ما أدمنه؛ لأنه في النهاية لا يجد في هذه الحياة لذة إلا فيما يجدها من شهوة هذا المخدر. وصدق الله عز وجل إذ يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾. لما نزلت هذه الآية -قبل أن تحرم الخمر وقد جاءت الأحكام تمهيدا بتحريمها- استجاب المسلمون في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكبوا الخمور بقدورها حتى جرت سكك المدينة تجري بهذه الخمور، امتثالا لأمر الله سبحانه وتعالى. أيها المسلمون عباد الله، لا يجتمع إيمان وخمر ومسكر في إنسان. جاء عند الترمذي وغيره بإسناد صحيح عن عثمان رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: «الخمر أم الخبائث». ولا تجتمع مع إيمان في قلب مؤمن. أو قال: «في مؤمن». قال: «لا يزال وتصارعان حتى يذهب أحدهما الآخر». يعني إما أن يغلب الإيمان، وإما أن تغلب الخمرة وما لها من أثر السكران. وجاء بالصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن». نفى الإيمان عن من يزني وعن من يشرب الخمر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "ذلك أنه لا يمكن أن يكون إيمان في وقت الزنا وفي وقت شرب الخمرة؛ لأن الخمرة والزنا تنافي الإيمان". ولهذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في السنن، ومسند الإمام أحمد بإسناد صحيح أنه: «إذا زن الزاني أو سرق السارق أو شرب الخمر شاربها، يرفع الإيمان فوقه كالظلة». أي يخرج منه؛ لأنه لا يجتمع إيمان ومعصية لله في هذه الكبائر في قلب مؤمن. أيها المسلمون عباد الله، قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا﴾ يدل على أن ما بعده منافي للإيمان. وهذا حديث النبي عليه الصلاة والسلام، وهذه آثار الصحابة عليهم أفضل الصلاة والرضوان، تدل تمام الدلاة على عظيم خطر هذه المسكرات والمخدرات. وصح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قوله في صحيح مسلم وغيره: «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام». ومن شربها في الدنيا لم يشربها في الآخرة. أي حرم دخول الجنة، أي حرم دخول الجنة دخولا أوليا. وقد جاءت العقوبات الكثيرة الدنيوية والأخروية فيمن شرب الخمر. فمن الدنيوية: الحد الذي يقام على شارب الخمر، والعقوبة التي تكون بجلده كما صحت بذلك الأحاديث الكثير عن النبي صلى الله عليه وسلم. بل صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الأحاديث -الذي يحسنها بعضها للعلم- أن شارب الخمر يقتل في الرابعة. وقد اختلف العلماء في حكم هذه المسألة، والصحيح أنها ترجع لولي الأمر. فإن رأى أن شارب الخمر وشارب المسكر المخدر لا يردعه ولا يردع المجتمع إلا بقتله -إن تكرر ذلك منه- فإنه يفعل ذلك؛ لأجل أن يحجز المجتمع عن هذا المفسد العظيم، وهذا الضرر الكبير. أيها المسلمون عباد الله، إن المسكرات والمخدرات من أعظم أسلحة أعداء هذا الدين، ولذلك فهي ترتقي أعلى قمة التجارات العالمية؛ لأنهم يعلمون أنها من أعظم ما تفسد الشعوب والعباد والبلاد. فلذلك إذا تتبعت الأرقام فيما ذكر من أرقام التجارات العالمية في الشبكة، فستجد أعلى التجارات بالقمة تجارة المسكرات والمخدرات. فإن التجارة العالمية بالأرقام للمسكرات والمخدرات تبلغ أكثر من ألف وسبعمائة مليار دولار في السنة الواحدة. في كل سنة تبلغ تجارة المسكرات والمخدرات أكثر من ألف وسبعمائة مليار دولار، بينما تبلغ تجارة الذهب -وهو أعلى وأرفع أنواع التجارات المباحة النافعة- لا تبلغ مئة مليار دولار. انظروا هذه الأضعاف، تجارة الذهب مئة مليار دولار، بينما تجارة المسكرات والمخدرات أكثر من ألف وسبعمائة مليار دولار. لأجل أن تعلموا أن هناك حكومات تدير الفساد في العالم، ولذلك فإنهم يحرصون على نشر المسكرات وعلى نشر المخدرات؛ لعلمهم أولا عظيم أثرها في إفساد المجتمعات، وثانيا لما يجنونه من الأرباح الطائلة في هذه التجارة. فهي أعظم من تجارة السلاح، وهي أعظم من تجارة الذهب، وغيرها من التجارات. فلذلك هم حريصون -أي أعداء هذا الدين- على بثها في المجتمعات. ولذلك العقلاء -حتى من الكفار- يحاربون هذه الشجرة الخبيثة؛ لما يرون من عظيم أثرها وضررها على هذا الإنسان. ولكن ليس الأمر بأيديهم، الأمر بيد عصابات من المافيا تسيطر على تجارة العالم وتسيطر على منافذها. فعند ذلك يحصل هذا الشر والفساد. ما الذي يصد ذلك؟ يمنعه؟ إنه الإيمان، الإيمان بالله. المؤمن والمسلم هو وحده الذي يستطيع أن يحارب هذه التجارة الخبيثة الدنيئة، بإيمانه وباستسلامه لدين ربه وشرعه. فكل مسلم راع أو رعية، يجب أن يحقق الأمن والأمان لهذه البشرية بمحاربة هذه المسكرات والمخدرات؛ لأنها أولا عقيدة وإيمان وطاعة للرحمن، ثم كذلك لما يرى من عظيم أثرها على المجتمعات عموما، وعلى المسلمين خصوصا. ماذا ينتظر المسلمون من رجل سقط في غائلة المسكرات والمخدرات؟ تذهب رجولته وتذهب نخوته ويذهب نفعه، بل يدخل عليه من معاني الدياثة ومعاني السقوط ما يكون، نبذة سيئة بالمجتمع، وعالة على المجتمع، وضررا عظيما على المجتمع. باتروه خيرا من إبقائه إن لم يتب ويرجع ويصلح؛ لأنه يفسد أكثر مما يصلح. ولهذا نص العلماء: أن من روج المخدرات والمسكرات فإنه يقتل -قتل المفسدين في الأرض- كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾. لماذا؟ لأن إفساد هؤلاء أعظم من إفساد الأعداء. إنما يستطيع الأعداء أن يدخلوا حين تنتشر المخدرات، فيذهب رجالهم ويضيع نساؤهم. وعند ذلك لا تسأل عن مجتمع فيه انتشار المسكرات والمخدرات. تذهب الرجولة وتذهب النخوة وتذهب المبادئ والقيم، وتنتشر الفواحش، وينتشر الشر والفساد والسرقة والجريمة، وكل المصائب بسبب المخدرات؛ لأن كل واحد يريد أن يحصل هذا المخدر، فلا يستطيع الوصول إليه إلا بالجريمة. إن لم يجد المال فإنه سيسرق، إن لم يجده بالسرقة فإنه سيقتل. فإن لم يجده بالسرقة والقتل فإنه سيبيع عرضه، يبيع رجولته، يبيع زوجته، يبيع ابنته، يبيع كل ما يملك؛ لأجل أن يصل إلى ما أدمنه. وهذا هو الواقع. وانظروا إلى المجتمعات الكافرة كيف صاروا يبيعون أنفسهم ورجولتهم وأعراضهم للوصول إلى هذه المسكرات وهذه المخدرات. وبه نعرف عظيم فضل الله سبحانه وتعالى على أهل هذا الدين، ونعمته بأحكامه التي جعلها سببا للأمن والأمان والسلامة والخير للبرج والمجتمع. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبقينا بموجب شرعنا، وأن يبصرنا بمورادنا، وأن يجعلنا هداة مهتدين. والحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، الصادق الأمين. أيها المسلمون عباد الله، إن من حكم الله عز وجل أن حرم على الناس ما حرم من المحرمات؛ حفاظا لأديانهم وعقولهم وأموالهم وأعراضهم ودمائهم. ومن ذلك تحريم هذه المسكرات والمخدرات، وكل ما يفضي إليها فله حكمه. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام». وقال عليه الصلاة والسلام: «ما أسكر كثيره فملء الكف منه حرام». وفي رواية: «ما أسكر كثيره فقليله حرام». ونص غير واحد من العلماء: أن كل ما فيه معنى الإسكار والتخدير -سواء كان مشروبا أو كان كذلك جامدا أو كان مستنشقا أو كان أكلا يؤكل أو رائحة تشم- فكل ذلك يدخل في حكم المسكرات والمخدرات المحرمة. ولهذا نص غير واحد من العلماء: بل جاءت الأحكام والعقوبات والتعزيرات فيمن استخدم شيئا يفسد هذا العقل ويضعفه، أو يوصله إلى الدخول في دوامة المسكرات والمخدرات. ومن ذلك ما يسمى بالاستنشاق، يستخدم بعض الناس بعض المشمومات من أنواع البتروليات، فيذمنونها، فيكون ذلك طريقا وسلم للدخول في دوامة المخدرات. وهكذا كذلك بعض ما ينضغ من أنواع التبغ ودرجاته، والقات ودرجاته، كله من المحرمات في دين الله عز وجل. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: «لا ضرر ولا ضرار». فإن من أعظم الضرر استخدام هذه الأعشاب وغيرها التي تفسد الأديان والأبدان، وتفسد كذلك العقول، وتذهب الأموال، وتوجب مفاسد اجتماعية واقتصادية وأخلاقية، وغير ذلك من أنواع المفاسد. وهكذا كذلك، عباد الله، كثير منها لا يجد المرء المنصف بدا من أن يضعها في صف الخبائث لا في صف الطيبات. وقد قال الله عز وجل في وصف نبينا صلى الله عليه وسلم: ﴿يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾. فانظر بدينك وفطرتك وعقلك وعدلك وإنصافك -يا أيها المسلم- أين تضع هذه الأشياء المذكورات وما كان بمعناها؟ إن وجدت أنها من الطيبات فأنت في حل، وإن وجدت أنها من الخبائث فاترك متابعة الشيطان، واتق الله عز وجل في طاعتك للرحمن، فلا يغلبك الشيطان على أمر الرحمن فيما حرم الله عز وجل عليك. يريد بذلك الخير لك في هذه الدنيا وفي الدار الآخرة. إننا نرى الكثير -وهذا فضل من الله- يحارب المسكرات والمخدرات، ثم يتساهل في بعض المفتريات المفضية للمسكرات والمخدرات، كالقات والشمة والدخان. وإذا تتبع العقلاء والمصلحون وجد أن باعة هذه الأمور هم باعة المخدرات وهم باعة المسكرات. من أين يشتري أصحاب المخدرات المخدرات؟ يشترونها من باعة القات، يشترونها من باعة الدخان والشمة ونحوها. فإن الإحصائيات أثبتت أن تجار هذه التجارات هم الذين يروجون كذلك المخدرات، وهم باعة المخدرات، وهم الذين يستجلبون الزبائن للدخول في دوامة المخدرات. فإذا كان كذلك، فواجب على العقلاء من ولاة الأمر وغيرهم من الناصحين والمصلحين أن يكونوا يدا واحدة في تنظيف هذا المجتمع من هذه القاذورات وهذه الرذائل التي تفضي إلى مفاسد عظيمة كثيرة في مجتمعاتنا. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يلهمنا رشدنا، وأن يردنا إلى الحق ردا جميلا. اللهم أصلح إمتنا، ولاة أمورنا، واجعل ولايتك فيمن خاءك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين. اللهم أصلح حال المسلمين في كل مكان، في اليمن والعراق وسوريا وليبيا وأفغانستان وأثيوبيا وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين. اللهم اعز الإسلام وأهله، وأذل المشركين والكافرين والمجرمين وأهل النفاق يا رب العالمين. اللهم اجعل لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات. والحمد لله رب العالمين.