كتاب الزكاة 23

كتاب الزكاة 23

الدرس في كتاب الزكاة 23، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أحكام الزكاة وتفاصيل صرفها

يتحدث هذا الفصل عن أحكام الزكاة وتفاصيل صرفها للمستحقين مثل الفقراء والمساكين، وأحكام ضياع الزكاة بعد إخراجها. كما يشمل تعريف من يدخل في سبيل الله وكيفية التعامل مع مانع الزكاة.

تعزير مانع الزكاة وإخراجها عن الصبي والمجنون

يتناول هذا الفصل تعزير من يمتنع عن أداء الزكاة، وإخراج الزكاة عن الصبي والمجنون، حيث يرى بعض العلماء وجوب إخراجها عنهما. كما يشرح كيفية التعامل مع الساعي الذي يطلب الزكاة.

تفاصيل إخراج الزكاة لغير ولي الأمر وضابط الاستطاعة

يناقش هذا الفصل كيفية إخراج الزكاة إذا لم يكن ولي الأمر أو كان ظالمًا، حيث يدفع الزكاة بقدر ما يخفف الضرر، مع تفصيل في كيفية التعامل إذا كان ولي الأمر ظالمًا.

مسائل فقهية متعلقة بالصلاة والصيام

يناقش هذا الفصل مسائل فقهية متعلقة مثل حكم الدعاء في صلاة التراويح ورفع اليدين، وحكم نية الفطر في رمضان، وحكم الحامل والمرضع إذا أفطرتا.

التفريغ النصي الكامل

يصرّ إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم شرح كتاب الزكاة من مختصر الإنصاف والشرح الكبير للإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- شرح فضيلة الشيخ عبد الله بن مرعي العدني -حفظه الله تعالى- القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الثالث والعشرين. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، أخذنا في الدرس الماضي ما ذكره المؤلف -رحمه الله تعالى- من مسائل تتعلق بأحكام أهل الزكاة، ومما أخذناه ما ذكره -رحمه الله تعالى- ممن يدخل في معنى في سبيل الله. وعلمنا أن ممن يدخل في سبيل الله أصنافًا. نعم، أحد هؤلاء الأصناف في سبيل الله، المسكين يسأل، السائل يقول: في سبيل الله. لكن هذا الصنف من الأصناف الثمانية. نعم، المنفق في سبيل الله يُرفع صوته. طيب، الذي ينشر العلم يدخل في سبيل الله، نعم، أحسن. وهذا قول الراجح، والمسألة فيها خلاف. والأصل ما هو في سبيل الله؟ جهاد، أي جهاد؟ قبيلة، نعم، لتكون كلمة الله هي العليا، حتى لو كان ضد الكفار، ولكن ليس لتكون كلمة الله العليا، فهذا ليس في سبيل الله، لابد أن يكون لتكون كلمة الله العليا، نعم، لإعلاء الإسلام، التوحيد، السنة، هذا في سبيل الله. طيب، هذا اثنان، الثالث عندك الحج من سبيل الله، نعم، لما صح عن النبي -عليه الصلاة والسلام- في ذلك. طيب، قد ذكر ذلك. الرابع عندك مصالح الحرب، نعم، مصالح الحرب، يعني مصالح الجهاد، مثل العتاد والغذاء، السلاح ونحوه، نعم، بشرط أن يكون لتكون كلمة الله هي العليا، حماية لحمى الدين، ليس لأجل اعتبارات أخرى، نعم. ومما مر معنا ابن السبيل، وذكر المؤلف -رحمه الله تعالى- صنفين، ما هذان الصنفان؟ ابن السبيل، الذي سرق ماله، سرق ماله في بيته، نعطيه، ليس ببلده، يريد أن يرجع إلى بلده، سواء سرق ماله، نقص ماله، المهم ما عنده الذي يرده إلى أهله وبلده، فهذا ابن السبيل. كذلك الصنف الثاني، المسافر الذي انقطع ماله، ولو إلى غير بلده، ولو إلى غير بلده. وهذا كذلك الصحيح، فيه تفصيل، ما هو هذا التفصيل؟ نعم، إذا كان للنزهة والإباحة ونحو ذلك فلا، وإن كان لشيء آخر فمما يعان مثله في الشرع، فيعطى، إلا أنه إذا كان منقطعًا فلا نتركه منقطعًا، حتى ولو كان للنزهة، لأنه الآن في ضرورة. أصل السفر مثلًا نزهة، لكن انقطعت نفقته، يريد يكمل، إما إلى البلد الذي يريد يصل إليها، ولو لم تكن بلده، وهناك سيكون عنده اتصالات، يكون عنده أشياء، يقدر يتواصل بأهله، ويرسل له المال، أو يرجع إلى بلده، وقد يكلف أكثر، الرجوع إلى بلده، فهنا ننظر بحسب المصلحة، نعم. الصحيح بهذا التفصيل على ما سمعنا. طيب، قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: ويعطى الفقير والمسكين ما يكفي حولًا، يعني ما يكفيه حولًا، والغارم والمكاتب ما يقضيان به دينهما. وهذا بالنسبة للفقير والمسكين كما مر معنا في دروس سابقة، إذا كان المال كثيرًا ويكفي، فيعطى كل فقير ومسكين ما يكفيه لسنة. لماذا قالوا سنة؟ لأن الزكاة ستأتي في السنة الآتية، فيكفيه لسنته. وإذا كان المال قليلًا لا يكفي، أن يعطى كل مسكين وفقير ما يحتاجه، فإنه يقسم بحسب الحاجة الأولى فالأولى، فينظر كم يكفي، ويعطى ما يكون به سد الحاجة، بقدر الموجود. ولكن كما قال العلماء: لو أدى الناس زكاة أموالهم في الحقيقة لن يبقى مسكين ولا فقير. هذا سبحان الله، من حكمة الإسلام في فرض الزكاة أن يحصل شيء من التكافؤ الاجتماعي. ولكن للأسف الكثير -إلا من رحم الله- لا يؤدي زكاة ماله، والله المستعان. قال: وَالْغَارِمُ وَالْمُكَاتَبُ مَا يَقْضِيَانِ بِهِ دَيْنَهُمَا، يعني حسب حاجتهما من الدين، الغارم مذكور في الآية، والمكاتب، فبقدر ما عليه. والغارم ما يحتاج إليه لغزوه كذلك يُعطى بحسب الحاجة. وكل هذا إذا كان المال كثيرًا يكفي لهذه الأصناف، وإلا يُعطى كل صنف بحسب المستطاع، ويُقدَّم الأولى فالأولى. قال: وَإِنْ أَخْرَجَهَا فَضَاعَتْ قَبْلَ دَفْعِهَا إلى الفقير لم تسقط. هذا بالنسبة لصاحب الزكاة، إذا أخرج الزكاة وأراد أن يعطيها للفقير فضاعت، اختلف أهل العلم، فمن أهل العلم من قال: تسقط، ومن أهل العلم من قال: لا. قال مالك: أراها تجزئه إذا أخرجها في محلها، وإن أخرجها بعده ضمن. وهذا الصحيح أنه فيه تفصيل، لكن ما هو هذا التفصيل؟ التفصيل: إذا حصل تفريط فيضمن، وإذا لم يحصل تفريط فليس عليه الضمان. هذا هو الصحيح. مثال التفريط: أنه أخرجها في محلها الصحيح، طيب ثم حصل لهذا المال الضياع، مثلًا سلمها للساعي، ثم الساعي قال له: ضاعت عليه، هل يلزمه أن يخرجها مرة ثانية؟ ما يلزمه، خلاص إن شاء الله سقط الواجب، وكتب الأجر. وإنما الأعمال بالنيات. ومثلها لو أعطاها لمن ظنه فقيرًا فتبين أنه ليس كذلك، فأنفقت، فالصحيح أنها صدقة وصلت، قد صح بذلك حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- في الرجل الذي عزم أن يتصدق، فتصدق من الليل، فقيل: تصدق على غني، ثم في الليلة الثانية على زانية، ليلة الثالثة على سارق، فما أمر بإعادة الصدقة، لكن هو أعاد من نفسه. والشاهد أن هذا ذكر على وجه الإقرار، بل ذكر أنه ربما يكون له سبب في أن يتعب الغني فينفق، والزانية فتتوب، والسارق فيرجع ويتوب. فإذا أخرجها بعد البذل الجد والاجتهاد في إيصاله إلى محله، ثم حصل خطأ بغير تفريط، إن شاء الله ليس عليه شيء في ذلك. فالضابط هو التفريط، هذا هو الضابط. والصحيح في هذه المسألة. قال -رحمه الله-: وإن منعها، أي الذي وجبت عليه الزكاة، أخذت منه وعزر. وقال أبو بكر: يأخذها وشطر ماله. وبه قال إسحاق، لحديث: إن أخذوها وشطر ماله. قال أحمد: صالح الإسناد. أصل الحديث رواه داود، النسائي بإسناد حسن، من حديث معاوية بن قرة، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ذكر سائمة الإبل وما فيه الزكاة، ثم قال -عليه الصلاة والسلام-: ومن منعها، فإن أخذوها وشطر ماله، عزمة من عزمات ربنا -عز وجل-، وليس لمحمد ولا لآل محمد منها شيء. والحديث كما نرى حسنه الإمام أحمد، وجماعة من أهل العلم قديمًا وحديثًا. فالحديث حسن، وفيه أن التعزير يكون بأخذ شطر المال. ولكن لأنه لم يعمل به في كل الأحوال، فالصحيح أنه يرجع إلى ولي الأمر، فالتعزير يرجع إلى ولي الأمر. فقد يكون التعزير بأخذ نصف المال، مثلًا إنسان تمرد ومنع الزكاة. والكلام هنا على الزكاة الظاهرة، ما هي الزكاة الظاهرة؟ الزكاة الظاهرة: الخمسة الأصناف، الزروع وماذا؟ بهيمة الأنعام، هذه الأموال الزاهرة التي من منعها عزر. أما الأموال الخفية فليس فيها هذا الحكم، إلا إذا ظهرت، إلا إذا ظهرت. والغالب إذا ظهرت لا يمكن أن تخفى، مثل اليوم البنوك، أرباب الأموال أكثر أموالهم يضعونها أين؟ في البنوك، فيظهر أن هذا الإنسان عنده مال. فإذا ولي الأمر جعل قسمًا خاصًا في الدولة لإخراج الزكاة، وقبض الزكاة، فإنهم يستطيعون إخراجها. لكن ما يخفيها من الظاهر إذا علم فإنه يعزر، أو إذا منع الساعي من أخذ الزكاة فإنه يعزر. وإذا قوتل فإنه يعزر بالقتال، كما فعل أبو بكر -رضي الله عنه وأرضاه- مع أهل الردة. قال: لو قاتل من فرق بين الصلاة والزكاة. والصحيح أنه لم يقاتل كفارًا ومرتدين، وإنما قاتل أصنافًا ثلاثة. فمن هذه الأصناف: الذين ارتدوا عن الإسلام كلية. والقسم الثاني: الذين لم يرتدوا عن الإسلام، لكن جحدوا الزكاة، وقالوا: إنما كانت تؤدى في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأما الآن فلا نؤديها، فجحدوا الزكاة. وهؤلاء على الصحيح أنهم بعد إقامة الحجة على التفصيل الذي تقدم معنا يكونون من أهل الردة. والقسم الثالث: ما منعها جحودًا، ولكن بخلًا، رأى الناس أكثر العرب امتنعوا، فامتنع معهم، استكثر بهم. وكل هؤلاء الأصناف الثلاثة، ومن كان بمعنى هؤلاء، قاتلهم أبو بكر -رضي الله عنه وأرضاه-. فالتعزير قد يصل إلى القتل إذا حصل القتال، وقد يكون كذلك دون ذلك، بأخذ بعض المال، يقل أو يزيد بحسب المصلحة. ومثلًا يجعل ولي الأمر غرامة لمن لم يؤدي الزكاة، فيقولون مثلًا: من شهر كذا إلى شهر كذا تؤدى الزكاة، ومن لم يؤدي الزكاة إذا مرت مثلًا ثلاثة أشهر أو أكثر أو أقل، بحسب ما يرى من المصلحة، تكون غرامة. وقد تزيد هذه الغرامة بزيادة الوقت. هذا يجوز، وليس هذا من المكس، بل هذا أصله موجود في الشرع. وهل يجوز في غير الزكاة في هذا خلاف؟ هل يجوز التعزير بالمال في غير الزكاة؟ في هذا خلاف بين أهل العلم. والصحيح أنه يجوز التعزير بالمال في غير الزكاة، وله نظائر ثبتت في السنة، وكذا من فعل الصحابة -رضي الله عنهم وأرضاهم-. مثلًا إذا جعل غرامة لمن يتساهل في باب النظافة، غرامة من يرمي الزبالة في غير محلها، يعطى غرامة، يجوز أو لا يجوز؟ يجوز. هل ننفذها في المركز ولا لا؟ نريد نطبقها، هذه ونبدأ في صحاب الأغنام إن شاء الله من بعد العيد، فإذن الله تعالى. فمثل هذا جائز في الإسلام، لا ضرر ولا ضرار، ولا يجوز أذية المسلمين. فإذا لم يندفع الناس بالآداب والأحكام الشرعية، فعندنا من التعزير والحدود التي جاءت في الإسلام ما يجوز أن يؤدب به المسلم، وهي لولي الأمر، أو من ينيبه ولي الأمر في القيام بما يصلح أو يصلح به أحوال الناس، ما يصلح به أحوال الناس، فهذا جائز على الصحيح في الإسلام. قال -رحمه الله تعالى-: والصبي والمجنون يخرج عنهما وليهما. وحكي عن الثوري والأوزاعي: تجب ولا تخرج حتى يبلغ الصبي ويفيق المجنون. وقال أبو حنيفة: والصحيح أن هذا لم يصح عن الثوري والأوزاعي بهذا. قال: وقال أبو حنيفة: لا تجب الزكاة في أموالهما إلا العشر وصدقة الفطر، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: رفع القلم عن ثلاثة. والحديث أريد به رفع الإثم، بدليل وجوب العشر وصدقة الفطر، لأنه صح صريحًا في هذا، كما مر معنا في زكاة الفطر، وفي الكلام على العشر. قال: ويحق يتعلق بالمال، أشبه أرش الجناية، ونفقة الزوجة والأقارب. طيب، هذه كلها في الخلاف في المال الذي بلغ النصاب وحال عليه الحول، فوجبت فيه الزكاة، إذا كان لصبي أو لمجنون، مثلًا صبي ورث عن أبيه مالًا كثيرًا، بلغ النصاب وحال عليه الحول، فوجبت فيه الزكاة، هل يخرج عنه أم لا؟ كذلك المجنون. الصحيح والمسألة كما سمعنا فيها خلاف، أنه يخرج عنه، لأن الزكاة حق في المال، ولأنه من خطاب الوضع، أشياء تتعلق بشروطها وأسبابها، فإذا توفرت وجب ذلك، ليس هو تكليف يكلف به، وإنما قوله -عليه الصلاة والسلام-: رفع القلم عن ثلاثة، أو وضع القلم عن ثلاثة، الحديث له روايات، وهو حسن بمجموع طرقه. فالمعنى من التكليف لا يؤمر بصلاة ولا بطهارة، ولكن ليس معناها أن يترك، فهناك باب التروق يجب على وليه أن يعينه على ذلك، فلا يتركه قذرًا، يجب على وليه أن ينظفه من النجاسات والخبائث، وأن يمنعه من المحرمات والسيئات. وأما فعل الواجبات، وكذلك المستحبات، وغيرها من المأمورات، فهو بحسب ما يتيسر، وليس بواجب. قال -رحمه الله تعالى-: ويستحب له تفريقها بنفسه، وله دفعها إلى الساعي. وعنه: يستحب أن يدفع إليه العشر، ويتولى تفريق الباقي. قال أحمد: قيل لابن عمر: إنهم يقلدون بها الكلاب، ويشربون بها الخمور. قال: ادفعها إليهم. ومن قال: يدفعها إلى الإمام، الشعبي والأوزاعي. وكان ابن عمر يدفع زكاته إلى من جاءه من سعات بن الزبير، أو نجدة الحروري. طيب، هذه مسألة أخرى، وهي في إعطاء الساعي الزكاة، أولًا من الذي يعطى من الساعي؟ ثم كم يعطى؟ ثم هل كل ما يعطاه أو يأخذه بحق أو بغير حق يجزئ؟ الصحيح في هذه ثلاث المسائل التفصيل. المسألة الأولى: لا يعطى من الساعي إلا من كان ولي أمر على الوجه الشرعي الصحيح، سواء نصبه المسلمون أو تولى قهرًا، ما دام صار ولي أمر، ولو بالظلم، فله ما يجب. وهذا من باب درء المفسدة الكبرى بالمفسدة الصغرى، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: واسمعوا وأطيعوا وإن تأمر عليكم عبد حبشي. الأصل الإمارة لا تكون للعبيد، الإمارة تكون في قريش، وتكون لمن وأهل لها. ومع ذلك إذا انقلب الزمان وتسلط على الإمارة من لا يستحقها، فلا يجوز تفريق كلمة المسلمين، وإثارة الحروب والفتن في المجتمع المسلم، بل يسمع ويطاع، ولو تأمر عبد حبشي، يعني ولو كان الذي تأمر لا يستحق، حسًا أو لا يستحق معنى، ما دام اجتمعت الكلمة فيجب الطاعة. ثم بعد ذلك انفع لها وضعها في الحق، فذاك، وإلا فهو إثم يتحمله بعنقه يوم القيامة، أي هذا الولي الأمر. فإذا تسلط ولي الأمر وأمر بدفع الزكاة فإنه يدفع له. وإذا لم يأمر فيعطى للعادل، ولا يعطى للظالم، إذا لم يطلب الزكاة، ما نعطي للظالم، ونعرف أنه سيأكلها أو سيضعها في غير مواضعها، لا. فإذا أمرك واستطعت أن تدفع البعض وتخرج أنت بنفسك البعض الآخر فافعل. هذا متى؟ إذا كان ولي الأمر الذي يطلبها ليس بعادل، ظالم. فأنت تعطيه ما تدفع به المضر عن نفسك. فقول من قال من أهل العلم: العشر، فهذا تقريب للمعنى، وليس الشرط أن يكون العشر، بل تدفع قدر ما تستطيع أن تدفع المضر عن نفسك. فإذا مثلًا تسلط بعض ولاة الأمر وقالوا: ادفعوا إلينا الزكاة، طيب، فأنت تعرف أنهم يضعونها في غير مواضعها، لكن سيضروا كذا لم تدفع لهم، تدفع لهم بقدر ما تدفع الضرورة، العشر أقل من العشر، أكثر، المهم بما تدفع عن نفسك الضرورة. والباقي تخفي لنفسك، لا توزعه بمكانه الذي أمرك الله، كما ذكر أهل العلم، هذا هو الصحيح في المسألة الأولى، أننا الأصل نطيع وندفع المضرة بالأخف ثم الأعلى. بقي: إذا لم يكن ولي أمر فلا يُعطى، إذا لم يكن ولي أمر فلا يُعطى، مثلًا جاءك بعض الخوارج، الولي الأمر رجل من المسلمين، ثم تسلط الخوارج، فأتوا يأخذون الزكاة، مثل الذي يحصل في بعض البلاد الآن، في بعض البلاد التي تكثر فيها الحروب، تكون أكثر من إمارة في مكان واحد، هذا يدعي أن أمير المؤمنين، وذاك رئيس البلد، مثل في الصومال مثلًا، الناس يدفعون الزكاة مرتين، تأتي الدولة تريد الزكاة، ثم يأتي الخوارج من يسمون أنفسهم بالشباب المجرم، ويريدون الزكاة، فكيف يصنع الناس؟ يخففوا، يدفعوا لهؤلاء ما يدفعوا عن أنفسهم المضرة، ويدفعوا لهؤلاء ما يدفع عن أنفسهم كذلك المضرة، وما تيسر، إبقاؤه، أخرجوه للمكان الذي يصلح فيما أمر الله -سبحانه وتعالى-، يسدد ويقارب. وإذا كان ليس له سلطة فطلبه لا يضر، لا تعطيه، ما دام أنه ليس ولي أمر فلا يعطى، أو كان ظالمًا، ويمكن أن لا يلزمك، ولا يضرك فلا يعطى، وهكذا. طيب، المسألة الثالثة: إذا ثبت كذلك، أو من الثانية أولًا، إذا ثبت أنهم يفعلون الظلم، ووضع المال في غير موضع، كما قيل لابن عمر: أنت تعطي ناسًا يجعلون مالك للكلاب، وشرب الخمر، طيب، إيش يصنع ابن عمر؟ هل ينابذهم فيقاتلهم؟ ها، لا، ليس هكذا أمرنا في الإسلام، بل كما تقدم، ندفع المضرة الكبرى بالمضرة الصغرى، فيعطيهم بقدر ما يدفع، يبدأ بالقليل، فإن أصروا زاد قليلًا. طيب، وهل يجوز أن يكذب؟ وهذا يأتي كثير، يسأل عنه بعض الناس، يقول: يقول لك: كم زكاة مالك؟ فتقول: هذه الزكاة، فربما استحلفوه، أو جعلوه يمضي على أوراق، هل يجوز؟ وهو يعرف أن الزكاة أكثر من هذا؟ الجواب: يجوز، ولكن اليمين على نية المستحلف، ليس كما يريد هو، ولكن أنت تجعل كما أراد الله. فلذلك لو قال لك: هذا كل زكاة مالك، تقول: نعم، وأنت في نيتك الذي يصلح لك عند الله، هذا كل مالك، نعم، وفي قلبك الذي يصلح لك عند الله. فالذي يصلح له عند الله أن تدفع الأخف فالأعلى، وهكذا. ولا يضره إن فعل ذلك، وهكذا كذلك كونه يدفع إلى بعض الناس، الأحاد، هل يجزئ أو لا يجزئ؟ الصحيح أنه لا يجزئ، مثله مثل السارق، لو جاءك سارق وقال: اعطني مالك، فأخذ مالك، اعطني زكاتك، وأخذ زكاتك، فهل تسقط الزكاة عنك؟ في هذا خلاف بين أهل العلم. والصحيح أن الزكاة ما تسقط إلا إذا لم يكن عندك مال آخر، وكان هذا المال يضرك إخراجه، فلا ضرر ولا ضرار، أو أخرج عن كونك غنيًا بإخراج هذا المال. ومثله لو جاء الخوارج الذين ليسوا بولاة أمر، فأخذوا مال المسلم، وأخذوا من ذلك الزكاة، إذا كان عنده مال آخر، يخرج الزكاة مرة أخرى، أحوط لدينه. قال -رحمه الله تعالى-: وقال مالك وأبو حنيفة: لا يفرق الأموال الظاهرة إلا الإمام، لأن أبا بكر طالبهم بها، وقاتلهم عليها. وقال: والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لقاتلتهم على منعها. وقال أصحاب الرأي: إذا مر على الخوارج فعشروه، لا يجزئ عن زكاته، ويجزئ فيما غلبوا عليه. وقال أبو عبيد: على من أخذوا منه الزكاة لعادة، لأنهم ليسوا بأئمة، أشبه قطاع الطريق. ولنقول: الصحابة من غير خلاف، علمناه في عصرهم، هذه المسائل. الصحيح أن فيها تفصيل على ما تقدم، أولًا الأموال الظاهرة، الأصل أنه يدفع تدفع للإمام. فإذا كان الإمام لا يأخذها، فهم يؤدونها إلى من يستحقها، أرباب الأموال. أو كان الإمام ظالمًا ليس بعادل، يضعها بغير موضعها، فتدفع بقدر ما يطلب منك، الأخف فالأعلى، وهكذا، يعني بقدر ما يدفع المضرة، كما مر التفصيل. والمسألة الثانية: الخوارج إذا اعترضوا الإنسان في الطريق، ومن كان بمعنى الخوارج كقطاع الطريق، فيه خلاف. والصحيح التفصيل كذلك على ما تقدم الإشارة إليه. والضابط هو الاستطاعة وعدم التفريط. فإن كان مستطيعًا فيؤدي مرة أخرى. وإذا كان غير مستطيع، وليس بمفرط، فلا يجب عليه. وإذا كان مفرطًا يجب عليه. الثالث في مسألة ما أشار إليه -رحمه الله تعالى- فيمن تغلب من هؤلاء الخوارج، فمن تغلب منهم، فالصحيح أنه يعتبر من ولاة الأمر، وإن كان ظالمًا جائرًا مبتدعًا، فما دام هو مسلم، فتؤدى إليه بما يدفع شره، إلى أن يجعل ربي فرجًا ومخرجًا. ومما يذكر هنا وينبه عليه كذلك مسألة سبقت التنبيه عليها، وهي نقل الزكاة في حال لم يأتي ولي الأمر، هل يجوز أن تنقل؟ لو كان ولي الأمر في بلد آخر، الصحيح: نعم. ودليل حديث معاذ بن جبل في الصحيحين، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- أرسل معاذًا وأبا موسى إلى اليمن، ومما أمر به -عليه الصلاة والسلام- أن تأخذ منهم الزكاة، فترد، تأخذ من أغنيائهم وترد إلى فقرائهم. وإذا زاد منها شيء فإنه يرجع إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-. وهكذا فعلوا، فجاء علي -رضي الله عنه- من اليمن، وقد أرسله النبي -صلى الله عليه وسلم- كذلك إلى اليمن، ولاقى النبي -صلى الله عليه وسلم- في حجة الوداع في مكة، ومعه مال من الصدقة، يعني من الزكاة، جمعها مما زاد عن فقراء أهل اليمن. انظروا سبحان الله في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- الفقر أشد من زماننا هذا، ومع ذلك لما أخذ من الأغنياء ورد إلى الفقراء، صار عندهم الفائض الزائد الذي استطاع أن يأخذه معه إلى مكة، فيلاقي النبي -صلى الله عليه وسلم- ومعه أموال زائدة من الزكاة. وهكذا فعل معاذ -رضي الله عنه وأرضاه-. وهذا فيه أن المسلمين لو طبقوا حقًا وصدقًا تأدية الزكاة، ما بقي فقير ولا مسكين، ولكن إلى الله المشتكى، والله المستعان. يقول السائل: الرجل يملك ستين جرامًا من الذهب، ويملك مالًا بلغ النصاب وحال عليه الحول، فهل يضم ستين جرامًا مع المال الذي بلغ النصاب ويخرج الزكاة، أم يخرج الزكاة للمال فقط؟ في هذا خلاف بين أهل العلم. والصحيح أن العملة الورقية جنس ثالث كالذهب والفضة، فلا يضم الذهب إلى الفضة، لا يكمل نصاب الذهب بالفضة، ولا العكس. وكذلك على الصحيح لا يكمل نصاب الذهب بالعملة الورقية، ولا العكس. فالعملة الورقية صنف ثالث، يلحق بالذهب وفضة، وليس من الذهب والفضة على الصحيح. والمسألة فيها خلاف، وبعضها للعلم يلحقه بما ألحق به، فيقول: معنى الثمانية، فيه إن كان من الفضة ألحقه بالفضة، وكمل به الفضة، وإن كان من الذهب ألحقه بالذهب، وكمل به الذهب. يعني المسألة فيها قولان، القول الأول: يلحق بما هو من جنسه الملحق به. والقول الثاني: أنه جنس ثالث، وإن كان قد ألحق في نصابه بأحد هذين الجنسين. وهذا الثالث هو الصحيح، والله تعالى أعلم، وهو الأرفق بالناس. والأصل في أموال الناس الحرمة، فلا ندخل صنفًا بصنف إلا بشيء واضح ظاهر، والله أعلم. يقول: نويت الفطر في رمضان ولم أتناول شيئًا، فهل أكون مفطرًا؟ لماذا نويت الفطر؟ لا يجوز للمسلم أن يفطر في نهار رمضان إلا إذا كنت مريضًا أو مسافرًا، فعندك رخصة الفطر. فهنا الصحيح أن الصيام لا يخرجك منه مجرد النية، النية لا تخرجك من الصيام، بل لابد أن تفعل ما يكون به الفطر. طيب، ما يكون به الفطر؟ هذا هو الصحيح في مسألة النية. والمسألة فيها خلاف، لكن هذا هو الراجح، والله أعلم. فإذا نوى أن يفطر، مثلًا مسافر، عزم على الصيام، المهم أنه دخل بنية الصيام أولًا، دخل بنية الصيام، ثم أثناء الصيام عزم أن يفطر، يعني غير نية الصيام إلى نية الفطر، فهنا نقول له: ما زلت صائمًا حتى تأكل أو تشرب أو تفعل مفطرًا من المفطرات. بخلاف الذي كان مفطرًا وأراد أن ينوي الصيام، مثلًا أصبح الرجل مفطرًا، ولم يبيت نية الصيام، فلما كان في وسط النهار نام، نام من صلاة الفجر إلى الظهر، فرأى نفسه ما أكل شيء، قال: إيش الفائدة؟ فطر الآن، سأفطر وحدي، والناس صيام، إذن سأكمل الصيام، سأصوم، وهو لم ينو الصيام، هنا الصحيح: لا صيام له، لماذا؟ لأن الأعمال بالنيات، وهو لم ينو الصيام أصلا. وعلى الحديث الموقوف الذي له حكم الرفع: فيمن لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له. فهذا هو الصحيح في هذه المسألة، والله أعلم. يقول: ما حكم الدعاء في صلاة التراويح ورفع اليدين فيه؟ هذه المسألة من المسائل التي يسع فيها الخلاف، جاء حديث الحسن لابن علي في دعاء القنوت، يحسنه أكثر أهل العلم، وبعض مشايخنا كان يضعفه، فصار يحسنه، مثل شيخنا محمد بن عبد الوهاب الوصابي العبدلي -رحمه الله رحمة واسعة- كان يضعفه، على رأي شيخنا مقبل الوادعي -رحمه الله رحمة واسعة-، ثم بعد ذلك صار يحسن الحديث. وأخرج رسالة وبحثًا في تحسين هذا الحديث. وهذا الحديث فيه الدعاء في الوتر، والوتر عام في رمضان وفي غير رمضان. وهكذا كذلك ثبت عن عدد من الصحابة أنهم كانوا يقنتون ويدعون في صلاة التراويح، وثبت عن بعضهم أنهم كانوا لا يقنتون ولا يدعون في صلاة التراويح. وهكذا رفع اليدين، فمن أهل العلم استدل بأحاديث مرفوعة وموقوفة في رفع اليدين عمومًا، وفي صلاة الدعاء في صلاة التراويح والوتر خصوصًا. ومن أهل العلم من يرى أنه لم يصح مرفوعًا، وإن صح عن بعض الصحابة، فهو لا يرى أن هذا في حجة لإثبات ذلك. فالأمر واسع، من رأى ذلك فعل، ومن لم يرى ذلك فلا يفعل. لكن ها هنا ملحظ مهم جدًا في فقه الدعوة والتعامل مع الناس، إذا كنت في مسجد في السوق، وأكثر الناس يريدون على ما اشتهر وتعارف عندهم، وهذا غلب الدعاء، ويرون أن الصلاة بدون دعاء ناقص، فإذا الإمام لا يرى هذا، يترك غيره يصلي بالناس الوتر ليش، حتى لا ينفر الناس عن المسجد وعن السنة، إن منكم لمنفرين، كررها النبي -صلى الله عليه وسلم- ثلاثًا. إذا كنا سنتفق ونحن كلنا طلبة علم، أن ترك الدعاء سينفر عن الدعوة وعن المسجد، المسجد، إذن لابد من الدعاء، المسألة الخلافية صحيح، لكن الذي لا يرى يجلس على جمع، والذي يرى يقدم في هذا الأمر. والأمر واسع. أما في بيئة فيها طلبة علم يتفهمون المسألة تمامًا، ويرون أن المسألة مما يسع فيها الخلاف، فإذا كان الإمام أو المسؤول عن هذا المسجد أو ذاك المركز أو الآخر أو الثالث لا يرى الصواب في هذا، فلا حرج، ما دام أنه لا يؤدي إلى ماذا؟ إلا فتنة وتنفير. لكن إذا أدى إلى فتنة وتنفير، فهنا ندرأ المفاسد أولى من جلب المصالح. فنراعي هذه المسألة جدًا، نراعي هذه المسألة جدًا، مثله، وهذا تنبيه للدعاة إلى الله كذلك، وقد نبهنا عليه في مجلس سابق، في نصائح للدعاة الذين خرجوا قبل رمضان، أن الإنسان إذا جاء إلى بيئة مثلًا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم، أنت ترى الصواب عدم الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، فإذا كنت تستطيع أن تجهر بها، وترى أن هذا لا ينافي ما أنت عليه مما تدين الله به، وأن الجهر بها يدفع مفسدة، فاجهر بها. إذا كنت لا تستطيع، وترى أنه لا يسع كذلك، اجعل في الصلاة الجهرية، ما دام أن عدم الجهر بها سيسبب مفسدة، يصلي غيرك، لماذا؟ لأجل لا تفعل فتنة في المسجد، أنت جئت من بعيد وتفعل لهم شيء غريب، سبب فتنة، وربما حرمت الناس من الخير الذي عندك بسبب هذه الجملة، وهي مما يسع فيها الخلاف، ما دام يسع فيها الخلاف، فإذا تتركها لغيرك، خلي غيرك يصلي بالناس في هذا الباب. بخلاف إذا كانت المسألة مما فيها راجح ومرجوح، ويصل الأمر إلى البجعة، فهنا نقول: لا، لابد نعلم الناس السنة، ولا نفعل البجعة، البجعة ما نفعلها لأجل نكسب الناس، ما نكسب الناس بالبجعة أبدًا، نكسب الناس بالسنة. ويجوز لنا أن نتنازل في المسائل التي يسع فيها الخلاف فقط، لا نتعدى هذا. أما أن نفعل مثل ما يفعل بعض الجماعات المنحرفة، يرضون بالتصوف، يرضون بالبدع، يرضون بالخرافات، طلبًا لمصلحة الدعوة كما يقولون، لا، مصلحة الدعوة ليس على حساب التوحيد، ولا السنة، ولا المحرم، ولا البدعة، ولا غير ذلك، إنما فيما يسع فيه الخلاف، هذا أقصى ما يقال، والله أعلم. يقول: والتأمين خلف الإمام كذلك. ويقول: تقليد إمة الحرمين، إمة الحرمين، ليس كل ما يفعلوه صواب، الصواب هو فيما جاء في الكتاب والسنة، وما ثبت عن سلف الأمة، هذا الميزان، هذا هو الميزان. فأنت تحرص على هذا الميزان، والله أعلم. طيب، هذا إن شاء الله السؤال الأخير، يقول: الحامل والمرضع إذا أفطرتا في رمضان، هل عليهما القضاء والإطعام؟ هذه المسألة فيها خلاف. والصحيح أن الأصل هو القضاء، فإذا لم تستطع القضاء، فتتابع عليها الحمل والإرضاع والنفاس، فإنه يجوز لها أن تنتقل إلى الإطعام. وهذه فتوى جماعة من أهل العلم. وهذا الذي به تجتمع الأدلة المروية المرفوعة والموقوفة. ومنها ما جاء عن ابن عباس وابن عمر وغيرهما، في الإطعام بالنسبة للحامل والمرضع، يحمل على هذا. ورجحه الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي -رحمه الله-. وهكذا شيخنا الشيخ محمد بن صالح العثيمين. وهي أحد أقوال شيخ الإسلام ابن تيمية، ورواية عن الإمام أحمد -رحمه