كتاب الجهاد 11

كتاب الجهاد 11

الدرس في كتاب الجهاد 11، 21-باب في غزوة حنين . 22-باب غزوة الطائف . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

غزوة حنين ودروسها في الاعتماد على الله

يتناول المقطع غزوة حنين وما حدث فيها من مفاجأة المسلمين برمي المشركين بالسهام، وفرار بعض المسلمين، ثم جمعهم حول النبي صلى الله عليه وسلم. ويستخلص درسا عظيما للمسلمين بعدم الاغترار بالكثرة والاعتماد على الله سبحانه وتعالى.

التسامح والتعاون في المجتمع المسلم

يبرز المقطع أهمية التسامح والتعاون في المجتمع المسلم من خلال حادثة وقعت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. يشدد على ضرورة التزديد والمقاربة بدلاً من القطع والتفرق داخل المجتمع.

الإعداد والتدريب لنصرة الدين

يبرز المقطع أهمية الإعداد والتدريب في نصرة الدين، مشيرًا إلى تعلم الرمي واستخدام الأسلحة الحديثة وتدريب الأجساد والمركوبات. كما يشدد على ضرورة التضحية والعطاء لنصرة الدين.

البذل والصبر في نصرة الدين

يجب على المسلم أن يبذل ما في وسعه من وقت وجهد ومال لنصرة الدين، وأن يصبر على ما قد يلحق به من أذى أو ابتلاء. التوكل على الله عز وجل يعين المسلم على مواجهة الشدائد والرخاء باطمئنان وثبات.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب في غزوة حنين. قال: حدثنا البراء، وسأله رجل من قيس: أكنتم فررتم يا أبا عمارة يوم حنين؟ قال: لا والله، ما فر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنه خرج شبان أصحابه وخفاؤهم حسرا، ليس بسلاح، فأتوا قوما رماتا، جمع هوازن وبني نصر، ما يكاد يسقط لهم سهم، فرشقوهم رشقا ما يكادون يخطئون، فأقبلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو على بغلته البيضاء، وابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب يقود به، فنزل واستنصر، ثم قال: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب. ثم صف أصحابه. قال: خرجه البخاري في كتاب الجهاد، باب من صف أصحابه عند الهزيمة ونزل عن دابته واستنصر. قال: حديث البراء وسأله رجل من قيس: أفررتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين؟ فقال: لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفر، كانت هوازن رماتا، وإن لما حملنا عليهم فكشفناهم، فأكببنا على الغنائم، فاستقبلنا بالسهام، ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته البيضاء، وإن أبا سفيان آخذ بزمامها، وهو يقول: أنا النبي لا كذب. قال: أخرجه البخاري، كتاب المغازي، باب قول الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾. قال: باب غزوة الطائف. قال: حديث عبد الله بن عمر: لما حاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم الطائف فلم ينل منهم شيئا، قال: إنا قافلون إن شاء الله. قال: فثقل عليهم، وقالوا: نذهب ولا نفتح؟ وقال مرة: نقفل؟ فقالوا: اغدوا على القتال. فقدوا فأصابهم جراح، فقال: إنا قافلون غدا إن شاء الله. فأعجبهم، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم. أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب غزوة الطائف. أورد المؤلف رحمه الله هذين البابين وما فيهم من أحاديث في سياق ذكره لأحاديث كتاب الجهاد. فقوله رحمه الله: باب في غزوة حنين، كما مر وتكرر معنا، الباب لغة ما يدخل منه ويخرج، والمراد منه الدخول والخروج المعنوي، أي هذا مدخل في معرفة أحكام في غزوة حنين. وقوله: باب في غزوة حنين، على قاعدته، فالتبويب على ما بوب به على أحاديث صحيح مسلم. ثم ذكر حديث البراء بلفظيه، وعلى قاعدته، هذا هو لفظ البخاري. وقد أخرجه البخاري، أي الحديث الأول في الموضع المشار إليه. فقد قال: حدثنا عمر بن خالد الحراني، قال: حدثنا زهير، قال: حدثنا أبو إسحاق، قال: سمعت البراء وسأله رجل، فذكر الحديث بلفظه. ثم ذكر الحديث الثاني، وهو كذلك عند البخاري في الباب المشار إليه بهذا اللفظ. فقد قال البخاري رحمه الله: حدثنا قتيبة، قال: حدثنا سهل بن يوسف عن شعبة عن أبي إسحاق، قال: رجل للبراء بن عازب: أفررتم؟ فذكر الحديث بلفظه. وفي الباب الذي بعده ذكر الحديث، وقد أخرجه البخاري في الباب المشار إليه. تناولت هذه الأحاديث مجموعة من الأحكام والمسائل، من أهمها ذكر شيء مما وقع في غزوة حنين وغزوة الطائف. وغزوة حنين، كما مر معنا في أحاديث سابقة، كانت بعد عام الفتح، بعد فتح مكة. فإن هوازن واستنصروا ببعض من حولهم من أهل الطائف وما حولها، أرادوا هزيمة المسلمين بعد فتح مكة. وقد اجتمعوا، وهم عندهم ما عندهم على أهل مكة في الجاهلية، فزاد الإسلام الأمر شدة في النقمة على أهل مكة. فجمعوا كل ما معهم، حتى أخرجوا النساء والأموال والذرية. كما مر وتقدم معنا قريبا في أبواب سابقة. وكان من رأيهم أن يتقدموا ويتلقوا المسلمين في الطريق، يتلقونهم في الطريق في واد ضيق، وهو واد حنين، بين مكة والطائف. فخرج المسلمون، فلما دخلوا هذا الوادي، وأحداث هذه الغزوة كما مر معنا كثيرة وعظيمة. فلما دخلوا هذا الوادي فاجأهم المشركون، وقد ترصدوا لهم في رؤوس الجبال، وكانوا من أرمى العرب، يعني من أحسنهم رميا، فرموهم بالسهام، فلا يكاد سهم يقع على الأرض، بل ما يرمى سهم إلا ويقع على أحد المسلمين. فتفرق المسلمون، حتى دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم، فاجتمعوا حوله. وقد انعطف عليه الصلاة والسلام إلى يمين الوادي، فناداهم المهاجرين والأنصار، فانعطفوا واجتمعوا حوله عليه الصلاة والسلام. وهذا هو قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِلاَ مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِءاً إِلَى فِئَةٍ﴾. فليس هذا من الفرار، ما دام الوصف هكذا. وأشياء كثيرة وقعت في هذه الغزوة. وهذا الحديث الذي ذكره، أو هذين الحديثين في هذا الباب، فيه شيء وطرف مما يتعلق بهذه الغزوة. وهذه الغزوة التي قال بعض المسلمين خطأ، بعدما رأوا الكثرة، وهم أكثر من عشرة آلاف، قالوا: لن نغلب اليوم من قلة. فقال الله عز وجل: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً﴾. وفي هذا درس عظيم للمسلمين، أن لا يغتر أحد بما عنده، بل ينبغي أن يكون المسلم فقيرا إلى الله سبحانه وتعالى، ويرجو ما عند الله سبحانه وتعالى. ويعلم أن حقيقة النصر هي من الله جل وعلا، حتى لا يحصل مثل هذا مرة أخرى. ولله الحكم البالغة فيما يكون من تدبيره سبحانه وتعالى. الشاهد هذا الحديث، حديث البراء، سئل فيه البراء: أكنتم فررتم يا أبا عمار يوم حنين؟ فقال: لا والله، ما فر رسول الله صلى الله عليه وسلم. في هذا الحديث من المسائل، كما يقول العلماء وشراح الحديث، فيه من بديع الأدب، نكتة ولفتة لطيفة عظيمة. وهي أن البراء رضي الله عنه أرضاه، أجاب بجواب فيه من حسن الأدب والإشارة إلى ما ينبغي أن يكون به حسن السؤال وحسن الجواب، ما كان من ألطف الجواب أحسنه. فهذا الرجل سأل سؤالا غليظا، ليس من الأدب أن يسأل مثله. وأجاب البراء رضي الله عنه جوابا لطيفا مؤدبا، يعلم هذا الرجل ما ينبغي أن يسأل. مع ما تضمنه من حسن جواب، فلم يجب الرجل بما يريد من سؤال. وهذا يسميه أهل البلاغة بأسلوب الحكيم، وهو مبحث من مباحث علم البلاغة. أسلوب الحكيم أن تصرف السائل عن جوابه إلى جواب هو خير له. وهذا له نظائر كثيرة في الكتاب والسنة وفي اللغة. وهذا من هذه النظائر. إذا سئلت سؤالا، وكان هناك ما هو خير من سؤال هذا السائل، فأنت تصرف السائل إلى ما هو خير له من إجابته بجواب سؤال آخر. مثل قول الله عز وجل: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾. كان الجواب كأنه يقول سبحانه: ليس الشأن كل الشأن أن تسأل ماذا تنفق، ولكن الشأن كل الشأن أن تسأل أين تنفق ولمن تنفق؟ هذا هو السؤال المهم والجواب الأهم. فكان الجواب في التوجيه والنصح في الجهة التي ينفقون، وهو أحسن من السؤال. لأن حقيقة السؤال في الحقيقة ليس فيه كبير فائدة، كالسؤال الآخر. وهكذا كذلك سؤال الرجل، فأجابه رضي الله عنه أرضاه بجواب فيه أولا الدفع عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يفر. وفيه ثانيا كذلك، كما قال أهل العلم، إظهار الإفتقار، وكذلك مقام التواضع، مع عدم الجرأة عن الدفع عن النفس. مع أنه علم بما علمه الله أن ما صنعه المهاجرون والأنصار لم يكن فرارا، إذ تفرقوا من رمي العدو، ثم اجتمعوا حول النبي صلى الله عليه وسلم. لكن كان في هذا ثلاثة، كما يقال، مواضع من مواضع الأدب. أولها أنه لم يتجرأ فيقل: لم نفر. فكان في هذا من إظهار الفقر والفاقة والتواضع ما يحسن ويستحسن في مثل هذا المقام. وثانيها أنه كذلك أظهر أدبا آخر، وهو عدم الجرأة في مثل هذه المسألة. فكأنه يقول: وكلنا هذا إلى الله، ونسأل الله إن كان إحسانا أن يتقبل، وإن كان غير ذلك أن يغفر. فيكون فيه كذلك أدب آخر، وهو الوقوف حيث وقف به من جهة العلم. وهذا كذلك فيه تعليم للسائل والسامع أن يقف حيث وقف به العلم، وأمر ثالث، وهو أنه صرفه إلى الشيء المهم، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم ومن كان حوله لم يفروا، بل ثبتوا في مكانهم عليه الصلاة والسلام. وهذا هو أهم شيء. ومعناه: إن كان هناك شيء يسمى فرارا، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يفر، لكن نحن الضعفاء ربما وقع منا ذلك. إن كان شيء يسمى فرارا، فإنه لم يقع من النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن إن صح أن يسمى، فنحن الضعفاء قد يكون وقع منا ذلك. ما أنه كما تقدم في الحقيقة لم يقع، فهم إن شاء الله على المعنى الجائز المأذون فيه. فهم لم يفروا الفرار المذموم، وإنما على أحد أمرين: متحرفين أو متحيزين. ولا شك أن من يرميك ليس تعطيه صدرك لأجل أن يقتلك، ولكن تفر من رميه، تفر من رميه، وأنت متحيز إلى فئة أو متحرف، هذا لا يسمى فرارا بنص القرآن، ومعناه في السنة. وفيه من المسائل كذلك ما كان عليه المسلمون في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، مما ينبغي أن يكون محل عظة لنا وعبرة. أنهم كانوا على فضلهم يلحقهم النقص كغيرهم، فمن دونهم من باب أولى. فمن دونهم من باب أولى، حتى لا يظن أن ما قد يقع من نقص يقتضي رشق بعضنا بعضا بالتهم، وتخلي بعضنا عن بعض. وليس هذا بصواب. فإن الكمال لن تجده في أحد، فكل ابن آدم خطأ، لكن الناس تفاوتون في الفضل. الناس تفاوتون في الفضل. وما دام أن أهل الإسلام يتناولون جميع أفراد المسلمين باختلاف فضلهم ومنزلتهم وإيمانهم وإسلامهم، فإذا توقع كذلك اختلاف المواقف واختلاف كذلك التصرفات. وليس الحل إذا وقع الخطأ أن يكون القطع والتفرق والتمزق وتخلي بعضنا عن بعض، ولكن التزديد والمقاربة. التزديد والمقاربة. فلذلك ينبغي للمسلم أن يحسن التصرف. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مثل المؤمنين بتوادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تدعى له سائر الجسد بالحمى والسهر». والمقصود والشاهد من الحديث أن أهل هذا الدين كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تدعى له سائر الجسد. إذن إذا اشتكى منك عضو بنقص، ليس الحل أن تقطعه، ولكن الحل أن تعالجه وتطببه وتصبر عليه حتى يجد الشفاء. وهكذا كذلك أهل النقص في المجتمع المسلم، ليس الحل أن نبترهم من المجتمع ونقطعهم، ولكن الحل أننا نصبر على ماذا؟ على تطبيبهم وعلى مداواتهم وإصلاحهم، حتى يكونوا كالجسد الصحيح السليم. ولو أن كل قطعة من جسدك جرحت، قطعتها ورميت بها، لم يبقى بجسدك شيء. صور هذه الأصبع تجرح، تقطعها وترميها، والأخرى تقطعها وترميها، إذن لا تبقى لك أصابع. وهل هذا يفعله عاقل؟ الجواب: لا، ما أحد يفعل هذا. والواقع أن الإنسان ما يتخلى عن شيء من جسده، بل يجتهد ويجتهد ويجتهد، فإذا لم يكن بد إلا ببتره، فيبتره، وهو ماذا؟ وهو في غاية الأسف، لأنه بهذا يدرأ مفسدة كبرى بهذه المفسدة الصغرى. فإبقاء هذا الجسد الذي لا حل له إلا أن يبتر، مضر لسائر الجسد، فعند ذلك يبتره، وهو متأسف وحزين وغير راض عن ذلك. فالمقصود من هذا أننا نفهم وندرك حقيقة لا يدركها الكثير من الناس، خصوصا من يسير في طريق الدعوة وأبواب العمل الخيري، يظنون أن من لوازم السير في مثل هذه الأعمال الكمال، وهذا غير صحيح. فما من مجتمع يجتمع فيه جماعة من الناس إلا وقد يحصل فيهم الخطأ، وقد يحصل التقصير. وليس الحل هو أن نجد مجتمعا خاليا من الأخطاء وخاليا من التقصير، فهذا غير ممكن في الدنيا، إن شاء الله في الجنة. أما في الدنيا فكل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين هم التوابون. فلذلك ينبغي أن نوطن أنفسنا على الحكمة والرفق في التصرف، وكيف يكون التزديد والمقاربة، حتى يبقى اجتماع أهل الحق على ما هو عليه من قوة. وفيه من المسائل كذلك ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من الشجاعة، وخيار الصحابة. وقد ذكر في بعض الأحاديث من كان ملازما للنبي صلى الله عليه وسلم في الغزوة حول النبي صلى الله عليه وسلم. وفيه كذلك من المسائل ما ينبغي أن يقوم به الأمير، ومن يقوم بمقام الأمير، من ترتيب الجيش، وكذلك القيام بما يجب عند حصول مثل هذه الشدائد. ولهذا بوب البخاري رحمه الله تعالى بابا، فقال: باب من صف أصحابه عند الهزيمة ونزل عن دابته واستنصر. وهذا أخذه من أين؟ من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه لما رأى تفرق أصحابه بالرمي الذي نزل عليهم من رؤوس الجبال كالمطر، نزل عند دابته عليه الصلاة والسلام، ونادى وجمعهم في مكان آمن في يمين الوادي عليه الصلاة والسلام. وهذا مقام اقتداء واعتساء. وكما نرى، بوب البخاري رحمه الله بهذا الباب، فهذا من فقه هذا الحديث. وفيه من المسائل ما يجوز قوله من الثناء الذي يقصد به الحث على الخير. ومنه ها هنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب». وفيه من المسائل كذلك تسمية الجد أبا، وهذا كثير في الكتاب وفي السنة. فهو أب، وقد ترتب على هذا مسائل كثيرة ذكرها العلماء في أبواب من كتب الفقه. وفيه من المسائل كذلك تواضع النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك توسطه في مركبه وملبسه وحياته عليه الصلاة والسلام. ففي هذا الحديث أنه كان على بغلته البيضاء عليه الصلاة والسلام، والبغلة وسط بين الحمار والفرس. وهكذا كذلك يدل هذا على هذا المعنى الذي ينبغي أن يكون أهل القدوة والاقتداء. وليس هذا على كل حال، لكن في كل مقام بحسب ما يناسبه. وفيه من المسائل كذلك أهمية تعلم الرمي. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح في تفسير قول الله جل وعلا: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾، قال عليه الصلاة والسلام: «ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي». كررها ثلاثا عليه الصلاة والسلام. ونراها هنا في هذا الموضع في هذا الحديث، كيف أن هوازن أثروا على المسلمين بالرمي. فالرمي له أثره، ولهذا حث الشرع على تعلم الرمي. حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن كما صح عنه في مسألة من مسائل العلم والفقه التي نبأ عليها الفقهاء، وهي المغالبة بالعوض. لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر». فتجوز المغالبة في هذا الموضع بعوض وبغير عوض. وللعلماء تفاصيل في كتب الفقه في باب المغالبات ما يجوز بعوض وبغير عوض، كالرمي والسبق بالخيل وما كان بمعناها من المركوب الخفيف والإبل وما كان بمعناها من المركوب الثقيل، للحديث الوارد في ذلك. ومنها ما لا يجوز لا بعوض ولا بغيره، وهذا ما لا نفع فيه في دين ولا دنيا. والأول يجوز، ما فيه يجوز المغالبة بعوض وبغير عوض، وهو ما كان فيه نفع في دين وفي دنيا. والثالث وهو الوسط، يجوز بغير عوض ولا يجوز بعوض، وهو ما فيه نفع في دنيا، وقد يكون فيه نفع في الدين. مثل الجري وحمل الحصى ونحوه مما ثبت الإذن بالمغالبات فيها، ولكن بغير عوض. وأما ما لا يجوز بعوض بغير عوض مما لا نفع فيه في دين ولا دنيا، مثل المغالبات في الأشياء الغير نافعة التي لا تنفع في الدين والدنيا، وقد تضر في الدين، بل قد يتحقق ضررها، كلعب الورق والنرد مما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عنه. وفي الحديث الثاني من المسائل كذلك معنى آخر من معاني وقوف الصحابة رضي الله تعالى عنهم في وجه الأعداء. فإنهم رضي الله عنهم وأرضاهم حاصروا المشركين في غزوة الطائف. وكما ذكر أهل السير والتاريخ أنهم استعملوا المنجنيق. وإن كانت الأحاديث المروية في ذلك لا يصح منها شيء مرفوعا. لكن رواية آثار كثيرة ومراسيل صحح بها العلماء هذا الحدث، واستدل به غير واحد من أهل العلم على استحباب استعمال المسلمين للأمور المستحدثة في القتال إذا كان هو سبب وموضع من مواضع إن شاء الله النصر. وهذا فيه لفتة للمسلمين أنهم يحتاجون إلى معارف وخبرات، وكذلك يعني مواضع من مواضع القتال تأخذ عن غيرهم فيستفيدونها ويتعلمونها. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا المعنى أشياء، منها حفر الخندق، ومنها استعمال المنجنيق وغير ذلك. وكما مر معنا في أوائل هذا الكتاب أن الإعداد الذي أمر الله عز وجل به، منه ما هو معنوي، من الإعداد الإيماني والإعداد العلمي. ومنها ما هو حسي، والذي يدور حول معاني كثيرة تجمل في ثلاثة أشياء. أولها: عدة المقاتل من سلاحه الذي يستعمله. وأفضل هذه العدة وأقواها، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: ماذا؟ الرمي. الرمي. وكذلك كل ما يستعمل في هذا الباب من عدة السلاح، فإنه يدخل في الإعداد الذي أمر الله به. وفي زماننا المعاصر، هذه العدة قد توسعت توسعا عظيما، يحتاج أن يكون لأهل الإسلام خبرة ومعرفة فيها. وهكذا من ذلك الإعداد في المركوب، وكذلك أجساد المقاتلين. ولهذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن المؤمن القوي خير وأحب من المؤمن الضعيف، وفي كل خير. فينبغي أن يعد المقاتلون أجسادهم، ويعدون مركوباتهم. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم الحث على امتلاك الخيل، وعلى حسن تربيته. وأنه ما صنع مسلم ذلك إلا كتب له في كل حركة وسكنة، وفي كل قليل وكثير، يعطاه هذا الخيل، بل حتى روثه وبوله له فيه أجر. له فيه أجر، ما دام احتبسه في سبيل الله. وقد صح من غير وجه قول عليه الصلاة والسلام: «الخيل ثلاثة، ومنها ما كان في سبيل الله، فيما احتبسه في سبيل الله». وهذا يدل على هذا المعنى من امتلاك واغتناء، وحسن كذلك الإعداد لهذا الموضع وهذا الباب. واليوم الوسائل في هذا كثيرة، فيما ينبغي أن يعتني المسلم بجسده، ويعتني كذلك بالمركوب. وأنواع المركوبات كثيرة، منها ما قد يحث عليها أفراد المسلمين، ومنها ما قد يحرص عليها ولي الأمر من المركوبات التي يستطيع أن يغتنيها ويشتريها ويصنعها، وغير ذلك مما تكون به قوة المسلمين. والمعنى الثالث: ما يكون من الخبرة في القتال، بمعرفة علوم ومعارف يستعين بها المسلمون في هذا الباب. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم مشاورة أصحابه في مواضع كثيرة تدل على هذا المعنى. وهكذا كذلك هذا الحديث الذي قبله مر معنا، كيف نزل النبي صلى الله عليه وسلم وصف أصحابه. ونحن في هذا الزمان المعاصر، يحتاج أهل الإسلام مع معارفهم أن يستفيدوا من معارف أخرى كثيرة من علوم الأمم ممن حولهم. وهذا يحتاج إلى اعتناء وإعداد في علوم وجوانب كثيرة ومعارف، تكون بإذن الله عونا لهم على قوتهم. فمن ذلك تعلم علوم الحاسوب التي لا غنى عنها في هذا العصر، وعن حياة المسلمين العادية، فكيف في مثل هذه المواضع؟ فهي من باب أولى. ومنها كذلك تعلم لغات الكافرين التي يصل بها إلى علوم ومعارف لا يمكن الوصول إليها إلا بهذه اللغات. لا يمكن الوصول إليها إلا بهذه اللغات، بل التعامل مع الكثير من الأدوات والأجهزة الحديثة تحتاج إلى هذه اللغات. وهذا كله يدخل في هذا المعنى، وغير ذلك كثير مما هو من المعنى الثالث في هذا الباب. وفي هذا الحديث كذلك من المسائل ما فيه من ذكر ما عليه المسلمون في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فإنهم بدلوا الشيء الكثير لهذا الدين، فأصابتهم الجراح، ووقع فيهم القتل، وأنفق الغالي والرخيص، والقليل والكثير في نصرة هذا الدين. وهذا قليل من كثير. فما وقع في غزوة الطائف وغزوة حنين، وقبله من غزوات، كلها تبين وتجلي للمسلم ما نصر به هذا الدين. فإن الدين يحتاج لتضحية. وفي هذا درس عظيم لكل مسلم يحب الله ويحب رسوله ويحب نصرة دين الله عز وجل، أن يعلم أن نصر هذا الدين يحتاج إلى بدل وعطاء وتضحيات. فإن دين الله عز وجل الذي نصر ونصره الله عز وجل برسوله صلى الله عليه وسلم ومن معه من الصحابة رضي الله عنهم، لم ينل براحة، بل بتعب وعناء، وبدل وتضحيات عظيمة وكثيرة. فإذا كان كذلك، فكذلك كل محب وغيور على هذا الدين، ينبغي أن يعلم أنه لا بد من تضحيات في هذا الباب، وعطاء. فإذا كان كذلك، فليس من الصواب أن يبخل ويشح المرء بشيء مما أعطاه الله في نصرة هذا الدين. بعض الناس يريد النصرة، ويريد العلو لأهل هذا الدين، ولا يحب أن يبذل القليل ولا الكثير، فضلا عن الكثير في نصرة دين الله عز وجل. بل لا بد أن نبذل من أوقاتنا، ونبذل كذلك من جهدنا، وأموالنا، وكل ما نستطيع في نصرة هذا الدين. ومن ذلك أن تصبر وتحتسب فيما قد ينالك في هذا الباب. قد تبتلى في عرضك، قد تبتلى كذلك في بعض ماذا؟ أحوالك، بسوء تصرفات من بعض الناس. فصبرك وحلمك يكون به نصر هذا الدين، وطيشك وكذلك جهلك وعدم حلمك يكون به تفرق هذا الجمع، ويحصل به ما يطمع به الأعداء. وقد قال الله عز وجل: ﴿وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾. فذهاب القوة بالتفرق والتمزق. وفي هذا الحديث كذلك من المسائل ما ذكر من ضحك النبي صلى الله عليه وسلم. وجاء في رواية: قال: «فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم». وفيه التبسم والضحك في مثل هذا الموضع. وهذا من الطمأنينة التي يلقيها الله عز وجل على أهل الإيمان، وعلى أهل اليقين. وبه نعرف أن أهل الإيمان إذا وفقهم الله عز وجل للقيام بهذا الدين، تكون عندهم الشدائد والرخاء كالسواء، أو شبيه بالسواء، لعلمهم أن الخير فيما يختاره الله جل وعلا لهم. فلذلك لا يصابون بالذعر. والذعر من أعظم أسباب الهزيمة. والذعر من أعظم أسباب الهزيمة. وينبغي أن يوطن المسلم نفسه على ذلك. ولا يصح ذلك إلا بعظيم توكل على الله جل وعلا. لأنه إذا تم التوكل على الله عز وجل، حصل له مثل هذا المعنى. فإقبال الأسباب وإدبارها، كل ذلك عنده سواء، لعظيم ثقته بربه، وتفويض أمره إليه، وكمال توكله عليه جل وعلا. والله تعالى أعلم.