كتاب الجهاد 1

كتاب الجهاد 1

الدرس في كتاب الجهاد 1، 1-باب جواز الإغارة على الكفار الذين بلغتهم دعوة الإسلام من غير تقدم الإعلام بالإغارة. 2-باب في الأمر بالتيسير وترك التنفير . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في الجهاد وجواز الإغارة على الكفار

يشرح الشيخ كتاب الجهاد من صحيح البخاري ويتناول جواز الإغارة على الكفار الذين بلغتهم دعوة الإسلام. يبين أن الإغارة جائزة على الكفار الذين يعدون لإغارة المسلمين.

أحكام الغنائم وسبي الذرية في الغزوات

يتناول المقطع أحكام الغنائم وسبي الذرية في غزوة بني المصطلق، ويشرح جواز الإغارة ليلاً وقتل المقاتلة وسبي الذرية. يشير إلى قصة جويرية بنت الحارث وتأثير زواج النبي منها على قومها.

أهمية التطاوع وعدم الاختلاف في الجهاد

يشرح المقطع أهمية التطاوع وعدم الاختلاف في الجهاد، ويستدل بحديث أنس وحديث أبي موسى ومعاذ. يبين أن الخلاف من أعظم أسباب الهزيمة والفشل.

الفرق بين درء المفسدة وجواز الانتحار

يشرح الشيخ الفرق بين درء المفسدة الكبرى بالصغرى وبين الانتحار، موضحا أن درء المفسدة لا يعني جواز الانتحار. يبين أن هذا الفقه يحتاج إلى علماء راسخين يعرفون المصالح والمفاسد.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: كتاب الجهاد، باب جواز الإغارة على الكفار الذين بلغتهم دعوة الإسلام من غير تقدم الإعلام بالإغارة. قال حديث عبد الله بن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم غار على بني المصطلق وهم غارون، وأنعامهم تسقى على الماء، فقتل مقاتلتهم وسبى ذراريهم، وأصاب يومئذ جويرية. قال: وكان عبد الله بن عمر في ذلك الجيش. قال: أخرجه البخاري في كتاب العتق، باب من ملك من العرب رقيقا. قال: باب في الأمر بالتيسير وترك التنفير. قال حديث أبي موسى ومعاذ عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم جده أبا موسى ومعاذا إلى اليمن، فقال: يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا. قال: أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع. قال حديث أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا. قال: أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولهم بالموعظة والعلم كي لا ينفروا. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الكتاب وهذين البابين بما فيهم من الأحاديث، ومر معنا قاعدة المؤلف رحمه الله في هذا الكتاب، فإنه يخرج هذه الأحاديث على ما جاء ترتيبها في تبويب الإمام مسلم رحمه الله، ويحرص في الألفاظ أن ينتقي أجمعها مما جاء في صحيح البخاري رحمه الله. قوله: كتاب الجهاد، أي هذا مكتوب يتعلق بأحكام الجهاد، والجهاد لغة مأخوذ من لفظه من الجهد والمشقة، وهو في الشرع التعبد لله عز وجل ببذل الجهد في قتال الكفار. وقوله: باب جواز الإغارة على الكفار الذين بلغتهم دعوة الإسلام من غير تقدم الإعلام بالإغارة، الباب لغة ما يدخل منه ويخرج، والمراد به ها هنا الدخول والخروج المعنوي، والمراد هذا مدخل في معرفة حكم جواز الإغارة على الكفار الذين بلغتهم دعوة الإسلام من غير تقدم الإعلام بالإغارة. وفي هذا التبويب الذي معناه بوّب به على صحيح مسلم في هذه الأحاديث أو في هذا الحديث إشارة إلى مسائل سيأتي ذكرها إن شاء الله في هذا الحديث. ثم ذكر حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه، وأقرب الألفاظ إليه ولفظ الإمام البخاري في الباب المشار إليه، فقال البخاري رحمه الله: حدثنا علي بن الحسن بن شقيق قال: حدثنا عبد الله قال: أخبرنا ابن عون قال: كتب إلي نافع فكتب إلي أن النبي صلى الله عليه وسلم أغار على بني المصطلق، فذكر الحديث يرويه عن عبد الله بن عمر إلى آخره. وهذا الحديث قد تناول مسائل كثيرة، وحسبك به أنه جزء من حديث غزوة بني المصطلق التي تسمى بغزوة المريسيع، هذه الغزوة التي كانت في آخر السنة الخامسة وأول السنة السادسة للهجرة. وهذه الغزوة غزوة مليئة بالأحكام الشرعية، فقد حدثت فيها أحداث كثيرة، فكانت تلك الأحداث متضمنة لأحكام كثيرة. فقد قررت فيها مسائل كثيرة، ونص العلماء على استنباطها مما وقع في هذه الغزوة. ومن هذا الكثير مما يناسب ذكره في هذا المقام أولها ما بويب به في هذا الموضع جواز الإغارة على الكفار الذين بلغتهم الدعوة دعوة الإسلام من غير تقدم الإعلام بالإغارة. وقوله: من غير تقدم الإعلام، ظاهره أنهم لم يعلموا بدين الإسلام، واكتفي بالإعلام العام، والصحيح أن هذا الظاهر ليس مرادا، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يكتفي بالإعلام العام، كما سيأتي معنا إن شاء الله في أحاديث، بل كان يرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الكفار إعلاما خاصا، بل يرسل جيوشه وأمراءه فيأمرهم حين يأمرهم كما جاء في الصحيح من حديث عائشة، وهكذا في قصة إرسال الجيش في حديث بريدة، وأول ما يأمرهم به يأمرهم أن يعرضوا عليهم الإسلام، فإن أبوا عرضوا عليهم الجزية، فإن أبوا قاتلوهم، فإن أبوا قاتلوهم. لكن ما وقع في غزوة المصطلق كما ذكر أهل السير والتاريخ، وجامعنا في بعض الأحاديث كانت هذه الإغارة على غرة، لأن بني المصطلق كانوا يعدون العدة في الإغارة على النبي صلى الله عليه وسلم. فلما بلغ ذلكم النبي صلى الله عليه وسلم أعد من معه وأتى هؤلاء وهم غارون. ولهذا جاء في الحديث أنه قتل مقاتلتهم، أي من كان من المقاتلين الباغين الطائفة التي أعدت العدة للقتال، أعدت العدة للقتال. و يفهم هذا من أحاديث أخرى حين جاء من جاء من بني المصطلق يطلبون العفو وحديث غزوة أو أحاديث غزوة بني المصطلق جاءت كثيرة متفرقة فيها أحكام عديدة. ففي هذا الحديث جواز الإغارة على الكفار الذين بلغتهم الدعوة دعوة الإسلام من غير تقدم الإعلام بالإغارة، يقيد إذا كانوا يعدون لإغارة المسلمين يعدون لإغارة المسلمين. وأما إذا لم يكونوا كذلك أو نقول بعبارة أخرى أن يكونوا حربيين، وأما إن كانوا ليسوا كذلك قوم لم يحصل منهم عداوة وحرب مع المسلمين ولا بلغتهم دعوة المسلمين، فالصحيح من أقوال أهل العلم لا يكتفى بالبلاغ العام، بل يبلغون بلاغا خاصا، يبلغون بلاغا خاصا فيشعرون بأن دين الإسلام يدعوهم أولا للإسلام أو الجزية، فإن أبوا كان القتال. وفيه من المسائل كذلك في هذا الحديث من المسائل ما أشير إليه في تبويب الإمام البخاري رحمه الله، ففيه جواز ملك اليمين ولو كان هذا المملوك عربيا، خلافا لمن خالف في هذه المسألة من أهل العلم. فإن الصواب مع قول من قال وهو قول جمهور أهل العلم بأنه يجوز ملك اليمين ولو كان لعربي، هذا هو الصحيح وهو قول جمهور أهل العلم. فقد ذهب إلى ذلك أبو حنيفة ومالك وأحمد والأوزاعي، وهو قول الإمام الشافعي رحمه الله في القديم، قول الإمام الشافعي في القديم. ويذكر عنه رحمه الله أنه رجع عن ذلك في آخر أمره. ومما استدلوا به ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في عدم أسر قريش وعدم السبي من قريش، وأنه أطلقهم عليه الصلاة والسلام، فالحديث الذي جاء: أنتم الطلقاء، وإن لم يصح لفظه فمعناه صحيح، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسبي منهم. ولكن الصحيح أن هذه قضية عين لا يفهم منها عموم حكم، فلا يقال أن ما وقع يوم فتح مكة فيه دليل على منسوخ حكم الرق للعرب وأنه لا يكون رق للعرب. فالصحيح أن حكم الرق يثبت للعربي ولغير العربي، وعمومات الأدلة تدل عليه. فما وقع في غزوة بني المصطلق وهكذا كذلك نحوه ما وقع لهوازن وكلهم من العرب، فبني المصطلق من خزاعة، بنو المصطلق بطن من بطون خزاعة، وكذلك هوازن من قبائل العرب المعروفة، ومع ذلك سبى منهم النبي صلى الله عليه وسلم. وفي الحديث من المسائل كذلك جواز الإغارة بليل، جواز الإغارة بليل، وقد صحت فيه أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله عنهم أرضاهم، فإنهم أتوا هؤلاء بليل. وهكذا كذلك نحوه في غزوة خيبر دخلوا عليهم في أول النهار بغتة، وكان مبتدأ الغزو في الليل حتى صبحوهم على الصباح الباكر. وكذلك في هذا الحديث من المسائل فيه كذلك قتل المقاتلة وسبي الذرية، والمراد بالمقاتل ها هنا كل من يصلح للقتال، فالأحاديث فسروا بعضها بعضا. ولو كان بعض أهل العلم وجهه في هذا الحديث في حق من كان باغيا من بني المصطلق ممن أعد العدة في غزو النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين. لكن يفسر هذا العموم ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في قصة اليهود، فإنه قتل مقاتلتهم وهم كل من يصلح للقتال من الرجال البالغين. لكن قد يفهم من هذا الحديث وأحاديث أخرى أنه قد يعفى عمن استيقن أنه لم يشارك في بغي وعدوان من الكفار، لم يشارك في بغي وعدوان من الكفار، فإذا ثبت ذلك فإنه يتحقق فيه هذا الحكم وهذا الاستثناء. ويدل على ذلك ما صح عن أبي بكر رحمه الله رضي الله عنه، وجرى عليه عمل أهل العلم رحمهم الله من تلك الاستثناءات العشرة التي سيأتي إن شاء الله ذكرها في النهي عن قتل النساء في باب النهي عن قتل النساء. وفيه من المسائل كذلك ما كان عليه الإسلام من أمر سبي الذرية، وكان ذلك على وجه المقابلة كما قد بين في دروس كثيرة، فإن دين الإسلام دين الحق والعدل. فلما كان المشركون يسبون فإن الإسلام أقر هذا الحكم من باب المقابلة، وكذلك المعادلة في هذا الباب. ومع ذلك فقد رغب الشرع بوسائل كثيرة عديدة في العتق، وهو المصدر الوحيد في دين الإسلام للرق، فإن الإسلام لم يكن فيه ما يعني موضع يستجد فيه الرق إلا هذا الموضع من مواجهة الكفار بمثل صنيعهم، أو ما كان من رق قبل الإسلام. أما غير ذلك فإنه حر ما في دين الإسلام، وأغلق. وفيه هذا لفته لمن يتهم هذا الدين بأنه دين التعدي والعدوان ونحو ذلك من الألقاب التي في الحقيقة هي لا تصدر إلا من جاهل أو حاقد، وإلا فمن تأمل تاريخ الأمم إلى زماننا هذا علم أن دين الإسلام دين الرحمة والعدل بالميزان الشرعي لا بالميزان العاطفي العقلاني. وفي هذا الحديث كذلك من المسائل إشارة إلى قصة جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار زوج النبي صلى الله عليه وسلم، فإنها جاءت في السبي من نصيب زيد بن صيفي، زيد ثم أن جويرية طلبت المكاتبة، فجاءت تستعين بالنبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الأحاديث الأخرى أن يعينها على هذه المكاتبة. فقال لها وقد خيرها عليه الصلاة والسلام: هل لك في خير من ذلك؟ قالت: ما هو يا رسول الله؟ قال: أن أعينك على ذلك وأتزوجك ويكون ذلك مهرك، فقالت: نعم يا رسول الله، فتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم. فكان في ذلك الخير لقومها، فأعتق في ذلك اليوم أكثر من مئة نفس، وقيل أكثر من ذلك، حتى قالوا: لم يكن امرأة أدخلت البركة على قومها مثل جويرية. فإن جميع الصحابة قالوا: أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم في أيديكم، فأعتق كل رجل من تحته، فكان في ذلك البركة على قومها، فأسلم الكثير من هذا الحي من خزاعة. وفي هذا كذلك موضع من مواضع التأليف والفقه في الدعوة، فإن ذلك قد يكون تارة بالتأليف بالمال، وقد يكون كذلك بالمصاهرة أو غيره. وبه كذلك يجاب أن زواج النبي صلى الله عليه وسلم من عدد من النساء كان مع ما كان مما أباحه الله له كان لمصالح شرعية حصل بها نفع ديني في مواضع كثيرة. فهذه جويرية انظروا ما حصل في زواج النبي صلى الله عليه وسلم منها. وفيه كذلك من المسائل إشارة إلى ما كان عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم من قسمة الغنيمة في موضع في موضع الغزو، وهذه مسألة اختلف فيها العلماء. والصحيح أن الغنائم تقسم في موضع المغنم، فقسم النبي صلى الله عليه وسلم الغنائم في الموضع الذي حصل فيه المغنم. وهذا الحديث وغيره من الأحاديث الأخرى تفسر هذا المعنى وتؤكده، وهذا هو الصحيح من أقوال أهل العلم. ويأتي ها هنا التنبيه على مسألتين مما يذكره بعض أهل العلم في هذا الموضع. المسألة الأولى: كون الصحابة رضي الله عنهم تسروا أو أرادوا التسري بالنساء في ذلك اليوم، استدل به بعض أهل العلم أن ذلك يدل على أنه وقع من دون استبراء. والصحيح أن هذا ليس فيه دليل على ذلك، فلو صح لحمل أنه قبل ثبوت هذا الحكم، أنه قبل ثبوت حكم الاستبراء. ولكن الصحيح أن حكم الاستبراء مطلوب ولو بحيضة كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الأخرى الكثيرة. فالسنة يفسر بعضها بعضا. والتنبيه الثاني: أنه ذكر في بعض روايات هذا الحديث أنه هو الحديث أو هذه القصة فيها حصل ضياع العقد لعائشة رضي الله عنها كما جاء في بعض الروايات في الصحيحين. وجاء في بعض الروايات أن العقد إنما ضاع في ذات الرقاع، فذهب بعضهم إلى الترجيح والصواب في هذا أن العقد ضاع مرتين، عقد عائشة رضي الله عنها ضاع مرتين. مرة بغزوة المريسيع، والمريسيع اسم ما لخزاعة، وهي التي تسمى بغزوة بني المصطلق، فمن سماها المريسيع بالنسبة للماء، ومن سماها ببني المصطلق بالنسبة للقوم من خزاعة. ومرة أخرى في ذات الرقاع كما أشار غير واحد من أهل العلم إلى ذلك. وهذه الغزوة في الحقيقة قد حوت مسائل كثيرة وعديدة، لكن في هذا الحديث المختصر وفي هذا الموضع ناسب ذكر هذه المسائل، وهي أهم المسائل التي تذكر في هذا الحديث. وأما الباب الثاني، قوله: باب في الأمر بالتيسير وترك التنفير، أي هذا مدخل في معرفة الحكم في التيسير وترك التنفير للمقاتلين والغازين. وأورد هذين الحديثين، وهذان الحديثان يدلان على هذا المعنى، وإن كان موردهما في غير الجهاد بالسيف، لكن فيه إشارة إلى أن هذا هو الأصل في هذا الدين. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر به وينبه عليه كما في قصة إرسال أبي موسى ومعاذ رضي الله عنهما إلى اليمن، قال لهما: يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا. وهكذا كذلك الحديث الآخر حديث أنس، وفيهما إشارة إلى ما تقدم مع ما فيهما كذلك من الإشارة إلى أمر آخر، وهو إذا كان هذا الأصل في الدين، فإذن لا يمكن أن يكون الدين الذي يأمر بالتيسير وعدم التعسير والتبشير وعدم التنفير يأذن بالإغارة بدون إبلاغ وإعلام. وهذا هو الشاهد من إيراد هذا الباب بعد هذا الباب، يعني لابد أن نفهم الحديث السابق مع هذه الأحاديث وغيرها من الأحاديث الأخرى التي وردت، وبعضها ممن فرد به مسلم. ولهذا لم يذكرها رحمه الله هنا، وهو إنما يذكر الأحاديث التي اتفق عليها الشيخان. فحديث بريدة في الأمر بالإعلام في أول دعوة الأمير قبل القتال ممن فرد به مسلم، ممن فرد به مسلم. فألمح بهذا التبويب إلى ما ورد من أحاديث في هذا الباب. وحديث أبي موسى ومعاذ أقرب ألفاظه ما أخرجه الإمام البخاري رحمه الله في الموضع المشار إليه، وقد قال رحمه الله: حدثنا يحيى قال: حدثنا وكيع عن شعبة عن سعيد عن أبيه عن جده، فذكر الحديث بلفظه. والحديث الثاني أخرجه البخاري في الباب المشار إليه، فقال: حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا يحيى بن سعيد قال: حدثنا شعبة قال: حدثني أبو التياح عن أنس، فذكره بلفظه. فهذان الحديثان دلالة على مسائل من أهمها ما أشير إليه في المسألتين. وفيه من المسائل كذلك ما بوّم به البخاري رحمه الله في الباب الثاني، وهو استحباب تخول الإمام الناس بالموعظة والعلم كي لا ينفروا، كي لا ينفروا، وهذا عام وفي حق المقاتلين كذلك. فكما يرسل المقاتلة لقتال الكفار بالسيف والسنان، فكذلك يرسل من يدعوهم بالحجة والبرهان، من يدعوهم بالحجة والبرهان. وبه نعرف كذلك أهمية هذا الجانب في جيوش المسلمين في الرخاء وفي الشدة، ليس فقط في الرخاء بل حتى في الشدة، ليس فقط في بلاد الإسلام بل حتى في بلاد الكفر إذا أرسل جيوش المسلمين إلى بلاد الكفر. فيحتاج أن يذهب معهم من يستطيع أن ييسر ولا يعسر، ومن يستطيع أن يبشر ولا ينفر، وهذا يحتاج إلى علم، وهذا يحتاج إلى علم. و لفظ الإمام البخاري في الحديث الأول زاد بعد قول: وتطاوعا، ولا تختلفا، وتطاوعا ولا تختلفا. وفي هذا كذلك إشارة إلى مسألة أخرى مهمة، وهي خطورة الخلاف والتنازع عموما وفي الغزو خصوصا، خطورة الخلاف والتنازع عموما بين المسلمين وفي الغزو والجهاد خصوصا. فهو من أعظم أسباب الفشل والهزيمة، كما قال الله عز وجل: ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم، أي قوتكم. فالخلاف من أعظم أسباب الهزيمة والفشل، ولهذا حذرنا الله عز وجل منه في كتابه، ونبينا صلى الله عليه وسلم في سنته. وفي قوله: تطاوعا، كما يقول البلاغيون وأهل الصرف، هذا فعل له فاعلان، ومعنى أن جميع أطراف النزاع يجب أن تسعى للتطاوع، وهو لين الجانب بما يكون به إزالة هذا الخلاف. ومنه التنازل عن بعض الأقوال والأفعال والآراء إذا كان ذلك سيسبب الشر، إذا كان ذلك سيسبب الشر، فقد تترك الحق لمفسدة أعظم من إحقاق هذا الحق، وهو حصول التفرق والخلاف، وهو حصول التفرق والخلاف. وانظروا إلى قصة عبد الله بن مسعود في صلاة عثمان رضي الله عنه في الحج، صلى بهم أربعا، مع أن بن مسعود أخبر رضي الله عنه أرضاه أن السنة ركعتين، وهكذا روي عن علي وجماعة من الصحابة. فقالوا: لي بن مسعود، فلما صليت يعني لما صليت أربعا وأنت تقول ركعتين، حب إليك كما صلى بهم النبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن مسعود: الخلاف شر، الخلاف شر. هذا مثال تطبيقي من الصحابة رضي الله تعالى عنهم في التطاوع وعدم الاختلاف، في التطاوع وعدم الاختلاف. لأن الموافقة والمتابعة في هذا الخطأ المجتهد فيه خير من التفرق الذي فيه شر عاجل وآجل، فيه شر عاجل وآجل. ولهذا استنبط بعض أهل العلم من هذا وأدلة أخرى مسألة مهمة دقيقة تخفى على الكثير من طلبة العلم، وهي أن طلب الاجتماع في الموافقة في القول المرجوح في المسائل الخلافية مما يدعو إليه ديننا، وكان عليه فهم سلفنا. يعني إذا خرجت مع قوم فحصل اختلاف ورأيت أن التجديد في ذلك يفرق، فإذا حاول أن تجمع الجميع على قول واحد ولو كان هذا القول قول مرجوح، ما دام أنه في محل الاجتهاد، المسائل الاجتهادية. ما نقول: توافق في شرك والعياذ بالله، لكن توافق وتتابع في مسألة من المسائل التي هي محل الاجتهاد، التي هي محل الاجتهاد. واستنبط بعض مشائخنا مسألة أدق منها، وهي مهمة يحتاجها طالب العلم في حياته العلمية والدعوية، وهي إذا ترتب على مسألة خلافية مفسدة عظيمة، فيجوز لأهل الحق أن يأخذوا بالقول المرجوح دفعا لمفسدة أعظم منها، ولو كان هذا القول عندهم مرجوح. مثلا أبتليت في مجتمع يلزم بأذانين في خطبة الجمعة، فإذا لم تفعل ذلك يأخذ المسجد عليك، ماذا تصنع؟ تؤذن بأذانين وأنت ترى أنه غير مشروع مثلا؟ هل تؤذن أو تترك المسجد؟ الجواب على ما سمعنا: لا تفوت هذه المصلحة الأعظم، ولا تحقق هذه المفسدة الأكبر، لكن تفعل القول المرجوح لتدفع تلك المفسدة الأكبر، لتدفع تلك المفسدة الأكبر. طيب إذا كان الأمر وهنا نتدرج، إذا كان الأمر في شيء ليس مما يسوق فيه الاجتهاد، بل هو من الإثم المحقق، فكيف نصنع؟ الجواب: إذا كان مما تعتقد أنه بدعة مثلا، وكان من الإثم المحقق، فهنا كذلك نقول: تدرى المفسدة الكبرى بالصغرى، بشرط ألا تقارف أنت تلك الصغرى. مثاله: بعض المجتمعات تبتلى بطوائف متصوفة متسلطة، فيلزمون مثلا المساجد بإقامة الموالد، أنت لا يمكن أن تقيم المولد، لكن إذا منعتهم نزعت الإمامة منك، ونزعت الخطابة، ونزعت الدروس. فهنا حتى لا تصطدم بهم تتركهم، ما دام الأمر متحققا، المسجد سيؤخذ عليك، ويطرد أهل السنة، وقد أفتى عدد من مشائخنا بعض إخواننا في بعض البلاد الذين ابتلوا بهذه المسألة بعينها بهذه الفتوى. أنت لا تشارك في هذه البدعة، ولا تأذن بها بنفسك، لكن هم يأتون يقيمون، أنت تخرج، وأنت لا تحضر. وأما إذا صادمتهم وصارعتهم وأخذوا عليك المسجد، هذا فيه خسارة ومفسدة أكبر، أليس كذلك؟ الجواب: نعم. وإن كان دخول هذا إلى المسجد مفسدة، لكن دخوله أمر لا بد منه، ما تستطيع أن تدفعه أبدا، إن كان هناك مجال لدفعه بأي وسيلة ممكنة مع عدم ترتب مفسدة أكبر، فهذا هو المطلوب. لكن إذا لا يمكن، إذا لا يمكن، فإذن ندرأ المفسدة الكبرى بالصغرى، لكن بشرط أن لا تباشر أنت ذاك الباطل، لا تباشر أنت ذاك الباطل. وهذا كثير في مسائل عديدة، ومنها ما يأتي ويترتب في باب الجهاد، فقد يضطر المسلمون بالتنازل عن أرواح بعض المسلمين لحماية البعض الآخر إذا تحقق ذلك. ومن دون فعلهم انتبه لهذا، لأن هذا مما التبس على بعض من لا علم له، فرأى بعض ما في السيرة والسنة من الوقائع، فظن أن فيه دليل على المسائل الانتحارية، وهذا ليس بصحيح. فرق بين أن يبتل المجتمع بشيئين لا مفر منهما، فيدفع الأشد بالأخف، مثل بصة يونس عليه الصلاة والسلام في السفينة، ساهم فكان من المدحضين، السفينة مليئة بالركاب والبحر يموج، وعند أهل الخبرة بيقين ليس بظن أن السفينة بهذا الحال تغرق، فيغرق كل من فيها. فاتغرق فيغرق كل من فيها، فإذا يخرج البعض، هل إلى موت محقق؟ لا، ليس إلى موت محقق، يخرج البعض لينجو البعض الآخر، بما هو محقق. وأولئك الذين يخرجون يخرجون بماذا؟ هل بشيء محقق؟ ليس إلى موت محقق، قد ينجون، قد ينجيهم الله سبحانه وتعالى، ومنهم يونس نجاه الله سبحانه وتعالى. فهنا درئت المفسدة الكبرى بالصغرى، وهكذا يقال في نظائره، يقال في نظائره، لكن لا يجوز للمسلم أن يقتل نفسه محققا بزعمه أنه ماذا؟ أنه يخدم الإسلام والمسلمين. وننتبه لمثل هذه الدقائق، فإنها تحوي مسائل يحتاج إليها في أبواب وجوانب كثيرة. نكتفي بهذا القدر، وإلى هنا والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد، آله وصحبه وسلم. هذا سائل يقول: قد ذكرتم أن بعض المشايخ ذكر مسألة في ترك المجال للصوفية على إقامة المولد في المسجد من أجل درء المفسدة الكبرى، فهل معنى هذا أنه يجوز لأحدنا إذا وجد مثل هذه القضية في منطقته أن يحكم عليها بهذه الفتوى من نفسه، ضنا منه أن هذه تشابه تلك؟ هذا تنبيه حسن، وسؤال جيد. الجواب: لا، لأن بعض طلبة العلم قد يحصل منه الإلحاق على وجه خاطئ، وما أكثر هؤلاء، والناس في هذا طرفان ووسط، لكن أهل العلم الراسخين يعرفون المصالح من المفاسد، ويعرفون أصول الأشياء والاستثناءات فيها. فكونك تعرف هذه المسألة ليس معناه أن تفتي نفسك، ولا أن تأذن لغيرك أن يفتي نفسه، لكن معناه أن تستفيد وأنت في طريق طلب العلم كيف فقه علماؤنا ومشائخنا، والتعامل مع المفاسد إذا ازدحمت وتحقق ازدحامها، فإنهم يدرؤون الكبرى بالصغرى. وأظن أن المسألة التي ذكرت كانت واضحة وظاهرة، وليس فيها إشكال حتى يتعلق بها متساهل، وهذه مصيبة أن يظن إنسان متساهل أن هذا معناه إقراره على ما هو عليه، أو الإذن في تمييع الأمور وتضييعها، فهذا خطأ، ليس هذا المقصود. كما أنه كذلك ليس بصواب أن يسقط مسجد قائم على السنة وعلى التوحيد، يعني بفضل الله، بسبب هذه المسألة في أيدي هؤلاء المتصوفة القبورية. لكن كونه تقع مفسدة على أيديهم، هذا أخف، فالمهم الجواب كما سمعتم: ليس هذا لكل أحد، بل يرجع في ذلك جملة إلى أهل الرسوخ من أهل العلم الأكبر. والله تعالى أعلم. يقول: هل الحديث الذي يذكر فيه جواز تسليم أو رد المسلم السلام بالإشارة في الصلاة صحيح؟ نعم صحيح، قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه، والإشارة تكون ليس برفع اليد كلها، وإنما برفع الكف. أنت مثلا قائم، سلم عليك إنسان، ترفع كفك فقط، تشير برفع الكف، ما تقول هكذا، لا ترفع الكف فقط، نعم هكذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم. والله أعلم. في تنبيه أن حديث أبي موسى وتطاوعا ولا تختلفا هكذا لفظ البخاري، وتطاوعا ولا تختلفا، نعم، شكرا.