بواعث الخلاص من الذنوب 1

بواعث الخلاص من الذنوب 1

الدرس في بواعث الخلاص من الذنوب 1، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في تقوية باعث الدين

يبدأ الحديث عن أهمية تقوية باعث الدين وأسبابه، مع التركيز على إجلال الله تعالى وتعظيمه. معرفة الله تعالى بمعاني ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته تعتبر السبب الأعظم لإجلاله وتعظيمه.

أسباب تعظيم الله وتقوية باعث الدين

يتناول أسباب تعظيم الله تعالى وتقوية باعث الدين، مثل تعظيم الرب، وبراءة القرآن وتدبره، وتعظيم شعائر الله، وتعظيم الطاعات. هذه الأسباب تعين على تحقيق المعرفة والانتفاع بها وتورث تعظيم الله وإجلاله.

تتمة الكلام عن تقوية الدين والابتعاد عن الذنوب

يستمر في الحديث عن أسباب تقوية الدين والابتعاد عن الذنوب والمعاصي، مثل قراءة القرآن، ومجالسة الصادقين، وكثرة القراءة في سيرة الأنبياء والصالحين، مع التحذير من الوسائل الحديثة التي قد تؤدي إلى الانحراف.

ختام الحديث والصلاة على النبي

ينتهي الحديث بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويظهر احترام وتقدير المتحدث للنبي، ويُنهي كلامه بالتسليم على النبي وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فبين أيدينا فصل من فصول كتاب الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، المسمى «عدة الصابرين» وله اسم آخر يقال: «عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين». رغب بعض الأفاضل أن نقرأ في هذا الفصل؛ لما له من أهمية، ولشدة حاجة الناس في هذا الزمان خاصة للتذكير بما فيه. وقد حوى هذا الفصل أسباب بواعث قوة الدين والخلاص من الذنوب والمعاصي التي لا يخلو مجتمع أن يبتلى بها. وقد ابتليت مجتمعاتنا هذه المتأخرة بها ابتلاءً عظيمًا، حتى لم يكد يسلم منها كبير ولا صغير، ولا صاحب علم فضلًا عن من دونه؛ لكثرة دواعي الفتنة وأسباب الجر إلى ضعف الدين، التي لا يخل زمان ولا مكان إلا ما شاء الله من وجود تلك الأسباب متكاثرة وتواتها، لا كثرهم الله، يسعون بها ليلًا ونهارًا. فتذكيرًا لأنفسنا ولأحبابنا وإخواننا، ومن يبلغ ذلك ممن يسمع وإن لم يحضر مجالسنا، كان هذا الأمر، وهو الاستفادة من هذا الفصل بقراءته والتذاكر ببعض ما فيه بما تيسر، ونسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: «فصل: وأما تقوية باعث الدين، فإنه يكون بأمور، أحدها: إجلال الله تبارك وتعالى أن يُعصى ويرى ويسمع، ومن قام بقلبه مشهد إجلاله لم يطاوعه قلبه لذلك البتة». قوله رحمه الله: «فصل» - كما تقدم معنا في دروس سابقة - هو كاسمه فاصل يفصل ما قبله، أما بعده فيحوي مبحثًا من مباحث العلم، وغالبًا يكون تبعًا لما قبله بالجملة، ولكونه يحتوي على معنى خاص فإنه يفرد بموضعه الخاص، وهو كذلك هنا. فهذا الفصل هو من الفصول التي يحتاجها الصابر السائر إلى الله، والشاكر الذي يرجو عند الله. ولكنه لما حوى معنى خاصًا، وهو ما يتعلق بتقوية باعث الدين والخلاص من الذنوب وأسبابها، جعل له فصلًا خاصًا. وهذا هو قوله: «وأما تقوية باعث الدين، فإنه يكون بأمور». فإذا هذا الوصل لتقوية باعث الدين خاصة، والخلاص من ضعف الدين الذي يكون بالذنوب والمعاصي وغيرها من الأسباب التي هي ضد أسباب تقوية باعث الدين. وأول هذه الأسباب جعلها رحمه الله تعالى في إجلال الله تبارك وتعالى. وإجلاله - أي تعظيمه - تبارك وتعالى أن يُعصى ويرى ويسمع. فمن عظم الله حق تعظيمه، وكان في قلبه من الإجلال أعلى الإجلال، لم يكن معه ضعف باعث الدين، بل لم يزل ذلك يدافع أسباب ضعف الدين حتى يغلبها بإذن الله سبحانه وتعالى. وإذا غلب فمن المحال أن يقع فريسة للذنوب والمعاصي وأهلها. تعظيم الله وإجلاله له أسباب كثيرة، ومن أعظم هذه الأسباب وأولها معرفة الله سبحانه وتعالى بمعاني ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته. فمن تعرف على الله بمعاني ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، تحقق في قلبه من التعظيم الشيء الكثير. وعند ذلك يكون هذا التعظيم حصنًا حصينًا وسدًا منيعًا يمنعه من الوقوع في شراك شياطين الجن والإنس الذين يدعونه إلى الذنوب والمعاصي. فمن عرف الله بصفات كماله ونعوت جلاله، ووحده بمعاني ربوبيته بأفعاله، ومعاني ألوهيته بأفعال خلقه، ومعاني كذلك وحدانيته بأسمائه وصفاته، يحصل عنده من التعظيم والإجلال لله عز وجل ما لا يمكن أن يخترقه خارق، مهما كان هذا الخارق. ولكن بقدر ضعف هذه المعرفة يكون اختراق القلب واختراق الجوارح واختراق الأعمال. فبحسب ما يحصل من الغفلة، فإنه يحصل بمقابلها من اختراق بواعث الذنوب والمعاصي. ولذلك يحتاج الإنسان أن يتعلم من علم التوحيد والعقيدة الشيء الكثير، ليس فقط يتعلم، بل ويكرر العلم، يكرر القراءة والسماع، يكرر هذه المعلومات ويمررها على قلبه. فإن تكرار ذلك سبب لترسيخ هذه المعرفة وتحقيقها وتأكيدها في القلب والجوارح. ولا يزال العبد كلما كرر ومرر هذه المعرفة، لا يزال في تثبيت لنفسه وقلبه، حتى يعظم أمر الرب العظيم سبحانه وتعالى في القلب شيئًا عظيمًا. وعند ذلك بإذن الله يبني لنفسه حصنًا حصينًا وسدًا منيعًا يحتمي به من سائر أسباب الذنوب والمعاصي. وهذه المعرفة تتحقق بأمور كثيرة، أهمها ثلاثة: أولها: العلم، أن يوطن نفسه على أن يتعلم علم العقيدة، ويتعرف على ما لا يعرفه من معاني ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته. فمن قرأ كتاب التوحيد - على سبيل المثال - سواء كان في مباحث الربوبية أو الألوهية أو الإسماء والصفات، ليس كمن لم يقرأ ولم يتعلم. فهذا الذي تعلم تنقدح في قلبه معاني العظمة، وترتسم بل وتنحفر في قلبه، فيكون عنده من التعظيم والإجلال والإكبار الشيء الكثير. ولذلك نرى الفرق في الغيرة على العقيدة والدين ممن تعلم العقيدة وممن لم يتعلمها ولم يقرأ فيها ولم يسمع مباحثها. فالجاهل والفاقد للشيء لا يعطيه. وهكذا كذلك التحص بهذه العقيدة الصحيحة يقوى، كلما كان هو في هذا العلم أقوى. والأمر الثاني يكون بتحقيق هذه العقيدة في نفسه وفي أهله وفي مجتمعه. فهذا إبراهيم عليه الصلاة والسلام لم يكتف في عقيدة التوحيد بنفسه، بل وهبها لبنيه. وما أكثر وصايا إبراهيم التي أخبرنا الله عز وجل بها في كتابه، وهو يوصي أبناءه وأبناء أبنائه بالتوحيد والعقيدة، بل ويدعو الله بلسان الحال ولسان المقال أن يحفظ الله عز وجل له عقيدته، وهكذا لأبنائه من بعده: «واجنبني وبني أن نعبد الأصنام». فإذا كان هذا حال إبراهيم عليه الصلاة والسلام إمام الموحدين، فكيف بنا ونحن الضعفاء الفقراء الذين عندنا من الجهل والنقص الشيء الكثير؟ فلذلك اعتناء المرء بهذا الباب عمليًا كذلك سبب آخر في تحقيق هذه المعرفة. والأمر الثالث: الدعوة والصبر على هذا العلم العظيم. فإذا تحقق ذلك، فإنه بإذن الله سيكون رابعًا للإنسان أن يقع في شيء هو يدعو بخلافه. أنت إذا كنت من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، فإن الحياء - فضلًا عما هو فوقه - يمنعك أن تقع في المنكر الذي نهيت عنه، وفي المعروف الذي دعوك إليه. فكذلك تعظيم الرب سبحانه وتعالى، أنت تدعو إلى تعظيم الله في توحيده وما يلحق بذلك، فإن قيامك بهذا الواجب يكون كذلك سببًا آخر يعينك على تحقيق هذه المعرفة والانتفاع بها. والصبر على ذلك كله - العلم والتعليم والدعوة - معين عظيم على تحقيق هذه المعرفة. وأما السبب الثاني من أسباب إجلال الله وعظمته، هو براءة القرآن وتدبره، خصوصًا آيات عظمة الله سبحانه وتعالى، فإنها من أعظم ما يعين على تعظيم الرب وإجلاله. فحين تقرأ قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَكَادَتِ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ [سورة مريم: 90]، ونحوها من الآيات التي فيها تعظيم هذه المخلوقات الجامدة لله عز وجل، فكيف بك أنت الإنسان الذي أعطاك الله عز وجل من العقل ومن الإدراك ما ينبغي معه أن يكون عندك أكثر إجلالًا وإعظامًا لله سبحانه وتعالى؟ وهكذا كذلك قول الله عز وجل: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [سورة البقرة: 255]، تدل على عظمة الرب سبحانه وتعالى. فإذا كان الكرسي وسع السماوات والأرض، فكيف بالله العظيم؟! هذا موضع القدمين - كما جاء عن ابن عباس وغيره - وهذا لا شك أنه سبب آخر يعينك على تعظيم الرب جل وعلا. وحين تقرأ ما جاء في سورة نوح، وهو يحاور قومه: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ [سورة نوح: 13، 14]، ونحوها من الآيات، فإنها تورث لك من التعظيم الشيء الكبير والكثير. وهكذا قوله سبحانه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [سورة الزمر: 67]، آيات سورة الزمر. وتتذكر معها الأحاديث التي تدل على عظمة الله سبحانه وتعالى، فإن ذلك يورث لك من الإجلال والإعظام الشيء الكثير. في حديث أبي ذر - على سبيل المثال - لما قال: «ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، ولا فضل الكرسي على العرش إلا كفضل الفلاة على الحلقة» - الحديث - فهذا وأمثاله من السنة، وتلك الآيات من القرآن، كلها مورثة لتعظيم الله عز وجل. وهكذا حين تقف على حديث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حين جاءه بعض أصحابه فقالوا: «إنا نستشفع بالله عليك»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله»، فما زال يسبح حتى رؤيا ذلك في وجوه أصحابه، ثم قال عليه الصلاة والسلام: «أتدري ما الله؟ شأن الله عظيم، إن الله - أو قال: إنه أعظم من ذلك - إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه». فهذا وأمثاله يورث كذلك من التعظيم لله عز وجل. فهذا قليل من كثير مما في القرآن والسنة، فتدبر القرآن وتلاوته، وتدبر السنة كذلك وقراءتها، خصوصًا الآيات والأحاديث التي فيها تعظيم الرب سبحانه وتعالى، تورث هذه العظمة لله، وهذا الإجلال لله سبحانه وتعالى. ورابعًا: تعظيم شعائر الله، كما قال الله عز وجل: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [سورة الحج: 32]. تعظم شعائر الله، إذا جاء وقت الصلاة عظمت الصلاة، لم تتأخر عنها. إذا جاء أمر من أوامر الله عظمت أمر الله سبحانه وتعالى. إذا كنت في بيت الله عظمت بيت الله. إذا جاء شهر رمضان عظمت شهر رمضان. إذا دخلت بلد الله الحرام عظمت البلد الحرام، ونحو ذلك. فإن العمل بهذا التعظيم يورث لك آثارًا نافعة في القلب وفي الجوارح. فإنك تكبح وتكبت جوارحك، حتى إذا ابتليت بذنب فاحرص أن لا يكون منافيًا لشعائر الله وتعظيمها. فإن من الناس من يسترسل في ذنوبه حتى لا يبالي أن تضيع عليه الصلوات، أو أن يفعل ذلك في الأوقات الفاضلة، بل وربما في البلد الحرام أو المكان الحرام أو الزمان الحرام. ولا شك أن هذا يسبب إلى انفلات أكبر وبعد أكثر من الله سبحانه وتعالى وتعظيمه وإجلاله. وكلما حرصت على تعظيم شعائر الله، أعنت كذلك بإذن الله على حفظ نفسك وبقايتها من الوقوع فيما يضرها ويهلكها. وخامسًا منها من الأسباب التي تعين على تقوية باعث الدين والخلوص من الذنوب والمعاصي: تعظيم كل ما فيه تعظيم من الطاعات، كالصلاة. فالصلاة كلها تعظيم لله عز وجل، أيامك تعظيم لله، وركوعك تعظيم لله، وسجودك تعظيم لله. فأنت بهذه الطاعة تعظم الله عز وجل قائمًا وراكعًا وساجدًا. وتقرأ من آيات القرآن في القيام تعظيمًا لله، وتسبح في ركوعك وسجودك تعظيمًا لله عز وجل. كل هذا إذا تدبرته وفعلت الذي يحب الله عز وجل أن تفعله فيها، إن تفعت بذلك التعظيم، فبإذن الله سبحانه وتعالى تقوي باعث الدين في قلبك. ولهذا فالصلاة لمن كان هذا حاله تنهاه عن الفحشاء والمنكر. وأما صلاة الغافل واللاهي والساهي، فإنه لا ينتفع بها؛ لأنه لم يحقق عظيم مقاصدها. فمن أعظم مقاصد الصلاة تعظيم الله، من حين أن تكبر تقول: «الله أكبر». وهذا أول التعظيم، فالله أكبر من كل كبير. فإذا كان كذلك لسانك وبقلبك وبجوارحك، فإنك لن تجرؤ على معصيته، ولن تفعل ما يضعف باعث الدين في قلبك. وهكذا حين تتلو آيات القرآن، فتتدبر ما فيها، أولها الفاتحة أم الكتاب، في كل ركعة تقرأها، وهي مناجاة بينك وبين الله - كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم - فنصفها لك ونصفها لله عز وجل، وتختم بالسؤال والدعاء. فأنت حين تقرأها من أولها إلى آخرها - كما جاء في الحديث - أنت تناجي الرب العظيم سبحانه وتعالى، وتعظمه بهذه الآيات. ولهذا لعظيم منزلة هذه السورة شرع قراءتها في كل ركعة وفي كل صلاة، في كل ركعة وفي كل صلاة. ثم قيامك الذي فيه التعظيم - كما تقدم - ولهذا لم يشرع القيام على هذا الوجه إلا في الصلاة تعظيمًا لله سبحانه وتعالى. والركوع والسجود وما بينهما، والتشهد وأخيرًا السلام، كله تعظيم لله سبحانه وتعالى. وهكذا سائر الطاعات الأخرى، إذا حرصت عليها وأديتها على الوجه الذي يحبها الله سبحانه وتعالى ويرضاها، فإنك بإذن الله تكون قد حققت باعث تقوية الدين والخلوص من الذنوب والمعاصي. وسادسها: مجالسة الصادقين المخلصين. فإن مجالسة الصادقين والمخلصين يعينك على أن تنتفع بهذه المجالسة. فجلوسك في حلق العلم، وملازمتك للعلماء والصالحين، لن تخلو من أن تجد منفعة تعينك على تقوية دينك وإبعادك عن ذنوبك ومعاصيك: نصيحة تسمعها، طاعة تفعلها، تذكرة توعظ بها، وغير ذلك. ولهذا حث الشرع - الكتاب والسنة - على مجالسة الأخيار ومجانبة الأشرار. والآيات بهذا كثيرة: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [سورة الزخرف: 67]، أهل التقوى إذن المقصود من الآية: جالس أهل التقوى، وابتعِد عن من هم ليسوا كذلك. وهكذا قول الله عز وجل فيما ذكره في آيات كثيرة من اختصام أهل النار بعضهم مع بعض، وتبرئ بعضهم من بعض، كل هذا يدلك على هذا المقصد العظيم الذي هو من أعظم الأسباب التي تعين على تقوية الدين أو بعضه. وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم بالصحيح: «مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير». وكما قيل: «الصاحب ساحب». وما أكثر الأخيار الذين تضرروا بمجالسة الأشرار، كانوا في أنفسهم أخيارًا، فخالطوا الأشرار فجرهم الأشرار لخطوات الشيطان خطوة خطوة، حتى أخرجوهم من طريق الخير وأدخلوهم في طريق الشر والسوء والعياذ بالله. فإذن من الأسباب العظيمة التي تعظم بها الرب وتقوي باعث الدين وتخلص من الذنوب والمعاصي: مجالسة الأخيار والبعد عن الأشرار. وفي حديث أبي هريرة الصحيح المشهور: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل» - أي من يصاحب - وأخيرًا من الأسباب - والأسباب كثيرة - ولكن هذه أهمها: كثرة القراءة في سيرة الأنبياء والصالحين، ما أخبرنا الله عز وجل عنهم في كتابه، ونبينا صلى الله عليه وسلم في سنته. وهكذا كذلك ما تجده من كلام العلماء وأئمة الصالحين، كل ذلك لا شك أن له أثرًا عظيمًا في صلاح القلب وتقوية باعث الدين. فهي مواعظ فيها العظة والعبرة، كما قال الله عز وجل: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [سورة يوسف: 111]. قصص الأنبياء فيها عظات كثيرة وعبر تعينك بإذن الله سبحانه وتعالى على التخلص من كل ما يضر بدينك ويضر كذلك بإيمانك وطاعتك. والعكس بالعكس، فإنك إذا قرأت واطلعت على أحوال الأشرار، فإن ذلك يجرك ويسحبك إلى طريقهم. ومن هنا ننبه على الوسائل الحديثة التي ابتليت بها المجتمعات، وهي من أعظم أسباب انحراف الناس، سواء كانت مسموعة أو مقروءة أو مرئية. وهناك وسائل كثيرة، كالجوالات وما فيها من وسائل التواصل، وقنوات الإنترنت ونحوه. فإن هذه بوابات تجرك إلى ما فيها، فمن دخل في أبواب الخير جرته إلى الخير، ومن دخل في أبواب الشر والسوء ودفعه الفضول ونزغات الشيطان وشهوات النفس الأمارة بالسوء للتطلع فيها، جرته هذه بفطوات الشيطان إلى ما هو أعظم منها. فينبغي أن نحمي أنفسنا وأبناءنا ومن نحب من هذه الوسائل الحديثة التي تبطش بدين الناس وتفتك بأخلاقهم وسلوكياتهم، من خلال ما فيها من شرور كثيرة. فبعض وسائل التواصل مفتوحة في السوء، فمثل هذه ينبغي أن تمنع. وبعضها قد تستطيع تقييدها، فمثلًا ما يسمى «التويتر» ونحوه مما لا يخل من دعايات تخطف القلب قبل البصر، وكذلك بعض البرامج الأخرى، كالفيسبوك وانستجرام ونحوه من البرامج التي يكثر فيها الدعايات الفاسدة المفسدة، فمثل هذه ينبغي للإنسان ألا يدخلها إلا لضرورة أو حاجة ملحة تتعلق بشيء لا يجده إلا فيها، ويخرج عنها، لا يجعل له منزلا مستقرًا، وإن كان تركها هو الأولى والأحرى. وهكذا قل كذلك في الصفحات على الشبكة. وهناك مواقع تعليمية تستفيد منها، ادخل فيها واستفد، مع الحذر مما يكون من دعايات تفسد وتمرض، ووسائل تخطف القلوب والأبصار. وبهذا وأمثاله من وسائل الحمية تكون قد حميت نفسك، وحميت أبنائك وأسرتك. كذلك مراعاة السن، فليس كل إنسان يصلح أن يستخدم هذه الوسائل. فالأطفال والصغار ينبغي أن يحجب عنهم ويحجز، إلا فيما لا بد منه من تعليم بمراقبة. وكذلك الشباب في السن المراهقة والطيش ينبغي أن تكون المراقبة عليهم أشد، والحفظ لهم أكثر، ليس معاداتًا لهم، ولكن حبًا لهم في الخير وخوفًا عليهم من الوقوع في الشر والضلال. وكذلك الرجال ليسوا مثل النساء، فكما أننا نحمي الرجال من السوء، فنحمي النساء أكثر وأكثر وأكثر من السوء؛ لأنهن أضعف. والناس محل لصوص وخونة، الذين يسرقون قلوب النساء بوسائل كثيرة. وكذلك حرصهم على فتنتهن وأخذ أعز ما عندهن. فلذلك وغيره ينبغي أن يقيد أن يكون القيود فيه أشد وأكثر، ليس معاداتًا ولا كراهية ولا عدم عدل، ولكن من باب الخوف على هذه الجواهر الثمينة وهذه الفلدات العظيمة. فكلما كان الشيء أثمن، كان حفظه في شيء أحرص وأقوى. وهذا هو المقصود. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يحفظنا بحفظه، وأن يدفع عنا كل سوء ومكروه عن المسلمين، وأن يجعلنا وإياكم من أهل طاعته، وأن لا يجعلنا من أهل غضبه ومعصيته. إلى هنا والله تعالى أعلم، صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.