الدرس في بواعث الخلاص من الذنوب 3، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح المقطع مفهوم مشهد النعمة والإحسان وأهمية شكر الله تعالى لتجنب زوال النعم والمعصية. يُظهر أن العبودية الحقيقية تتحقق بالشكر والصبر.
يتناول المقطع مشاهد الإيمان ودرجات العبودية، ويبرز أهمية الجمع بين الخوف والرجاء وتذكر نعم الله لتحقيق العبودية الكاملة.
يُبين المقطع أن العبادة تكون برغبة ورهبة، ويُظهر أن أهل السنة والتوحيد يوازنون بين الخوف والرجاء حسب المقام والموقف.
يُحذر المقطع من التهاون في المعاصي ويبين أن إمهال الله للعصاة يتبعه انتقام شديد، ويجب أن يبقى الخوف قبل الرجاء.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: الثالث مشهد النعمة والإحسان، فإن الكريم لا يعامل بالإساءة من أحسن إليه، وإنما يفعل هذا لآم الناس، فليمنعه مشهد إحسان الله ونعمته عن معصيته، حياءً منه أن يكون خير الله وإنعامه نازلًا إليه، ومخالفاته ومعصيه وقبائحه صاعدةً إلى ربه، فملك ينزل بهذا وملك يعرج بهذا. قال: فأقبح بها من مقابلة، هذا مشهد آخر من مشاهدي ما يكون عليه الناس في تديّنهم لربهم وخالقهم، وما يكون به تقوية باعث الدين والصبر عن معصية رب العالمين، وهو كما قال رحمه الله: المشهد الثالث مشهد النعم والإحسان، وجعله رحمه الله الثالث مناسبةً لما قبله في مشهد المحبة، كون الحب يوجب الشكر والاعتراف بالنعم، فكان لازمه أن من أحب الله وصدق في حبه كان شاكرًا له سبحانه وتعالى في إنعامه وإحسانه. وحقيقة هذا المشهد مقابلة نعم الله عز وجل بالإيمان به وبرسله ومحبته والاعتراف بنعمه، ويكون ذلك بالقلب واللسان والجوارح، بالقلب بالاستشعار أن يستشعر عظيم نعمة الله عز وجل عليه وكبير إحسانه سبحانه وتعالى الذي اصطفاه به، وباللسان أن يعترف لفظًا بعد أن يتبع ذلك بالشكر بالجوارح فعلًا. كما يروى عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى أنه كان يقول: احفظوا النعم بذكرها واشكروها باللهج بها، أو كما قال رحمه الله تعالى. والأمر كما قال الله عز وجل: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾. فمما يُعين على حفظ النعم وبقائها، وكذلك الانتفاع بمشهدها، أن يذكر الله عز وجل بقلبه ولسانه وجوارحه فيما أنعم عليه وأحسن، وذلك يُعين على شكرها. فمن لم يذكر الله بنعمه ومواضع إحسانه، فإنه لم يخطر بباله شكره سبحانه وتعالى، وعند ذلك يقع الكفر. ومن الكفر بهذه النعم وعدم الشكر فعل المعاصي، ومقابل ذلك مما يُقوّي الدين ويعين على أن يعصي رب العالمين أن يتذكر هذا المشهد مشهد إنعام الرب وإحسانه دائمًا بقلبه وبلسانه وبجوارحه، لأنه إذا فعل ذلك صار كالذي يُمرّر على قلبه وبصره وجوارحه ما يُخوّفه من زوال ما أُعطيه. فالذي أعطاك قادر على أن ينتزع ما أعطاك. ولهذا جاءت الأدلة الكثيرة في الكتاب والسنة في الأمر بذكره سبحانه وتعالى وذكر نعمه حتى لا تزول هذه النعم، فيكون مشهد مراقبة الله عز وجل في النعمة والإحسان معينًا على لزوم الطاعة وبقاء الدين وعدم اخترامه بمعصية رب العالمين. ومن ذلك حديث أنس في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى لِلْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا وَيَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا». ومعناه أنه ما من قول وفعل فيه نعمة إلا وحمد الله بقلبه ولسانه وجوارحه على هذه النعمة. فيمرر هذا التذكير على القلب واللسان والجوارح بما يعينه على مراقبة الله عز وجل في هذا المشهد، وهو مشهد الإنعام والإحسان. وكما قال الله عز وجل: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾، فعذاب الله يكون للغافلين الذين يغفلون عن نعم الله. وشكر الله عز وجل أوله بذكره سبحانه وتعالى وتذكر نعمه سبحانه وتعالى. ولذلك فإن مما يعين على مراقبة الله عز وجل في هذه المرتبة وهذا المشهد كذلك أن يتذكر حال الأنبياء والمرسلين وما كانوا عليه -أفضل الصلاة والتسليم- من مراقبة الله عز وجل في هذا المشهد. كيف كانوا لله سبحانه وتعالى من الشاكرين، وكانوا له سبحانه وتعالى من الطائعين؟ فلما وصف الله عز وجل عددًا من خلص عباده وأنبيائه ورسله ومدحهم بمنزلة العبودية والشكر: «إنه كان عبدًا شكورًا»، لماذا؟ لأن الشكور -وهذه الصيغة صيغة كثرة- هو من تحقق معه معنى العبودية الحقيقية. فإن العبودية بين الشكر والصبر تتحقق العبودية بين الشكر والصبر: الصبر على الضراء والشكر عند السراء، بل والشكر حتى عند الضراء، وهي أعلى مراتب الصابرين. وبهذا تتحقق هذه العبودية الكاملة التي بها قوة الدين والبعد عن معصية رب العالمين. وفي الحديث الآخر في صحيح مسلم، الحديث: صهيب بن السنان رضي الله عنه يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم الحديث المشهور: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، إِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ». فعلم أن المؤمن الكامل في إيمانه والعبد القائم بعبادة ربه وخالقه هو الذي تحقق معه مقام الشكر والصبر. ولما وصف الله عز وجل نبيه إبراهيم عليه الصلاة والسلام وصفه بهذين الوصفين العظيمين: «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُنْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ». وهكذا كذلك ينبغي أن يكون من يريد ما عند الله سبحانه وتعالى، خصوصًا إذا كان يتذكر أن كل ما عليه من ماض وحاضر ومستقبل وحال ومآل كله من نعمة الله وفضل الله، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾، وكما قال سبحانه: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾. وذكر بعض أهل العلم تلك القصة المشهورة التي ذكر الإمام عبد الغني المقدسي رحمه الله في كتاب التوابين عن إبراهيم بن أدهم في الرجل الذي جاءه فسأله، وكان مسرفًا على نفسه بالمعاصي ويريد استنقاذ قلبه، فأرشده أن يقبل منه خمس خصال إن قدر عليها لم تضره معصية، ولم يبق معه ما يضره. فلما سأله إياها، بكر الأولى: أن يعصي الله عز وجل فلا يأكل من رزقه. وهذا التذكير بمشهد النعمة والإحسان، فأجاب الرجل بأنه كيف له أن يفعل ذلك وكل ما في الأرض من رزق الله؟ فكان التذكير بأن كيف يحسن بأن يأكل من رزقه من يعصيه؟ وهكذا في الثانية: أنه إن أراد أن يعصيه فلا يسكن في بلاده، وفي مكان يراه فيه، فعظم عليه ذلك إذ كل ما في الأرض أرض الله، وما بين المشرق والمغرب كله لله، فكان تذكيرًا آخر بأن لا يعصي الله عز وجل في مكان أنعم الله عز وجل عليه بالسكن فيه. وهكذا في الثالثة: أن يعصيه في مكان لا يراه، وهو أعظم من الذي قبله. وهكذا كذلك في الرابعة أمره بما هو قريب من هذا، وما زال به حتى أوصل الرجل إلى الاعتراف أنه لا منجى من الله إلا إليه سبحانه وتعالى. فالاعتراف بهذا المشهد مشهد النعمة والإحسان، ومعاملة الله عز وجل بما يجب في مقام ربوبيته وولوهيته وأسمائه وصفاته، والخوف من المقابلة بالضد، يوجب للعبد قوة إيمانه وعدم الخوض فيما ينقص ذلك بمعصيته سبحانه وتعالى. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: الرابع مشهد الغضب والانتقام، فإن الرب تعالى إذا تمادى العبد في معصيته غضب، وإذا غضب لم يقم لغضبه شيء، فضلًا عن هذا العبد الضعيف. وهذا المشهد ناسب ذكره بعد مشهد الإحسان والمحبة، أنه يكمل جناح العبودية للعبد، فعبودية العبد لله عز وجل بين بين الخوف والرجاء، بين الخوف والرجاء، فهما للإنسان كجناحي الطائر لا يطير إلا بهما. فلا يحلق العبد في أفق العبودية ولا يرتقي مقامات ودرجات وسلم الإيمان والطاعة إلا بتحقيق هذين المعنيين الاثنين: أن يعبد الله عز وجل خوفًا ورجاءً، خوفًا ورجاءً. فإنه إذا جمع بين الخوف والرجاء تحققت له العبودية الكاملة لله سبحانه وتعالى. الخوف الذي يمنعه من البطر، والرجاء الذي يمنعه من القنوط، فإنه إذا أحب الله وتعبده بالمحبة الخالصة الصافية أورثه ذلك إلى البطر، وربما كان ذلك سببًا لفتنته، كما أنه إذا تعبده بالخوف الخالص ربما دفعه ذلك إلى القنوط من رحمة الله سبحانه وتعالى. ولهذا لما وصف الله عز وجل الخلص من عباد الله عز وجل وصفهم بالوصفين جميعًا: ﴿يَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾، ماذا بعدها؟ ﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾، والخشوع أكمل مقامات العبودية عند العلماء العارفين بالله عز وجل. يدعوننا رغبًا هذه الرغبة، ورهبًا وهذا هو الخوف، رغبًا بالرجاء ورهبًا بالخوف، ﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾، الخشوع الذي هو من أعلى مقامات العبودية لله عز وجل، وهو مقام العلماء، وهو أول ما يرفع من الناس في الأرض. كما روي: حتى لا ترى فيها خاشعًا، فهي أعلى مقامات العبودية لله عز وجل، لا تأتي إلا بهذين الأمرين الاثنين. والنبي صلى الله عليه وسلم كان يعبد الله عز وجل رغبةً ورهبة، ليس رغبةً كما تدعي الصوفية حبًا فقط، ولا كذلك رهبًا كما يدعي كذلك من قابل هؤلاء، ولكن رغبًا ورهبًا الجمع بين الخوف والرجاء. فكما أنك ترجو الله بحبه وبحسن الظن به، فكذلك تخافه من تقصيرك واعترافك بذنوبك، بل تغليب جانب الخوف في بعض المقامات يكون سببًا في الاجتهاز والفوز، مثل الخائف الذي يهرب مما يفزعه، يعطيه ذلك الخوف من النشاط والقوة والاندفاع إلى الأمام ما يكون سببًا في بلوغه مأموله ومقصوده، بخلاف الراجي المتكل المتواكل، فربما كانت تلك المشاعر سببًا في فشله وسببًا في تقصيره وتفريطه وخوره. وهذا هو الواقع، كان الناس طرفين، وأهل السنة والتوحيد الخلص وسط بينهما. انظروا إلى المتصوفة من الباطنية لما زعموا أنهم يعبدون الله عز وجل بالمحبة، خرجوا من سور المحبة إلى الإلحاد، خرجوا من سور المحبة إلى الإلحاد والكفر والمعاصي وأنواع الذنوب والسيئات، زعمًا منهم أن حبهم لله سينجيهم، وحب الله لهم سينقذهم. والأمر ليس كذلك، بل تعلق الضعفاء بحب الكبراء، زعمًا منهم أن الكبراء قد أمنوا، فبأمن كبرائهم يأمن ضعفاؤهم، وهذا الذي يقع. ومن مقولة هؤلاء الباطنية الضلال: أنه سيأخذ من يشاء معه في قدفته، مثل ما يقول الصوفية: سأخذك معك في القدفة، هذا من آل البيت، وذاك من آل الولي، وذاك من أهل كذا وكذا. فبالركون إلى تلك المحبة المزعومة اتكلوا عليها وتركوا طاعة الله عز وجل وعبادته، فصار تعلقهم بالحب -مع أنه حب كاذب مزعوم ليس له براهين- كان سببًا في حرمانهم وخسرانهم الدنيا والدين. وهكذا كذلك من يغلب باب الخوف، فيدفعه ذلك -والعياذ بالله- إلى التعالي على خلق الله والتعدي لحدود الله سبحانه وتعالى، كما فعلت الحرورية ومن كان بمعنى هؤلاء ممن غلب الخوف على الرجاء. والوسط هو دين الله عز وجل الحق الذي هو بين الغالي والجافي. فمراقبة الله عز وجل في مشهد الغضب والانتقام، مع ما سبق من مشهد الرجاء والحب، يورث العدل في عبادة الله عز وجل وعبوديته سبحانه وتعالى. وهل هناك مواضع يغلب فيها الخوف ومواضع يغلب فيها الرجاء؟ قال العلماء: نعم. ففي وقت الخروج من هذه الدنيا يغلب جانب الرجاء، إحسانًا بالظن بالله عز وجل حتى تكون الخاتمة الحسنة، والله عز وجل عند ظن عبده به. وفي حال الرخاء يغلب جانب الخوف الذي يدفعه للفوز، كالسبق في سبقه، فإنه إذا غلب الخوف في ذلك دفعه ذلك إلى القوة والنشاط والجد والاجتهاد. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِءِ﴾، ماذا؟ ﴿جَنَّتَانِ﴾، ليست جنة واحدة. وهذا هو الأصل حتى لا يرتكن الإنسان على طاعة نفسه، ولا على حبه وحسن ظنه، بل ينبغي أن يكون هذا تارة وهذا تارة. فكما يذكر نفسه بحب الله وحسن ظنه به وما يرجوه من رحمته، فكذلك يذكر نفسه بعقابه، وسريعه كذلك غضبه وانتقامه. وهذا يعينه على تقوية إيمانه والبعد عن أسباب سخط الله عز وجل وغضبه. ومنها هذه الآيات العظيمات الواردة في هذا الباب، كقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ يُحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبَهُ فَقَدْ هَوَى﴾، أي: ضل وحرم الخير. فلما أسفون انتقمنا منهم. وما أخبرنا الله عز وجل من قصص الأنبياء والمرسلين مع أممهم، فإنه سبحانه وتعالى يمهل ولا يهمل، فإذا أخذ أخذ عزيز مقتدر. ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾. وهكذا كذلك إمهاله سبحانه وتعالى، فهذا من حكمته ومن رفقه وحلمه بخلقه. فينبغي أن يعتبر الإنسان بهذا المشهد: بأن الله عز وجل إذا تركه مع معاصيه فليس غفلة ولا ضعفًا ولا عجزًا، ولكنه إمهال بعده عظيم الانتقام وسريع الحساب والعقاب. والله عز وجل قدم العقاب على الثواب، قدم العقاب على الثواب لأجل أن يتذكر الإنسان الخوف قبل الرجاء. وبهذا -بإذن الله سبحانه وتعالى- يعين نفسه على أن يبقى إيمانه بقوته، وأن لا يقع فيما يغضب ربه وخالقه. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.