الدرس في القواعد والأصول الجامعة 52، الدرس الثاني والخمسون : من : ( القاعدة السابعة والعشرون ... وفي بعض هذا خلاف ضعيف ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الدرس بشرح القاعدة السابعة والعشرين المتعلقة بالفرق بين ترك المأمور وفعل المحذور، مع توضيح ضمان المستعير للشيء إذا تلف بفعله أو تفريطه. يُبين أن من ترك مأمورا بغير عذر لا يبرأ حتى يفعله، ومن فعل محذورا معذورا سقط عنه الإثم والحكم.
يناقش المقطع تطبيقات القواعد في مختلف العبادات، مثل الصلاة والحج والصيام، مع التركيز على ضمان المتلفات ومدى انطباقها على مختلف صور الصلاة، والفرق بين سقوط الإثم وعدم سقوط الحكم.
يتناول هذا الفصل حكم من يفعل المحظورات في العبادات ناسيًا أو جاهلًا، حيث يسقط عنه الإثم، لكن الحكم يختلف باختلاف نوع العبادة، ويوضح الأحكام المتعلقة بذلك في الصلاة والحج والصيام والأيمان والطلاق.
يفسر هذا الفصل الآية الكريمة ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾، مبينا أن التكليف مرتبط بما تملكه النفس وتقصده، وليس بما لا تملكه، وأن هذه القاعدة تنطبق على جميع الأبواب الشرعية.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة في درس الأمس، يقول: ما حكم من استعار مسجلا فتعطلت عليه ويستخدمها، فعليه إصلاحها؟ الجواب: أن في مسألة الاستعارة خلاف، كما مر معنا في القاعدة الرابعة عشر، وأن أهل العلم اختلفوا: هل الاستعارة يفصل فيها بنفس التفصيل؟ فمن كان مفرطا أو متعديا يضمن، وما لم يكن فلا. هكذا قال بعض أهل العلم، ورجحوا جماعة من المحققين كما سمعنا، وذهب آخرون إلى أن الأحوط والأسلم والإحسان أن يكون القول بالضمان مطلقا. والصحيح الأول: أنه إن كان مفرطا أو متعديا فعليه الضمان، وإن لم يكن أو كان لا يمكن معرفته ذلك، إن كان متعديا مثلا أو مفرطا ما يمكن معرفته، فالأصل هو الضمان؛ لأن الأصل حرمة مال المسلم. ومع هذا فلا شك أن الأفضل والأكمل والإحسان أن يصلح ما أتلف أو ما تلف على يده. قال المؤلف رحمه الله تعالى: القاعدة السابعة والعشرون: من ترك المأمور لم يبرأ إلا بفعله، ومن فعل المحذور وهو معذور بجهل أو نسيان فهو معذور لا يلزمه شيء. وهذه القاعدة مر معنا معناها في القاعدة الثالثة عشر في أوائل الكتاب، فيرجع إليه؛ فلها تعلق قوي بتلك القاعدة. ومعنى هذه القاعدة ها هنا يريد أن يقول: إنه ينبغي أن تعرف أن هناك فرق بين ترك المأمور وفعل المحذور. فترك المأمور لمن فعله أو لمن تركه بعدر لا يأثم، لكنه لا يبرأ؛ لا يأثم، لكنه لا يبرأ حتى يفعل ذلك المأمور. وسيأتي إن شاء الله مثاله. وأما فعل المحذور، فإن فعله وهو معذور فلا يلزمه شيء؛ يسقط عنه الإثم ويسقط عنه الحكم. فإذن القاعدة: من ترك مأمورا بغير عمد فإنه يسقط عنه الإثم ولا يسقط عنه الحكم، ومن فعل محذورا على وجه الإعدار وهو معذور سقط عنه الإثم سقط عنه الإثم والحكم معا. وهذه القاعدة بهذا التفصيل أدلة سيأتي ذكرها إن شاء الله في الأمثلة. قال: وهذا الفرق ثابت في السنة الصحيحة في صور عديدة، والصحيح قرده بجميع صوره. نعم، الصحيح أنه مضطرد في جميع صوره إلا ما يتعلق بضمان المتلفات؛ كما مر معنا؛ لأنه من خطاب الوضع، ضمان المتلفات من خطاب الوضع. فمن فعل المحذور الشرعي لم يأتم ولا يلزم حكم، بخلاف من فعل المحذور في حق الآدميين؛ فإنه يلزمه ضمان المتلفات؛ يلزمه ضمان المتلفات. فمن أتلف مالا ولو كان مخطئا يلزمه الضمان، ومنه أدية في قتل الخطأ ونحو ذلك. قال رحمه الله تعالى: والصحيح طرده في جميع صوره كما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره رحمهم الله. وفهمنا معنى كلامه رحمه الله: فهو مضطرد، لكن في غير رمان المتلفات. قال: فمن ذلك من صلى وهو محدث أو تارك لركن أو شرط من شروط الصلاة لغير عذر، فعليه الإعادة. إن كان صلى بغير طهارة فعليه إعادة الصلاة، وإن كان صلى وهو تارك لركن عليه إعادة ذلك من ركن إن كان قريبا أو إعادة الركعة كاملة على تفصيله في مسائل الفقه. كذلك نسي شرطا من شروط الصلاة، قال: أو شرط من شروط الصلاة لغير عذر. طيب، قوله: هو شرط من شروط الصلاة لغير عذر، يعني إذا كان لعدر مثل ناسي أو جاهل فيعدر. وهذا كذلك إذا كان عمدا فالصلاة تبطل؛ لقول النبي عليه الصلاة: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد. ولكن هذا الأولى أن لا يدخل في هذا الموضع؛ لأن الكلام الآن عن سقوط الإثم وعدم سقوط الحكم، وفرق بين المسألتين. فمن ترك هذا عمدا فهو يأثم، وفي نفس الوقت يبقى عليه الحكم. قال: ولو أنه جاهل أو ناسي، يعني ولو كان جاهلا أو ناسيا فإنه إنما يسقط عنه الإثم ولا يسقط عنه الحكم. وهذا الكلام صحيح بالنسبة للحدث ولترك الركن وللشرط من شروط الصلاة، لكنه ليس بصحيح في واجبات الصلاة مثل ستر العورة وإزالة النجاسة. فالصحيح أنه إذا وقع ذلك على وجه الخطأ أو النسيان فلا يبطل الصلاة، ودليله أحاديث كثيرة تدل على أن بعض الصحابة كانت تنكشف عورتهم في الصلاة ولم يأمرهم النبي عليه الصلاة والسلام بإعادة الصلاة. قال: ومن نسي النجاسة في بدنه أو ثوبه أو جهلها فلا إعادة عليه. جعل إزالة النجاسة من فعل المحظور. من صلى النجاسة على ثوبه أو جسده فهو صلى بفعل محظور. وفعل المحظور قلنا: إذا وقع جهلا أو نسيانا فيسقط الإثم والحكم. قال: ومن ترك نية الصيام لم يصح صومه. من أدركه رمضان وهو لا يدري أن هذا اليوم من يوم رمضان ولم يبيت النية فإنه لا صيام له؛ لأن هذا من المأمور. قال: ومن فعل مفطرا ناسيا أو جاهلا صح صومه كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين: أن من أكل أو شرب ناسيا فأكل أو شرب إنما أطعمه الله وسقاه، أمر أن يتم صومه؛ فإن الله أطعمه وسقاه. قال: ومن ترك شيئا من واجبات الحج جهلا أو نسيانا فعليه دم. واجبات الحج من تركها يقول: فعليه دم جهلا أو نسيانا. والصحيح في هذه المسألة كما مر معنا: أن لزوم الدم بما دل عليه الدليل، وأن الجهل والنسيان فيه الصحيح أنه لا يوجب الدم؛ لكن يوجب التدارك. قال: ومن غطى رأسه وهو رجل محرم أو لبس المخيط أو تطيب المحرم أو قلم أظفاره أو حلق شعره وهو جاهل أو ناس فلا شيء عليه. وهذا هو الصحيح لحديث يعلى بن أمية كما مر معنا قريبا. قال: وفي بعض هذا خلاف ضعيف. بعض هذا فيه خلاف، لكن الصحيح كما سمعنا والله تعالى أعلم؛ لعدم وجود دليل صحيح صريح يلزم بالدم في الواجبات جميعا. وتبقى مسائل كثيرة على هذا المنوال. والصحيح أن من فعل شيئا ناسيا أو جاهلا سقط عنه الحكم إذا كان في المحظور، وإذا كان في المأمور فيسقط عنه الإثم ولا يسقط عنه الحكم. فمثلا رجل حلف يمينا ألا يدخل بيت فلان فنسي دخل بيت فلان، هل يلزمه شيء؟ لا، ما يلزمه شيء مدام نسي. متى ما تذكر يخرج حلف يمين ألا يأكل من الطعام الهلاني فنسي فأكل، متى ما تذكر وقف توقف وترك. أو كذلك حلف على امرأته أو قال: أنت طالق إن دخلت بيت فلان، فدخلت ناسية أو دخلت جاهلة فلا يقع الطلاق على القول الصحيح؛ لأنها وقع منها ذلك بغير قصد. والله عز وجل يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾، وهو إنما علق ذلك بنيتها ولم يعلقه بفعلها الذي لا تملكه، وإنما أراد الشيء الذي تملكه وتقصده. فهذا هو الصحيح في هذه القاعدة، فهي مضطردة في جميع الأبواب.