الدرس في تفسير سورة ق من تفسير الجلالين 1، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول تفسير سورة قاف ويشرح معاني آياتها، مع التركيز على الحروف المقطعة مثل 'قاف' ومعناها وسبب ورودها في بداية السورة. يُفسر المفسر الآيات ويشرح دلالاتها ويربط بين الحروف المقطعة والإعجاز القرآني.
يفسر المقطع قوله تعالى في سورة ق، ويشرح معنى "القرآن المجيد" وأهمية التذكير به. كما يفسر معنى "أئذا متنا" ودلالة القراءات المختلفة على الإعجاز القرآني، ويشير إلى أن تكذيب الكفار بالبعث هو مكابرة.
يفسر المقطع قدرة الله على إحياء الأجساد بعد الموت مستدلاً بإنبات الأرض بعد موتها، ويشرح معنى قوله تعالى «وحب الحصيد». يؤكد أن البعث والنشور ممكنان كما هو واضح في تجربة إحياء الأرض، وأن التفكر في آيات الله الكونية يؤدي إلى الإيمان بوجوده وعظمته.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، قاف والقرآن المجيد، بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم، فقال الكافرون هذا شيء عجيب، أئذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد، قد علمنا ما تنقص الأرض منهم، عندنا كتاب حفيظ، بل كذبوا بالحق لما جاءهم، فهم في أمر مريج، أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج، والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج، تبصرة وذكرى لكل عبد منيب، ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد والنخل باسقات لا قلع مضيد، رزقا للعباد، وأحيينا به بلدة ميتة، كذلك الخروج. قال المفسر رحمه الله: سورة قاف مكية إلا آية ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ فمدنية، وهي خمس وأربعون آية. بسم الله الرحمن الرحيم، قال الله أعلم بمراده به، والقرآن المجيد الكريم، ما آمن كفار مكة بمحمد صلى الله عليه وسلم، بل عجب أن جاءهم منذر منهم، رسول من أنفسهم يخوفهم بالنار بعد البعث، فقال الكافرون هذا الإنذار شيء عجيب. أئذا متنا وكنا ترابا نرجع؟ ذلك رجع بعيد، غاية البعد، قد علمنا ما تنقص الأرض تأكل منهم، وعندنا كتاب حفيظ، هو اللوح المحفوظ، فيه جميع الأشياء المقدرة. بل كذبوا بالحق بالقرآن لما جاءهم، فهم في شأن النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن في أمر مريج، مطلب، قالوا مرة ساحر وسحر، ومرة شاعر وشعر، ومرة كاهن وكهانة. أفلم ينظروا بعيونهم معتبرين بعقولهم حين أنكروا البعث إلى السماء كائنة فوقهم، كيف بنيناها بلا عمد، وزيناها بالكواكب، وما لها من فروج شقوق تعيبها؟ والأرض مددناها دحوناها على وجه الماء، وألقينا فيها رواسي جبالا تثبتها، وأنبتنا فيها من كل زوج صنف بهيج يبهج به النظر. تبصرة مفعول له، أي فعلنا ذلك تبصيرا منا، وذكرى تذكيرا لكل عبد منيب رجاع إلى طاعتنا. ونزلنا من السماء ماء مباركا كثير البركة، فأنبتنا به جنات بساتين، وحبا الزرع الحصيد المحصود، والنخل باسقات طوال، حال مقدرة لها طلع نظير وتراكب بعضه فوق بعض، رزقا للعباد مفعول له. وأحيينا به بلدة ميتة، يستوي فيه المذكر والمؤنث، كذلك مثل هذا الإحياء الخروج من القبور، فكيف تنكرونه؟ والاستفهام للتقرير، والمعنى أنهم نظروا وعلموا ما ذكر. قال رحمه الله: قاف، الله أعلم بمراده هكذا، قال جماعة من أهل العلم، وقد اختلفوا في الحروف المفصلة، والصحيح والله تعالى أعلم أن قاف والأحرف المفصلة كلها يؤتى بها للإعجاز في نزول هذا القرآن. ولذلك تجد هذه السور التي تفتتح بالحروف المفصلة يؤتى بعدها بذكر القرآن، كما قالها هنا «قاف والقرآن المجيد»، وفي أول سورة البقرة «ألف لام ذلك الكتاب»، وفي سورة الأعراف «ألف لام ميم صاد ماذا كتاب أنزل إليك؟». فلا يكن في صدرك حرج منه، وغير ذلك من الآيات، لو تأملنا نجد أن بعد ذكر هذه الحروف يأتي ذكر القرآن، ليدل ذلك على أن هذه الحروف جاءت لتذكير العرب وهم أهل الفصاحة أن بهذا أنزل القرآن، ومع ذلك يعجزون أن ينزل مثله أو يأتوا بمثله. وهذا هو الصحيح في معنى هذه الآيات وإيرادها، أما لماذا استفتحت هذه السورة بقاف، وتلك السورة بألف لام را، وتلك السورة بألف لام ميم، أو الأخرى ألف لام ميم صاد؟ فالله أعلم لماذا، فهذا لا نعلم كنهه وحقيقته. وأما أن يوجد في القرآن شيء لا يعلم معناه فهذا ليس بصحيح، إذن لابد من التفصيل في هذه المسألة. فقوله رحمه الله «الله أعلم بمراده به» الصحيح أنه ليس كذلك، بل يفصل الله أعلم بمراده في إيراده بهذا الحرف في هذا الموضع، ولله حكم لا شك قد لا نعلم، وقد يعلمها غيرنا، فهذا مما قد يقف الإنسان عليه، وقد يعلم غيره ما لا يعلم. وأما أنه كان أو أتي به لأجل الإعجاز فهذا ظاهر، ولا أدل على ذلك من إيراد ذكر القرآن بعد ذكر هذه الأحرف، وهذا كما مر معنا في الأمثلة وغيرها، أمثلة كثيرة تدل على ذلك. وقوله «القرآن المجيد» أي المعظم الكريم، فالمجيد هو المعظم، والكفار لم يؤمنوا بهذا القرآن الذي فيه من المعجزات والأمور العظيمات ما هو دال أنه كلام الله العظيم المنزل من عنده سبحانه وتعالى. فهذه السورة فيها التهديد والوعيد كما سيأتي معنا إن شاء الله، ولهذا جاء التذكير بالقرآن وأنه كتاب الله الحق العظيم الذي دعا الناس لما فيه صلاحهم في الدنيا والآخرة. فمن استجاب كان حاله كحال الناجين من أتباع الرسل عليهم الصلاة والسلام، ومن لم يستجب وأعرض فإنه يخاف عليه أن يصيبه ما أصاب الأمم السابقة. ولهذا أتبع بهذه الآيات «بل عجب أن جاءهم منذر منهم» أي النبي صلى الله عليه وسلم يخوفهم بالنار كما ذكر رحمه الله، والكفار قالوا قولا مكابرا لا قولا منصفا بأن هذا القرآن شيء عجيب. وهو في الحقيقة وقد علمت نفوسهم ذلك أنه حق وصدق، وقد اقترنت البراهين الكثيرة على هذا الحق والصدق. وقوله «أئذا» قرأ بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية وإدخال ألف بينهما على الوجهين، يعني قراءتين مشهورتين، والتحقيق هو المبالغة في إظهار الهمزة، والتسهيل التخفيف في إظهار الهمزة، وكلاهما قراءتان سبعيتان مشهورتان جاء بهما لسان العرب. وقد أنزل القرآن على سبعة أحرف، وقد تقدم معنى أن الصحيح من أقوال أهل العلم في هذه الأحرف السبعة أنها ليست القراءات السبعة، ولكن اللهجات التي يتكلم بها عامة العرب، فأنزل القرآن تسهيلا وتيسيرا من الله سبحانه وتعالى على أوجه لغة الناس بهذه العربية. ولذلك تجد أهل المشرق يحققون الهمزة، وأهل المغرب يسهلون الهمزة لأن لغتهم فيها التسهيل، فجاءت القراءات على الأوجه التي يتكلم بها عامة العرب. فهذه هي أوجه ورود هذه القراءات، وذكر التذكير بالبعث والنشور والرجعة التي كذب بها الكفار، وإيرادها في هذه السورة كذلك من الإعجاز في هذا القرآن. ومن ذلك التذكير بالوعد والوعيد الذي فيه، فتكذيبهم بالبعث والنشور هو بالحقيقة مكابرة، كما يدل على ذلك أول السورة في قوله «فقال الكافرون هذا شيء عجيب»، وبعده «أئذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد» أي أنه مستحيل هكذا زعموا. وأخبرهم الله عز وجل بالدليل العقلي فضلا عن النقل والشرعي بأن ما كان من الدنيا يعاد ويرونه بأنفسهم، فكذلك من باب أولى وأيسر عودة هذه الأجساد بعد موتها وفنائها. وهذا هو قوله سبحانه «قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ»، فالله عز وجل الذي كتب الفناء لهذه الأجساد، فهو سبحانه وتعالى كتب لها بعظيم قدرته عودة هذه الأجساد. كهذه الأرض فإنها تفنى وتعود تكون ميتة غاية الموت، فيعيدها الله عز وجل حية بالماء الذي تحيى به الأرض، بالعقل لا يمكن أن تعود الأرض في الخضرة والحياة بعد أن كانت ميتة غاية الموت. ولكن هذا الذي قد يحيله العقل، ماذا أثبته الواقع والتجربة؟ فالإنسان الذي ليس عنده خبرة ولا تجربة لن يحسن الظن بالأرض القفراء أنها تكون بعد هذا الحال أرضا حية خضراء. ولكن بما كان من التجربة علم أن هذا ليس بمستحيل، فكذلك عودة هذه الأجساد. ولهذا جاء بحديث أبي هريرة وغيره «أن الله عز وجل ينزل مطرا من السماء تحيى به هذه الأجساد، فينبتون كما ينبت الزرع، من عجب أذنابهم، كل شيء ينتهي في الجسد إلا مؤخرة الظهر، فإنه يبقى ومنه ينبت الناس كما ينبت الزرع». فإذا كان هذا في الزرع أرض قفراء وصحراء، وبعد نزول المطر يجعله الله عز وجل خضراء تسر الناظرين، فكيف بإعادة هذه الأجساد؟ والله على كل شيء قدير. وهكذا كذلك زاد ربنا سبحانه وتعالى في بيان كذبهم ومكابرتهم قوله سبحانه «بل كذبوا بالحق» أي بالقرآن وما فيه من براهين، ومن ذلك أمر البعث والنشور. والعبرة بعموم اللفظ «بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج» أي مضطرب، أي في هذا القرآن وفي النبي صلى الله عليه وسلم. وقد اختلف المفسرون في عود الضمير هل هو على القرآن أو على النبي صلى الله عليه وسلم؟ والصحيح أن كلاهما قد صدر منهما ما وقع من المشركين. أي هم في أمر مريج من حال النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا تارة ساحر وشاعر وغير ذلك مما افتروه على النبي صلى الله عليه وسلم، هم يعلمون ويكابرون في هذا العلم أنه صادق وليس بكاهن ولا ساحر ولا شاعر. وكذلك في القرآن أنه سحر أو كهانة أو نحو ذلك، فهذا كذلك مكابرة. ثم أتبع سبحانه وتعالى بهذه البراهين «أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج؟ والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج». فهذه آيات عظيمات تدل على عظمة الخالق، فالذي خلق هذه المخلوقات العظيمة بهذا الإتقان والإحكام لا يعجزه أن يعيد هذه الأجساد بعد موتها. وهذا هو قول سبحانه «تبصرة وذكرى لكل عبد منيب» أي رجاع إلى الله سبحانه وتعالى، وعبد هنا الصحيح أنه يشمل العبودية الشرعية والعبودية الكونية. ولذلك فالمنصفون من الخلق ولو كانوا كفارا إذا تأملوا في هذه الآيات الكونية العظيمة أثبتوا وجود الخالق وعظمته ورجعوا إليه وآمنوا به. فينقصهم مع هذا الإيمان ماذا؟ شرعا منزلا ينزل ويصل إليهم، فعند ذلك يكونون أهل ماذا؟ أهل دين، يكونون أهل دين. ولذلك الكثير من الناس يحرمون من الديانات بسبب عدم وصول الرسالات إليهم، فإذا بلغتهم الرسالة جمع مع إيمانه بالله وتعظيمه له ما جاء من أمر شرع الله ودينه الذي وصله عبر تلك الرسالة التي تصل إليه. وقوله سبحانه وتعالى «وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ» كما ذكر رحمه الله تعالى، كذلك هذه آية أخرى ودليل آخر. فقوله «وَنَزَّلْنَا» أي كما مر معنا أن اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى، أي على وجه التدرج، فحصلت به البركة، وهذا هو الغالب أن النفع يكون بالشيء المتدرج لا بالشيء الذي يأتي دفعة. فما أتى دفعة ذهب دفعة، وما أتى متدرجا قليلا قليلا تحصل به ماذا؟ البركة، إذا جاء الماء الغزير القوي تحصل به ماذا؟ الكوارث، وتحصل به المصائب. والماء الخفيف اليسير المتتابع هو الذي يحصل به البركة والنفع، وهذا كما هو في الأمر الحسي فهو كذلك في الأمر المعنوي. فطالب العلم كذلك ينبغي أن يحرص على هذا المعنى، ولهذا لما استعجب الكفار من عدم نزول القرآن جملة واحدة، ماذا كان الجواب من الله سبحانه وتعالى؟ «وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا». فمن أسباب تنزيل القرآن مفرقا حفظه والتثبيت به وغير ذلك من المنافع الأخرى. وقوله «فأنبتنا به جنات» وهذا هو الشاهد في بياني كذب هؤلاء الكافرين المشركين بأنه كما يحيي الله عز وجل هذه الأرض، فكذلك قادر على أن يحيي هذه الأجساد. وقوله سبحانه «وحب الحصيد» أي الزرع المحصود، وذكر الحب والنخل لأجل أن تزداد الحجة والبرهان على الكافرين لأنهم يفعلون ذلك وصنعونه بماذا؟ بأيديهم، يحيون الأرض الميتة بهذا التدرج حتى تكون حية بعد مواتها. والله عز وجل العظيم قادر بعظمته أن يحيي هذه الأجساد، فكما أنهم يرون ذلك بأعينهم ويجربونه بأفعالهم، فكذلك أمر إعادة هذه الأجساد «رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتة» إلى آخره، كذلك هذا من التأكيد لما سبق. ولهذا قال في آخر الآية «كذلك الخروج» أي ما تنكرونه، كما قال رحمه الله من إنكار البعث والنشور وخروج الأجساد بعد موتها.