الدرس في تفسير سورة ق من تفسير الجلالين 2، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يذكر الله تعالى تكذيب الأمم السابقة للرسل ويقرن ذلك بتكذيب قريش للرسول، ويُسلَّى النبي بأن ما حدث لقومه قد حدث للأمم السابقة. يُبيِّن أن العاقبة كانت للأنبياء والرسل الصابرين.
المقطع يتحدث عن الأمم السابقة التي عذبها الله تعالى، ويبين أن الله جعل آثارهم آية وعظة وعبرة للناس. كما يشير إلى أن العرب كانوا يعرفون تاريخ هذه الأمم وأماكنها.
يؤكد النص على أن البعث والنشور ليس أمرًا مستحيلًا، بل هو أهون من خلق الإنسان والمخلوقات العظيمة من العدم. يبين أن إعادة خلق الإنسان بعد أوجده ليس أمرًا يعجز الله عز وجل.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود وعاد وفرعون وإخوان لوط وأصحاب الأيكة وقوم تبع كل كذب الرسل فحق وعيد﴾ أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد. قال المفسر رحمه الله: «كذبت قبلهم قوم نوح»، تريث الفعل لمعنى قوم، «وأصحاب الرس» هي بئر كانوا مقيمين عليها بمواشيهم، يعمدون الأصنام، ونبيهم قيل حنظلة بن صفوان، وقيل غيره، «وثمود» قوم صالح، «وعاد» قوم هود، «وفرعون وإخوان لوط وأصحاب الأيكة» الغيظة قوم شعيب، «وقوم تبع» هو ملك كان باليمن، أسلم ودعا قومه إلى الإسلام فكذبوه، كل من المذكورين كذب الرسل، فقريش فحق وعيد، وجب نزول العذاب على الجميع، فليضيق صدرك من كفر قريش بك. أفعيينا بالخلق الأول؟ أي لم نعي به، فلا نعي بالإعادة، بل هم في لبس شك من خلق جديد، وهو البعث. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، كما مر معنا، هذه السورة افتتحت في مخاطبة المشركين في إنكارهم للبعث والنشور، وبعد أن ذكر الله عز وجل الأدلة الكونية التي تدل على صحة الأدلة الشرعية، فإذا كان قد خلق الله عز وجل الأرض الميتة فجعلها حيّة بعد موات، وهو قادر سبحانه وتعالى أن يحيي كذلك هذه الأجساد بعد موتها. وإذا كان الله عز وجل خلق هذا الكون العظيم بجميع ما فيه من عجائب المخلوقات، وكذلك سعة هذه المخلوقات، فلا يعجزه أن يخلق هذا الإنسان الضعيف ويعيد خلقه. ثم ذكر ربنا سبحانه وتعالى تكذيب الأمم السابقة، وأنه يصيب كفار قريش ما أصاب الأمم السابقة، فالجنس واحد، وهو تكذيب الرسل عليهم الصلاة والسلام، وكل من كذب الرسل وعاد الرسل عاقبه الله عز وجل بالعقوبة، ولكن من عدل الله سبحانه وتعالى أنه يعاقب كل قوم بما يناسب جريمتهم وكفرهم وشركهم ومعاصيهم. فابتدأ بقوم نوح، كذبوا نبي الله نوح، ووقع منهم الذي وقع، حين استهزأوا به وأصروا على كفرهم، فاستهزوا به في أمر السفينة، فأنجاه الله وغرقهم، وجعلهم للناس آية وعظة وعبرة، وها هو إلى يومنا هذا وقوم نوح عظة وعبرة. وهكذا كذلك أصحاب الرس، كما ذكر المفسر رحمه الله تعالى، وهي بئر كانوا يقومون عليها ويعبدون الأصنام، وهم قوم معروفون عند العرب، وقوله تأنيث الفعل لمعنى القوم، يعني معنى الجماعة، فهذا كذلك عظة أخرى وتذكير وتخويف. ولهذا كما جاء في بعض الحديث، لما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ على بعض المشركين آيات التذكير بالأمم السابقة، كانوا يصدون على آذانهم ويصمتون النبي صلى الله عليه وسلم لعلمهم بشر ما هم فيه، وخوفهم من أن يصيبهم ما أصاب الأمم السابقة، فما استطاعوا ولا كانوا يطيقون سماع هذه الآيات. فكيف ويتكرر عليهم وفيها هذا التخويف العظيم لأمم وقوم هم يرون آثارهم، لأن آثار هذه القمم المعذبة يعرفها العرب موجودة، وجعلها الله عز وجل آية وعظة وعبرة لمن بعدهم. وهكذا كذلك قوم ثمود وعاد وفرعون وإخوان لوط، كل هؤلاء آثارهم موجودة، وآثار تعذيبهم كذلك موجودة، وفي هذا تخويف وتعذيب لهم. وهكذا كذلك أصحاب الأيكة، وقال الغيظة، وهم قوم شعيب، ومعناه هذا وصف من أوصافهم، وقوم تبع كذلك هم مملكة من ممالك أهل اليمن معروفة، وآثارهم موجودة. وكان العرب حريصون على معرفة التاريخ لقلة العلوم عندهم، فكان أعظم ما يعتنون به من العلوم علم التاريخ والأنساب، فهم يعرفون هذه الأمم وأماكنها وما أصابها كما يعرفون أنفسهم وأبناءهم. وكذلك قوله سبحانه «وقوم تبع» أي هؤلاء الملوك المعروفون الذين عذبهم الله عز وجل، كلٌّ كذب الرسل، كما قال رحمه الله، فالعاقبة واحدة، فجنس العقوبة واحدة كما كان جنس الكفر واحد. ولما اختلفت تلك الكفريات والشركيات والمعاصي والموبقات كذلك اختلف العذاب الذي أصابهم، وهذا كما تقدم تخويف، وكذلك تهديد لهؤلاء المشركين، وتسلية للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ألا يضيق صدره، كما ذكر رحمه الله، تسلية بأن ما وقع من قومك قد وقع من الأمم السابقة، وكانت العاقبة لأولئك الأنبياء والرسل الذين صبروا، فلا ييأس ولا يضيق صدرك. فكفار قريش كغيرهم من من سبق، بل هم أذل وأصغر من أولئك الأمم الذين يعلم كفار قريش فضلاً عن غيرهم أنهم لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه. ثم أعاد سبحانه وتعالى القضية التي جادل فيها أهل الشرك «أفعيينا بالخلق الأول» يعني هل عجز الله عز وجل أن يخلق الإنسان من عدم؟ وهذا أصعب وأشد من أن يعيد خلقه بعد وجوده، فإيجاد الشيء من العدم هذا هو الأصعب. فإذا لم يعجز الله عز وجل ولم يعجزه أن يخلق هذا الإنسان، وهذا كذلك من الحجة بالقياس الأولوي، يعني إذا كان هذا الأصعب لم يعجز الله عز وجل، فكيف بما هو أهون وأسهل وهو دون ذلك. أفعيينا بالخلق الأول يعني إيجاد الإنسان من العدم، وكل هذه المخلوقات من العدم، بل هم في لبس أي شك، كما قال رحمه الله، واللبس هو الاختلاط، ومعناه أنه ليس جميع المشركين في شك، فمن المشركين من طغت عليه الشبهات فصار في شك، ومنهم من لبس عليه بغيره بما كان من هول مخالفة أكابر عندهم. وهكذا حال أهل الباطل، فهم ليسوا على قلب واحد، وإن كانوا في موقف واحد، لكنهم ليسوا على قلب رجل واحد، وهذا هو اللبس، وهو أدق من الشك، أي أنهم كلهم على باطل ولكنهم ليسوا على قلب رجل واحد، فالأمر ملتبس بينهم. فهذا مستصغر، وهذا لبس عليه بالشبه، وذاك في شك إلى آخره، فلبس ليس هو معنى لفظ شك، فاختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى، بل لبس فيه الشك والزيادة من المعاني الذي تدل على عدم واتفاقهم على شيء واحد، وكلهم على الباطل. وقوله «بل هم في لبس من خلق جديد» أي البعث والنشور الذي أخبر الله عز وجل به، وهو أيسر وأهون من خلق الإنسان من العدم، بل وخلق هذه المخلوقات العظيمة الواسعة الكبيرة الكثيرة من العدم. ولهذا قال «أفعيينا بالخلق الأول» أي كل هذه المخلوقات، ليس فقط خلق الإنسان، كل هذه المخلوقات ومنها الإنسان، فالإنسان شيء صغير حقير أمام هذه المخلوقات العظيمة الواسعة الكثيرة التي فيها من بدائع وعجائب خلق الله سبحانه وتعالى، وكلها خلقها من العدم. فلا يعجزه أن يعيد خلق هذا الإنسان بعد أن أوجده، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم عن نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.