حلية طالب العلم  25

حلية طالب العلم 25

الدرس في حلية طالب العلم 25، الدرس الخامس والعشرون:من( 17-تلقي العلم عن الأشياخ ... وكل صنعة تحتاج إلى صانع فلا بد إذاً لتعلمها من معلمها الحاذق ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أهمية أخذ العلم عن المشايخ واتصال السند

يؤكد الشيخ على أهمية أخذ العلم عن المشايخ وليس من الكتب فقط، لأن العلم يحتاج إلى سند متصل يصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم. كما يبين أن أخذ العلم من المشايخ يقي من الوقوع في الأخطاء والضلال.

أهمية الخبرة العملية في العلوم

يُبرز المقطع أهمية الخبرة العملية في تمييز الجيد من الرديء في مختلف المجالات، ويشير إلى أن أصحاب الخبرة العملية يتفوقون على أصحاب الدراسات النظرية في حل المشكلات العملية. كما يوضح أن الخبرة المكتسبة من الممارسة والتعلم من أهل الخبرة لها دور كبير في النجاح في مختلف المجالات.

تعلم الصناعات المادية والممارسة العملية

لا يمكن تعلم الصناعات الحسية المادية من الكتب، بل تتطلب ممارسة عملية. هذا يشمل صناعات مثل الحدادة والنجارة والبناء، ويشير إلى أن الممارسة العملية ضرورية لتعلم العديد من المهارات والصناعات.

  • 27 جمادى الآخرة 1432هـ - 30/05/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: السابع عشر: تلقي العلم عن الأشياخ. قال: الأصل في الطلب أن يكون بطريق التلقين والتلقي عن الأساتذة والمشافنة للأشياخ والأخذ من أفواه الرجال لا من الصحف وبطون الكتب. والأول من باب أخذ النسيب عن النسيب الناطق وهو المعلم، أما الثاني عن الكتاب فهو جماد، فلا له اتصال النسب. وقد قيل: من دخل في العلم وحده خرج وحده، أي من دخل في طلب العلم بلا شيخ خرج منه بلا علم، إذ العلم صنعة، وكل صنعة تحتاج إلى صانع، فلابد إذن لتعلمها من معلمها الحاذق. وهذا يكاد يكون محل إجماع كلمة من أهل العلم إلا من شذ مثل علي بن رضوان المصري الطبيب المتوفى سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة للهجرة. وقد رد عليه علماء عصره ومن بعدهم. قال الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى في ترجمته له: ولم يكن له شيخ، بل اشتغل بالأخذ عن الكتب، وصنف كتبًا في تحصيل الصناعة من الكتب، وأنه أوفق من المعلمين، وهذا غلط. وقد بسط الصفدي في الوافي ردًا عليه، وعنه الزبيدي في شرح الإحياء عن عدد من العلماء معلين له بعدة علل، منها ما قاله ابن بطلان في الرد عليه. السادسة: يوجد في الكتاب أشياء تصد عن العلم، وهي معدومة عند المعلم، وهي التصحيف العارض من اشتباه الحروف مع عدم اللقب، والغلط بزوغان البصر، وقلة الخبرة بالإعراب، أو فساد الموجود منه، وإصلاح الكتاب، وكتابة ما لا يقرأ، وقراءة ما لا يكتب، ومذهب صاحب الكتاب، وسقم النسخ، ورداءة النقل، وإدماج القارئ مواضع المقاطع، وخلط مبادئ التعليم، وذكر ألفاظ مصطلح عليها في تلك الصناعة، وألفاظ يونانية لم يخرجها الناقل من اللغة كالنوروس. فهذه كلها معوقة عن العلم، وقد استراح المتعلم من تكلفها عند قراءته على المعلم. وإذا كان الأمر على هذه الصورة، فقراءة على العلماء أجدى وأفضل من قراءة الإنسان لنفسه، وهو ما أردنا بيانه. قال الصفدي: ولهذا قال العلماء: لا تأخذ العلم من صحفي ولا من مصحفي، يعني لا تقرأ القرآن على من قرأ من المصحف، ولا الحديث وغيره على من أخذ ذلك من الصحف. هذا المبحث جعله رحمه الله بالإشارة إلى أهمية الحرص على المشايخ بأن تأخذ العلم عنهم، وذلك لأنه كما قال أولًا عبارة عن سند متصل يتصل به الطالب إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فاتصال السند إلى النبي صلى الله عليه وسلم يكون بماذا؟ بالمشايخ، فقد أخذه جيل عن جيل، أي العلم. فعلم أهل السنة والجماعة موروث، وعلم أهل البدعة والضلالة مستحدث. فالعلم موروث يحتاج إلى وارث ومورث، هذا معنى. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي أصله في صحيح مسلم وجاء في السنن من حديث أبي الدرداء: «إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، ولكن ورثوا العلم، فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر». فلذلك لا يستغني طالب العلم عن شيخ يأخذ بيده إلى طريق العلم، وبغير الشيخ يذهب عنه العلم المطلوب. ولو أخذ شيء من الكتب فهي نتف، ليس فيها تعصيل ولا تعين كذلك على شيء من التحصيل، ولا يدرك به العلماء، بل ولا يستطيع أن يجاري الأقران. ولا يخفى ما يقوله العامة: فضلًا عن غيرهم، من كان شيخه كتابه كان خطأه أكثر من صوابه، وهذا صحيح حق. ونبه إلى معنى ذلك في العبارة التي قرأت عن ابن بطلان. وكذلك نبه رحمه الله إلى أن الأخذ من الأفواه، أفواه الرجال لا من الصحف، يتصل به نسب حامل العلم. فالناس لهم أنساب ينتسبون بها إلى آبائهم، وكذلك العلم له نسب. فأنت حين تأخذ عن شيخ، والشيخ أخذه عن شيخه، وشيخه أخذه عن شيخه، وأشياخه وهكذا يتصل نسبك بهذا العلم إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وكذلك في كل فن وعلم إلى أهله. فأخذت اللغة عن هذا الشيخ، وأخذه عن شيخه، وهكذا حتى يتصل إلى أهل التخصص والإتقان لهذا العلم. ومن لم يكن له شيخ، إذن ليس له نسب، ليس له نسب ينقطع بهذا نسبه. وقد حرص بعض أهل العلم على تتبع الأنساب العلمية كما حرص بعض الناس على تتبع كذلك الأنساب الإسمية. فأنت من ابني فلان، ابني فلان، ابني فلان، من قبيلة كذا، من نسب كذا، وسلالة كذا. وكذلك في العلم: أنت تلميذ الشيخ الفلاني، والشيخ الفلاني كان تلميذًا للشيخ كذا، فيتصل نسبك العلمي حتى يصل إلى أهله. وليس المقصود هو الفخر بالأنساب بقدر ما المقصود هو اتصال العلم ومعرفة كذلك أصالته. فكلما كان العلم أصيلًا كان أنفع، وكان كذلك أثمن. حتى الحيوانات: الفرس العربي الأصيل أثمن من الفرس الهجين، والناقة العربية الأصيلة أثمن، وأكثر أصالة، وأحب إلى الناس لما فيها من صفات ينتفع بها الناس من الهجين، لأنها تتحمل العمل الكثير، وتصبر على الحر وغير ذلك من الصفات التي لأجلها صار الناس يتغالون في طلب الأصيل منها. وكذلك يقال في العلم ونسبه: فكلما صفى نسب طالب العلم واتصل بأهله الذين هم أهله وخاصته، كذلك صفت له من الصفات الحسية والمعنوية التي يكون بها انتفاع الناس من علمه، وكذلك انتفاعه قبل ذلك هو من نفسه. هذا معنى عظيم قل أن ينتبه له أحد. ثم هناك معان أخرى نبه عليها وهي قضية الأخطاء التي قد تقع بسبب محاولة الطالب أن يقرأ في الكتاب ويهمل القراءة على الشيخ. فذكر من ذلك ما يحصل من أخطاء، إما تصحيف، يعني تكتب كلمة بشيء من الخطأ بدلًا من أن يكتب دخل يحصل تصحيف فيكتب دخل تتحول اللام إلى را، وهذا كثير. وهكذا غير ذلك من مواضع التصحيف، خصوصًا أن الكتاب قديمًا كانت بغير نقط ولا تشكيل، فيكثر الخطأ عند القارئ إذا لم يقرأه على الشيخ. خصوصًا أسماء الرجال وأسماء البقاع وأسماء الأعيان التي لا يستطيع أن يعرف الإنسان لها ميزان، بخلاف الأفعال ومصادرها ونحوها مما يمكن أن يصل القارئ إلى معرفته بالميزان، ميزان صرفي، ميزان نحوي. لكن هناك أشياء لا ميزان لها، وإنما معرفته واتقانه يكون بالسماع عن المشايخ. فمثل هذا كيف يستطيع أن يضبطه في قراءته من الكتاب؟ ولذلك يتميز من قرأ العلم على المشايخ من غيرهم، حتى في قراءة الكتب. مثل العامي إذا قرأ المصحف، قرأ القرآن يهدهد هد الشعر، كأنه يقرأ جريدة. وربما الطفل الصغير إذا قرأ القرآن، لكنه قد قرأه بما علم من أفواه المشايخ، يجوده ويحسن قراءته أحسن مما يقرأه الكبار. والسبب في هذا هو التلقي والتلقين الذي به استطاع أن يصلح لسانه. وهكذا قل مثل هذا كثير في كتب أهل العلم. ومن ذلك كذلك ما يقع من خطأ كما قال: بزوغان البصر، أحيانًا يكفز الإنسان على سطر أو عبارة. فإذا قرأت على الشيخ نبهك الشيخ. وكما تقدم بعض المشايخ من كثرة القراءة في الكتب حفظها حفظًا، وحفظ أخطاءها. وأذكر بعض مشايخنا ممن كان يقرأ عليه بعض الإخوان والطلاب، كان يحفظ الكتب التي تقرأ عليه بطبعاتها، فينبهك على الخطأ قبل أن تصل إليه. فيعرف أن الطبعة الفلانية لفتح المجيد فيها خطأ، سقط منها سطر أو سطرين، والطبعة الأخرى فيها خطأ في تصحيف في كلمة في الموضع الفلاني، وفي شرح الحديث الفلاني. وهكذا ينبهك، وهو ليس في يده كتاب. ويأتي هذا بطبعة، وهذا بطبعة، وهذا بطبعة، فينبهك تنبيهات، بل ربما تأتي طبعة جديدة، فإذا بدأ الطالب يقرأ فيها يقول له: غيرها، هذه الطبعة لا تصلح، بمجرد ما يعرف من أول القراءة الأخطاء التي فيها، والسقط، وعدم الاعتناء بالتصحيح. يميز فيدلك ويرشدك إلى ما يعينك على إصلاح العلم لنفسك، وسينفعك بعد ذلك لغيرك. أو ربما يقول: هذه الطبعة جيدة، من أين اشتريتها؟ وينظر فيها ويقلبها، إذا كانت جديدة لم يطلع عليها من قبل. بمجرد قراءة يسيرة استطاع أن يميز ذلك. والسبب أنه قد مر عليه طبعات، عرف أن هذا الموضع أخطأت فيها، وكون هذه الطبعة أصلحت الخطأ يدل ذلك على حسنها بالنسبة لغيرها. مثل الخبير بالصنعة إذا رأى الدرهم المغشوش عرفه بمجرد لمسه أو النظر إليه قبل أن يلمسه. وهكذا كذلك الخبير بالبهائم بحركات يسيرة ونظرات قليلة يستطيع أن يميز ما ينفع مما لا ينفع. وهكذا أرباب الصناعات. هذا صاحب الكهرباء في زماننا المعاصر، وهذا صاحب الهندسة، والخبير بالسيارات، بسماع الصوت أو بالرؤية يستطيع أن يميز ما ينفع مما لا ينفع. وربما يأتي آخر فيقرأ كثيرًا لا يستطيع أن يصل إلى النتيجة التي يصل إليها من مارس العلم وأخذه عن أهله. وكثيرًا ما يفشل أصحاب الدراسات النظرية أمام أصحاب الدراسات العملية، لأن أولئك مشايخهم الكتب، وهؤلاء مشايخهم أهل الخبرة الذين هم أهل هذه الكتب، وهم صناع الكتب، وهم مشايخ الكتب. فالكتب ما هي إلا من ثمرات أيديهم، ومن حاصل خبراتهم. وهذا له في واقع الناس وحياتهم نظائر كثيرة. ومما يذكر في هذا المقام وهو مناسب من باب الطرفة: بعض إخواننا، وهذا إذا كان في العلم كما يقال المادي، فكذلك من باب أولى في العلم الشرعي والأمور المعنوية، فهو أعظم. بعض إخواننا عنده خبرة بهندسة المحركات، وكان بالقرب من بلدته شركة من شركات النفط، وعنده من المهندسين أكثر من خمسة، وكل واحد يستلم شهريًا أكثر من ثلاثة آلاف دولار أو أربعة آلاف دولار. فأشكل عليهم شيء في أحد تلك المحركات، ما استطاع أحد منهم من أولئك المهندسين الأجانب أن يصلحه. وهذا الأخ شغال في ورشته، مشهور في بلدته، يأتي الناس إليه من أماكن كثيرة، ويصلح لهم محركاتهم. فذهب بعض عمال تلك الشركة إلى المسؤول وقال له: يوجد عندنا رجل سيصلح لكم هذا. قال: مستحيل، عندنا خمسة خبراء ما استطاعوا. فقال: جربه. قال: ائت به. فأتى به، فأصلحه في أقل من ساعتين. فماذا صنع هذا الرجل؟ المسؤول هو كافر، فصل أولئك الخمسة وردهم إلى بلادهم، وطلب من هذا الأخ أن يعمل معهم في الشركة، وهو ليس عنده شهادة، أولئك عندهم شهادات كبيرة استحقوا بها رواتب عالية. فأراد أن يشغله معه بضعف راتب الواحد منهم، فأبى الأخ. قال: أنا أحب ورشتي. فقال له: إذا نعطيك مثل راتب واحد منهم، ولكن متى ما طلبناك إذا أشكل علينا شيء تأتي. فوافق. وهو ليس ممن درس في المدارس، ولا كذلك تتلمذ على الكتب، لكن تتلمذ على أهل الخبرة. فاستطاع أن يحل إشكالًا في جهاز حديث لم يكن وقف عليه من قبل، لكنه بخبرته عرف أصول هذا العلم، وبمعرفته لأصول هذا العلم استطاع أن يحل الإشكال، ولو كان الجهاز مر عليه أول مرة. وهكذا كذلك يقال، وهو أشد وأعسر وأعظم في باب العلوم الشرعية وعلوم الآلة وغيرها من المسائل المعنوية والحسية. فكل كما ذكر رحمه الله: كل صاحب خبرة من الصناع إنما أخذ خبرته من شيخه. ولا يوجد صاحب صنعة من الصنعات الحسية المادية يأخذها من الكتب، لا حداد، ولا كذلك نجار، ولا بناء. نكتفي بهذا القدر إلى هنا. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.