حلية طالب العلم  10

حلية طالب العلم 10

الدرس في حلية طالب العلم 10، الدرس العاشر:من( 6-القناعة والزهادة ... ولكني لا أوثر الدنيا على الآخرة ولا أبذل العلم لنيل المآرب الدنيوية فرحمه الله تعالى رحمة واسعة آمين ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مفهوم الزهد والقناعة في طلب العلم

يشرح الشيخ أهمية الزهد والقناعة لطلبة العلم، ويوضح أن الزهد يكون في الابتعاد عن الحرام والمشتبهات. يستشهد بأقوال الإمام الشافعي ومحمد بن الحسن الشيباني لتوضيح معنى الزهد.

تطبيق معاني الزهد في الحياة اليومية

يشرح الشيخ أن الزهد لا يعني التضييق على النفس بل التوكل على الله والاكتفاء بالرزق الحلال مع اجتناب الشبهات والمحرمات. على المسلم أن يصبر ويتأسى برسول الله وصحابته في أوقات الشدة.

تحقيق الزهد في الإسلام والإنفاق الرشيد

يؤكد الشيخ أن الزهد يعني القناعة بما أعطاه الله وعدم التطلع لما عند الآخرين، مع عدم الإسراف وعدم حرمان النفس من الطيبات. كما يحذر النبي صلى الله عليه وسلم النساء من تضييع الأمانة في الإنفاق.

  • 27 جمادى الآخرة 1432هـ - 30/05/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فتتمة لما سبق من دروسنا التي نتذاكر فيها كتاب «حلية طالب العلم»، وهو كتاب على صغر حجمه قد حوى آدابًا وحِلا لا يستغني عنها المنتهي، ومن باب أولى أن المبتدي يفتقر إليها افتقارًا عظيمًا. وما أحوجنا، معشر طلبة العلم وطالباته، أن نتذاكر في مثل هذه الآداب التي تكون سببًا لإصلاح سيرنا في العلم والعمل، فيثمر ذلك طلبة وطالبات علم جمعوا بين العلم والعمل والخلق والأدب، فينفع الله عز وجل بهم في أنفسهم وأهاليهم ومجتمعاتهم. وكان آخر ما أخذناه هو الفصل الخامس من الآداب في خفض الجناح ونبذ الخيلاء والكبرياء. واليوم، إن شاء الله، نشرع في الفصل السادس في القناعة والزهادة. قال رحمه الله تعالى: «سادسًا: القناعة والزهادة». قال: «التحلي بالقناعة والزهادة، وحقيقة الزهد: الزهد في الحرام والابتعاد عن حماه، بالكف عن المشتبهات، وعن التطلع إلى ما في أيدي الناس». ويؤثر عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى أنه قال: «لو أوصاني إنسان لأعقل الناس لصرفت إلى الزهاد». وعن محمد بن الحسن الشيباني رحمه الله تعالى: «لما قيل له: ألا تصنف كتابًا في الزهد؟ قال: قد صنفت كتابًا في البيوع». يعني: «الزاهد من يتحرز عن الشبهات والمكروهات في التجارات، وكذلك في سائر المعاملات والشرف». وعليه، فليكن معتدلًا في معاشه، بما لا يشينه، بحيث يصون نفسه ومن يعول، ولا يرد مواطن الذلة والهون. وقد كان شيخنا محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى، المتوفى في سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة وألف للهجرة، رحمه الله تعالى، متقللًا من الدنيا. وقد شاهدته لا يعرف فئات العملة الورقية. وقد شافهني بقوله: «لقد جئت من البلاد شنقيط ومعي كنز قل أن يوجد عند أحد، وهو القناعة. ولو أردت المناصب لعرفت الطريق إليها، ولكني آثرت الدنيا على الآخرة، ولا أبذل العلم لين المآرب الدنيوية». فرحمه الله تعالى لرحمة واسعة، آمين. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الفصل في ذكر أدب آخر من الآداب التي ينبغي أن يتخلق بها ويحرص عليها طالب العلم. وكما تقدم معنا أن هذه الآداب منها ما يكون مكتسبًا، ومنها ما يفضّل الله عز وجل به الناس. وسواء كان هذا أو ذاك، فعلى المسلم، وطالب العلم وطالبة العلم على وجه الخصوص، أن يحرص الجميع على تكميل هذه النفس بتتبع الأخلاق الجميلة واجتناب الأخلاق القبيحة. ومن قبيح الأخلاق الطمع في الدنيا والطمع في أيدي الناس. والمقصود بالقناعة والزهادة هو كما بيّنه رحمه الله بقوله: «الزهد في الحرام والابتعاد عن حماه، بالكف عن المشتبهات». ومعناه أن القانع والزاهد هو الذي يقف عند حدود الله فلا يتعداها، فيجتنب المشتبهات فضلًا عن المحرمات. كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث النعمان بن بشير أنه قال: «الحلال بيّن والحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى». وفي حديث سهل بن سعد، وجاء معناه عن غيره، أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم: «دلني على العمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس». فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس». ومعنى ذلك أن المرء إذا أراد حب الله فليزهد في الدنيا. ويتناول معنى الزهد في الدنيا ثلاثة أشياء: الأمر الأول، أو الشيء الأول، أن يجتنب الحرام. فإن الدنيا إذا كانت توقعك في الحرام فهي من الدنيا المحرمة، وهي مما تضرك. وما أكثر ما يتوسع الناس في باب الدنيا مما يفضي بهم إلى الوقوع في الحرام، فيتساهلون في ذلك طلبًا للدنيا. ربما بعضهم يدفعه إلى ذلك ضعف توكله على ربه وقلة يقينه بخالقه، فيظن أنه لن يستطيع لمعيشته ومعيشة أهله إلا بذلك. وليس الأمر كذلك، بل الله عز وجل قد تكفل لعباده المتقين بأن يرزقهم ويمدهم من عظيم فضله وواسع عطائه ما يغنيهم به عن من سواه. كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾. فبدلًا من أن تلتفت إلى المخلوقين وهم ضعفاء فقراء، فالتفت إلى الله عز وجل القوي العظيم الغني الذي غناه متأصل بذاته سبحانه وتعالى، له الغنى المطلق جل وعلا. وهو إذا شاء قال للشيء: «كن فيكون». فتوجه إلى الله عز وجل يغنيك الله عز وجل من واسع فضله وعطائه. ولو ابتلي المسلم، طالب العلم على وجه الخصوص، بشيء من شدة العيش، فليصبر وليتأسى بمن سبقه. فقد مرت بهم حياة شديدة، ففرج الله عز وجل عنهم، فكانت أيامًا معدودات ذاقوا فيها حلاوة الصبر وحلاوة الثبات على الحق، ثم كان ما كان مما فتح الله عز وجل عليهم. ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم أسوة حسنة. وقد مرت معنا في دروس سابقة كيف كانت حياتهم قائمة على خفة العيش والصبر على شدتها. كما قالت عائشة: «إن كان يمر الهلال والهلال والهلال، وما يوقد في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نار». حتى سئلت فقيل لها: «ما كان طعامكم يومئذ؟» قالت: «الأسودان: التمر والماء». واليوم، بفضل الله، أكثر المسلمين، ومن باب أولى طلبة العلم، ليس أكثر طعامهم التمر والماء، بل بحمد الله يتيسر لهم ما هو أكثر من التمر والماء، مما يسلي المسلم لو تلي بشيء من الشدة أن يصبر وأن لا يصل إلى توسعة الدنيا ودفع المشقة والشدة بالحرام. بل عليه أن يصبر ويحتسب، والله عز وجل لن يضيعه. والأمر الثاني كذلك أن يكون ذلك، أي طلب الدنيا، على حساب التخلف عن الواجبات، فيتخلف الإنسان عن بعض الواجبات، فيوقعه ذلك في المحظور الشرعي. فهذا من الدنيا المحرمة التي لا يجوز للإنسان أن يطلبها والحال هذه. بل عليه أن يطلبها بالحلال. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الروح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، فيا عباد الله أجملوا في الطلب، فإن ما عند الله لا ينال بالحرام». ومعنى «أجملوا في الطلب»: أي أطلبوا ما تحتاجون من الدنيا بطريق الحلال لا بغيره. فإن ما عند الله، أي من رزقه وفضله وخيره الديني والدنيوي، لا يتوصل إليه بالحرام. والأمر الثالث مما يدخل في معنى الزهد في الدنيا كذلك موضع آخر، هو ما أشار إليه هنا، وهو اجتناب المشتبهات. تمر بالإنسان في دنيا المعاملات وهكذا، كذلك أسباب للرزق ومواضع نفع في الدنيا، لكن قد لا يتوصل إليها إلا بأمور مشتبهة. فإذا كان الأمر كذلك، فعليه أن يجتنب هذه الأمور المشتبهة. كما أشار إليه المؤلف رحمه الله، وكما جاء في الحديث المتقدم: «فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن تساهل في وقوعه في الشبهات -مفهومه- لم يستبرئ لدينه وعرضه». فالمتساهل في الشبهات يكون ذلك علامة على رقة دينه، وعلى كذلك تطاول الناس على عرضه. وهذا هو الواقع، فلذلك كان ينبغي على الإنسان أن يجتنب هذه الأمور المشتبهة. وهذه أمور ثلاثة يدخل فيها معنى الزهد في الدنيا. وهناك معنى آخر للزهد في الدنيا هو من باب الفضل، وهو التوسع في المباحات لا يفضي إلى الإسراف. أما إذا أفضى إلى الإسراف فهو من المحرم، الإسراف والتبذير من الحرام. لكن إذا كان ليس على وجه الإسراف والتبذير، فالتوسع في ذلك مما ينافي الكمال. يعني أن الأفضل والأكمل بالإنسان أن لا ينشغل بالتوسع في الدنيا، لأن الدنيا قصيرة، وما فيها من الانشغال بما ينفع الإنسان في آخرته أولى بالانشغال من التوسع في الدنيا. مثلًا، طالب العلم على وجه الخصوص، وإن كان هذا ينبغي أن يكون عليه كل مسلم، لكن الكلام الآن على آداب طالب العلم. فطالب العلم على وجه الخصوص عنده من شواغل الآخرة من الانشغال بالعلم النافع والحرص على العمل به ما يشغله أن يتوسع في المباحات. فمثلًا، إن يسر الله له بيتًا فلا حاجة أن يستكثر ببيوت أخرى، إن يسر الله له بمركوب فلا حاجة له أن يتوسع بمركوبات أخرى، وكذلك في غيرها من الأشياء، فيأخذ من الدنيا بقدر حاجته وما يعينه على آخرته، ولا ينشغل بالتوسع فيها بما يكون صارفًا له عما ينبغي أن ينشغل فيه. وهذا من الزهد الذي يطلب لطلب الكمال. والأول ما يطلب للوصول إلى الواجب وحذر الحرام، فما كان كذلك فهو من مواضع المستحبات في هذا الباب. وليس منه أن يمنع الإنسان نفسه، كون المسلم فتح الله عز وجل عليه فيستطيع أن يستعين ببعض نعم الله في حاجته الدينية والدنيوية، ليس هذا مما ينافي الزهد. مثلًا، وسع الله عز وجل عليه فأحب أن يأكل من الطعام الطيب، لا يحرم نفسه من ذلك. فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده. يستطيع أن يلبس ويركب المركب الطيب الذي يعينه على سيره إلى الله سبحانه وتعالى. مثلًا، يستطيع أن يشتري سيارة طيبة، وسع الله عز وجل عليه في الدنيا بطريق الحلال لا بالحرام. فيستطيع أن يصل به إلى ما يحتاجه من طلب العلم: شراء الكتب، الوصول إلى المشايخ، سماع الأشرطة، حضور مجالس العلم، متابعة الجديد في العلم. كل هذا لا يتوصل إليه إلا باستعمال بعض المال الذي يسر الله له. ولو كان هذا المال يطلبه باقتطاع شيء من وقته. وعلى هذا يحمل كذلك ما روي في هذا الباب من اكتساب بعض الناس وطلبهم للتكسب والتعيش وأخذ الأسباب في ذلك، لأجل أن يكتفوا بالحلال عن الحرام، ولأجل أن يستعينوا به في طريقهم إلى الله. وكما يروى عن بعضهم أنه لولا تكسبهم لتبندل بهم -يعني السلاطين ونحوهم- بإلجائهم إلى الطلب منهم والتزلف أو نحو ذلك. فالمسلم يكتفي بالحلال عن الحرام، ويستغني به عما سواه. وأما المعنى الثاني من الزهد، فهو ما يتعلق بالزهد فيما في أيدي الناس، أي يزهد فيما في أيدي الناس مما أعطاهم الله ويسر الله عز وجل لهم. لا ينبغي أن يكون عنده شيء من الحسد والطمع وغير ذلك من الأخلاق الذميمة، أو حتى التزلف والمداهنة والتقرب على حساب الدين بما يكون منقصة في حقه. بل ينبغي أن يقنع بما آتاه الله. قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال -كما في صحيح مسلم- من حديث عبد الله بن عمر: «قد أفلح من أسلم ورزق كفافًا، وقنعه الله بما آتاه». فهذا خلق عظيم أن يقنع الله المسلم، وطالب العلم على وجه الخصوص، بما آتاه. فليست الدنيا عن كثرة العرب كما زعم النبي عليه الصلاة والسلام، ولكن الغنى غنى النفس. فمتى ما كانت النفس غنية بما عند الله، قانعة بما آتاه الله، كان ذلك سببًا لاستقامة الإنسان وكماله. ومتى ما كان مستشرفًا لما في أيدي الناس، فإنه عند ذلك يحصل له من الأخلاق الذميمة من الحسد، وكذلك الغيرة، وربما كذلك المداهنة والتزلف والتساهل عن بعض ما أمر به في دين الله للوصول إلى ما في أيدي الناس. وكل هذه أخلاق ذميمة، سببها ومنبعها هو التطلع إلى ما في أيدي الناس. ولهذا كان العلماء يوصي بعضهم بعضًا أن يتشاغلوا بما هم عليه من الخير عما عليه الناس. ومن باب أولى أن ينشغلوا عن الدنيا التي ينشغل فيها الناس. ثم ضرب مثالًا لشيخه الشيخ محمد أمين الشنقيطي. وهذا حال بعض العلماء حين ينشغلون بالعلم ويجدون من يقوم بحوائجهم من أبنائهم أو غيرهم، فإنهم ربما يحصل لهم مثل هذا التغافل عن الدنيا حتى يصل الأمر إلى ما سمعنا، فلم يكن يميز بين العملات الورقية. قال بعض مشايخنا: «لشيئين: لأنه لم يكن من أهل تلك البلاد -أي بلاد الحرمين الشريفين- ولكنه جاء من شنقيط، فالعملة الورقية غريبة عليه. ثانيًا: كان منشغلًا شغلًا عظيمًا بالعلم، وعنده من يقوم بأموره». فلذلك كان يخطئ وكان لا يميز ولا يعرف الفئات الورقية. وهذا ممدوح في مواضع، وغير ممدوح في مواضع أخرى. فالموضع الممدوح هو هذا، حين يكون قد أدى الحقوق الأخرى. وأما أن يكون ذلك على حساب أن يكون أهله ومن تحت يده على غير صلاح، ويتكففون الناس، فهذا خطأ. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «كفر المرأة إثمًا أن تضيع من يعول أو تضيع من يقوت» -روايتين كلاهما معناها صحيح- صحت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فالواجب على المسلم أن يكون في هذا الباب وسطًا، زاهدًا مع ثباته على الحقوق: ما له وما عليه. نسأل الله عز وجل أن يرزقنا القناعة والزه، في الدنيا وفيما في أيدي الناس، وأن يعيننا على العلم النافع والعمل الصالح. وإلى هنا، والله تعالى أعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم، وجزاكم الله خيرًا.