حلية طالب العلم  11

حلية طالب العلم 11

الدرس في حلية طالب العلم 11، الدرس الحادي عشر:من( 7-التحلي برونق العلم ... وكثرة المزاح الضحك يضع من القدر ويزيل المروءة.اهـ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

التحلي برونق العلم وأهميته لطالب العلم

يتحدث عن أهمية التحلي برونق العلم لطالب العلم، ويشمل ذلك حسن السمت والهدي الصالح. يتحقق ذلك بثلاثة أمور: العلم، حسن السريرة، وقوة العزيمة.

آداب طالب العلم وسمته في التعامل

ينبغي لطالب العلم أن يتحلى بالتواضع دون تكلف أو تبذل، وأن يتجمل دون فخر أو تفاخر. يجب عليه الحرص على الخشوع ولزوم المحجة والتحلي برونق العلم.

ضوابط المزاح وآداب المجالس لطالب العلم

يناقش أهمية تحلي طالب العلم بالجدية وتجنب اللعب والعبث. يشير إلى ضوابط المزاح المقبول وآداب المجالس، محذرًا من المبالغة في المزاح والضحك.

ختام الدرس والإشارة إلى ما يليه

تم اختتام الدرس مع الإشارة إلى درس لاحق، والتوكل على الله تعالى. يشير إلى استمرارية العلم والتعلم.

  • 27 جمادى الآخرة 1432هـ - 30/05/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فمتابعة لما سبق من درسنا السابق، وفي كتاب «حلية طالب العلم»، وكان آخر ما وقفنا عليه ما ذكره المؤلف -رحمه الله- من خلق القناعة والزهادة من الأخلاق التي ينبغي أن يتحلى بها طالب العلم، فهي من الآداب التي يجب أن يراعيها طالب العلم في نفسه. ثم قال -رحمه الله تعالى-: «السابع: التحلي برونق العلم». قال -رحمه الله تعالى-: «التحلي برونق العلم، حسن السمت والهدي الصالح، من دوام السكينة والوقار والخشوع والتواضع، ولزوم المحجة بعمارة الظاهر والباطن، والتخلي عن نواقضها». وعن ابن سيرين -رحمه الله تعالى- قال: «كانوا يتعلمون الهدي كما يتعلمون العلم». وعن رجاء بن حيوة -رحمه الله تعالى- أنه قال لرجل: «حدثنا ولا تحدثنا عن متماوت ولا طعان». قال: «رواهم الخطيب في الجامع». وقال: «يجب على طالب الحديث أن يتجنب اللعب والعبث والتبدل في المجالس بالسخف والضحك والقهقهة، وكثرة التنادر وإدمان المزاح والإكثار منه، فإنما يستجاز من المزاح بيسيره ونادره وطريفه، والذي لا يخرج عن حد الأدب وطريقة العلم. فأما متأصله وفاحشه وسخيفه وما أوغر منه الصدور وجلب الشر فإنه مذموم». وكثرة المزاح والضحك يضع من القدر، ويزيل المرؤة. وقد قيل: «من أكثر من شيء عرف به». فتجنب هاتيك السقطات في مجالستك ومحادثتك. وبعض من يجهل يظن أن التبسط في هذا أريحية. وعن الأحنف بن قيس قال: «جنبوا مجالسنا ذكر النساء والطعام، إني أبغض الرجل يكون وصافًا لفرجه وبطنه». قالوا: في كتاب «المحدث الملهم»: أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في القضاء، أنه قال: «ومن تزين بما ليس فيه شانه الله». قال: «وانظر شرحه لابن القيم -رحمه الله تعالى-». جعل -رحمه الله تعالى- هذا الأدب السابع من الآداب التي ينبغي أن يحرص عليها طالب العلم، بل يجب أن يتتبعها ويراعيها التحلي برونق العلم. ومعناه أن يحرص أن يكون للعلم على ظاهره وباطنه أثر، دون إفراط ولا تفريط. فالتحلي مأخوذ من معنى الحلية، وهو ما يعلق على العنق أو غيره. والمراد ها هنا الاتصاف بصفة حملة العلم، يعني أن الإنسان يراعي كونه طالب العلم، أنه في صف طلبة العلم، فضلًا أن يكون من أهل العلم ودعاته. فلذلك ينبغي عليه أن يضبط نفسه في قوله وفي فعله، وفي كل حركاته وصفاته في الظاهر، وكذلك بواعث أعماله في الباطن. وهذا لا يتوصل إليه إلا بثلاثة أمور: الأمر الأول العلم، لأنه بالعلم يستطيع أن يصل إلى هذا الرونق وهذه الحلل التي ينبغي أن يتحلى بها. وبغير العلم يتخبط، ويكون مقلدًا لغيره، كالقرد، القرد إذا رأى حركة أو فعلًا قلدها، خيرًا كانت أو شرًا. والطفل الصغير الذي لا يعقل. وأما من أعطاه الله عز وجل علمًا وعقلًا، فإنه بعلمه وبعقله وفطرته يتوصل إلى ما ينبغي الحرص عليه. والأمر الثاني حسن السريرة، فمتى ما حسنت سريرة المسلم عمومًا، وطالب العلم على وجه الخصوص، أعانه ذلك على العمل بالعلم والتحلي بآدابه. والأمر الثالث قوة العزيمة. قد يكون الإنسان عنده علم، وعنده كذلك سريرة طيبة، لكن عزيمته ضعيفة. والعزيمة والعزيمة تقترن كثيرًا بالصدق، فإذا قلت عزيمته قل صدقه، وكان ذلك من مظاهر قلة الصدق، كان ذلك سببًا في إيجاد الخلل في تلك الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها. وذكر مجموعة من الآداب، وليست هي حصرًا، ولكنها إشارة إلى غيرها من الآداب الكثيرة التي ينبغي أن يحرص عليها المسلم، وطالب العلم على وجه الخصوص، من تحلية الظاهر والباطن. فقال -رحمه الله-: «التحلي برونق العلم، حسن السمت والهدي الصالح، من دوام السكينة والوقار والخشوع والتواضع، ولزوم المحجة بعمارة الظاهر والباطن، والتخلي عن نواقضها». فسر هذا التحلي برونق العلم حسن السمت. ومعنى حسن السمت، أي أن يكون عند طالب العلم سكون مع عدم وقوف عن الحق. فحسن السمت هو هدوء الحليم ورفق العالم، فلا يطيش كما يطيش المبتدئ، ولا كذلك تنتابه السرعة كما ينتاب العامي. فليس كل فعل لو رُدَّ فعل، لا، بل عنده من حسن السمت والهدي ما يجعله يحسن التصرف، فهو يتناول الضبط عند الغضب، والحكمة في معاملة الآخرين، الكبير والصغير والسفيه وغير ذلك. وهذا كما يستفاد من العلم وقراءة ما كتب أهل العلم في ذلك، كذلك يستفاد من مخالطة أهله. ولهذا كان العلماء يخالطون لأجل أخذ العلم منهم، وكذلك أخذ الهدي والسمت. والمراد بالهدي والسمت هو الاتزان وحسن التصرف في المواقف. فأنت تستفيد من أهل العلم كيف يتصرفون في مواقفهم، مع الصغير مع الكبير، في حال الفرح في حال الحزن، في حال تطاول السفيه وهكذا، كذلك في الشدائد والبلاء وغير ذلك. وهكذا قوله: «الهدي الصالح»، الهدي الصالح مأخوذ من الطريقة، يعني طريقة طالب العلم وحامل العلم، هي طريقة الصالحين، من الحرص على إصلاح ما بينه وبين خالقه، وهكذا كذلك ما بينه وبين الخلق. وهذا يكون بميزان العلم وأسوة العلماء ممن سبقه، فيكتسب خلقًا جميلًا وسطًا، بين المتماوتين الذين تذهب هيبتهم وشخصيتهم، وكذلك الجفاة الذين يحرمون الحلم والعلم. فكانت طريقة أهل العلم سلوك الوسط في هذا الباب. ثم فسر ذلك، قال: يعني حسن السمت والهدي الصالح، قال: «من دوام السكينة والوقار والخشوع والتواضع ولزوم المحجة». والسكينة كما سبق، والوقار كذلك. فالسكينة في الحركات، والوقار في الهيئات. يعني طالب العلم وحامل العلم، كما يعتني بأخلاقه، كذلك ينبغي أن يعتني بمظهره، بدون إفراط ولا تفريط. تواضع بغير تبدل، وتجمل بغير تكلف ولا فخر، هذا هو الوسط. تواضع بغير تبدل، وتجمل بغير تكلف ولا فخر، يعني إذا كان لا يوجد التكلف، فمن باب أولى أن لا يوجد الفخر. وهكذا كذلك يدخل في معنى الوقار أن يترك أسباب النقص. والنقص يكون بمعنيين: بمعنى إهمال النفس، فليس من أدب طالب العلم وحسن رونقه أن يكون متبذلًا، يلبس الثياب الرثة، وكذلك الثياب الوسخة، أو كذلك الثياب التي لا يكون فيها تطابق متناسق. فالمهم ما يدعو للنفرة، هذا يجتنبه طالب العلم، ليس من الأدب مع العلم. هذا العلم يدعوك أن تظهر أثر نعمة الله عليك. كذلك لا يعني ذلك أن تبالغ في هذا الباب على حساب العلم، تجلس أمام المرآة طول الوقت، وخصوصًا النساء، ربما تتكلف بعض النساء فتتزين وتتحسن كأنها ستقف أمام زوجها، وهي تذهب إلى مجلس العلم. هذا التكلف نهينا عنه، بل بعضه ربما يوقع في أشياء أخرى. لكن المقصود في هذا الباب الوسط، كما تقدم: تواضع في غير تبذل، وتجمل في غير تكلف ولا تفاخر. ثم قال: «والخشوع والتواضع» كذلك من حسن السمت والهدي، أن يكون خاشعًا. والخشوع يتناول خلق العبد مع خالقه سبحانه وتعالى، وكذلك تعليم نفسه وغيره حسن التعبد لله عز وجل. ثم قال -رحمه الله تعالى-: «ولزوم المحجة» كذلك، كما يسلك الخشوع فيما بينه وبين خالقه، فلا يزال ينظر إلى نقصه وتقصيره، وعظمة خالقه جل وعلا، وعظيم منته عليه، فهو محسن، ولا يزال يحرص على الزيادة بالإحسان، ويخشى أن لا يقبل منه ذلك. وكذلك بالنسبة مع الخلق بالتواضع ولين الجانب. وهذا من آداب طالب العلم، ومن أثر العلم على صاحبه، وهو التحلي برونق العلم. قال: «ولزوم المحجة». ومعنى المحجة، أي الطريق، يعني لزوم الطريق والهدي الذي ينبغي أن يكون عليه طالب العلم. فالفطرة، فضلًا عن العلم، تدل طالب العلم إلى الآداب العالية والمواقف، وكذلك التصرفات الراقية التي ينبغي أن يتصرفها طالب العلم. فمثلًا هناك أشياء قولية، كما قال الله عز وجل: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. فمثلًا إذا أردت أن تنادي من أمامك، تناديه بكنيته أحسن من اسمه، هذا من «القول التي هي أحسن». فإن كان هناك حسن وأحسن، فتختار الأحسن. كذلك إذا مددت شيء، فإن كان هناك أحسن، فإن كان هناك أحسن تمده بواسطة يمكنك أن تقوم وتمد به وتعطيه مباشرة منك إليه، هذا أحسن. وكذلك تعطيه وأنت ملتفت إليه ومبتسم، ولو كنت مشغي، ليس مثل أن تعطيه وأنت منكس رأسك في كتابك، ولو كنت منشغلًا بالعلم. فلزوم المحجة معناه لزوم الطريق السوي والهدي الكامل الذي ينبغي أن يكون عليه طالب العلم. ثم قال: «بعمارة الظاهر والباطن والتخلي عن نواقضها». وهذا خلاصة الأمر، أن يعمر الظاهر بما هو كمال من قول وفعل ومظهر، دون إفراط ولا تفريط، والتخلي عن النواقض كذلك، يعني ما ينقض ما ينقض ذلك الظاهر والباطن. فالباطن يعمر بالنيات الحسنة الصالحة، ومحاربة الأخلاق الذميمة والنيات السيئة. والظاهر بما سمعناه. ثم ذكر بعض الآثار التي تشير إلى هذه الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها طالب العلم. قالوا: عن ابن سيرين -رحمه الله-: «كانوا يتعلمون الهدي كما يتعلمون العلم». يعني كان العلماء والسلف الصالح وأتباعهم يحرصون على تعلم الهدي كما يحرصون على تعلم العلم. ومرة معنا في دروس سابقة أن العلماء كان الناس يحضرون مجالسهم لأخذ العلم ولأخذ الهدي. ومن يأتي ويأخذ الهدي أضعاف من يأتي ويأخذ العلم، كما يذكر عن مجلس الإمام أحمد -رحمه الله- كيف كان يحضر له الكثير، والأضعاف الكثيرة تحضر لأخذ الهدي. وبعضهم يأخذ العلم، فهم يحرصون على أخذ الهدي كما يحرصون على أخذ العلم. وتقدم معنا أن الهدي هو وضع الشيء في موضعه من الكمال الذي ينبغي أن يكون عليه حملة العلم. ثم قالوا: عن رجاء بن حيوة -رحمه الله- أنه قال لرجل: «حدثنا ولا تحدثنا عن متماوت ولا طعان». والمراد يعني جنبنا أن نأخذ العلم عن من لا يعمل به، وممن لا يعمل بالعلم. المتماوت وهو كما قلنا المعنى الآخر الذي ينافي العلم والعمل به، وهو المتبذل. وهذا التماوت هو التكلف في التواضع، ويكون ذلك بأحد سببين: إما بسبب الجهل والبدعة، وقد يكون كذلك بسبب سوء النية، فيظهر الإنسان التعالي بإظهار التواضع والتكلف فيه. وكلا الأمرين مذموم. فمن الناس من يقع مثلًا في بدعة التصوف، ويقلدهم بعض الناس جهلًا، فيكون تماوتهم منافيًا للعلم. وآخرون يظنون أن التواضع يرفعهم، ولكن ليس التواضع الذي عليه العلماء، وإنما التكلف في إظهار التواضع. كما قيل: «كفى بالمرء ثناءً على نفسه أن يدمها ليظهر رفعته على غيرها». يعني بعض الناس ربما يكثر من ذم نفسه والمبالغة في ذلك، تظهر أنه سلك مسلكًا فيه منافاة للتواضع. لكن المطلوب الوسط. والتماوت يكون بالكلام، ويكون بالفعل، ويكون كذلك بالهيئة، وفي التصرفات وفي المواقف، في كل شيء. فلا يكن طالب العلم وحامله متماوتًا، بل يحزم حزم العلماء، ولكن بحلم وسكينة ووقار. وكذلك الطرف الآخر: أهل الجفاء والغلو، الطعان. فهذه علامة من علامات أهل الجفاء، من كان من خلقه كثرة الطعن، وسوء الظن بالناس، ما يرتضي أحدًا، ولا يغفر لأحد، ولا يحسن الظن بأحد. فهذه علامة من علامات الانحراف عن التحلي برونق العلم. هذا مقصوده -رحمه الله- من إيراد هذا الأثر، ويتضمن معاني كثيرة، لكن هذا على وجه الاختصار في مثل هذا المقام. ثم قال: «رواهم الخطيب في الجامع». وقال: «يجب على طالب العلم» يعني هذان الأثران رواهما الخطيب في كتاب «الجامع»، وهو من أنفس الكتب التي تتعلق بآداب الراوي والسامع، التي ينبغي أن يتأدب بها طلبة العلم وحملة العلم. ثم قال: أي الخطيب: «يجب على طالب الحديث أن يتجنب اللعب والعبث والتبدل في المجالس بالسخف والضحك والقهقهة، وكثرة التنادر وإدمان المزاح والإكثار منه». وكل هذا مما ينافي كمال طالب العلم، أن يتجنب اللعب والعبث، ليس معناه اللعب المباح الذي قد يفعل أحيانًا، لكن المداوم عليه حتى يصير خلقًا للإنسان. بعض الناس ربما يعبث بالقلم، أو بعضهم يتخذ مسبحة. واتخاذ المسبحة لا شك أن الأولى والأكمل على القول الصحيح من أقوال أهل العلم تركها، لم يكن من هدي السلف، بل ولم يثبت على الصحيح حتى عن أحد من الصحابة، فضلًا أن ينسب لسنة النبي -صلى الله عليه وسلم-. بل كان النبي -عليه الصلاة والسلام- يعبد التسبيح بيمينه. وعلى قول من قال من أهل العلم أنها تشرع، فليس المقصود منها أن يلعب بها كما يفعل بعض الناس اليوم، ممن ينتسب للعلم، معه مسبحة ويبدأ يحركها بهذه الصبع وهذه الصبع وهكذا. فهذا العبث واللعب ينافي سكون وسمت أهل العلم. وهكذا التبذل في المجالس. ومر معنا أن التبذل سواء بالكلام أو كذلك بالهيئة أو بالتصرفات. فمن التبذل بالكلام ذكر الكلام الفاحش، ومنه ما سيأتي من ذكر أمور النساء ونحو ذلك. أو كذلك الدخول في تفاصيل الطعام حتى يظهر للمجالسين أن هذا الرجل ممن شغله بطنه، شغلته بطنه حتى صار حديثه في مجالسه عن الطعام. ربما بعض الناس إذا جلس يسأل عن المطاعم وأحسن المطاعم وتفاصيل الطعام. بل أعظم من ذلك قبحًا ودناءة أن تذكر النساء، أن تذكر النساء في مجالس الرجال بطبخهن ونحو ذلك، إذا كان الإفراط. وكذلك ذكر مثل هذا المعنى ينافي الكمال في هذا الباب، فكيف بالتوسع إلى هذا الحد؟ وهكذا كذلك التبدل في الهيئة، كما تقدم: يطلب التواضع فيبالغ بلبسه الرث والمتسخ والشاذ مما يكون فيه سبب للنفرة. وكل ذلك منافي لكمال طالب العلم. وهكذا قال: «وبالسخف». السخف يعني قولًا وفعلًا، الشيء السخيف هو مأخوذ من الشيء الحقير، فصار يطلق على ما يستقبح ذكره قولًا وفعلًا. فينبغي أن يجتنب الإنسان، فلا يكون الإنسان يعني إذا كان العاقل لا ينبغي له أن يكون كذلك، فما بالكم بطالب العلم؟ إذا كان يذكر بعض الأشياء التي يتنزه ويترفع الناس عن ذكرها. مثلًا كونه يذكر الأشياء التافهة فيشغل الناس في مجلسه بها، حتى يدل على رقة عقله، يدل على رقة عقله. لأن السخيف هو الذي في عقله رقة وخفة، يذكر الأشياء التافهة ويشغل الناس بها، ويجعل حديث المجلس منها. وهذا ينبغي أن نترفع عنه حامل العلم. وكذلك الضحك والقهقهة. كان ضحك النبي -صلى الله عليه وسلم- التبسم. اليوم ربما تجد بعض النساء فضلًا عن الرجال، أو نقول الرجال فضلًا عن النساء، من ضحكه أو ضحكها القهقهة. لا ينبغي أن يكون لضحكك صوت، احرص على أن تربي نفسك وأنت مسلم، فضلًا عن طالب علم، أن يكون ضحكك بالابتسام، بالابتسامة، ولو كانت لك عادة حاول تغير هذه العادة، لأنك مسلم، وأعظم من ذلك أنت طالب علم، فاضبط كل حركاتك وأخلاقك بالعلم. قال: «وكثرة التنادر وإدمان المزاح والإكثار منه» كذلك. كثرة التنادر يعني الحرص على إتحاف المجلس بالأمور النادرة. فالمبالغة في ذلك خفة في العقل، كون تحرص أن تأتي بنادرة، تقول: «عندي شيء غريب»، وتبدأ تذكر القصص والأخبار والأشياء النادرة، فتشغل نفسك وتشغل غيرك بما لا ينفع، وربما يضر. والذي ينبغي أن تنشغل وتشغل غيرك بالعلم. وهكذا إدمان المزاح والإكثار منه. ومعناه إذا كان نادرًا وعابرًا ويسيرًا، فقد دلت عليه السنة، وهو مما تطلبه النفوس ويستروح به المجالس أحيانًا. فإن كان عابرًا نادرًا يسيرًا، فكذلك في حدود المشروع والمأذون، فلا يكثر منه. وإذا أتي به أحيانًا، فيكون مضبوطًا بالضوابط العلمية. ولهذا قال: «فإنما يستجاز من المزاح بيسيره ونادره وطريفه». اليسير والنادر والطريف، الطريف هو الشيء الذي يأتي بغير كلفة، الشيء الذي يأتي بغير كلفة يناسب المقام، أن يذكر شيء حقيقي فيذكر بغير كلفة. أما أن يكون بتكلف فيوقع في الكذب والمبالغة، وربما كذلك يكون فيه أذية للآخرين، فليس هذا من المزاح. ليس من المزاح أن تذكر معايب الآخرين أو تتنقص الآخرين، ولا كذلك تتعالى بنفسك أو بأهلك أو بمن تحب على الآخرين، كل هذا منافي للمزاح المأذون فيه. وإنما المأذون فيه هو الشيء الذي لا يكون فيه أذية لأحد، ويكون كذلك فيه استرواح بالمأذون. فهذا هو الذي يطلب، وهو الذي يحصل بدون تكلف. وأما إذا كان فيه نوع من التكلف، فهذا لا شك أن النفوس تستثقله، فضلًا عما يتضمنه من المخالفات الشرعية. قال: «والذي لا يخرج عن حد الأدب وطريقة العلم». فمثلًا من الذي يخرج عن حد الأدب؟ مزاح يدخل في أحوال الناس، وأعظم من ذلك في أمور دنيئة لا ينبغي أن يحدث بها، فضلًا أن يمزح بمثلها. تتدخل في أمور خاصة، من العيب عرفًا وشرعًا أن تتحدث بها، فضلًا أن تضحك الناس بها، كأن تذكر بعض العورات الحسية والمعنوية لبعض الناس، ولو بالتلميح، فتضحك المجلس بما يلحق به الأثم. وهكذا كذلك يخرج عن حد الأدب وطريقة العلم، طريقة العلم أن تضبط نفسك بآداب العلم، فترتقي العبارات الراقية والكلمات المؤدبة. فحتى إذا مزحت، مزحك يكون يظهر عليه أثر العلم. ولهذا مزاح العلماء فائدة تدون، فيكتب العلماء من فوائد العلماء بعض ما يذكرونه من المزاح. ثم قال: «فأما متأصله وفاحشه وسخيفه وما أوغر منه الصدور وجلب الشر فإنه مذموم». والمراد بالمتأصل، أي الذي يكثر منه حتى يصير في الإنسان أصالة. والفاحش كما تقدم بذكر الأمور الفاحشة، حسًا ومعنًى. والسخيفة ما ينافي رزانة العقل. وما أوغر منه الصدور يعني آذى الناس بأن تذكر شيء يجرح ويؤذي الآخرين، ولو على وجه التلميح. ويجلب الشر يعني من الفرقة، أو كذلك تحريش إنسان على آخر، أو غير ذلك. ثم قال: «وكثرة المزاح والضحك يضع من القدر ويزيل المرؤة». يضع من القدر يعني ينقصها من منزلة الإنسان، ويزيل المرؤة يعني يذهب عنك ما ينبغي أن تحرص عليه من كمال في أخلاقك وتصرفاتك. طيب، نقف إلى هنا، ونترك الباب -إن شاء الله- إلى درس لاحق. والله تعالى أعلم.