حلية طالب العلم  32

حلية طالب العلم 32

الدرس في حلية طالب العلم 32، الدرس الثاني والثلاثون:من( أما الأخذ عن علماء السنة فالعق العسل ولا تسل ... فالمقرئ رحمه الله تعالى حدث بلا غرر ولا جهالة إذ بين فقال:وكان مرجئاً ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

التحذير من أهل البدع والضلال

يتحدث الشيخ عن أهمية الأخذ عن علماء السنة والابتعاد عن أهل البدع، ويحذر من الاغترار بالمظاهر والكلام العاطفي. يشدد على ضرورة وزن الأقوال والأعمال بميزان السنة.

الحذر من المدارس النظامية الفاسدة

ينصح الشيخ بالحذر من المدارس النظامية التي تحتوي على أهل الضلال والمعصية، ويقترح بدائل مثل المدارس النموذجية السلفية. يشدد على أهمية الحفاظ على الأبناء من الانحراف والفساد.

ضوابط التعامل مع المدارس المختلطة

يُناقش المقطع كيفية التعامل مع المدارس والمناهج التي قد تحتوي على بعض الانحرافات، ويقدم توجيهات حول التفريق بين المصالح والمفاسد. يُشدد على أهمية التحذير من البدع مع الاستفادة من العلم النافع.

ختام الدرس والتأكيد على العلم النافع

يتم ختام الدرس بنكتفي بما تم شرحه، مع الإشارة إلى أن الله تعالى أعلم بكل شيء. يُؤكد على أهمية الاكتفاء بالعلم النافع والابتعاد عن الضلال.

  • 27 جمادى الآخرة 1432هـ - 30/05/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فتتمة لدرسنا فيما مضى معنا في كلام المؤلف رحمه الله، ما ذكره رحمه الله عن طرد لئمة لأهل البدع وأخبار السلف التي أشار إليها، إشارات إلى بعضها من أهمية الابتعاد عن أهل البدع وهجرهم، وكما تقدم لما في ذلك من مصلحة تعود على المهجور والهاجر والمجتمع. فالمهجور لعله ينزجر ويرجع، والهاجر يسلم، فالقلوب ضعيفة والشبهة الخفيفة قد تلتبس، وكذلك لا يسلم من سيئة، بل يحمي المجتمع من شر هؤلاء خصوصا الرؤوس. وأما العامة ومن كان يرجى فيه الخير، فإنه يحرص على دعوته وعلى جلبه إلى حياض السنة وإبعاده عن البدعة وما يلحق بها من مكدرات، وكذلك منغصات. ثم ذكر رحمه الله تعالى حرص أهل البدع على أن يجلبوا الناس لبدعهم، وأنهم ربما أتوا بالكلام المعسول الذي هو كما قال «مقلوب العسل»، أي لسع ومعنى أنهم يصطادونك بذلك فيلسعونك ببدعهم. وأمر وأرشد بالأخذ عن أهل السنة وعلمائها، لما في ذلك من سلامة المنهج، وكذلك التوفيق لكل خير. ولهذا كان السلف يثنون على المرء ويرون أنه في نعمة إذا وفق من أول أمره على صاحب سنة يتعلم عليه ويدله على طريق السنة، خصوصا الحدث والأعجمي، الحدث لكونه في بداية الطلب، والأعجمي لكونه في الغالب حديث معرفة بالإسلام. فمن نعمة الله عليه أن يوفق لصاحب السنة يأخذ بيده إلى طريق وحياض السنة. ثم قال رحمه الله: «وأما الأخذ عن علماء السنة فلعق العسل ولا تسل»، قال: «وفقك الله لرشدك، لا تنهل من ميراث النبوة صافيا إلا وإلا فليبكي على الدين من كان باكيا». ومعناه احرص على الابتعاد عما يكدر صفاء ميراث النبوة، أي البدع والأهواء، فإنك إن فعلت بأن أخذت من ذاك الكدر، أي ما كان عند أهل البدع والأهواء، فإن ذلك ثمرته إضاعة الدين، فيبكى على إضاعة الدين. وكم يأسف الإنسان حين يرى الكثير من أهل البدع وهم يتخشعون ويبكون، وكذلك يتعبدون، ولكن في غير سنة وفي غير هدي، بل في ضلالة وفي إثم والعياذ بالله. فيتذكر حالهم أو يذكر حالهم بحال النصارى ومن شابههم من ظلال أهل الكتاب وعبادهم، كما قال الله عز وجل: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾، خاشعة وعاملة وناصبة، ومع ذلك تصلى نارا حامية والعياذ بالله. فكذلك أهل البدع والأهواء يكون عندهم شيء من الخشوع، وبه يغتر بعض جهلة المسلمين، وربما كان عندهم شيء من العبادة والعمل والاجتهاد في الطاعة، ولكنهم على بدعة وضلالة. فلأجل بدعتهم وضلالتهم فيحرمون هذا الذي هم فيه، بل ربما أعمالهم تكون على غير هدى وسنة مردود عليهم، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»، أي مردود عليه. وقال عليه الصلاة والسلام: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، أي مردود عليه. فمن أحدث شيئا جديدا أو عمل عملا أصله ثابت، ولكنه بكيفيته وصفته وزمانه ومكانه، وكذلك في نوعه يختلف عن سنة النبي عليه الصلاة والسلام، فإنه تكون بهذا من «من أبطل عمله ببدعته»، «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»، أي مردود عليه. وقوله رحمه الله: «لتنهل من ميراث النبوة»، في إشارة إلى أهمية الحرص والسؤال عن السنة، فلا تغتر بالمظاهر ولا تغتر بالكلام العاطفي، لكن زن الأقوال والأعمال بميزان السنة، هل ثبت هذا عن النبي عليه الصلاة والسلام؟ هل فعله السلف الصالح؟ فإن كان نعم فهو سنة، وإن كان لا فهو بدعة، وبه تعرف ماذا طريق الحق من طريق الضلال. قال رحمه الله: «وما ذكرت لك هو في حال السعة والاختيار، وأما إن كنت بدراسة نظامية لا خيار لك، فاحذر منه مع الاستعاذة من شره باليقظة من دسائسه»، على حد قولهم: «اجني الثمار وألقي الخشبة في النار». ومعناه خذ الطيب واترك الخبيث. وهذا إذا كان يمكن أن يتوقع الإنسان الخبيث، وإلا فقد أفسدت المدارس النظامية الكثير من الناس بسبب وجود الكثير من أهل الضلال فيها، سواء من تلوث ببدعة أو تلوث بمعصية أو تلوث بشيء من أنواع الفسوق والانحرافات. فنشأ في هؤلاء الناس عندهم تأثر بهؤلاء، سواء المدرسين أو الطلاب. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل»، أي من يصاحب. ولهذا فعلى ولي الأمر، سواء العام والخاص، أن يحرص على سلامة هؤلاء الطلاب. فإن كان ولي الأمر العام أن يولي الأخيار أهل السنة، أهل الطاعة والصلاح، الذين يصلحون أن يكونوا مربين للمجتمع، فتنشأ ذرية صالحة طيبة ينفع الله بها العباد والبلاد. فإن لم يكن ذلك، فلا أقل أن يحرص أولياء الأمور على أبنائهم، فيبحثون عن المدرسة التي كما يقال عنها «نموذجية»، يكثر فيها أهل الصلاح ممن عرفوا بالسنة والاستقامة، فيخفف الشر. فإن رأى أن الشر أعظم من جهله، فكونه يبقى جاهلا خير له من أن يصير من أهل البدع والأهواء، أو أن يصير من أهل المعاصي والفسوق. وكم رأى الناس من أبناء المشايخ، فضلا عن من دونهم، من صار هذا حالهم بسبب التساهل في المدارس النظامية. الأب يصلح والمدرسة تفسد. وكم عسى أن يعطي الأب مع ما يأخذ هذا الولد من المدرسة، خصوصا إذا تربى فيها من نعومة أظفاره. فالإنسان يقارن بين المفسدتين: مفسدة اعتزال المدارس النظامية مع مفسدة فساد وانحراف الولد. لا شك أنه إذا أنصف نفسه سيجد أن مفسدة اعتزال المدارس النظامية إذا كان فيها هذا الفساد والانحراف أخف من مفسدة انحرافه. ولذلك يحرص إما أن يوجه بالدراسة على المشايخ، كما فعل مشايخنا وعلماؤنا وسلفنا في الكتاتيب وغيرها. ولا يعني ذلك أن يعتزل سلك الدراسة النظامية، وهو قد يحتاج إلى وظيفة ينفع الله به العباد والبلاد، وكذلك ينفع نفسه وأسرته منها. وقد كذلك لا يكون الجميع على وثيرة واحدة في حب طلب العلم والرغبة فيه، لكن لا أقل أن تحفظه فيبقى سنيا، يبقى رجلا صالحا أو امرأة صالحة. فلذلك يستطيع أن يجمع بين الخيرين بأن يدرس بمدارس نموذجية سلفية إن وجدت من المدارس الخاصة النظامية. فإن لم توجد، ونحث الإخوة إن استطاعوا على إقامة مثل هذه المدارس، يعينون أنفسهم وأبناء إخوانهم وأبناء المسلمين على أن يتربوا في أجواء صافية نقية تعينهم على الصلاح والإصلاح. فإن لم يتيسر، فكما قلنا: لأقل أن يحفظهم بالكتاتيب والمدارس التي تربى فيها الكثير من العلماء والمشايخ، كدور أهل السنة في اليمن، وكذلك مقارئ المشايخ في أرض الحرمين وغيرها من مقارئ المشايخ السلفيين. فتحفظ بها ابنك وابنتك، ثم تستطيع إن احتجت إلى الشهادات النظامية أن تدخل فيها بالانتساب، فتجمع بين الخيرين. تدخل فيها بالانتساب، وهذا ممكن. وما من بلد إلا ويمكن فيها اللحوق بالانتساب، فلا يفوتك ما تحتاجه أو ما يحتاجه الولد وما يحتاجه المجتمع من تغطية حاجاته بهؤلاء الصالحين من أهل السنة في جميع مجالاته. وتكون بذلك قد حفظت هذا الولد، حفظته، وكذلك أعنته على الخير، وأديت أمانتك التي ينبغي أن تؤديها مع فلذات كبدك. وأما تساهل الكثير من الناس في المجتمع، طلبة العلم فضلا عن من دونهم، هذا لا شك أنه تفريط وتضيع للأمانة. وليس من الصواب أن يجعل الإنسان ميزانا الصواب من الخطأ هو فعل الأكثرين، إن أحسن الناس أحسن مثلهم، وإن أساء أساء مثلهم. فيقول: كل الناس على هذا فأنا مثلهم. لا، أنت مسلم، أنت سني، أنت تختلف عن الناس، عندك ميزان تزن به الأعمال: الصواب من الخطأ، والنافع من الضار. وعطاك الله عز وجل من العقل والفطرة، وأنزل عليك من الشرع ما تستعين به على معرفة طريق الاستقامة من طريق الإعوجاج، طريق الهداية من طريق الضلال، طريق الصواب من طريق الخطأ، الطريق النافع من الطريق الضار. فلا تقول: أنا مثل الناس، ماذا عساني أفعل؟ لا، لا تقول هذا، فهذا جواب وكلام العاجزين، وكلام كذلك الغافلين. أما من أعطاه الله عز وجل علما، ووفقه لهذا الدين العظيم، وكذلك حرك ما في نفسه من فطرة سليمة وعقل سديد، فإنه لن يرتضي لنفسه النقص، بل يقارن بين المصالح والمفاسد، وبين ما ينفع وما يضر. وديننا يأمر بهذا. فإن كانت المفسدة المترتبة عن اعتزال هذه المدارس أكبر، فلا شك يدفع الأكبر بالأصغر. فالمهم عندنا من قواعد الشريعة، ومن كذلك فتاوى أهل العلم وسيرهم، ما نستعين به إن شاء الله في هذا الباب على الوصول إلى ما هو أنفع. وهذا هو المقصود من معرفة طريق العلم والعلماء، أن نستفيد ليس فقط من نصائحهم، فتكون نصائح في الهواء، وإنما نستفيد من نصائحهم بأن نستثمرها في واقع حياتنا. قال رحمه الله: «وما ذكرته لك هو في حال السعة والاختيار، وأما إن كنت بدراسة نظامية لا خيار لك، فاحذر منه مع الاستعاذة من شره باليقظة من دسائسه»، على حد قوله: «اجني الثمار وألقي الخشبة في النار». وهذا كما قلنا: على التفصيل الذي تقدم. إذا كانت المفسدة أقل، كأن تكون مثلا الغالب على المدرسة سلفية سنية، مثل الجامعة الإسلامية أو كذلك دار الحديث، ونحو ذلك من المدارس التي يغلب عليها السنة، فهنا يحفظ طالب العلم ويعان بذلك. وأما إن كان الشر أكثر، فكما تقدم يقارن الإنسان بين المصالح والمفاسد. قال: «ولا تتخاذل عن الطلب، فاخشى أن يكون هذا من التولي يوم الزحف». فما عليك إلا أن تتبين أمره، وتتقي شره، وتكشف ستره. يعني إذا كان الغالب على البلاد السنة، وعلى المدرسة السنة، فإذا وجد فيها بعض أهل الأهواء، فأنت تبين للإدارة وتبين للجهات المختصة أن فلان من الناس يدعو إلى بدعته وعنده شيء من البدع والأهواء، حتى يعالج بما هو مناسب من قبل أهل الاختصاص. وأما إذا كان الغالب على المدرسة وعلى البلاد الفساد، سواء ببدعة أو بفسوق، فانظر وراعي المصالح والمفاسد، واعمل بما يقرب إلى الله جل وعلا، وإن خالفت الناس جميعا. قال رحمه الله: «ومن النتف الطريفة أن أبا عبد الرحمن المقرئ حدث عن مرجئ، فقيل له: لم تحدث عن مرجئ؟ فقال: أبيعكم اللحمة بالعظام». قال: «فالمقرئ رحمه الله تعالى حدث بلا غرر ولا جهالة، إذ بين». فقال: «وكان مرجئا». ومعنى استشهاد لما سبق أن الإنسان إذا اضطر للحضور لأهل البدع أو السماع منهم، قد تقدم أن بعض أهل الحديث رووا عن أهل البدع إذا كان قد أمن أن لا يكذب، واحتيج إلى حديثه حتى لا تفوت وتضيع السنة. فهنا يحدث عنه مع الحذر والتحذير منه. وكما قال شيخنا معلقا: «أبيعكم اللحمة بالعظام». قال: «الباء للمصاحبة لا للبدل»، أي ما من لحم إلا وفيه عظم. ومعنى أن هذا مما عمت به البلوى، فلذلك نحن نروي عن هؤلاء أهل البدع والأهواء. كأنه يقول: عدري في ذلك أن هذا مما عمت به البلوى. وهذا هو الواقع، حين انتشرت البدع وكثرت، صعب على أهل الحديث أن يتركوا أهل البدع والأهواء فتضيع السنة. فلذلك فصلوا، أي بعض أهل الحديث فصل، فصار يأخذ من أهل البدع من علم منه عدم الكذب، فأخذوا منهم مع الحذر والتحذير من بدعهم. وهذا يفسر رواية بعض أهل الحديث عن أهل البدع، يعني عند الاضطرار لذلك. وتحت هذا تفاصيل كثيرة تذكر في كتب المصطلح، مصطلح الحديث، في مبحث الرواية عن المبتدع، خصوصا في الكتب المطولة، كشروح الألفية والتدريب ونحوها من الكتب، توضيح الأفكار ونحوها من كتب أهل الحديث في علم المصطلح والمطولات. نكتفي هذا اليوم بهذا القدر، وإلى هنا والله تعالى أعلم.