الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 77، الدرس السابع والسبعون:من(وقوله صلى الله عليه وسلم:لله أشد فرحا بتوبة عبده المؤمن ...تكون فيه كما هي في المخلوق,تعالى الله عن تشبيههم وتعطيلهم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تناول الشيخ آراء العلماء في إثبات صفة النزول والفرح لله تعالى، موضحًا أن الجمهور يثبتون المعنى على ما يليق بجلال الله. كما أشار إلى إثبات صفة الفرح مستدلاً بحديث في الصحيحين.
يشرح المقطع حديث الفرح بتوبة العبد، ويبين أن الله يفرح بتوبة عبده، وأن هذه الصفة حقيقية لله عز وجل، وليست كنقص في المخلوقين، بل هي صفة كمال إلهي.
يشرح المقطع معنى الفرح الإلهي بتوبة العبد، ويبين أن هذا الفرح يتفاضل باختلاف كمال التوبة. ينتقد المقطع المعطلة الذين يفسرون الفرح والرضا بإرادة الثواب أو الإنعام.
يثبت المبحث وجود الله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته دون تحريف أو تعطيل أو تكييف أو تمثيل. ينهي المؤلف كلامه بالتأكيد على علم الله تعالى.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة، قبل الدخول بالدرس الجديد، نضيف مسألتين فيما يتعلق بالدرس الماضي في مسألة النزول. أولهما هذه المسألة التي مرت معنا الآن في درس العلوب، وهي قضية: هل إثبات النزول والمجيء يقتضي إثبات الحركة؟ مر معنا أن للعلماء فيها ثلاثة أقوال مشهورة. القول الأول: أنه بحركة وانتقال، وأنه يثبت اللفظ والمعنى في ذلك، وهو الذي سبق أنه قول الدارمي، وقال به أبو عبد الله بن حامد، ونقل عن حرب الكرماني، ونسبه الدارمي وحرب لأحمد وإسحاق والحميدي وابن منصور. وتقدم أن شيخ الإسلام خطأ هذه النسبة بهذا الإطلاق. والقول الثاني: أنه بغير حركة وانتقال، وهذا القول منسوب لابن الحسن التميمي وأهل بيته، وبمعنى هذا التوقف؛ لأن التوقف نوع من النفي، وإن كان هو ليس مطابقًا، لكن قريب منه، وهو ما ذهب إليه أبو عبد الله بن بطة. والقول الثالث: وهو قول الجمهور، سلفًا وخلفًا، أنه يتوقف في اللفظ، ويثبت المعنى، على أن الجميع الذين سمعتم متفقون على إثبات المعنى الذي تقتضيه هذه الصفات، أي النزول والمجيء، على ما يليق بجلاله وعظمته. لكن الكلام على لفظ الحركة ومعناها. ولهذا نقل شيخ الإسلام أنهم مثبتون، على متفقون، مثبتون للمعنى الصحيح من مقتضى معنى الحركة، لكنهم إنما توقفوا، وصار الخلاف في اللفظ. وهذا الذي رجحه، كما قلنا، شيخ الإسلام، ونقله عن جماعة، أي التوقف في اللفظ وإثبات المعنى، نقله عن الإمام البخاري وابن خزيمة ونعيم بن حمد، وقبلهم أحمد، وأنه انتصر له ابن عبد البر وجماعة، وذكر قصة مفيدة نافعة في هذا المقام عن إمام أحمد في أمر التوقف في اللفظ، إثبات المعنى، في كتابه العظيم المسمى بالاستقامة. والمسألة الثانية من المسائل التي تتعلق بالدرس السابق: ما سبق كذلك من أن إثبات النزول لله عز وجل لا ينافي اختلاف الليل واستمراره. وبيّن شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، أن هذه مثل مسألة الخلق، وأنه إذا أثبت لله إذا أثبت المسلم لله ذاتًا لا تشبه الذوات، فكذلك ينبغي أن يثبت لله صفات لا تشبه الصفات، أي صفات المخلوقين. فالله جل وعلا لا يعجزه شيء، بل هو على كل شيء قدير، فليس أمر الرب كأمر المخلوقين. فالله خالق الزمان والمكان، سبحانه وتعالى. قال المؤلف، رحمه الله تعالى: وقوله صلى الله عليه وسلم: «لله أشد فرحًا بتوبة عبده المؤمن التائب من أحدكم براحلته» متفق عليه. وهذا الحديث كذلك أورده رحمه الله؛ لما فيه من مبحث آخر من مباحث الصفات، وهو إثبات صفة الفرح لله عز وجل، على ما يليق بجلال الله وعظمته. وإذا أثبتت هذه الصفة على ما يليق بجلال الله وعظمته، فكذلك سائر الصفات الفعلية التي يسميها من سبق بالصفات الاختيارية، أي التي تتعلق بالمشيئة، فكلها تثبت لله على ما يليق بجلال الله وعظمته. والأمر أنه إذا صح وجب الإيمان به على ما يليق بجلال الله وعظمته. والحديث في الصحيحين، كما أشار. وقد جاء عن عدد من الصحابة، جاء معناه عن ابن مسعود في الصحيحين، وجاء عن النعمان بن بشير، وجاء عن البراء عند مسلم، وخارج الصحيح، وعن أنس في الصحيحين، وعن أبي هريرة في مسلم وغيره. قال الشارح، رحمه الله: قوله «لله أشد فرحًا» إلى آخره. قال: تتمة هذا الحديث كما في البخاري وغيره: «لله أشد فرحًا بتوبة عبده المؤمن من رجل بأرض فلاة مهلكة، ومعه راحلته عليها طعامه وشرابه، فنزل عنها فنام، وراحلته عند رأسه، فاستيقظ وقد ذهبت، فذهب في طلبها فلم يقدر عليها - يعني ما وجدها - حتى دركه العطش، حتى دركه الموت من العطش، فقال: والله لأرجع إلى حيث كان رحلي، فرجع فنام، فاستيقظ، فإذا راحلته عند رأسه، فقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح». وفي هذا الحديث إثبات صفة الفرح لله عز وجل، والكلام فيه كالكلام في غيره من الصفات: أنه صفة حقيقية لله عز وجل. ومعنى حقيقية: أي تثبت على معناها المعهود المعلوم من اللغة والشرع. والإثبات: إثبات وجود، لا إثبات تكييف. فنثبته كما أثبته رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإثباتنا له على حقيقته لا يقتضي التكييف، بل يقتضي إيجاد حقيقته على الوجه الذي يليق بجلال الله وعظمته. ولهذا قال بعده: على ما يليق به، فهي صفة حقيقية لله عز وجل، على ما يليق بالله سبحانه وتعالى. وهل هذا يقتضي نقصًا؟ الجواب: لا؛ لأن الله أعلم بنفسه وبغيره، وقد وصف نفسه سبحانه وتعالى بها، فوجب أن يوصف بما وصف به نفسه. قال رحمه الله تعالى: وهو من صفات الفعل التابعة لمشيئته تعالى وقدرته، وهي التي سبق أنهم يعبرون عنها بالصفات الاختيارية. وهو فيها دليل على إحسان الرب جل وعلا. ليست فرحته سبحانه وتعالى عن حاجة، ولكنها عن رحمة وإحسان وبر ولطف، بخلاف فرحة المخلوق، فهي عن احتياج وانتفاع. والله سبحانه وتعالى غني، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. فكل ما كان من معاني المخلوقين، الله منزه عنها، ليس كمثله شيء. وكل ما كان من معاني الرب سبحانه وتعالى، فالله أولى به، وهو السميع البصير. فنثبت لله ما أثبت لنفسه على أكمل الوجوه وأحسنه، فهو مدح، وليس فيه نقص بوجه من الوجوه. ولهذا قال العلماء: إن الفرح فوق الرضا. إذا كنت تعلم أن الله يغفر ويرحم ويرضى، فكذلك من عظيم إحسانه وبره ولطفه ورحمته أنه يفرح بما فيه الخير لعبده. قال: ومن قال: في الحديث الذي حسنه بعضهم وضعفه بعضهم، ومعناه صحيح: «لن نعدم من رب يضحك خيرًا»؛ لأنه دليل على زيادة إحسان، وكذلك لطف وبر بعباده سبحانه وتعالى، فهي صفة كمال منه سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: وهو من صفات الفعل التابعة لمشيئته تعالى وقدرته، فيحدث له هذا المعنى المعبر عنه بالفرح عندما يحدث عبده التوبة والإنابة إليه، وهو مستلزم لرضا عن عبده التائب وقبوله توبته. فالله عز وجل أشد فرحًا بتوبة عبده من ذاك الرجل في فرحه. ومعناه ماذا؟ معناه كما ذكر رحمه الله: بأن في ذلك رضا الرب جل وعلا. وكما سبق، وهو معنى كلام ابن القيم وغيره: الفرح فوق الرضا. الفرح فوق الرضا؛ إذا أنت أثبت لله رضا عن العبد التائب، فأثبت لله عز وجل فرح، وهو معنى أعظم من الرضا في البر والإحسان بهذا العبد التائب. وليس في هذا شيء من النقص. وفي قوله: «إلى الله أشد فرحًا»: دليل على أن هذا الفرح يتفاضل، هذا الفرح يتفاضل. فكلما كملت التوبة من العبد، كان فرح الرب جل وعلا بتوبة عبده أعظم وأشد. قال: وإذا كان الفرح في المخلوق على أنواع، فقد يكون فرح خفة وسرور وطرب، وقد يكون فرح أشر وبطر، فالله عز وجل منزه عن ذلك كله؛ لأنه ليس كمثله شيء. قال: ففرحه لا يشبه فرح أحد من خلقه، لا في ذاته، ولا في أسبابه، ولا في غاياته. فسببه كمال رحمته وإحسانه التي يحب من عباده أن يتعرضوا لها. وغايته إتمام نعمته على التائبين المنيبين. وأما في ذاته - أي في أصل الصفة والكيفيتها - فنحن نثبتها إثبات وجود، لا إثبات تكييف. فالقول في الصفات فرع عن القول في الذات. فكما أنه له ذات لا تشبه الذوات، فله صفات لا تشبه الصفات، سبحانه. قالوا: أما تفسير الفرح بلازمه، وهو الرضا، وتفسير الرضا بإرادة الثواب، فكل ذلك نفي وتعطيل لفرحه ورضاه سبحانه. وهذا ما يفعله المعطلة؛ فإنهم يأتون لكل صفة ويذكرون لازمها، وهذا نوع من التعطيل. أثبت الله فرحًا، نثبت لله فرحًا، لا حاجة أن نصرف هذا اللفظ عن ظاهره إلى أي معنى آخر. فهو سبحانه وتعالى أثبت لنفسه الفرح، فنحن نثبت له سبحانه وتعالى الفرح. وأثبت لنفسه الرضا، نثبت لله عز وجل الرضا. وأما ما ذكره، فقد سبق الكلام عليه من كلام الأشاعرة وغيرهم، تفسير الشيء بلازمه. قال: وأما تفسير الفرح بلازمه، وهو الرضا، وتفسير الرضا بإرادة الثواب، فكل ذلك نفي وتعطيل لفرحه ورضاه سبحانه. أوجبه سوء ظن هؤلاء المعطلة بربهم، حيث توهموا أن هذه المعاني تكون فيه كما هي في المخلوق، تعالى الله عن تشبيهم وتعطيلهم. فهم شبهوا أولًا، ثم عطلوا ثانيًا. ولهذا لما كان هذا التعطيل على غير أساس، ومن عند غير الله، اختلفوا فيه. أحيانًا يقولون: إنه إرادة الثواب، وأحيانًا يقولون: إرادة الإنعام، وأحيانًا يقولون: إرادة الإحسان. وهكذا كذلك يقولون في الفرح: مرة الرضا، ومرة الإحسان، ومرة الإنعام. وكل ذلك من صرف اللفظ عن ظاهره. فهم حرفوا اللفظ والمعنى معًا، لم يبقوا اللفظ على ظاهره، ولو أبقوه، فإنهم في الحقيقة لا يجعلون له المعنى الحقيقي الذي تقتضيه اللغة والشرع. ولهذا بعضهم ربما عمل تحريفًا لفظيًا، عمل تحريفًا لفظيًا لبعض هذه الصفات، كما فعل المعتزلة فيما تقدم: «وكلم الله موسى تكليمًا»، قال بعضهم: «وكلم الله موسى تكليمًا»، كما قال ذاك الرجل لابن العباس: «هب أني صنعت، فماذا تصنع؟» بقوله سبحانه: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾. وهكذا كذلك في هذا الموضع، ربما حرفوه كذلك بتحريف بعض أحرفه، كما صنع معنى ذلك الرازي في كتابه «أساس التقديس»، فإنه حرف بعض الصفات من السنة بتحريف نطقها، ويريد بذلك صرف اللفظ عن ظاهره. فالخلاصة: أن هذا المبحث كغيره من المباحث، يثبت إثبات وجود، على ما يليق بجلال الله وعظمته، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.