شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 22

شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 22

الدرس في شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 22، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني

آداب طالب العلم مع معلمه: التواضع والانقياد

يؤكد المقطع على ضرورة تطهير القلب من الأدناس لقبول العلم، ويبين أن التواضع للمعلم واجب حتى لو كان أصغر سناً. كما يحذر من تكبر الطالب برفض التعلم إلا على المشهورين، مشبهاً انقياد الطالب لمعلمه بانقياد المريض للطبيب الحاذق.

آداب طالب العلم مع معلمه: وجوب الأخذ عن أهل الكفاءة والديانة

يشبه النص علاقة طالب العلم بمعلمه بعلاقة المريض بالطبيب الحاذق المشفق، مؤكداً وجوب الانقياد لأوامر المعلم وعدم تقديم الرأي الشخصي. كما يشدد على ضرورة تلقي العلم عن مشايخ أكفاء جمعوا بين العلم والعمل والديانة، محذراً من طلب العلم وحداً دون شيخ.

وجوب الأخذ عن الأكابر الأمناء وتوقير المعلمين

يؤكد النص وجوب طلب العلم من كبار العلماء الراسخين الأمناء من أهل السنة، ويحذر من الأخذ عن المبتدعين ولو كانوا بارعين في العلم. كما يبين عظمة حق المعلم على المتعلم، ويشبهه بالوالد، مستحثاً على توقيره والدعاء له والصدقة عند لقائه.

هيبة الإمام الشافعي واحترام تلاميذه

يعبر المتحدث عن خشيته من الشرب أمام الإمام الشافعي تقديراً لهيبته. ويختتم بالشكر والدعاء بالتوفيق للجميع.

التفريغ النصي الكامل

موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن للإمام النووي عليه رحمة الله، شرح فضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرع العدني رحمه الله تعالى. بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ما بعد: نعم، لازلنا في هذه الآداب التي ذكرها المصنف رحمه الله. قرأنا في هذا الفصل في آداب المتعلم ما يتعلق بتطهير قلبه من الأدناس ليصلح لقبول القرآن، كما أن الصلاة التي هي عمل ظاهرة تحتاج إلى طهارة حسية حتى تقبل هذه العبادة، فهكذا أيضًا العلم؛ العلم هو عبادة القلب وصلاة السر وفعل الباطن، كما ذكر ذلك بعض العلماء، فيحتاج إلى تطهير الباطن حتى ينتفع الطالب بهذا العلم. وقال: وينبغي أن يتواضع لمعلمه، يتأدب معه وإن كان أصغر منه سنًا وأقل شهرة ونسبًا وصلاحًا. من الأمور الضرورية لطالب العلم لزوم خلق التواضع، ومن وفقه الله للتواضع فإنما ينفع نفسه، إنما ينفع نفسه. فمن أعظم الناس تواضعًا يعني أن يكون الطالب متواضعًا لمعلمه، لا يتكبر على مدرسه. هو معمور بالتواضع مع زملائه، مع العوام، مع الجميع. فمن الخطأ أن يتكبر على مدرسه. مما ذكر أهل العلم من تكبر الطالب على المدرس: أن الطالب لا يدرس إلا عند المشهورين المرموقين، يقول: "أنا لا أحص للعلم ولا أطلبه إلا عند المشهورين والمرموقين". هذا خطأ؛ لأن العلم فيه سعادة الدنيا والآخرة، ولا شك أن بوجود هؤلاء المرموقين تعظم الفائدة، لكن أن يتكبر على مدرسه الحاصل والموجود وهو ليس من المشهورين والمرموقين، فهذا يعتبر من الكبر في العلم، والعلم عدو للكبر وحرب على الطالب المتكبر، كما في هذا البيت الذي يتمثل به العلماء: العلم حربا للفتى المتعالي ... كالسيل حربا للمكان العالي العلم عدو للكبر وحرب على الطالب المتكبر، فما يتمعى الكبر والعلم، غالبا ما يتمعى. لا يزال العلم يخاصم وهذا الكبر الموجود في الطالب، إما أن يترك هذا الكبر فينصلح العلم مع الطالب، أو أنهما يبقيان في نفرة. فليحرص طالب العلم على الاستعانة بالله سبحانه وتعالى على هذه الأخلاق الرديعة التي نبهنا عليها علماؤنا، هذه تعتبر من البلية. فما على الطالب إلا أن يسعى بالله سبحانه وتعالى أن الله عز وجل ينجيه، وأن الله سبحانه وتعالى يعافيه من هذه الأدواء وهذه الأمراض. ثم قال: نواصل القراءة: "وينبغي أن ينقاد لمعلمه ويشاوره في أموره ويقبل قوله كالمريض العاقل يقبل قول الطبيب الناصح الحاذق". وهذا أولى. نعم، هنا يقول: ينبغي أن ينقاد لمعلمه ويشاوره. هو إذا كان له معلم عنده الكفاءة والأهلية، فينبغي أن يكون منقادًا لمعلمه؛ فإن معلمه أكثر علمًا وأعظم تجربة، وكما قيل: "سل مجربًا ولا تسل طبيبًا". وهكذا، يعني كما قيل: "تجريب المجرب يؤدي إلى الندامة". أن الطالب لا يقبل نصائح وإرشادات وتوجيهات مدرسه الذي عنده الكفاءة والأهلية، قد يحرم الطالب خيرًا كثيرًا. فإنبغي للطالب مع مدرسه الذي عنده الكفاءة والأهلية والتجربة أن يكون الطالب أكثر انقيادًا من انقياد المريض الجاهل لمن؟ للطبيب الحاذق المشفق. عندنا مريض وجاهل، وعندنا طبيب حاذق ومشفق. ألا ترون أن من العقل والحكمة ومن حسن التصرف أن ينقاد هذا المريض الجاهل لمن كان على هذا الوصف من الأطباء؟ أن يكون حاذقًا، يخرج من لم يكن حاذقًا، تبقى في شك: يقول "تناول هذا الدواء" وأنت لا تدري هل ينفع ولا ينفع، لكن فيه خصلة وهو أنه حاذق بالطب. الأمر الثاني: أنه مشفق، لا يمكن أن يجازف بهذا المريض ويدفعه إلى تناول ما يضره، هو شفيق مشفق على هذا المريض. فمن كان على هذا الوصف ينبغي للمريض أن ينقاد له. يعطيه دواء معينًا، من الخطأ أن يتناول دواء آخر. يعطيه كمية معينة، من الخطأ أن يزيد أو ينقص، يقول: "لا، أنا لا أنتفع بهذه الكمية كلها، وإنما آخذ نصف الكمية". يعطيه أوقاتًا معينة، فيأخذ على ما يشتهي، يأخذ في الصباح والمساء، وأعطاه أربعة أوقات، فهذا الأشق قد لا يصل إلى العلاج. فهكذا قالوا: ينبغي للطالب أن ينقاد لمعلمه الذي عنده الكفاءة، وعنده العلم والتجربة والخبرة، كما ينقاد المريض الجاهل للطبيب المشفق الحاذق. وهكذا، يعني كما قيل: "أكبر منك بيوم، أكبر منك بسنة، أو عقله أكبر من عقلك بسنة". فهكذا ينبغي لطالب العلم. فمن سبقه في الطلب مرت عليه أمور، اكتسب فوائد، وعنده من النصائح، وعنده من التوجيهات. يعني قد ينصح المدرس الطالب بأمور هو هذا المدرس قد وقع فيها، وقع فيها، يعني فلهذا كما قيل، كما تقدم: "سل مجربًا ولا تسل طبيبًا". قال رحمه الله: فصل: ولا يتعلم إلا من كملت أهليته، وظهرت ديانته، وتحققت معرفته، واشتهرت سيانته. فقد قال محمد بن سيرين ومالك بن أنس وغيرهما من السلف: "هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم". وعلي أن ينظر معلمه بعين الاحترام، ويعتقد كمال أهليته ورجحانه على طبقته، فإنه أقرب إلى انتفاعه به. نعم، أيضًا من الأمور المهمة لطالب العلم أنه لا يأخذ العلم إلا عمن كملت أهليته، وظهرت ديانته، وتحققت معرفته، واشتهرت صيانته. هذا فيه إشارة إلى أن طالب العلم لا يكون طالب علم إلا وهو يأخذ العلم عن المعلمين. لا يكون طالب علم ينتفع بالتحصيل والطلب إلا إذا احتاج ورجع إلى المعلمين. فإن من دخل كما قال العلماء: "من دخل في العلم وحده خرج وحده"، دخل في العلم بغير شيخ فإنه يخرج بغير علم. "من دخل في العلم وحده خرج وحده". فهذا فيه تنبيه على أن طالب العلم لا بد أن يحرص على أن يأخذ العلم من أهله وعن المدرسين الذين عندهم الكفاءة، ولا يعتمد على الكتب أو على الأشرطة. فيها خير كثير، لكن بالنسبة للطالب المبتدئ لا بد أن يجثو بركبتيه، وأن يتواضع، وأن يأخذ العلم كما أخذه المعلمون، وأن يأخذ العلم كما أخذه الطلاب. فهذه سلسلة تتصل حتى تصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم. جلس يعلم أصحابه، وأصحابه صبروا وتلقوا العلم من النبي صلى الله عليه وسلم، ثم تفرقوا في الأمصار فصاروا معلمين ومدرسين، نقلوا القرآن ونقلوا السنة ونقلوا العلم، فأخذ هذا العلم التابعون فنشروه في أتباع التابعين، وهكذا حتى وصل إلى زماننا هذا. ما من عالم إلا تجد له مشايخ أخذ عنهم، وهؤلاء المشايخ لم يكونوا حبيس بيوتهم، بل درسوا وتعلموا عند مشايخهم، وهكذا حتى تتصل السلسلة إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. الأمر الثاني: أنه لا يكتفي أن يكون له مدرس، يقول: "أنا أحصل العلم على أيدي المعلمين"، حتى ينظر إلى كفاءة هذا المدرس، إلى كفاءة هذا المدرس: الكفاءة العلمية والثقة الدينية، أن يكون صاحب علم وأن يكون صاحب دين. وإذا وجد الأكابر والعلماء والأمناء، فمن الخطأ أن يتركهم الطالب ويأخذ العلم عن صغار الأسنان. فإن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "لا يزال الناس بخير ما أخذوا العلم عن أكابرهم وعلمائهم وأمنائهم، فإذا أخذوه عن الصغار هلكوا وأهلكوا". فما دام كبار السن والراسخون في العلم موجودين، فلا يتجاوزهم الطالب، بل هذه تعتبر نعمة أن يجد الأكابر وأن يجلس بين يدي الراسخين والذين شابت لحاهم في العلم. هذا أمر ثانٍ: أنه يحرص على أن يطلب العلم عند الأمناء، عند الأمناء من أهل السنة. فكما قال ابن سيرين وغيره: "إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم". وما أحسن قول مالك رحمه الله: "لا يؤخذ العلم عن أربعة"، ومنهم: "عن مبتدع يدعو إلى هواه". لا يؤخذ العلم عن أربعة، ومنهم مبتدع يدعو إلى هواه. فلا خير في المبتدع، ولو كنت محتاجًا إلى علمه، فاصبر حتى يجعل الله لك فرجًا ومخرجًا. لو كان في البلد مبتدع مبرز في علم القراءات أو مبرز في اللغة العربية، فاصبر وصابر. لا سيما إذا كان هذا المبتدع صاحب لسان وصاحب بيان وصاحب أخلاق وصاحب حسن معاملة، قد يغتر به الطالب. يعني يأتي إليه وهو مغضض له بحجة: "إني أريد العلم الذي عنده فقط". ما هي إلا أشهر، وإذا به قد تأثر بهذا الشيخ، ومال إليه، وعطف عليه، وقدمه على غيره، وتأثر بما يحمل من عوج وانحراف. فالسلامة لا يعادلها شيء، السلامة لا يعادلها شيء. قالوا: "عليه أن ينظر إلى معلمه بعين الاحترام، ويعتقد كمال أهليته ورجحانه على طبقته، فإنه أقرب إلى انتفاعه به". نعم، كما تقدم أن للمعلم حقًا على المتعلم، فإنه يسدي إليه أعظم المعروف. من أسدى إليك معروفًا دنيويًا لشعرت أن له حقًا عليك. فالنبي صلى الله عليه وسلم هو القائل: "من صنع إليكم معروفًا فكافئوه". رب هدية تعني تقع في القلب موقعًا عظيمًا، لا يكاد المهدى إليه ينسى هذه الهدية، وتجده يعني يشعر بالخجل أمام هذا الذي أهدى إليه. فكيف بأعظم وأغلى الهدايا، ألا وهو هدية العلم الذي فيه انتفاع الإنسان في دينه وحصول سعادته إذا وفقه الله بالعمل والنشاط في الدنيا والآخرة؟ فحق المعلمين على المجتمع حق عظيم، فإنهم يخرجون الناس بإذن الله سبحانه وتعالى من الظلمات إلى النور، يعلمونهم ما جهلوا، وينبهونهم عما غفلوا، ويأخذون بأيديهم إلى الله سبحانه وتعالى وإلى دينه وإلى صراطه المستقيم. هذا بالنسبة لعموم المجتمع، فكيف بحق المعلم على الطالب الخاص؟ لا شك أن هذا الحق يوجب على الطالب أن يقابل هذا الإسداء وهذا المعروف بالإجلال والتوقير والاحترام، ولزوم الأدب. هكذا الطالب مع المدرس. وما من مدرس إلا وقد كان طالبًا، وما من مدرس إلا وهو يعتبر طالبًا، يعني بالنسبة للعلماء الموجودين. فهكذا إذا سادت الأخوة والمودة، وسادت الآداب الرفيعة عند المعلمين وعند المتعلمين، فهذا أقرب إلى حصول النفع ووجود البركة في هذا العلم. قال: وكان بعض المتقدمين إذا ذهب إلى معلمه تصدق بشيء، وقال: "اللهم اسعد معلمي بي، ولا تذهب بركة علمه مني". يقول المحقق: "الله أعلم بمن أخرجه". كان إذا ذهب إلى معلمه تصدق بشيء، وقال: "اللهم اسعد معلمي بي". فيه الحرص والشفقة والمحبة والاحترام، كما أنك تحرص على أن الله يسر عن المجتمع والناس عيوب والدك عنه، فهكذا يعتبر المعلم بمنزلة الوالد. وقال الربيع صاحب الشافعي رحمهم الله: "ما تجرأت أن أشرب الماء والشافعي ينظر إلي هيبة له". سبحان الله، ما تجرأت أن أشرب الماء والشافعي ينظر إلي هيبة له. وفق الله الجميع. إلى هنا والحمد لله، شكرًا.