الدرس في القواعد والأصول الجامعة 17، الدرس السابع عشر : فيه من قوله ( القاعدة الرابعة الوجوب يتعلق بالاستطاعة فلا واجب مع العجز ... تسقط مع العجز بالاتفاق فالمصافة من باب أولى وأحرى ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
القاعدة الرابعة تنص على أن الوجوب يتعلق بالاستطاعة، وتستند إلى أدلة من القرآن والسنة. هذه القاعدة تشكل أساساً لتيسير العبادات والمعاملات المالية.
يتم تطبيق قاعدة الوجوب والاستطاعة في مختلف العبادات مثل الصلاة والصوم والحج، وكذلك في المعاملات المالية مثل الصدقة وكفارة اليمين. الشرع يراعي القدرة وييسر على العاجز.
قاعدة المشقة تجلب التيسير تظهر في أمثلة متعددة مثل التخيير في كفارة اليمين وأعذار حضور الجمعة والجماعة. كما يبيح الشرع محظورات للمحرم عند الضرورة ويجيز الانفراد بالصف في الصلاة عند العجز.
يجب اللجوء إلى الاجتهاد في الأمور الضرورية فقط، مثل الدخول إلى الصلاة إذا وجد فرجة، مع تقدير الاجتهاد بقدر الضرورة دون تجاوزها. لا يجوز الاجتهاد في الأمور غير الضرورية.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. هذه القاعدة الرابعة: الوجوه يتعلق بالاستطاع، فلا واجب مع العجز، ولا محرم مع الضرورة. هذه هي القاعدة الرابعة من القواعد التي ذكرها في هذا الكتاب، وهي في الحقيقة فرع من القاعدة: الضرورات تبيح المحظورات، أو قاعدة: الضرر يزال. القاعدة الكلية: الضرر يزال. ووجه مناسبة ذكر هذه القاعدة الفرعية في هذا الموضع أنه أشار إلى معنى هذه القاعدة: الضرر يزال، فيما سبق، وهكذا ما جاء قبل قليل في القاعدة التي قبلها: القاعدة الثالثة: المشقة تجلب التيسير. فناسب أن يذكر هذه القاعدة؛ يعني من معاني المشقة التي تجلب التيسير. هذه القاعدة: الوجوه يتعلق بالاستطاع، فلا واجب مع العجز، ولا محرم مع الضرورة. وأحياناً يعبرون عن القاعدة: قاعدة لا واجب إلا باستطاع، وأحياناً يعبرون كذلك: لا وجوب إلا بقدرة، وأحياناً كما قال المؤلف: لا واجب مع عجز. قال: قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾، يعني من أجل هذه القاعدة: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾، فالوجوب يتعلق بالاستطاع. ونحوه: ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾، ﴿لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها﴾. قال: وثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم -أي في صحيح مسلم- عن أبي هريرة أنه قال: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم». وفيه دليل على القاعدة: أنه الوجوب يتعلق بالاستطاع. قال: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾، الله عز وجل علق وجوب الحج بالاستطاع. قال: وأباح الله الميتة ونحوها للمضطر. قال تعالى: ﴿وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فرض لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه﴾، يعني أن الضرورة تبيح المحظورة، أو لا محرم مع الضرورة. قال: والضرورة تقدر بقدرها، يقول: الضرورة تقدر بقدرها، كما مر معنا أن الضرورات تبيح المحظورات بشرط عدم نقصانها عنها. قال: فإذا اندفعت الضرورة وجب الانكفاف. وهذا هو معنى الآية: ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه﴾، جاء عن ابن عباس: أي أنه لا يأكل إلا بقدر حاجته فقط. قال: وهذه القاعدة تضمنت أصلين كما ذكره بالأصل. يعني في أول القاعدة قال: فيدخل بالأصل الأول كل من عجز عن شيء من شروط الصلاة أو أركانها أو واجباتها فإنها تسقط عنه، ويصلي على حسب ما يقدر عليه مما يلزم فيها. يعني كل شيء، حتى اليوم، فمثلاً من لم يستطع القيام صلى قاعداً، من لم يستطع الوضوء صلى بالتيمم، من لم يستطع أن يسجد أو يرفع رأسه أومأ، وهكذا. فلا واجب مع عجز. قال: والصوم من عجز عنه عجزاً مستمراً كالكبير الذي لا يطيقه، والمريض مرضاً لا يرجى برؤه -مرض مستمر- مثلاً عنده سكر ويزيد عنه، أو عنده مثلاً قرحة في الأمعاء ما يستطيع أن يصبر عند حالة صيام، قال: أفطر، وكفّر عن كل يوم طعام مسكين، لقول الله عز وجل: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾، يعني على الذين لا يستطيعونه طعام مسكين. قال: ومن عجز عنه لمرض يرجى زواله أو لسفر أفطر وقضى عدة أيامه إذا زال عذره، ﴿فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾. قال: والعاجز عن الحج لبدنه إن كان يرجو زوال عذره صبر حتى يزول، رجل مريض عنده مال، لكن مريض يصبر حتى يشفيه الله عز وجل ثم يحج. قال: وإن كان لا يرجو زواله -أي هذا المرض أو العذر- أقام عنه نائباً يحج عنه، مثل الكبير الشيخ الكبير، كما قالت المرأة للنبي عليه الصلاة والسلام: «إن أبي شيخ كبير لا يستقر على الراحلة»، أو قالت: «لا يثبت على الراحلة»، أفتحج عنه؟ قال: «حجي عنه». قال: وقال تعالى: ﴿ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج﴾، قال: وذلك بكل عبادة توقفت على البصر أو الصحة أو سلامة الأعضاء، كالجهاد وغيره. الجهاد من العبادات التي تتوقف على سلامة الأعضاء، فما يصلح للجهاد الأعمى، ولا الأعرج، ولا المريض، فيسقط الجهاد عن أمثال هؤلاء. وكل عبادة كان فيها هذا المعنى -أي مطلوباً- فإنها تسقط كذلك عنه. فمن ذلك مثلاً المريض بالنسبة للحج كما مر معنا، أو الأعمى في الحج إذا لم يكن له قائد يقوده أو مرافق يرافقه. مثلاً رجل الأعمى يريد أن يحج، لا شك أن الأعمى يحتاج إلى مرافق، ولكن هذا الأعمى ليس عنده إلا ما يكفيه فقط، ما عنده ما يكفيه ثانياً، وحاول واجتهد أن يجد لنفسه مرافقاً فما استطاع، ما أحد وافق أن يأخذه معه، نسقط عنه الحج حتى يتيسر له المال للمرافق، أو حتى يجد من يرضى أن يتخذه مرافقاً معه. قال: ولهذا الأصل اشترطت القدرة في جميع الواجبات، يعني أصل الوجوب يتعلق بالاستطاع. قال: فمن لم يقدر فلا يكلف، الله ما يعجز عنه. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»، فالله مسلم، فهو حديث صحيح مشهور. ووجه الشاهد منه قوله: «فإن لم يستطع»، يعني سقط عنه التغيير باليد. قال: وقال تعالى: ﴿فأتوا حرثكم أنى شئتم ومن قدر عليه رزقه فليأنفق مما آتاه الله﴾، ووجه الشاهد من الآية: ﴿لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها﴾. وقال: «في الواجبات المالية: أد بنفسك، ثم بمن تعول». وهذا حديث بالمعنى، وإلا لفظه: «أد بمن تعود»، كما رواه البيهقي عن حكيم بن حزام، وحسنه الشيخ العلامة الألباني رحمه الله في صحيح الجامع. وجاء كذلك: «أد بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، ثم قال: فإن فضل شيء فلذوي قرابتك أو لولد قرابتك، فإن فضل شيء فقل هكذا وهكذا». وهذا رواه النسائي عن جابر، وأصله في صحيح مسلم. فالحاصل: معنى الحديث -إن شاء الله- صحيح. ويريد أن يقول: أن الشرع أمر في الأمور المالية في الترتيب أن يبدأ بنفسه، ثم بأهله، ثم بذي قرابته، ثم بعد ذلك يتصدق به هكذا وهكذا. فالواجبات مرتبة، يبدأ بالأولى فالأولى. قال: ومن هذا الأصل الكفارات المرتبة، ومعنى المرتبة التي ليست على التخيير، وإنما على الترتيب. فيجب أن يبدأ بالأول فالأول. فمثلاً يخطئ كثير من العامة في كفارة اليمين، يقول: أنا سأصوم ثلاثة أيام، ليس الله يقول: نعم، لكن الله يقول: ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام﴾، وإلا قبلها: ﴿فكفارة إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة﴾، ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام﴾، هل أنت ما وجدت؟ هل أنت ما وجدت إطعام عشرة مساكين حتى تصوم ثلاثة أيام؟ فكثير من العامة يخطئ، فلا يجوز الانتقال للصيام مع القدرة على الإطعام، يجب الإطعام أولاً. بخلاف ما كان على التخيير، إذا كان على التخيير لا بأس يختار ما يشاء، مثل الأول: ﴿إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة﴾، يختار من هذه الثلاث ما شاء، إذا شاء أن يطعم عشرة مساكين فعل، وإذا لم يشأ أراد أن يكسو عشرة مساكين كسا، أو إذا شاء أعتق رقبة. قد يقول قائل: الكسوة أغلى من الإطعام، واعتق الرقبة أغلى من الإطعام، نقول: نعم، ولكن فيه أجر أكثر. وثانياً: أنه ربما يكون عند بعض الناس أفضل وأسهل من الإطعام. إنسان عنده ثياب كثيرة، ليس شرط الكسوة أن تكون ثياب جديدة، لا، إنما ثياب تلبس، يصلح أن تلبس. بعض الناس ربما يكون عنده ثياب كثيرة جيدة، وخروج هذه الثياب أفضل عنده وأسهل من إطعام عشرة مساكين، فيخرج عشرة أثواب -سَوَاء إزار أو ثوب- من الثياب الأصلية، وهكذا. أفضل رقبة، قد يكون إنسان ما عنده يطعم عشرة مساكين، ولا يكسو، لكن عنده رقبة يريد أن يعتقها، فكذلك. قال رحمه الله: إذا عجز عن الأعلى انتقل إلى ما دونه، مثل ما مر معنا. قالوا: أعذار حضور الجمعة والجماعة داخلة في هذا الأصل، كما دخلت في الذي قبله -يعني المشقة تجلب التيسير- أعذار حضور الجمعة والجماعة هي على الاستطاع، فإذا كان الإنسان ما يستطيع أن يحضر الجمعة -إما لمطر- أو كذلك لمرض، أو الجماعة كذلك لخوف -حتى الخوف على النفس- أو نحو ذلك. قال: والضرورات -وقد مر معنا الكلام على هذا في الذي قبله- يعني المشقة في جلب التيسير. قال: والضرورات تبيح للمحرم المحظورات، ولكنه يفدي عنها جبراً لما فاته منها. والضرورات تبيح للمحرم المحظورة. رجل في رأسه قمل آذاه القمل، لا يجوز للمحرم أن يحلق رأسه، فإذا حلق رأسه لأجل الضرر الذي أصاب رأسه، فإنه يفدي. الضرورات تبيح المحظور، لكن يفدي عنها جبراً لما فاته منها. ولكن في قوله: يفدي، نقول: بما دل عليه الدليل، لأن الأصل: الضرورات تبيح المحظورات من غير فدية. الأدلة التي سمعناها من قبل تدل على هذا الأمر، ووجود الفدية بدليل، لا نقول شيئاً إلا بما دل عليه الدليل. مثلاً: الحديث: كعب بن عجرة في الصحيحين، أنه أُذِيَ به إلى النبي عليه الصلاة والسلام، والقمل يتناثر من رأسه، فقال: «ما أظن أن الوجع بلغ بكما أرى»، فرخص له أن يحلق رأسه، وأن يفدي بفدية. فهذا دليل دل على هذا الأمر، لكن لا نعمم على كل المحظورات الأخرى. قال: ومن ذلك جواز الانفراد بالصف إذا لم يجد موضعاً في الصف الذي أمامه، لأن الواجبات التي هي أعظم من المصافة تسقط مع العجز بالاتفاق، فالمصافة من باب أولى وأحرى. هذه مسألة كذلك، والمسائل كثيرة، لكن المؤلف رحمه الله يحاول أن يبين بما يذكر من المسائل أن هذه القاعدة عامة شاملة تشمل أبواباً كثيرة بالفكر. فهذه المسألة: مسألة خلافية بين أهل العلم، ورد بها الحديث، وصح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «لا صلاة لمنفرد خلف الصف». ثم بعد ذلك استلزموا: كيف يفعل المنفرد إذا جاء إلى الصف ولم يجد أحداً؟ هل يصف أو لا يصف؟ قال بعض الظاهرية: لا، لا يصف، لا يصلي، خلاص ينتظر حتى يأتي أحد. وقال بعض أهل العلم: بل يصف مباشرة، والصلاة بهذا. التفصيل: أنه إذا عجز على أن يجد مكاناً حتى لا يصف وحده، فالصحيح أنه يجوز له أن يصف وحده إذا عجز. فمثلاً: يجد فرجة في الصفوف، إذا وجد فرجة دخل بها، لا يقف خلف الصف منتظراً، لا، يدخل في الصف، إذا وجد فرجة دخل، إذا ما وجد فرجة، استطاع أن يدخل إلى جانب الإمام، دخل بجانب الإمام. إذا لم يجد، اجتهد يعلم أن حتى يأتي سيصف معه، ينتظر قليلاً، فإذا لم يحصل الاجتهاد، ولا يستطيع الترجيح أبداً، ويجب عليه أن يجتنب هذه الأسرة، كان يجتنب هذه الأسرة، ويتزوج أسرة أخرى. فما لا تبيحه الضرورة لا يجوز الاجتهاد فيه. فهذا من تفاصيل: الضرورة تقدر بقدرها.