الدرس في كتاب الطهارة وأسرارها والصلاة وما يتعلق بها 4، الدرس الرابع:من( المعنى الثالث:التعظيم لله والهيبة ... فأما من هو قائم بصورة الصلاة دون معانيها فإنه لا يطلع على شيء من ذلك بل ينكر وجوده ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتحدث عن أهمية التعظيم لله والهيبة في الصلاة وتحقيق الخشوع والمراقبة. يشرح كيفية تحقيق ذلك من خلال معرفة جلال الله وعظمته.
يشرح أهمية استحضار معاني التعظيم لله في الصلاة وكيف يحسن المصلي صلاته بمراقبة أفعاله وتوجيهها لله وحده. يشير إلى أن استحضار التعظيم يدفع للتفرغ للصلاة.
يناقش كيفية تطبيق معاني التعظيم في أفعال الصلاة مثل استقبال القبلة والاستعاذة وتلاوة القرآن. يشير إلى أهمية استحضار نقص النفس والتوكل على الله.
يشرح مفهوم ستر العورات وتغطية العيوب والفضائح، ويمتد ذلك إلى العيوب الباطنة التي لا يراها إلا الله. يمكن التكفير عنها بالندم والحياء والخوف.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم. قال ابن قدامة، رحمه الله تعالى، بكتابه «مختصر منهاج القاصدين»: «المعنى الثالث: التعظيم لله والهيبة، وذلك يتولد من شيئين: معرفة جلال الله تعالى وعظمته، ومعرفة حقارة النفس وأنها مستعبدة. فيتولد من المعرفتين الاستكانة والخشوع. ومن ذلك الرجاء، فإنه زائد على الخوف. فكم من معظم ملكًا يهابه لخوف سطوته، كما يرجو بره. والمصلي ينبغي أن يكون راجيًا بصلاته الثواب، كما يخاف من تقصيره العقاب». قال: «وإذا استقبل القبلة، فقد صرف وجهه عن الجهات إلى جهة بيت الله تعالى، فصرف قلبه إلى الله تعالى أولى من ذلك. فكما أنه لا يتوجه إلى جهة البيت إلا بالانصراف عن غيرها، كذلك القلب لا ينصرف إلى الله تعالى إلا بالانصراف عن ما سواه. إذا كبرت، أيها المصلي، فلا يكذبن قلبك لسانك، لأنه إذا كان في قلبك شيء أكبر من الله تعالى، فقد كذبت. فاحذر أن يكون الهوى عندك أكبر، بدليل إيثارك موافقته على طاعة الله». «فإذا استعدت، فاعلم أن الاستعاذة هي لجأ إلى الله سبحانه، فإذا لم تلجأ بقلبك، كان كلامك لغوًا. وتفهم معنى ما تتلو، وأحضر التفهم بقلبك عند قولك: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، واستحضر لطفه عند قولك: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وعظمته عند قولك: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، وكذلك في جميع ما تتلو -يعني من آيات الفاتحة أو سائر ما تقرأ من القرآن». قال: «وقد روينا عن زرارة بن أوفى، رضي الله عنه، أنه قرأ في صلاته: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾، فخر ميتًا. وما ذاك إلا لأنه صور تلك الحال -يعني في نفسه- فأثرت عنده التلف. أو فأثرت -أثمرت- فأثرت من التأثير، وكله يصلح. قال: واستشعر في ركوعك التواضع، وفي سجودك زيادة الذل، لأنك وضعت النفس موضعها، ورددت الفرع إلى أصله، بالسجود على التراب الذي خلقت منه. وتفهم معنى الأذكار بالذوق». «واعلم أن أداء الصلاة بهذه الشروط الباطنة سبب لجلاء القلب من الصدى، وحصول الأنوار فيه، التي بها تتلمح عظمة المعبود، وتطلع على أسراره. وما يعقلها إلا العالمون. فأما من هو قائم بصورة الصلاة دون معانيها، فإنه لا يطلع على شيء من ذلك، بل ينكر وجوده». هذا من المؤلف، رحمه الله. تتمة لما سبق في كلامه على فضائل الصلاة، وما يتعلق بالخشوع. فإنه ذكر فيما سبق المعاني التي تتم بها حياة المصلي في صلاته، فتكون صلاته حية. وذكر معنيين سابقين، ونحن اليوم في المعنى الثالث. وهذا المعنى الثالث هو معنى آخر من معاني المراقبة والإحسان للعبادة في هذه الصلاة، وذلك باستحضار تعظيم الله عز وجل، سواء بالأفعال أو الأقوال، وسواء أكان ذلك بمعرفة حقارة نفسك مع عظمة الرب، أو باستحضار رحمة الرب سبحانه وتعالى، وعظيم عفوه ومنته وكرمه، مع عظيم تقصيرك وتفريطك. فكل هذه المعاني تفضي إلى حصول الحياة في هذه الصلاة، تكون صلاتك حية. لأنك أولًا ملأت هذه الصلاة بالانشغال بها، لم تنشغل بغيرها، فتكون بذلك من المحسنين في صلاتك. وهذا معنى من معاني الخشوع، فإن من معاني خشوع المصلي أن يحسن في صلاته، وأن يراقب الله جل وعلا فيها. ومن مواضع المراقبة والإحسان والخشوع أن تراقب معاني التعظيم لله عز وجل، ويكمن ذلك في هذه النقاط التي سمعتها. وتنظر إلى مواضع التعظيم القولية والفعلية في الصلاة. فأنت حين تقول: «الله أكبر»، زعمت بلسانك أن الله أكبر من كل شيء، فهل أفعالك -ومنها ما أنت فيه حال تكبيرك وما بعده في صلاتك- تثبت هذا الذي تكلمت به بلسانك، أم أنها تنقضه؟ كيف تنقضه؟ تنقضه بانشغال القلب بغير الله في الصلاة، تنشغل بالبيع والشراء، تنشغل بالزوج والأبناء، تنشغل بغير ذلك من الشواغل. ولا يعني ذلك أن الإنسان يسلم من الخواطر والعوارض التي تعترض له في قلبه، لكن معناه أن يجاهد نفسه أن يثبت، ويبرهن أن الله أكبر من كل كبير. فلذلك كلما جذبه الشيطان بشيء من الخواطر، قطعه باستحضار معنى قوله: «الله أكبر». فيستحضر تعظيم الرب جل وعلا، وهيبة وعظمة. فكذلك في أفعالك في الصلاة، أنت تستحضر قيامك، لماذا تقوم؟ أنت تقوم لله عز وجل قانتًا معظمًا لربك. حين تركع، لماذا تركع؟ تركع كذلك لله عز وجل تعظيمًا. حين تسجد، لماذا تسجد؟ كذلك تسجد لله جل وعلا تعظيمًا. فتستحضر معاني التعظيم والهيبة والإجلال لله عز وجل، والخضوع والذل في هذه الأفعال. فيكون ذلك كذلك دافعًا لعدم شغل قلبك، فتكون صلاتك كلها حية. وكما سبق، قد يرد عليك بعض الواردات، فتدفع تلك الواردات باستحضار هذه المعاني، تجاهد نفسك على دفع تلك الواردات. فهذان معنيان من معاني استحضار التعظيم لله جل وعلا والإجلال: أن تستحضر ذلك في أقوالك، وأن تستحضر ذلك في أفعالك. وهكذا كذلك المعنى الثالث: أن تستحضر حقارة نفسك ونقصها، وتستحضر في المقابل عظمة الرب جل وعلا. وهذا يدفعك أن تعتني بما يكون معينًا لك في القبول والقرب من الله سبحانه وتعالى. الناس بالدنيا -ولله المثل الأعلى- إذا أرادوا أن يصلوا إلى العظماء، بذلوا الأسباب لذلك. والله عز وجل أولى بأن يتقرب إليه سبحانه وتعالى، وهو الذي من عليك بكل نعمة أنت فيها: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾. وهكذا يزداد هذا إذا علمت أن الله جل وعلا هو الكبير المتعال وحده، وهو العظيم ذو الجلال والإكرام وحده، وهو المعطي المنان وحده. فهذا يدعوك إلى الالتفات إليه، وعدم الالتفات إلى غيره، حتى لو همك هم من هموم الدنيا، أو شغلك شاغل من شواغلها. فتدفع تلك الشواغل -وهي الشواغل- بهذا التعظيم لله عز وجل، لأنك تستحضر أن الله سبحانه وتعالى بيده أن يفرج عنك كربتك، ويبعد عنك همك وحزنك، ويسهل لك أمورك. فعند ذلك تهون عندك تلك الشواغل، لعلمك أن نحلها وذهابها باللجوء إلى الله عز وجل. وأنت الآن تلتجئ إلى الله، إذن لا فائدة من الانشغال بها؛ لأنك تلتجئ إلى من سيفرج عنك أمرها. وهذا أحسن من الانشغال بالتفكير فيها. المعنى الرابع: أن تستحضر ما عندك من نقص، فكل ابن آدم خطاء، والإنسان مهما كمل فهو مليء بالعورات. فأنت تطلب من الله عز وجل ستر العورات، وإكمال ما يقع من نقص، وتكفير ما قد يقع من سيئات. خصوصًا وأنك تعلم أن الله جل وعلا عفوه أعظم من تقصيرك، ورحمته أوسع من خطيئتك، ولطفه وحلمه سبحانه وتعالى أعظم من زلاتك. فلذلك هذا يدعوك كذلك أن تستحضر هذا المعنى من معاني التعظيم لله عز وجل، ويدعوك إلى الإقبال على الله عز وجل أكثر في صلاتك. ثم ذكر، رحمه الله، في ثنايا هذه الجمل، عددًا من المعاني القولية والفعلية التي متى ما استحضرها الإنسان، استحضر تعظيم الرب جل وعلا. مثل استقبال القبلة، فإنك إذا استقبلتها، عرفت أنك فعلت ذلك تعظيمًا لله، فتلتفت إليه وحده، لا تلتفت إلى غيره، حتى بقلبك. فإذا كان الجسد مأمورًا بعدم الالتفات إلى غير الله، فكذلك القلب ينبغي أن لا يلتفت إلى غير الله. وهذا يدعوك إلى الخشوع في الصلاة، وإحياء صلاتك بكمال المراقبة وتمام الإحسان. وذكر كذلك معاني أخرى عند تكبيرة الإحرام، وعند كذلك الاستعاذة، وعند تلاوة آيات القرآن، وغير ذلك. كل هذا يريد أن يشير أن المصلي متى ما استحضر تعظيم الله عز وجل في هذه المواضع، كان ذلك داعيًا له لخشوعه في صلاته، وإحياء صلاته. وهكذا ذكر الركوع والسجود، وكذلك القيام. وكل هذا كذلك -كما سبق- يعين العبد المصلي على استحضار صلاته، والمراقبة فيها، وحصول الخشوع. فينبغي للمصلي أن يفعل ما يعين نفسه على الانتفاع من هذه الصلاة. ثم ختم، رحمه الله، بأن المقصود من الصلاة ليس أداء هذه الأفعال والأقوال، أدائها على الوجه الشرعي. فلذلك من أتم أداءها بظاهره وباطنه، انتفع من هذه الصلاة، وحصل له النور التام. ومن لم يمتثل في أداء الصلاة بظاهره وباطنه، فإنه لم ينتفع بهذه الصلاة. ثم أشار، رحمه الله، أن التطلع لهذه المعاني العظيمة والأسرار الخفية لا يعقلها إلا العالمون. وصدق الله عز وجل إذ يقول: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. لأن العلماء -بما عندهم من العلم- علموا مواضع تعظيم الرب، فعظموه حق تعظيمه، فكملت لهم معاني العبودية لله، وحصل لهم بذلك الخشوع، وهذا هو المطلوب. وأما من لم يكن كذلك، فحاله كحال من يفعل أشياء جوفاء لا معاني لها مؤثرة على صاحبها، وهو من سماه «قائم بصورة الصلاة دون معانيها». فإنه لا يطلع على شيء من ذلك، بل ربما أنكر وجود ذلك. وهذا صحيح، قد يوجد عند بعض الناس من يظن أن هذه مبالغات، وهو في الحقيقة في غفلة؛ لأنه ما ذاق حلاوة الإيمان، ولم يستشعر كذلك لذة المناجاة في الصلاة؛ بسبب غفلته عن هذه الأمور الباطنة التي ينبغي أن يستحضرها ويراقبها ويتابعها المصلي. وينبغي للمصلي أن يحضر قلبه عند كل شيء من الصلاة. فإذا سمع نداء المؤذن، فليمثل النداء للقيامة، ويشمر للإجابة -يعني يجعله كأنه نداء يوم القيامة- ولينظر ماذا يجيب، وبأي بدن يحضر. وإذا ستر عورته، فليعلم أن المراد من ذلك تغطية فضائح بدنه عن الخلق، فليذكر عورات باطنه وفضائح سره التي لا يطلع عليها إلا الخالق، وليس لها عنه ساتر، وأنه يكفرها الندم والحياء والخوف.