كتاب الصيام 8

كتاب الصيام 8

الدرس في كتاب الصيام 8، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في فضل حفظ اللسان للصائم

يبدأ الشيخ أبي عبد الرحمن العدلي بشرح أهمية حفظ اللسان للصائم، موضحًا أن الصيام يحمي صاحبه من الوقوع في الآثام. كما يشير إلى أن الصيام جنة ووقاية من السيئات.

فضل الصيام وأحكامه وتفاصيله

يتناول المقطع فضل الصيام وأحكامه، مشيرًا إلى أن الصيام جنة للمسلم من الوقوع في المخالفات، ويذكر أحاديث نبوية تشير إلى فضل الصيام مثل دخول الصائمين من باب الريان يوم القيامة.

فضل الصيام في سبيل الله وتأثيره

يشرح المقطع فضل الصيام في سبيل الله لمن يطيق الصيام دون ضرر، ويبين أن من صام يوما في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفا.

ختام الدرس والدعاء

يختتم المقطع بالتأكيد على مغادرة الدنيا وعلم الله تعالى، ويتم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

يصر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم شرح كتاب الصيام من "اللؤلؤي والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان" للأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي رحمه الله تعالى، شرح فضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الباهي بن عمر بن مرعي العدلي، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الثامن. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب حفظ اللسان للصائم. قال عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الصيام جنة، فلا يرفث ولا يجهل، ومن قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم" مرتين. "والذي نفسي بيده، لخلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك، يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، الصيام لي وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها". أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب في سياق ذكره لأحكام الصيام في هذا الكتاب، كتاب الصيام. والباب كما تقدم معنا، ما يدخل منه ويخرج، والمراد الدخول والخروج المعنوي، أي هذا مدخل لمعرفة منزلة وحكم حفظ اللسان للصائم. ثم ذكر حديث أبي هريرة رضي الله عنه، والشاهد من قوله عليه الصلاة والسلام: "ومن قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم"، يعني يحفظ لسانه ولا يرد على من خاصمه. وفي هذا ما أشار إليه رحمه الله من أن الصائم ينبغي أن يحفظ صيامه من اللغو والرفث، وهذا هو قوله في أول الحديث: "الصيام جنة، فلا يرفث ولا يجهل". وفي الحديث مجموعة من المسائل من أهمها فضيلة من فضائل الصيام، وذلك أن الصيام جنة، أي وقاية. فكل ما كان فيه هذا اللغو يدل على معنى الوقاية والستر، فتقول: جنة إذا كانت الأشجار كثيرة حتى يكثر الظل في البستان. وهكذا تقول لما يستتر به المقاتل: مجن، أي الذي يحمي من ضربات السيوف ورمي الرماح والسهام، فهو يستر ويحمي. ومعنى الستر والوقاية موجود في لفظ "جنة"، فيكون من فضائل الصيام أنه يقي صاحبه وأنه يستر صاحبه وأنه كذلك يحميه. فهذه وغيرها من فضائل الصيام. وكذلك فهم بعض أهل العلم من قوله: "فلا يرفث ولا يجهل" أن مما يعينه على عدم الرفث والفسوق والجهل الصيام، فالصيام يحجز الإنسان عن أن يفعل المساوئ والآثام. ولهذا جاء في حديث ابن مسعود رضي الله عنه في الصحيح: "يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء". أي يقيه ويحميه ويحجزه، فيكسر الشهوة. وكذلك يبعد عن إرادة، فضلا عن فعل الآثام. فمما يعين المسلم على عدم الوقوع في الرفث والفسوق والجهل الصيام. ومع ذلك أكد عليه ألا يقع منه رفث ولا فسوق ولا جهل. والرفث هو كل ما يستقبح قولا وفعلا، فلا ينبغي أن يفعله. والجهل هو كل ما كذلك يخالف الصواب، كل ما يخالف الصواب والعلم من الأقوال والأفعال. ولهذا صار فاعل السيئات جاهلا، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم، مبينا هذا المعنى في فعل السوء بجهاله: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾، ففعل السوء بجهاله يعني جهالة العاقبة. وفي قوله: "ومن قاتله أو شاتمه"، قاتله أي أنه تحرش به بما يورث المقاتلة، لأن قاتل فعل له فاعلان، فيكون فعلا سبب ما يغضبه ويدخله في المشاجرة والمقاتلة، فلا ينبغي أن تكون منه ردة فعل. لم يقل: إن آذاه أحد، لأن الأذية قد يصبر عليها، لكن ذكر المقاتلة معناه أذية متعدية تورث ردة فعل. فلا ينبغي أن يكون للصائم ردة فعل، كأنه يقول: احذر إن استدرجك إنسان لمخاصمة أن تدخل في المخاصمة مقاتلة. فإذا كان كذلك، فما دونه من باب أولى. أو شاتمه كذلك، أي استدرجه لردة الفعل في المشاتمة. وقوله: "فليقل: إني صائم"، الصحيح أنه يقول ذلك باللفظ ويقرره بالقلب والفعل، لأن قوله باللسان يعين على تذكير نفسه وتذكير غيره. وهي سنة إذا أحد تحرش بك وأراد بك الشر والسوء، فلا تستدرج في ذلك، قل: "اللهم إني صائم" وتمشي، فتذك، وتذكر نفسك وتذكر كل من حوار المجلس بهذا. وقوله: "مرتين"، يعني يكررها مرتين. قال العلماء: بحسب المصلحة، يعني إذا احتاج أن يكررها مرتين، مثلا كرر عليه الرجل: "تعال إلى عندي"، تقول: "اللهم إني صائم"، كرر عليك: "تعال إلى عندي"، تقول: "اللهم إني صائم"، ثم تمشي وتتركه وتترك له المجلس. قال رحمه الله تعالى: باب فضل الصيام. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل عمل ابن آدم له، إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به. والصيام جنة، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم. والذي نفس محمد بيده، لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربه فرح بصومه". أورد المؤلف رحمه الله هذا الباب والحديث، وفيه فضل الصيام، كما أشار بعض أهل العلم: استحسن أن يكون هذا الباب في أوائل كتاب الصيام، لكنه ذكره هاهنا رحمه الله لمناسبة ذكره لما يقدح في الصيام. فلما كان هذا الحديث فيه الكثير من المسائل التي تنبه على ما يقدح في الصيام، ذكره في هذا الموضع. وحديث أبي هريرة تقدم في الباب الذي قبله، لكنه زادها هنا بعض الألفاظ، مثل قوله: "للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربه فرح بصومه". فهذا من فضائل الصيام كذلك. وعن سهل رضي الله عنه، وابن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن في الجنة بابا يقال له: الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم، يقال: أين الصائمون؟ فيقومون، لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أغلق، فلم يدخل منه أحد". وهذا كذلك من فضائل الصيام. فإن من فضائل الصيام الدخول من هذا الباب من أبواب الجنة، باب الريان. لما كان الصائم يصيبه من العطش والجوع، فإنه جوزي بالضد، فيدخله الله عز وجل من باب يقال له: الريان. قال رحمه الله تعالى: باب أكل الناس وشربه وجماعه لا يفطر. عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا نسي فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه". قوله: باب أكل الناس، أي هذا مدخل في معرفة حكم أكل الناس وشربه وجماعه، وأنه لا يفطر. أما الأكل والشرب فقد ذكر نصا في الحديث. وأما الجماع فقد اختلف أهل العلم فيه، والصحيح التفصيل فيه. فإذا كان على وجه وصورة يقع فيها النسيان، فإنه الصحيح يلحق بالأكل والشرب. وسبب عدم إلحاق بعض أهل العلم الجماع بالأكل والشرب، يقولون: لا يتصور النسيان في الجماع، بخلاف الأكل والشرب، فإنه يتصور فيه النسيان. ولكن الصحيح أنه توجد أحوال قد يحصل فيها النسيان، مثل إنسان نائم في أوائل رمضان معتاد وهو نائم، يأتي أهله، فنسي أنه في شهر رمضان. هل يتصور النسيان في مثل هذه الحالة؟ تصور. فإذا كان كذلك وحصل الخطأ أو النسيان، فهذا عفو على الصحيح. وقد اختلف أهل العلم: هل يرفع الإثم والحكم أو يرفع الإثم فقط؟ والصحيح أنه يرفع الإثم والحكم. ومعنى رفع الإثم يعني أن هذا الصائم لا إثم عليه، ورفع الحكم معناه لا يلزمه القضاء. قال رحمه الله تعالى: باب فضل الصيام في سبيل الله لمن يطيقه بلا ضرر ولا تفويت حق. عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "من صام يوما في سبيل الله، باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفا". قوله: باب لغيره، أي هذا مدخل لمعرفة فضل الصيام في سبيل الله. والصيام في سبيل الله فسر بتفسيرين: التفسير الأول وهو المشهور عن جمهور أهل العلم: الجهاد، يعني الصيام في أيام ووقت الجهاد. وفسر "في سبيل الله" أي في طاعته سبحانه وتعالى، أي الصوم المطلق. وقوله: "لمن يطيقه"، يعني يستطيعه بلا ضرر ولا تفويت حق. وهذا شرط، ويتأكد في الجهاد في سبيل الله، لأن الجهاد في سبيل الله يترتب عليه حقوق، فلا ينبغي أن يكون الصيام مضعفا للمجاهد في سبيل الله، فيكون سببا للهزيمة. بل ينبغي أن يصوم بما لا يعارض المهام الموكل بها. ثم ذكر حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وفيه أن سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "من صام يوما في سبيل الله". قوله: "يوما" هذا على الصحيح من باب التمثيل، ولو صام أكثر، بشرط أن لا يحصل ضرر ولا ضعف ولا فوات واجب أو مستحب أفضل منه، فإنه لا حرج. وقوله: "في سبيل الله" كما تقدم، فسر "في سبيل الله" بالجهاد، وهذا هو الراجح. وفسر أنه أي يوم لله سبحانه وتعالى، أي الصيام المطلق. وكلاهما يصح، لكن الأول أكثر أجرا وفضلا، يعني أن يكون فيه جهاد وهو صائم، وبشرط أن لا يضر ولا يضعف مما هو أولى منه من الواجبات والمستحبات. فإذا كان المجاهد سيضعفه هذا فيسبب الهزيمة وقلة أداء ما يجب في الأمانة الموكل بها، فلا يصوم، الفطر في حقه أفضل. وقوله: "باعد الله وجهه عن النار" مبالغة في الإبعاد، لأن زيادة المبنى يدل على زيادة المعنى، والتضعيف من معاني زيادة المعنى، أي ضعف الله عز وجل بعده عن نار جهنم. وفيه فضل من فضائل الصيام كذلك. وقوله: "عن النار سبعين خريفا" اختلف أهل العلم في هذا اللفظ، فقيل: سبعين المراد به العدد، وقيل: المراد به الكثرة، وهذا هو الراجح، أن لفظ السبعين عند العرب يطلق ويراد به الكثرة. وقال: "خريفا"، الخريف هو أحد مواسم السنة الأربعة. ولماذا سمى الخريف؟ قال بعض أهل العلم: سمى الخريف لما فيه من الحر والبرد، فهو آخر الحر وبداية البرد، فيكون بهذا التذكير بحر جهنم وزمهريرها. والثاني قالوا: لأن الخريف فيه إشارة فعلية لنهاية موسم الثمار والأشجار، في الخريف ترى الأشجار الصفراء المتساقطة والأوراق اليابسة والجذوع الفارغة غالبا. وفي هذا إشعار بانتهاء هذه الدنيا، فيكون هذا واعظا ومذكرا. نكتفي بهذا القدر إلى هنا، والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه. السلام.